مسألة:
قال الشافعي ﵁: "ولو وضع حجرًا في أرضٍ لا يملكها وآخر حديدةً فتعقل رجلٌ بالحجر فوقع على الحديدة، فمات فعلى واضح الحجر لأنه كالدافع له".
قال في الحاوي: وأصل هذا الباب أن القتل إن حدث عن سبب محظور كان مضمونًا وإن حدث عن سبب مباح كان هدرًا، فإذا وضع رجل حجرًا في أرض لا يملكها إما في طريق سابق أو في ملك غيره فوضعه محظور، فإن عثر به إنسان فمات كان واضع الحجر ضامتًا لديته لحظر السبب المؤدي إلى قتله، والقتل يضمن بالسبب كما يضمن بالمباشرة، ولو دفعه رجل على هذا الحجر فمات كانت ديته على الدافع له لا على واضع الحجر؛ لأن المباشرة أقوى من السبب، فإذا اجتمعا غلب حكم المباشرة على السبب، ولو كان صاحب الحجر وضعه في ملكه أو في ملك غيره بإذنه فعثر به إنسان فمات فلا ضمان عليه، ودية العاثر هدر، سواء كان بصيرًا أو ضريرًا، دخل بإذن أو غير إذن، لإباحة السبب المؤدي إلى قتله.
فإذا تقررت هذه المقدمة فصورة المسألة: في رجل وضع حجرًا في أرض لا يملكها ووضع آخر حديدة بقربه في الأرض التي لا يملكها، فعثر رجل بالحجر فوقع على الحديدة، فمات فضمان ديته على واضع الحجر دون واضع الحديدة، لأن وقوعه على الحديدة بعثرة الحجر فصار واضعه كالدافع له فوجب أن يكون ضامنًا لديته كما لو دفعه عليها.
وقال أبو الفياض من أصحابنا البصريين: إن كانت الحديدة سكينًا قاطعة فالضمان على واضعها دون واضع الحجر، وإن كانت غير قاطعة فالضمان على واضع الحجر؛ لأن السكين القاطعة موجية والحجر غير موج.
وهكذا قال في رجل دفع رجلًا على سكين في يد قصاب فانذبح بها أن ديته على القصاب دون الدوافع، وهذا القول معلول، لأن الدفع مباشرة يضمن بها المدفوع سواء ألقاه على موج أو غير موج، ولو عثر بالحديدة فوقع على الحجر فمات كان ضمانه على
[ ١٢ / ٣٤٠ ]
واضع الحديدة دون واضع الحجر؛ لأنه قد صار صاحب الحديدة كالدافع له، ولو كان صاحب الحجر غير معتد بوضعه وصاحب الحديدة متعديًا فعثر رجل بالحجر فوقع على الحديدة فمات ضمنه واضع الحديدة دون واضع الحجر، لأن وضع الحجر مباح، فصارت الجناية منسوبة إلى واضع الحديدة لتعديه، وبطل التعليل بالدفع الملغي لخروجه عن التعدي والحظر، وهكذا لو برزت نبكة من الأرض فعثر بها هذا الثمار فسقط على الحديدة الموضوعة بغير حق فمات ضمن واضعها ديته، لأن بروز النبكة التي عثر بها لا توجب الضمان فأوجبه وضع الحجر.
فصل:
ولو أخرج طينًا من داره لهدم أو بناء ليستعمله حالًا بعد حال فعثر به بعض المارة فسقط ميتًا نظر: فإن كان الطريق ضيقًا أو الطين كثيرًا فهو معتد بوضعه، فيه فيكون ضامنًا لديته، وإن كان الطريق واسعًا والطين قليلًا وقد عدل به عن مسلك المارة إلى فناء داره لم يضمن، لأنه غير متعد به ولا يحد الناس من مثله ابدًا.
وقال بعض أصحابنا: يضمن لأنه مباح بشرط السلامه، فإذا أفضى إلى التلف ضمن كتأديب المعلوم، وهذا فاسد، لما فيه من التسوية بين المباح والمحظور مع وضوح الفرق بينهما.
فصل:
ولو رش ماء في طريق سابق فزلق فيه بعض المارة فسقط ميتًا ضمن ديته لحدوثه عن سبب محظور، وهكذا لو ألقي في الطريق قشور بطيخ أو فاكهة قد أكلها فزلق بها إنسان فمات ضمنه لما ذكرنا، ولو بالت دابته في الطريق فزلق إنسان فمات فإن لم يكن معها لم يضمن، كما لو رمحت برجلها وليس صاحبها معها لم يضمن، لقول النبي ﷺ: "جرح العجماء جبار": البهيمة، وإن كان صاحبها حين بالت معها ضمن ما تلف بزلق بولها، سواء كان راكبًا أو قائدًا أو سائقًا، لأن يده عليها فجرى بولها الذي في الطريق مجرى بوله الذي يلزمه ضمان ما تلف به.
مسألة:
قال الشافعي ﵁: "ولو حفر في صحراء أو طريقٍ واسعٍ محتملٍ فمات به إنسانٌ".
[ ١٢ / ٣٤١ ]
قال [في] الحاوي: وتفصيل هذا أنه إذا حفر بئرًا لم يخل حاله في حفرها من أحد أربعة أقسام:
أحدها: أن يحفرها في ملكه.
والثاني: أن يحفرها في ملك غيره.
والثالث: أن يحفره في الموات.
والرابع: أن يحفرها في طريق سابل.
فأما القسم الأول وهو أن يحفرها في ملكه فهو مباح، ولا ضمان عليه فيما سقط فيها من بهيمة، أو إنسان، بصير أو ضرير سواء كان الدخول بأمر وغير أمر إذا كانت ظاهرة، ولكن لو حفر بئرًا في ممر داره وغطاها عن الأبصار ودخل إليها من سقط فيها فمات فلا يخلو حال الداخل من ثلاثة أحوال:
أحدها: أن يدخلها بغير أمر فو متعد بالدخول ونفسه هدر.
والثانية: أن يكرهه الحافر على الدخول، فيضمن ديته لتعديه بإكراهه على الدخول.
والثالثة: أن يدخلها مختارًا بإذن الحافر، فإ أعلمه بها فلا ضمان عليه، وإن لم يعلمه بها، وهو بصير ولها آثار تدل عليها فلا ضمان عليه وإن لم تكن لها آثار أو كان لها آثار والداخل أعمى ففي وجوب الضمان قولان: أحدهما: وهو الأظهر، المنصوص عليه أنه لا ضمان عليه، وتكون نفس الواقع فيها هدرًا، ولأنه دخل باختيار والحفر مباح.
والثاني: يضمن الحافر دية الواقع تخريجًا من أحد قوليه فيمن سم طعامًا وأذن في أكله.
فصل:
وأما القسم الثاني وهو أن يحفر بئرًا في ملك غيره فهو على ضربين:
أحدهما: أن يحفرها المالك فلا ضمان فيما سقط فيها على الحافر ولا على المالك لأن كل واحد منهما غير متعد، ويخرج الحافر بالإذن من عواقب الحفر.
والثاني: أن يحفرها بغير إذن مالكها فالحافر، متعد بحفرها وهو الضامن لما تلف فيها من إنسان أو بهيمة، سواء قدر المالك على سدها أو لم يقدر لخروجه عن عدوان الحفر، فإن أراد الحافر أن يطمها ليبرأ من ضمانها أخذ المالك بتمكينه من طمها ليبرأ من ضمان ما سقط فيها، فإن أبرأه المالك من الضمان ففيه وجهان:
أحدهما: أنها براءة باطلة لتقدمها على الوجوب، فعلى هذا يؤخذ بتمكين الحافر من طمها.
والثاني: يبرأ ويكون الإبراء جاريًا ومجرى الإذن بالحفر، فعلى هذا يمنع الحافر من طمها.
[ ١٢ / ٣٤٢ ]
فصل:
وأما القسم الثالث، وهو أن يحفرها في الموات: فهذا على ضربين:
أحدهما: أن يحفرها لنفسه ليتملكها فيمكن، ويصير مالكًا لها بالإحياء، وسواء أذن فيه الإمام أو لم يأذن، لأن إحياء الموات لا يفتقر إلى إذنه، ولا يضمن ما سقط فيها كما لا يضمنه فيما حفره في ملكه؛ لأنه في الحالين مالك.
والثاني: أن يحفرها لينتفع هو والسابلة بمائها ولا يتملكها فينظر، فإن أذن له الإمام في حفرها فلا ضمان عليه فيما سقط فيها لقيام الإمام بعموم المصالح وإذنه حكم بالإبراء وإن لم يأذن له الإمام في حفرها ففي ضمانه قولان:
أحدهما: وبه قال في القديم - عليه الضمان، وجعل إذن الإمام شرطًا في الجواز لأنه أحق بالنظر في عموم المصالح من الحافر.
والثاني: وبه قال في الجديد: أنه لا ضمان عليه في المباح، لأن المباح لا يفتقر إلى إذن الإمام والمحظور لا يستباح بإذنه.
فصل:
وأما القسم الرابع وهو أن يحفرها في طريق سابل: فهذا على ضربين: أحدهما: أن يضر حفرها بالمارة فيصير متعديًا ويلزمه ضمان ما سقط فيها، سواء أذن له الإمام أو لم يأذن؛ لأن إذن الإمام لا يبيح المحظورات.
والثاني: أن لا تضر بالمارة؛ لسعة الطريق وانحراف البئر عن جادة المارة فهذا على ضربين:
أحدهما: أن يحفرها ليتملكها فهذا محظور؛ لأنه لا يجوز أن يتملك طريق السابلة فيلزمه ضمان ما سقط فيها.
والثاني: أن يحفرها للارتفاق لا للتمليك، فإن لم يحكم رأسها وتركها مفتوحة ضمن ما سقط فيها، وإن أحكم رأسها واستأذن فيها الإمام لم يضمن، وإن لم يستأذنه فيها ففي وجوب ضمانه ثلاثة أوجه:
أحدها: وهو قياس قوله في القديم يضمن، لأنه جعل إذن الإمام شرطًا في عموم المصالح.
والثاني: لا يضمن للارتفاق الذي لا يجد الناس منعه بدًا.
والثالث: أنه إن حفرها لارتفاق كافة المسلمين بها.
إما لشربهم منها.
وإما ليفيض مياه الأمطار إليها فلا ضمان عليه، وإن حفرها ليختص بالارتفاق بها لحشر داره أو لماء مطرها فعليه الضمان؛ لأن عموم المصالح أوسع حكمًا من خصوصها، وفي قول النبي ﷺ: "البئر جبار والمعدن جبار" وفيه تأويلان:
[ ١٢ / ٣٤٣ ]
أحدهما: المراد به الأجبر في حفر البئر والمعدن إذا تلف كان هدرًا.
والثاني: أن ما سقط فيها بعد الحفر هدر، ولا يمتنع أن يحمل على عموم الأمرين فيما استبيح فعله وإن أريد به أحدهما لاشتراكهما في المعنى.
فصل:
ويتفرع على ما ذكرناه إن بني مسجدًا في طريق سابل، فإن كان مضرًا بالمارة لضيق الطريق أو سعة المسجد كان ضامنًا لما تلف به من المارة وإن لم يضر بهم فإن كان قد بناه بإذن الإمام لم يضمن، وإن بناه إذنه ففي ضمانه وجهان:
لأنه من عموم المصالح، ولو علق قنديلًا في مسجد فسقط على إنسان فقتله أو فرس فيه بارية أو حصيرًا فعثر به داخل إليه فخر ميتًا فقد كان أبو حامد الإسفراييني يجريه مجرى بناء المسجد إن كان بإذن الإمام لم يضمن، وإن كان بغير إذنه فعلى وجهين، وخالفه سائر أصحابنا وقالوا: لا يضمن وجهًا واحدًا سواء أذن فيه الإمام أو لم يأذن، وهو الصحيح لكثرته في العرف، وإن أذن الإمام فيه شق.
فصل:
وإذا استقر البئر بحق فوقع فيها واقع ووقع فوقه آخر وحدث من ذلك موت فهذا على ضربين:
أحدهما: أن يقع الثاني خلف الأول من غير جذب ولا دفع، فإن مات الأول فديته هدر، لأنه لما صنع لغيره في موته، وإن ماتا جميعًا وجبت دية الأول على الثاني، وكانت دية الثاني هدرًا لما ذكرنا، روى علي بن رباح اللخمي أن بصيرًا كان يقود أعمى فوقعا في بئر ووقع الأعمى فوق البصير فقتله فقضى عمر بعقل البصير على الأعمى فكان الأعمى ينشد في الموسم ويقول:
يا أيها الناس لقيت منكرا هل يعقل الأعمى الصحيح المبصرا
خرا معًا كلاهما تكسرا
والثاني: أن يجذب الأول الثاني فيقع عليه، فإن مات الأول كانت ديته هدرًا وإن مات الثاني كانت ديته كلها على الأول بخلاف الضرب الأول، لأن الجاذب هو القاتل والأول جاذب والثاني مجذوب، فصار الأول ضامنًا غير مضمون، والثاني مضمونًا غير ضامن، فعلى هذا لو وقع الأول ثم وقع عليه الثاني ثم وقع عليهما ثالثًا، فإن كان وقوعهم من غير جذب ولا دفع فدية الأول على الثاني والثالث؛ لأنه مات بوقوعهما عليه فاشتركا في ديته لاشتراكهما في تلفه، ودية الثاني على الثالث؛ لأنه انفرد بالوقوع عليه فانفرد بديته، ودية الثالث هدر؛ لأنه تلف من وقوعه، وإن جذب بعضهم بعضًا فجذب
[ ١٢ / ٣٤٤ ]
الأول الثاني وجذب الثاني الثالث فإذا ماتوا جميعًا كان موت الأول والثاني بفعل قد اشتركا فيه، وموت الثالث بفعل لم يشاركهما فيه، لأن موت الأول كان بجذبه للثاني وبجذب الثاني للثالث وموت الثاني بجذب الأول وبجذب الثاني للثالث فصار الأول والثاني مشتركين في قتل أنفسهما يجب عليهما حكم المصطدمين، وكان النصف من دية كل واحد منهما هدرًا؛ لأنه في مقابلة فعله والنصف الآخر على عاقلة صاحبه، فيكون على عاقلة الأول نصف دية الثاني وباقيها هدر، وعلى الثاني نصف دية الأول وباقيها هدر، فأما الثالث فهو مجذوب وليس بجاذب فتكون جميع ديته مضمونة؛ لأنه مجذوب ولا يضمن دية غيره، لأنه ليس بجاذب وفيمن يضمن ديته وجهان:
أحدهما: يضمنها الثاني دون الأول، لأن الثاتي هو امباشر بجذبه.
والثاني: يضمنها الثاني والأول بينهما بالسواء، لأن الأول لما جذب الثاني وجذب الثاني للثالث صارا مشتركين في جذب الثالث فلذلك اشتركا في ضمان ديته، وعلى هذا لو جذب الأول ثانيًا وجذب الثاني ثالثًا وجذب الثالث رابعًا وماتوا فيسقط الثلث من دية الأول هدرًا، ويجب ثلثاها على الثاني والثالث؛ لأنه مات بجذبه للثاني وبجذب الثاني للثالث وبجذب الثالث للرابع، فكان موته بفعل وفعل الثاني وفعل الثالث وليس الرابع فعل؛ لأنه مجذوب وليس بجاذب فكان ثلث ديته هدرًا؛ لأنه في مقابلة فعله وثلثها على عاقلة الثاني وثلثها على عاقلة الثالث، وهكذا الحكم في الثاني يكون ثلث ديته هدرًا، وثلثاها على عاقلة الأول وثلثها على عاقلة الثالث لأنه مات بجذب الأول له وبجذبه للثالث ويجذب الثالث الرابع فصار الأول والثاني والثالث مشتركين في قتل الثالث، فسقط ثلث الدية، لأنها في مقابلة فعله ووجب ثلثاها على الأول والثالث، وأما دية الثالث ففي قدر ما يهدر منها ويضمن وجهان:
أحدهما: يهدر نصف ديته ويجب نصفها على الثاني؛ لأنه مات بجذب الثاني وبجذبه للرابع فصار مشاركًا للثاني في قتل نفسه فسقطت نصف ديته، لأنه في مقابلة قتله، ووجب نصفها على الثاني وخرج منها الأول، لأنه باشر جذبه.
والثاني: أنه ينهدر من ديته ثلثها ويجب ثلثاها على الأول والثاني، لأن الأول لما جذب الثاني صار مشاركًا له في جذب الثالث، ولما جذب الثالث الرابع صار مشاركًا للأول والثاني في قتل نفسه وهم ثلاثة، فسقط من ديته ثلثها، ولأنه في مقابلة فعله، ووجب ثلثاها على الأول والثاني، وأما دية الرابع فجميعها واجبة لا ينهدر منها شيء؛ لأنه مجذوب وليس بجاذب ومقتول وليس بقاتل، وفيمن تجب عليه ديته وجهان:
أحدهما: تجب على الثالث وحده، لأنه باشر جذبه.
والثاني: أنها تجب على الأول والثاني والثالث أثلاثًا، لأن كل واحد منهما جاذب لمن بعده فصاروا مشتركين في جذب الرابع فاشتركوا في تحمل ديته والله أعلم.
[ ١٢ / ٣٤٥ ]
مسألة:
قال الشافعي ﵁: "أو مال حائطٌ من داره فوقع على إنسانٍ فمات فلا شيء فيه، وإن أشهد عليه؛ لأنه وضعه في ملكه والميل حادثٌ من غير فعله وقد أساء بتركه، وما وضعه في ملكه فمات به إنسانٌ فلا شيء عليه. قال المزني: وإن تقدم إليه الوالي فيه أو غيره فلم يهدمه حتى وقع على إنسانٍ فقتله فلا شيء عليه عندي في قياس قول الشافعي".
قال في الحاوي: وصورتها: في حائط سقط من دار رجل فأتلف نفوسًا وأموالًا فلا يخلو حاله من ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يكون الحائط منتصبًا فيسقط عن انتصابه.
والثاني: أن يبنيه المالك مائلًا فيسقط لإمالته.
والثالث: أن يبنيه منتصبًا ثم يميل ثم يسقط لميله.
فأم القسم الأول وهو أن يكون منتصبًا فيسقط عن انتصابه من غير ميل مستقر فيه فلا ضمان عليه فيما تلف به، سواء كان سقوطه إلى داره أو دار جاره أو إلى الطريق السابل؛ لأنه لم يكن منه عدوان يوجب الضمان، وسواء كان في الحائط شق بالطول أو بالعرض وقال ابن أبي ليلى: إن كان شق الحائط طولًا لم يضمن، وإن كان شقه عرضًا ضمن؛ لأن شق العرض مؤذن بالسقوط فصار بتركه مفرطًا، وشق الطول غير مؤذن بالسقوط فلم يصر بتركه مفرطًا، وقد قال الله تعالى فيما حكاه عن موسى والخضر ﵉: ﴿فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ﴾ [الكهف:٧٧] ومعنى ينقض: أي يسقط، فلولا ما في تركه من التفريط لما أقامه ولي الله الخضر، ولأقره على حاله لمالكه، وهذا الذي قاله ابن أبي ليلى فاسد من وجهين:
أحدهما: أنه قد يسقط بشق الطول ويبقى مع شق العرض.
والثاني: أنه ليس شقه عوضًا بأكثر من تشريخ آلة الحائط وتعيينها من غير بناء، وهو لو فعل ذلك فسقط لم يضمن فكان أولى إذا بناه فانشق عرضًا أن لا يضمن، فأما الآية فعنها جوابان:
أحدهما: أن الخضر إما بني مبعوث أو ولي مخصوص على حسب الاختلاف في نبوته قد اطلع على مصالح البواطن على ما خالف ظواهرها ولذلك أنكرها موسى ﵇، ولو ساغ في الظاهر ما فعله الخضر لم ينكره موسى فكان في إنكار موسى ي الظاهر لنا دليل، وإن كان في فعل الخضر لابن أبي ليلى في الباطن دليل، والحكم في الشرع معتبر بالظاهر دون الباطن فكان دليلنا من الآية أحج.
[ ١٢ / ٣٤٦ ]
والثاني: أنه قد قرأ عكرمة: جدارًا يريد أن ينقاض والفرق بين ينقض وينقاض أن ينقض يسقط، وينقاض ينشق طولًا، وانشقاق الطول عند ابن أبي ليلى غير مضمون، ولعل عكرمة تحرز بهذه القرارة من مثل قول ابن أبي ليلى.
فصل:
وأما القسم الثاني: وهو أن يبنيه مائلًا فيسقط لإمالته فهذا على ضربين:
أحدهما: أن يجعل إمالة بنائه إلى ملكه فلا يضمن ما تلف به إذا سقط، لأن له أن يفعل بملكه في ملكه ما شاء من مخوف أو غير مخوف كحفر بئر، وارتباط سبع، أو تأجيج نار، وسواء علم من سقط عليه بميل الحائط أو لم يعلم، أنذرهم به أو لم ينذرهم، لأنهم أقاموا تحته باختيارهم، فلو ربط أحدهم تحته فلم يقدر على الانصراف عنه حتى سقط عليه نظر:
فإن لم يكن الحائظ منذرًا بالسقوط لم يضمنه، وإن كان منذرًا بالسقوط ضمنه، لأنه مخوف إذا أنذر وغير مخوف إذا لم ينذر.
والثاني: أن يجعل إمالة بنائه إلى غير ملكه إما إلى طريق سابل، وإما إلى ملك مجاوز، فيكون بإمالة بنائه متعديًا لصرفه في هواء لا يملكه؛ لأنه إن أماله إلى ملك غيره تعدى عليه، وإن أماله إلى الطريق لم يستحق منه إلا ما لا ضرر فيه كالجناح فضمن ما تلف بسقوطه من نفوس وأموال.
فصل:
وأما القسم الثالث: وهو أن يبنيه منتصبًا فيميل ثم يسقط بعد ميله فهي مسألة الكتاب فهذا على ضربين:
أحدهما: أن يميل إلى داره فلا يضمن ما تلفه به بسقوطه؛ لأنه لا يضمن إذا بناه مائلًا فكان أولى أن لا يضمن إذا مال.
والثاني: أن يميل إلى غير ملك وإما إلى دار جاره، وإما في الطريق سابل، فقد أرسل الشافعي جوابه في سقوط الضمان وقال: لا شيء عليه، وعلل بأن الميل حادث من غير فعله، واختلف أصحابنا في إطلاق هذا الجواب هل هو محمول على ميله إلى غير ملكه أم لا؟ على وجهين:
أحدهما: وهو قول المزني وأبي سعيد الإصطخري، وأبي علي الطبري، وأبي حامد الإسفراييني، أنه محمول على ميله إلى غير ملكه، وأنه لا ضمان عليه فيما تلف بسقوطه لأمرين:
أحدهما: أن أصله في ملكه وميله ليس من فعله، فصار كما لو مال فسقط لوقته وهذا غير مضمون فكذلك إذا ثبت مائلًا ثم سقط.
والثاني: أن طيران الشرر من أجيج النار أخطر وضرره أعم وأكثر، ثم ثبت أنه لو
[ ١٢ / ٣٤٧ ]
أجج في داره نارًا طار شررها لم يضمن ما تلف بها لحدوثه عن سبب مباح، فوجب إذا بني حائطًا فمال أن لا يضمن ما تلف به، وسقوط الضمان في الحائط أولى، لأنه لا يقدر على التحرز من ميله ويقدر على التحرز من شرر النار.
والثاني: وهو قول أبي إسحاق المروزي وأبي علي بن أبي هريرة أن جواب الشافعي في سقوط الضمان محمول على ميله إلى ملكه، فأما ميله إلى غير ملكه فموجب للضمان، وهذا أصح الوجهين عندي وإن كان الأول أشبه بإطلاق جواب الشافعي، وإنما وجب به الضمان لأمرين:
أحدهما: أنه يؤخذ بإزالة ميله إذا مال بنفسه كما يؤخذ بإزالته إذا بناه مائلًا، فصار بتركه على ميله مفرطًا وببنائه متعديًا، وهو يضمن بالتفريط كما يضمن بالتعدي فوجب أن يستويا في لزوم الضمان.
والثاني: أنه لو أشرع جناحًا من داره أقر عليه وضمن ما تلف به وهو لا يقر على ميل الحائط فكان أولى أن يضمن ما تلف به.
فصل:
فإذا تقرر توجيه الوجهين لم يعتبر في واحد منها إنكار الوالي والإشهاد عليه، وإن قيل بسقوط الضمان لم يجب بإنكار الوالي والإشهاد عليه، وإن قيل بوجوب الضمان لم يسقط إمساك الوالي وترك الإشهاد عليه.
وقال أبو حنيفة: إن أنكره الوالي أو كان ميله إلى الطريق أو الجار وإن كان ميله إلى داره وأشهد عليه ضمن، وإن لم ينكراه ولم يشهدا عليه لم يضمن فصار مخالفًا كلا الوجهين احتجاجًا بأمرين:
أحدهما: أنه يصير بتركه بعد الإنكار والمطالبة متعديًا فلزمه الضمان لتعديه، وهو قبل الإنذار غير متعد فلم يلزمه الضمان لعدم التعدي.
والثاني: أنه لما وقع الفرق في تلف الوديعة بين أن يكون بعد طلبها فيضمن، وبين أن يكون قبل طلبها فلا يضمن، وجب أن يقع الفرق في ميل الحائط بين أن يكون سقوطه بعد مطالبته فيضمن وبين أن يكون قبل مطالبته لا يضمن؛ لأن يده على حائط قد استحق عليه رفعه كما يد المودع على مال قد استحق عليه رده، فوجب أن يستويا في الفرق بين المطالبة والإمساك. ودليلنا شيئان:
أحدهما: أن لا يخلو ميل الحائط من أن يكون موجبًا للضمان فلا يسقط بترك الإنكار، كما لو حفر بئرًا في غير ملكه، أو يكون غير موجب للضمان فلا يجب الإنكار كما لو حفر بئرًا في ملكه، فلم يبق للإنكار تأثير في سقوط ما وجب ولا في وجوب ما سقط.
الثاني: أنه لا يخلو إما أن يكون الإنكار مستحقًا فلا يسقط حكمه بعدمه
[ ١٢ / ٣٤٨ ]
كالمنكرات، أو يكون غير مستحق فلا يثبت حكمه بوجوده كالمباحات، فلم يبق للإنكار تأثير في إباحه محظور ولا في حظر مباح، وبه يقع الانفصال عما احتج به من تعديه بعد الإنكار وعدمه قبله، واحتجاجه بالوديعة لا يصح، لأن المودع نائب عن غيره فجاز أن يتعلق ضمانها بطلبه، وليس صاحب الحائط المائل نائبًا فيه عن غيره فلم يتعلق ضمانه بإنكاره وطلبه.
فصل:
فإذا ثبت أن الاعتبار بالإنكار والإشهاد في وجوب الضمان لا في سقوطه فلا فرق في تلف من علم بميله أو لم يعلم، قدر على الاحتراز منه أو لم يقدر، في أن سقوط الضمان على الوجه الأول في الأحوال كلها وإن وجب الضمان على الوجه الثاني ففي الأحوال كلها يختلف بها حكم ما سقط من آلته في الطريق إذا عثر بها مار فتلف، فإن قيل إن سقوطه غير موجب للضمان على الوجه الأول لم يلزمه ضمان من عثر بآلته إذا كان عثاره قبل القدرة على نقلها، ويضمنه إن كان بعد القدرة عليه، وإن قيل إن سقوطه موجب للضمان ضمن من عثر بآلته، سواء كان عثاره قبل القدرة على النقل أو بعده، لأن سقوطه غير منسوبي إلى التعدي على الوجه الأول ومنسوب إليه على الوجه الثاني.
فصل:
وإذا كان حائط بين دارين مشترك بين جارين فخيف سقوطه فطالب أحدهما صاحبه بهدمه، فهو على ضربين:
أحدهما: أن يكون قائمًا على انتصابه، فليس لواحد منهما مطالبة الآخر بهدمه ويكون مقرًا على استدامه وإن خافاه حتى يتفقا على هدمه، فإن أراد أحدهما أن ينفرد بهدمه والتزام مؤنته نظر فيه، فإن كانت قيمته قائمًا مستهدمًا أكثر من قيمته نقصًا مهدومًا لم يكن له التفرد بهدمه، وإن كانت قيمة نقضه وآلته مثل قيمته قائمًا أو أكثر سئل عنه أهل المصر من يعرف الأبنية فإن قالوا: إن سقوطه يتعجل ولا يثبت على انتصابه كان له أن ينفرد بهدمه لحسم ضرره، وإن قالوا: إنه قد يلبث على انتصابه ولا يتعجل سقوطه لم يكن له أن ينفرد بهدمه.
والثاني: أن يميل إلى أحد الدارين فللذي مال إلى داره أن يأخذ شريكه بهدمه، وله إن امتنع أن ينفرد بهدمه لحصوله فيما قد اختص بملكه من هواء داره، وليس للذي لم يمل إليه أن يأخذ شريكه بهدمه، ولا له أيضًا أن ينفرد بهدمه والتزم مؤنته، لأنه قد أمن ميلة إلى غير ملكه أن يسقط إلى داره.
فصل:
وإذا أشرع من داره جناحًا على طريق نافذة جاز إذا لم يضر بمار ولا مجتاز، وكذلك إذا أراد إخراج سياطًا يمده على عرض الطريق مكن إن لم يضر ومنع إن أضر، فاختلف
[ ١٢ / ٣٤٩ ]
أصحابنا في حد ضرره، فقال أبو عبيد بن حربويه ما ناله رمح الفارس مضر، وما لم ينله رمحه غير مضر.
وقال جمهور أصحابنا: إن ما لا يناله أشرف الجمال إذا كان عليها أعلى العماريات فهو غير مضر وما يناله ذلك فهو مضر، وهذا الحد عندي على الإطلاق غير صحيح، بل يجب أن يكون معتبرًا بأحوال البلاد، فما كان منها تسلكه جمال العماريات كان هذا حد ضرره، وما كان منها لا تسلكه جمال العماريات وتسلكه الأجمال كان الجمل بحمله حد ضرره، وما كان منها لا تسلكه الجمال وتسلكه الخيل بفرسانها كان أشرف الفرسان على أشرف الخيل حد ضرره، وما كان منها لا تسلكه الخيل ولا الركاب كجزائر في البحر وقرى في البطائح كان أطول الرجال بأعلى حمل على رأسه هو حد ضرره؛ لأن عرف كل بلد أولى أن يكون معتبرًا من عرف ما عداه، إذا كان غير موجود فيه، إذا كان غير مضر أقر ولم يكن لأحد أن يعترض عليه ولا يمنعه منه.
وقال أبو حنيفة: يقر عل ما لا يضر إذا لم يعترض عليه أحد من المسلمين، فإن أعترض عليه أحدهم منع منه وأخذ بقلعه احتجاجًا بأنه لما منع من بناء دكة في عرصة الطريق منع من إشراع جناح في هوائه، وهذا فاسد من وجهين:
أحدهما: ما روي أن عمر بن الخطاب ﵁ مر بدار العباس بن عبد المطلب فقطر عليه من ميزابها ماء فأمر بقلعه، فخرج العباس وقال: قلعت ميزابًا نصبه رسول الله ﷺ بيده؟ فقال عمر: والله لا صعد من يعيد هذا الميزاب إلا على ظهري، فصعد العباس على ظهره حتى أعاد الميزاب إلى موضعه فدل ما كان من رسول الله ﷺ في نصبه ومن عمر في إعادته ومن الصحابة في إقرارهم على أنه شرع منقول وفعل متبوع.
والثاني: مشاهدة رسول الله ﷺ إلى ما وطئه من البلاد وفيها الأجنحة والميازيب فما أنكرها وأقر أهلها عليها، وجرى خلفاؤه وصحابته ﵃ على عادته في إقرارها بعد موته، وقد سلكوا من البلاد أكثر مما سلك، وشاهدوا من اختلاف أحوالها أكثر مما شاهد، فلم يوجد أحد عارض فيه أحد فدل على انعقاد الإجماع فيه وزوال الخلاف عنه، وخالفت الأجنحة الدكاك لأن الدكاك مضرة بالمجتازين مضيقة لطرقاتهم وليس في الأجنحة مضرة ولا تضيق.
فصل:
فإذا ثبت جواز فعله وجواز إقراره فسقط على مار فقتله ضمن ديته وإن كان مباحًا؛ لأنه مباح بشرط السلامة كتعزيز الإمام وضرب الزوجة، وأما الميزاب إذا سقط فأتلف مارًا ففي ضمانه قولان:
أحدهما: وهو قول في القديم: لا يضمن، لأنه مما لا يوجد منه بد فصار مضطرًا إليه وغير مضطر إلى الجناح فافترقا.
والثاني: وهو الجديد: أنه يكون مضمونًا يلزمه ما تلف به كالجناح، لأنه قد كان
[ ١٢ / ٣٥٠ ]
يقدر على إجراء مائه إلى بئر يحفرها في داره فيكون غير مضطر إليه كما هو مضطر إلى الجناح، فإذا وجب عليه الضمان فيما تلف بالجناح والميزاب نظر فيما وقع به التلف، فإن كان خارجًا عن داره ضمن به جميع الدية، وإن كان بعضه خارجًا وبعضه في حائطه فسقط جميعه فقتل ففي قدر ما يضمنه من ديته ثلاثة أقاويل حكاهما أبو حامد المروزوي في جامعه:
أحدهما: يضمن جميع ديته، لأن الداخل في الحائط من الخشب جذبه الخارج منه فضمن به جميع ديته.
والثاني: يضمن به نصف ديته، لأن ما في الحائط منه موضوع في ملكه والخارج منه مختص بالضمان، فصار التلف من جنسين مباح ومحظور فضمن نصف الدية.
والثالث: أنه يضمن من الدية بقسط الخارج من الخشبة.
مثاله: أن يكون طول الخشبة خمسة أذرع، فإن كان الخارج منها ثلاثة أذرع ضمن ثلاثة أخماس ديته، وإن كان الخارج أربعة أذرع ضمن أربعة أخماس ديته يقسط على قدر الداخل والخارج.
وقال الشافعي: "ولا أبالي أي طرفيه أصابه؛ لأنها قتلت بثقلها.
فصل:
وإذا وضع الرجل على حائطه جرة ماء فسقطت على مار في الطريق فقتله لم يضمن ديته، لأنه وضعها في ملكه، ولو نام على طرف سطحه فانقلب إلى الطريق فسقط على مار فقتله نظر في سبب سقوطه، فإن كان بفسخ من الحائط انهار من تحته فلا ضمان عليه وإن كان لثقله في نومه فعليه الضمان؛ لأنه سقط بفعله، وسقط في الأول بغير فعله، وكلما أوجبنا عليه في هذه المسائل كلها من ضمان النفس فدياتها على عاقلته؛ لأنه خطأ عمد فيه وعليه مع ضمان الدية الكفارة في ماله، والله أعلم.