أو يكون له فيهم أب أو ابن وحكم السبي
قال الشافعي رحمه الله تعالى:" إن وقع على جارية من المغنم قبل القسم فعليه مهر مثلها يؤديه في المغنم وينهي إن جهل ويعزر إن علم ولا حد للشبهة لأن فيها شيئا قال: وإن أحصوا المغنم فعلم كم حقه فيها مع جماعة أهل المغنم سقط عنه بقدر
[ ١٣ / ٢٩٠ ]
حصته منها".
قال في الحاوي: أما الغنائم قبل إجازتها واستقرار الظفر بهزيمة أهلها فهي باقية على ملك أربابها، فإن وطئ منهم جارية كان الواطئ زانيًا يجب عليه الحد، فأما إذا استقر الظفر بالهزيمة وأحيزت الأموال والسبي فقد ملكها جميع الغانمين على وجه الاستحقاق، لا على وجه التعيين كما يملك أهل السهمان الزكاة قبل دفعها، فأما كل واحد من الغانمين فإنما يملك بالحضور أن يتملك بالقسم كالشفعة ملك الخليط بالبيع أن يتملك بالأخذ، وإنما ملك الغانم، إن يتملك، ولم يتعين له الملك لمعنيين:
أحدهما: أن حقه فيها يزول بتركه ويعود إلى غيره كالشفعة، ولو ملكه لم يزل بتركه كالورثة.
والثاني: ولو تأخر قسمها حين حال حولها لم تجب زكاتها، ولو ملكت وجبت زكاتها، فإذا تقرر هذا فصورة مسألة الكتاب في رجل من الغانمين وطئ جارية من السبي المغنوم فهو وطء محرم؛ لأنه لم يملكها ولا حد عليه للشبهة.
وقال مالك والأوزاعي وأبو ثور: عليه الحد؛ لأنه وطء محرم في غير ملك، فوجب به الحد كالزنا، ودليلنا في سقوط الحد عنه قول النبي صلي الله عليه وسلم: "ادرؤوا الحدود بالشبهات" وشبهة الوطء فيها أنه ملك منها أن يتملكها فكانت أقوى من شبهة الأب في جارية ابنه التي ما ملك أن يتملكها فلما سقط الحد عن الأب في جارية ابنه كان سقوطه عن هذا أولى، وبه خالف محض الزنا، وصار كوطء الأجنبية بشبهة.
فإذا ثبت سقوط الحد نظر، فإن علم بالتحريم عزر؛ لأن الشبهة لا منع من التعزير، وإن منعت الحد لحظر الإقدام على الشبهات، وإن لم يعلم بالتحريم فلا حد عليه ولا تعزير، فأما المهر فواجب عليه في الحالين مع علمه بالتحريم وجهله به كغيره من وطء الشبهة، فإذا وجب عليه نظر في عدد الغانمين فإن كان غير محصور لكثرتهم دفع جميع المهر، وضم إلى الغنيمة حتى يقسم معها في جميع الغانمين، فلو صارت الجارية التي وطئها في سهمه وملكها بالقسمة بعد وطئه لم يسترجع المهر بعد دفعه ولم يسقط عنه قبل دفعه؛ لأنه استحدث ملكها، بعد وجوب مهرها، فصارت كأمة وطئها بشبهة، ثم ابتاعها بعد الوطء من سيدها لم يسقط عنه مهرها، وإن كان عدد الغانمين محصورا، فقد قال الشافعي: يسقط عنه المهر بقدر حصته فيها، فاختلف أصحابنا في محل سقوطه على وجهين، حكاهما أبو إسحاق المروزي.
أحدهما: أنه يسقط عنه قدر حقه منها إذا كان قد تملكها بالقسمة مع جماعة من الغانمين محصورين، وأما إن كان وطئها قبل أن يتملكها، فلا يسقط عنه شيء من مهرها، وإن كان عددهم محصورا؛ لأنه وطء في حال ليس بملك فيها، وإنما ملك أن يتملك.
والثاني: انه يسقط عنه في الحالين بقدر حصته منها، سواء كان وطؤه قبل التملك أو بعده؛ لأن ملكها موقوف عليهم، ولا حق فيها لغيرهم، والأول أشبه.
[ ١٣ / ٢٩١ ]
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله تعالى: "وإن حملت فهكذا ونقوم عليه إن كان بها حملق وكانت له أم ولد".
قال في الحاوي: وصورتها أن تحمل منه الجارية التي وطئها من المغنم، فيتعلق بحملها أربعة أحكام بعد ثلاثة قدمنا ذكرها في اختصاصها بالوطء:
أحدها: سقوط الحد.
والثاني: وجوب التعزير مع العلم بالتحريم.
والثالث: استحقاق المهر، فأما الأحكام الأربعة المتعلقة بإحبالها:
فأحدها: لحوق الولد به.
والثاني: حريته.
والثالث: وجوب قيمته.
والرابع: أن تصير الجارية به أم ولد.
فأما لحوق الولد فهو لاحق به، سواء اعترف به أو لم يعترف، إذا وضعته لزمان يمكن أن يكون منه. وقال أبو حنيفة: لا يلحق به، وبناه على أصله في أن ولد الأمة لا يلحق بسيدها إلا بالاعتراف، وعندنا
يلحق بالفراش، وقد صارت فراشا بهذا الوطء؛ لأن وطء شبهة يسقط فيه الحد فأشبه وطء الحرة.
وأما حرية الولد فهو حر؛ لأنه لحق به عن شبهة ملك، وعند أبي حنيفة يكون مملوكا؛ لأنه لم يلحق به.
وأما قيمة الولد فتعتبر بحال الأم فيما يستقر لها من حكم، والأم قد أحبلها في شبهة ملك، وولد المملوكة
ينقسم ثلاثة أقسام قد تكررت في كثير من هذا الكتاب:
أحدها: ما تصير به المملوكة أم ولد، وهو أن تلد حرا من غير مالك كالسيد.
والثاني: ما لا تصير به أم ولد، وهو أن تلد مملوكًا من غير مالك كالزوج.
والثالث: ما اختلف قول الشافعي فيه، وهو أن تلد حرًا من غير مالك كالحر إذا وطئ أمة غيره بشبهة فلا تكون قبل أن يملكها الواطئ أم ولد، وهل تصير له بعد ملكها أم ولد أم لا؟ على قولين:
أحدهما: تصير له أم ولد، قاله في كتاب حرملة.
والثاني: لا تصير له أم ولد، قاله في كتاب الأم، وهذه الجارية المسبية قد ولدت حرًا في شبهة
ملك، ولها حالتان:
[ ١٣ / ٢٩٢ ]
إحداهما: أن يكون ذلك قبل قسمتها بين الغانمين.
والثانية: أن تكون بعد قسمتها بين القبائل.
فأما الحل الأولى فهي أن يكون ذلك قبل قسمتها في الغانمين، وهي مسألة الكتاب أن يطأها
بعد السبي، وقيل أن يتعين فيها حق أحد من الغانمين، فهو على ضربين:
أحدهما: أن يكثر عدد الغانمين حتى لا ينحصر حق الواطئ من هذه الجارية، فيكون واطئًا لجارية لم يملكها، ولا ملك شيئًا منها، وغنما له فيها شبهة ملك، وهو أنه يملك منها في الحال أن يتملكها في ثاني حال، فهل تصير أم ولد بحبلها إذا ملكها أم لا؟ على قولين، فعلى هذا قد اختلف أصحابنا هل تقوم عليه قبل الولادة لأجل علوقها منه بحر على ثلاثة أوجه:
أحدها: لا تقوم عليه موسرًا كان أو معسرًا، سواء قيل إنها تصير له أم ولد إذا ملكها أم لا؟ كما لا تقوم عليه أمة غيره إذا أحبلها بشبهة، فعلى هذا يكون عليه قيمة ولدها إذا وضعته، فإن قسمت فصارت في سهمه، فهل تصير له أم ولد أم لا؟ على ما ذكر من القولين.
والثاني: تقوم عليه سواء قيل إنها تصير أم ولد إذا ملكها أم لا؟ لأنها حامل منه بحر، وفي قسمها قبل ولادته ضرر على ولده، وفي تأخيرها إلى الولادة ضرر على الغانمين فوجب أن تؤخذ بقيمتها؛ لأجل الضرر الحادث عن فعله، فغن كانت قيمتها بقدر سهمه من المغنم حصلت قصاصا، وإن كانت أكثر رد الفضل، وإن كانت أقل دفع الباقي، فإذا وضعت لم يلزمه قيمة ولدها، وهل له بيعها أم لا؟ على قولين: يجوز له بيعها في أحدهما إذا قيل أنها لا تصير له أم ولد.
والثالث: أنها تقوم عليه إذا قيل: إنها تصير له أم ولد إذا ملكها، ولا تقوم عليه إذا قيل: إنها لا تصير أم ولد إذا ملكها، اعتبارا بما يتعدى إليها من حكم إيلاده، فعلى هذا إن قومت عليه لم يلزمه قيمة ولدها، وإن لم تقوم عليه لزمه قيمة ولدها.
فصل:
والضرب الثاني: أن يقل عدد الغانمين حتى ينحصر سهمه منها، مثل أن يكونوا عشرة فهذا على
ضربين:
أحدهما: أن لا يكون في الغنيمة غيرها، وهي جميع المغنوم، فيصير حقه فيها ممتنعا، لا يجوز أن يعدل به إلى غيره، فيصير قدر حقه منها أم ولد له، والباقي يكون على ما سنذكره في قسمة القبائل.
والثاني: أن يكون في الغنيمة غيرها من خيل ومواشي، فللأمير الجيش أن يقسم هذه الغنيمة قسمة تحكم لا قسمة مراضاة، فيجعل كل نوع من الغنيمة في سهم من شاء من
[ ١٣ / ٢٩٣ ]
الغانمين، وربما جعل هذه الجارية في سهمه، وربما جعلها في سهم من شاء من الغانمين، وربما جعل هذه الجارية في سهمه، وربما جعلها في سهم غيره، فعلى هذا هل يصير قدر سهمه المحصور أو ولد قبل القسمة أم لا؟ على وجهين: بناء على الوجهين في سقوط قدر سهمه من مهرها إذا حصر عددهم قبل القسمة، كذلك ها هنا هل يصير قدر سهمه منها إذا انحصر قبل القسمة أم ولد له؟ على وجهين:
أحدهما: لا تصير أم ولد، فيكون على ما مضى إذا لم ينحصر عددهم.
والثاني: تصير أم ولد له، ويكون محسوبا عليه من حقه، ويكون حكم باقيها على ما سيأتي في وطئها بعد قسمة القبائل، فعلى هذا هل يسقط خيار الإمام في قسمها لمن شاء ويلزمه دفعها إليه؟ أو يكون على خياره؟ فيه وجهان محتملان، لاحتمال التعليل.
فصل:
وأما الحال الثانية: وهو أن يكون إحباله لها بعد قسمها بين القبائل بأن حصلت ملكا لعشرة من الغانمين؛ لأن الحكم لأمير الجيش إذا قلت الغنيمة وكثر العدد أن يشرك بين الجماعة في الرأس الواحد، فيعطي لعشرة فرسًا ولعشرة جارية ولعشرة بعيرًا، فإذا اختاروا ذلك وقبلوه صار مشتركا بينهم، كسائر أمالهم المشتركة بابتياع أو ميراث، فيكون في حكم هذه الجارية بعد إحبالها كحكم الجارية المشتركة إذا أحبلها أحد الشركاء فلا حد عليه؛ لأنه قدر ملكه فيها شبهة في باقيها، وعليه من مهر مثلها بقدر حصص شركائه فيها، ويصير ملكه منها أم ولد له؛ لأنه قد أحبلها بحر في ملك ولا يخلو في باقيها من أن يكون موسرا بقيمته أو معسرا به، فإن كان موسرا بباقيها قوم عليه، كما تقوم عليه حصص شركائه لو أعتق قدر سهمه، فعلى هذا يكون جميع ولده حرا، لأنها علقت به في ملك وفي شبهة ملك، ولا قيمة عليه للولد؛ لأنها ولدت له في ملكه، وقد صار جميعها أم ولد له؛ لأنها علقت منه بحر في ملك، وإن كان معسرا بحصص شركائه منها لم يقم عليه باقيها، وكان ملكا لشركائه فيها، وكان قدر سهمه من الولد وهو العشر، لأن احد الشركاء العشرة حر، لأنه قدر ما يملكه منه، كما قد صار عشر الأم أم ولد في تقويم باقي الولد عليه مع إعساره وجهان:
أحدهما: لا يقوم عليه مع الإعسار، كما لا يقوم عليه باقي الأم إذا كان معسرا، فعلى هذا يكون عشر الولد حرا، وباقية مملوكا، وعشر الجارية أم ولد وباقيها مملوكا، وإن ملك باقيها من بعد بابتياع أو ميراث كان باقيها على رقه، ولم تصر أم ولد له؛ لأنه مقابل لرق ولده؛ لأنها علقت بمملوك في غير ملك. والثاني: يقوم عليه بقيمة الولد مع إعساره، وإن لم تقم عليه بقية الأم بإعساره.
والفرق بينهما أن الحرية في الولد أصل متقدم، وهي في الأم فرع طارئ فلم تتبعض حرية الولد؛ لأن الرق لا يطرأ على حرية ثابتة، فجاز أن يتبعض في الأم، لأن العتق يجوز أن يطرأ على رق ثابت، فعلى هذا يصير جميع الولد حرًا، ويكون عشر الأم أم ولد، فإن ملك باقيها من بعد، فهل تصير أم ولد له على قولين؛ لأنه قد أولدها حرًا
[ ١٣ / ٢٩٤ ]
في غير ملك، والله أعلم.
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله تعالى: " وإن كان في السبي ابن وأب لرجل لم يعتق عليه حتى يقسمه وإنما يعتق عليه من اجتلبه بشراء أو هبة وهو لو ترك حقه من مغنمه لم يعتق عليه حتى يقسم قال المزني ﵀: وإذا كان فيهم ابنه فلم يعتق منه عليه نصيبه قبل القسم كانت الأمة تحمل منه من أن تكون له أم ولد أبعد".
قال في الحاوي: وصورتها، أن يكون في السبي المسترق أحد من يعتق بالملك على الغانمين من والديه أو مولوديه، كالآباء والأمهات والبنين والبنات، فله في عتقه عليه ثلاثة أحوال: حال لا يعتق عليه، وحال يعتق عليه، وحال مختلف فيها.
فأما الحال التي لا تعتق عليه فيها فهو قبل القسمة، والغانمون عدد كثير لا ينحصرون ولا يتحقق فيه قدر سهمه منه، فلا يعتق عليه شيء منه؛ لأنه لم يملكه، وإن ملك أن يتملكه؛ لأنه قد يجوز أن يجعل في سهم غيره.
وأما الحال التي يعتق عليه فيها قدر سهمه منه، فهو أن يقسم الغنائم فيجعل في سهم عشرة هو أحدهم، فيعتق عليه منه قدر حقه وهو عشرة؛ لاستقرار ملكه على عشرة ويقوم عليه باقية إن كان موسرًا؛ لأنه ملكه باختياره.
وأما الحال المختلف فيها فهو قبل القسمة إذا كان عدد الغانمين محصورًا، فيكون على ما ذكرنا من حكم أو الولد، وهو أن ينظر، فإن لم يكن في تلك الغنيمة غيره، فقد تعين ملكه فيه، فلا يجوز أن يعدل به إلى غيره، فعلى هذا يعتق عليه قدر حقه منه، ولا يقوم عليه باقية؛ لأنه ملك بغير اختياره، وإن كان في القسمة غيره، وهي الحال التي يجوز لأمير الجيش أن يقسم فيها الغنيمة بحكمه على اختياره، لا يعتبر فيها المراضاة، ففي نفوذ عتق حقه منه وجهان:
أحدهما: لا يعتق عليه؛ لأنه ما ملك، وإنما جاز أن يملكه؛ لجواز أن يجعل في سهم غيره.
والثاني: يعتق عليه قدر حقه منه؛ لأنه على ملك جميع الغانمين، فغلب فيه حكم الإشاعة، فإذا أعتق قدر حقه كان مسحوبًا عليه من سهمه، ولم يقم عليه باقية، لأنه عتق عليه بلا اختياره. فأما إذا بدأ أحد الغانمين في هذه الحال فأعتق أحد السبي لم يعتق عليه بحال بخلاف أم الولد، وعتق
بعض المناسبين؛ لأن ما يعتق بغير اختيار أقوى، وما يعتق بالاختيار أضعف ولذلك نفذ في حق المحجور
عليه عتق ما ملكه من ما سبيه، وأن تصير
[ ١٣ / ٢٩٥ ]
أمته إذا أحبلها أم ولد، ولم يعتق عليه من تلفظ بعتقه. فأما اعتراض المزني بأنه لما لم يعتق عليه قدر حقه من أبيه، فكذلك في أم الولد فهو فاسد؛ لأنهما في الحكم سواء وإنما يخالفان عتق المباشرة، للفرق الذي ذكرنا.
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله تعالى: "ومن سبي منهم من الحرائر فقد رقت وبانت من الزوج كان معها أو لم يكن سبي النبي صلي الله عليه وسلم نساء أوطاس وبني المصطلق ورجالهم جميعًا فقسم السبي وأمر أن لا توطأ حامل حتى تضع ولا حائل حتى تحيض ولم يسأل عن ذات زوج ولا غيرها وليس قطع العصمة بينهن وبين أزواجهن بأكثر من استبائهن".
قال في الحاوي: ومقدمة هذه المسألة أن سبي الذرية موجب لرقهم، والذرية هم النساء والأطفال، فإذا أحيزوا بعد تقضي الحرب رقوا، فأما سبي المقاتلة فلا يرقون بالسبي، حتى يسترقوا.
والفرق بينهما: أن لأمير الجيش خيارا في الرجال بين القتل والفداء والمن والاسترقاق، فلم يتعين الاسترقاق إلا بالاختيار، ولا خيار له في الذراري فرقوا بالسبي؛ لاختصاصهم بحكم الرق.
فإذا تقرر هذا لم يخل حدوث السبي في الزوجين من ثلاثة أقسام:
أحدها: أن تسبي الزوجة دون الزوج، فقد بطل نكاحها بالسبي بوفاق من الشافعي وأبي حنيفة في الحكم مع اختلافهما في العلة، فهي عند الشافعي حدوث الرق، وعند أبي حنيفة اختلاف الدار.
والثاني: أن يسبي الزوج دون الزوجة، فإن لم يسترق ومن عليه أو فودي به يبطل نكاح زوجته عند الشافعي، وأبي حنفية، لكن عليه عند الشافعي حدوث الرق، وعند أبي حنيفة اختلاف الدار.
والثالث: أن يسبي الزوجان معًا، فعند الشافعي يبطل النكاح بينهما بحدوث الرق، وعند أبي حنيفة لا يبطل النكاح؛ لأنه لم يختلف الدار بهما؛ استدلالًا بما روي عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه لما استرق سبي هوازن بأوطاس جاءته هوازن بعد إسلامهم ليستعطفونه ويستنزلونه من على سبيهم وردهم عليهم، وأكثرهم ذوات أزواج وأقرهم على مناكحهم ولو بطل النكاح بحدوث الرق لعلمهم، ولأمرهم باستئناف النكاح بينهم، وفي ترك ذلك دليل على بقاء النكاح وصحته؛ ولأن الرق لا يمنع من ابتداء النكاح، فوجب أن لا يمتنع من استدامته كالصغر؛ ولأنه قد يطرأ الرق على الحرية، كما تطرأ الحرية على الرق، فلما لم يبطل النكاح بحدوث الحرية على الرق، وجب أن لا يبطل بحدوث الرق على الحرية.
[ ١٣ / ٢٩٦ ]
ودليلنا قول الله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] إلى قوله: ﴿والْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] والمراد بالمحصنات ها هنا ذوات الأزواج، فحرمن إلا ما ملكت أيماننا بحدوث السبي، فكان على عمومه في الإباحة فيمن كان معها زوجها، أو لم يكن.
وروي أبو سعيد ألخدري أن هذه الآية نزلت في سبي هوازن، ولو كان النكاح باقيًا لما جازت الإباحة، ولكان التحريم باقيًا.
والقياس: هو أنه رق طرأ على نكاح، فوجب أن يبطل به، كما لو استرق أحدهما.
فإن قيل: إنما بطل النكاح باسترقاق أحدهما؛ لاختلاف الدارين، فالجواب عنه من وجهين:
أحدهما: انه إذا اتفق موجب العلتين لم يتنافيا، فلم يصح التعارض.
والثاني: أن اختلاف الدارين لا يمنع من صحة النكاح؛ لأن أبا سفيان بن حرب، وحكيم بن حزام أسلما بمر الظهران، وزوجاتهما بمكة، فأقرهما على نكاحهما مع اختلاف الدارين بينهما أو لا ترى أن المسلم لو دخل دار الحرب فنكح زوجة، وله دار الإسلام أخرى لم يبطل نكاح زوجته في دار الإسلام، ولو عاد إلى دار الإسلام لم يبطل نكاح زوجته في دار الحرب مع اختلاف الدارين، فبطل أن تكون علة في فسخ النكاح وقياس آخر: أن النكاح ملك، فوجب أن يزول بحدوث الرق، كالأموال على أن ملك الأموال يشتمل على العين والمنفعة، والنكاح مختص بالاستمتاع الذي هو منفعة، ولك من هذا التعليل قياس ثالث: أنه عقد على منفعة فوجب أن يبطل بحدوث الرق، كما لو آجره الحربي نفسه ثم استرق.
فأما الجواب عن استدلالهم بسبي هوازن: هو أنهم كانوا عند ذلك على شركهم وإنما ظهر إسلام وافدهم فلم يلزمه بيان مناكحهم قبل إسلامهم وأما الجواب عن تعليلهم بأنه لما يمنع الرق من ابتداء النكاح لم يمنع من استدامته فمن وجهين:
أحدهما: انتفاضه بالخلع يمنع من استدامة النكاح، ولا يمنع من ابتدائه.
والثاني: أن حدوث الرق لا يتصور في ابتداء العقد، ويتصور في أثنائه فلم يصح الجمع بين ممكن وممتنع.
وأما الجواب عن استدلالهم بأنه لما لم يؤثر في النكاح حدوث الحرية على الرق، كذلك لا يؤثر فيه حدوث الرق على الحرية، فهو أن حدوث الحرية كمال، فلم يؤثر في النكاح وحدوث الرق نقص، فجاز أن يؤثر في النكاح.
فصل:
وإن كان الزوجان الحربيان مملوكين فسبيا، أو أحدهما ففي بطلان النكاح بينهما وجهان:
[ ١٣ / ٢٩٧ ]
أحدهما: لا يبطل، ويكونان على النكاح؛ لأن رقهما متقدم، وليس بحادث، فصار انتقال ملكهما بالسبي، كانتقال بالبيع.
والثاني: أن النكاح يبطل؛ لأن الاسترقاق أثبت من الرق الأول لثبوت الحادث بالإسلام وثبوت الأول بالشرك فتعلق حكم الرق بأثبتهما، وكان الأول داخلًا فيه.
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله تعالى: "ولا يفرق بينهما وبين ولدها حتى يبلغ سبع أو ثمان سنين وهو عندنا استغناء الولد عنها وكذلك ولد الولد".
قال في الحاوي: وهذا صحيح، لا يجوز أن يفرق بين الأم وولدها في القسمة إذا سبوا ولا في البيع إذا ملكوا الرواية أبي أيوب الأنصاري أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: "من فرق بين والدة وولدها فرق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة".
وروى عمران بن حصين أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: "ملعون من فرق بين امرأة وبين ولدها".
وروى أبو سعيد الخدري أن النبي صلي الله عليه وسلم سمع امرأة تبكي فقال: ما لهذه تبكي فقيل له: فرق بينها وبين ولدها فقال: "لا توله والدة على ولدها".
أي: لا يفرق بينهما بالبيع فتوله عليه بالحزن والأسف، مأخوذ من الوله، ولأن في التفرقة بينهما في الصغر إدخال ضرر عليهما بحزن الأم وضياع الولد.
فإذا ثبت هذا ففي الزمان الذي تحرم فيه التفرقة بينهما قولان للشافعي:
أحدهما: نص عليه في سير الواقدي، ونقله المزني غلى هذا الموضع إلى استكمال سبع سنين، ثم يفرق بينهما من بعد، وبه قال مالك، لأنه حد التفرقة في تخيير الكفالة، ولأنه يستقل فيها بنفسه في لباسه ومطعمه.
والثاني: إلى وقت البلوغ، وبه قال أبو حنيفة لرواية عبادة بن الصامت أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: "لا يفرق بين والدة وولدها" قيل: إلى متى؟ قال: "حتى يبلغ الغلام وتحيض الجارية" ولولا أن في هذا الحديث ضعفًا، لأن رواية عبد الله بن عمرو بن سعيد بن الربيع بن عبادة بن الصامت، وقد طعن علي بن المديني في عبد الله بن عمرو بن سعيد ونسبه إلى الكذب، لما اختلف القول فيه، ولما شاع خلافه، ولأنه لما استحقت الكفالة
[ ١٣ / ٢٩٨ ]
على الوالدين إلى البلوغ ثم يفارقهما الولد بعد البلوغ كان البلوغ حدًا في التفرقة.
وقال أحمد بن حنبل: لا تجوز التفرقة بينهما على الأبد تمسكًا بعموم الظاهر، وحديث عبد الله بن الصامت دليل عليه إن صح، ثم المعنى المعتبر في الجمع بينهما في الصغر مفقود في الكبر من وجهين:
أحدهما: أنه مضر في الصغر وغير مضر في الكبر.
والثاني: أنه معهود في الكبر، وغير معهود في الصغر.
فصل:
فأما التفرقة بين الولد ووالده، ففيه وجهان:
أحدهما: لا يفرق بينهما كالأم، لما فيه من البعضية المفضية للشفقة والحنو.
والثاني: يفرق بينهما، بخلاف الأم لعدم التربية في الأب، ووجودها في الأم.
فأما الأجداد والجدات فمن كان منهم غير مستحق للحضانة، كالجد أبي الأم وأمهاته لم تحرم التفرقة بينهما، لضعف سببه، ومن كان منهم مستحقًا للحضانة فهو على ضربين:
أحدهما: أن يكون الولد مجتمعا مع الأم، فحكم الجمع مختصًا بها، ولا تحرم التفرقة بينه وبين من عداها.
والثاني: أن لا يكون مجتمعًا مع الأم، إما لموت الأم أو بعدها، فعلى ضربين:
أحدهما: أن يكون مجتمعا مع جداته المدليات بأمه، فلا يجوز التفرقة بينه وبين القربى من جدات أمه، لقيامها في الحضانة مقام أمه.
والثاني: أن يكون مجتمعًا مع جداته وأجداده من قبل أبيه، ففيه ثلاثة أوجه:
أحدها: تجوز التفرقة بينه وبين جميعهم ذكورا كانوا أو إناثًا، إذا قيل: تجوز التفرقة بينه وبين الأدب الذي أدلوا به.
والثاني: لا يجوز التفرقة بينه وبين أقربهم من ذكر وأنثى، إذا قيل بتحريم التفرقة بينه وبين الأب.
والثالث: إن كان ذكرًا كالجد أبي الأب جاز التفرقة بينهما، وإن كانت أنثى كالجدة أم الأب لم تجز التفرقة بينهما، لأن في الجدة تربية ليست في الجد.
فصل:
وإذا كان مع الأم أو من قام مقامها في تحريم التفرقة بينهما، فرضيت بالتفرقة بينهما لم يجز، لأن حق الجمع مشترك بينهما وبين الولد، فإن رضيت بسقوط حقها لم يسقط به حق الولد، وتؤخذ بحضانته في زمانها، فإن عتق أحدهما جاز بعد عتقه التفرقة بينهما، سواء أعتقت الأم أو الولد، لأنه لا يد على الحر، واليد مختصة بالمملوك، فانفرد كل
[ ١٣ / ٢٩٩ ]
واحد منهما بحكمه.
فصل:
وإذا حرم التفرقة بينهما، ففرق بينهما ببيع ففي بطلان البيع وجهان:
أحدهما: وهو مذهب البغداديين أن البيع باطل، وبه قال أبو يوسف، لرواية الحكم عن ميمون بن أبي شبيب عن علي ﵇ أنه فرق بين جارية وبين ولدها، فنهاه النبي صلي الله عليه وسلم عن ذلك ورد البيع. وروى ابن أبي ذئب عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده، قال: قدم أبو أسيد بسبي من البحرين، فصفوا لينظر إليهم النبي صلي الله عليه وسلم فرأى امرأة تبكي، فقال: مالك تبكين؟ قالت: بيع ولدي في بني عبس فقال لأبي أسيد: لتركبن ولتجيئن به كما بعته.
والثاني: وهو مذهب البصريين أن البيع صحيح، وبه قال أبو حنيفة، لأن النهي لمعنى في غير المعقود عليه، كالنهي عن البيع في وقت الجمعة، وأن يبيع الرجل على بيع أخيه، لكن لا يقر المتبايعان على التفرقة بينهما، ويقال للمشتري والبائع: إن تراضيتما ببيع الآخر لتجتمعا في الملك كان البيع الأول ماضيا، وإن تمانعتما فسخ البيع الأول بينكما، ليجمع بينهما، وعلى هذا يحمل فعل رسول الله صلي الله عليه وسلم أنه فسخ البيع، لتعذر الجمع دون فساد العقد والله أعلم.
مسألة:
قال الشافعي: "فأما الأخوان فيفرق بينهما".
قال في الحاوي: وهذا صحيح، يجوز التفرقة في الملك بين ما عدا الوالدين والمولودين من الإخوة والأخوات والأعمام والعمات والأخوال والخالات وإن كان مكروهًا.
وقال أبو حنيفة: تحرم التفرقة بين كل ذي رحم محرم، استدلالًا برواية أبي موسى الأشعري أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: "لا يفرق بين والدة وولدها، ولا بين والد وولده، ولا بين اخ وأخيه" وبرواية عبد الرحمن بن أبي ليلى عن علي بن أبي طالب ﵇ قال: قدم سبي على النبي صلي الله عليه وسلم فأمرني ببيع غلامين أخوين، فبعتهما وفرقت بينهما، فبلغ ذلك النبي صلي الله عليه وسلم فقال: أدركهما فارتجعهما وبعهما معًا ولا تفرق بينهما".
ومن القياس: أنه ذو رحم محرم بنسب، فلم تجز التفرقة بينهما في الملك كالوالدين والمولودين.
ودليلنا هو أن كل نسب لا يمنع من قبول الشهادة، ولا يمنع من جواز الزوجية كغير ذوي المحارم طردًا، وكالوالدين والمولودين عكسًا، ولأن الأحكام المختصة بالأنساب
[ ١٣ / ٣٠٠ ]
إذا وفقت على بعض المناسبين كانت مقصورة على الوالدين مع المولودين، كالولاية والشهادة والقصاص وحد القذف، وهذه أربعة أحكام وافقوا عليها، فكذلك في أربعة أحكام خالفوا فيها، وهي وجوب النفقة، والعتق بالملك، والقطع في السرقة، والتفرقة في البيع، فأما الخبران فضعيفان، ولو صحا حملًا على الاستحباب بدليلنا، وقياسهم على الوالدين فالمعنى فيه وجود البعضية المانعة من قبول الشهادة.
مسألة:
قال الشافعي: "وإنما نبيع أولاد المشركين من المشركين بعد موت أمهاتهم إلا أن يبلغوا فيصفوا الإسلام. قال المزني ﵀: ومن قوله: إذا سبي الطفل وليس معه أبواه ولا أحدهما أنه مسلم وإذا سبي ومعه أحدهما فعلى دينهما فمعنى هذه المسألة في قوله أن يكون سبي الأطفال مع أمهاتهم فيثبت في الإسلام حكم أمهاتهم ولا يوجب إسلامهم موت أمهاتهم".
قال في الحاوي: ومقدمة هذه المسألة أن المسبي من أولاد المشركين لا يخلو خال سبيه، أن يكون مع أحد أبويه أو مفردًا، فإن سبي مع أحد أبويه كان حكمه بعد السبي كحكم المسبي مع أبويه، فإن أسلم أبواه أو أحدهما كان إسلامًا له ولصغار أولادهما، سواء اجتمع الأبوان على الإسلام أو أسلم أحدهما، وسواء كان المسلم منهما أباه أو أمه، ولا اعتبار بحكم السابي، وإن لم يسلم واحد من أبويه كان مشركا بشركهما، ولا يصير مسلمًا بإسلام سابيه، ولأن اعتباره بأحد أبويه أولى من اعتبار سابيه لأجل البعضية، وبه قال أبو حنيفة.
وقال الأوزاعي: يصير مسلمًا بإسلام السابي، وإن كان مع أحد أبويه، وهذا خطأ لقول النبي صلي الله عليه وسلم "كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه".
وقال مالك: يصير الولد مسلما بإسلام أبيه، ولا يصير مسلمًا بإسلام أمه، ويكون في الدين تابعًا لسابيه دون أمه، وهذا غير صحيح، لأمرين:
أحدهما: قول النبي صلي الله عليه وسلم: "فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه" فاعتبر حكمه بأبويه دون سابيه.
والثاني: أنه من أمه يقينًا، ومن أبيه ظنًا، فلما صار معتبرًا بأبيه فأولى أن يصير معتبرًا بأمه.
فصل:
فأما إذا سبي الصغير وحده، ولم يكن مع أحد أبويه، فحكمه حكم سابيه، ويصير
[ ١٣ / ٣٠١ ]
مسلمًا بإسلامه، لأن الطفل لا بد أن يعتبر في الدين بغيره، إذ ليس يصح مع عدم التكليف أن يعتبر بنفسه، فإذا ثبت اعتباره بالسابي في جريان حكم الإسلام عليه، ففيه وجهان:
أحدهما: أنه يجري عليه حكم الإسلام قطعًا، في الظاهر والباطن، كما يصير بأحد أبويه مسلمًا، فإن بلغ ووصف الشرك لم يقر عليه، وبه قال المزني، وهو الظاهر من مذهب الشافعي وقول جمهور البغداديين.
والثاني: أنه يجري عليه حكم الإسلام في الظاهر دون الباطن، تغليبًا لحكم السابي، فإن بلغ وصف الشرك أقر عليه بعد إرهابه، وهو قول جمهور البصريين، كما يعتبر إسلام اللقيط في دار الإسلام بحكم الدار، فيكون مسلمًا في الظاهر، تغليبًا لحكم الدار، فإن بلغ ووصف الشرك أقر عليه بعد إرهابه.
فصل:
فإذا ثبتت هذه المقدمة في أولاد المشركين إذا سبوا صغارًا، فمتى أجرينا عليهم حكم الإسلام إما بأحد الأبوين أو بالسابي جاز بيعهم على المسلمين، ولم يجز بيعهم على المشركين، وإن أجرينا عليه حكم الشرك جاز بيعهم على المسلمين وعلى المشركين، ولم يكره.
وقال أبو حنيفة: يجوز بيعهم على المشركين، ولكن يكره.
وقال أبو يوسف، وأحمد بن حنبل: لا يجوز بيعهم على المشركين حال احتجاجًا بأمرين:
أحدهما: ما في بيعهم من تقوية المشركين بهم.
والثاني: أنهم يصيرون في الأغلب على دين سادتهم إذا بلغوا.
ودليلنا على ما روي أن النبي صلي الله عليه وسلم سبى بني قريظة سنة خمس ففرق سبيهم أثلاثًا فبعث ثلثًا بيعوا بتهامة، وثلثًا بيعوا نجد وثلثًا بيعوا بالشام، وكانت مكة والشام دار شرك، وكذلك أكثر بلاد تهامة ونجد، ولأن رسول الله صلي الله عليه وسلم من على سبي هوازن، وردهم على أهلهم، وإن كان فيهم من بقي على شركه، ولأن المملوك إذا جرى عليه حكم دين جاز عليه بيعه من أهل دينه، كالعبد البالغ، ويبطل به ما احتجوا به من تقويتهم به، ويبطل أيضًا بيع الطعام عليهم مع ما فيه من تقويتهم به، وبه يبطل احتجاجهم أنهم يصيرون في الأغلب على دين سادتهم.
مسألة:
قال الشافعي: "ومن أعتق منهم فلا يورث كمثل أن لا تقوم بنسبه بينة".
[ ١٣ / ٣٠٢ ]
قال في الحاوي: أما الحميل في النسب فضربان:
أحدهما: أن يملك مسلم بالسبي مشركًا فيعتقه ويستلحق به، ويجعله لنفسه ولدًا، فيصير محمول النسب عن أبيه إلى سابيه، ويكون الحميل بمعنى: المحمول، كما يقال: قتيل بمعنى مقتول، فهذا لا يلحق النسب، ولا يتغير به حكم المستلحق وهو إجماع، لقول النبي صلي الله عليه وسلم: "الولد للفراش وللعاهر الحجر" فنقلهم عما كانوا عليه في الجاهلية، من استلحاق الأنساب غلى ما استقر عليه الإسلام من إلحاقها بالفراش.
والثاني: أن يقر المسبي بعد عتقه بنسب وارد من بلاد المشركين، ويكون الحميل بمعنى الحامل فيقسم النسب ثلاثة أقسام: مردود، ومقبول، ومختلف فيه.
فأما القسم المردود: فهو أن يقر بنسب يستحق به الميراث، ولا يملك المقر استحداث مثله، كالمقر بأب، أو بأخ، أو عم، فيرد إقراره به، ولا يقبل إلا ببينة تشهد بنسبه وسواء كان يرث جميع المال كالأب أو بعضه كالأم، لرواية الشعبي أن عمر بن الخطاب ﵁ كتب إلى شريح أن لا يورث حميلًا حتى تقوم به بينة من المسلمين". وروى الزهري قال: جمع عثمان بن عفان أصحاب رسول الله صلي الله عليه وسلم فاستشارهم في الحميل، فأجمعوا أنه لا يورث إلا ببينة، ولأن معتقه قد ملك ولاءه عن الرق الذي لا يملك العبد إزالة ما استحقه من الملك، فكذلك إذا أعتق لا يملك إزالة ما استحقه معتقه بولائه من الإرث.
فإن قيل: أليس لو أقر الحر بأخ، وله عم قبل إقراره، وإن حجب الأخ العم، فهلا كان إقراره بالنسب مع الولاء مقبولًا كذلك، قيل: الفرق بينهما أن النسب يرث به ويورث، فزالت التهمة والولاء لا يرث به ولا يورث، فلحقت التهمة.
وأما القسم المقبول: فهو أن يقر بنسب لا يستحق به الميراث، كالخال والجد من الأم فمقبول منه بغير بينة؛ لأنه لا يسقط به حق معتقه من الميراث.
وأما القسم المختلف فيه: فهو أن يقر بنسب يستحق به الميراث، ويملك استحداث مثله كإقراره بابن أو بنت، فقد اختلف أصحابنا في ثبوت نسبه بإقراره من غير بينة على ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه لا يقبل إقراره بنسبه إلا ببينة، تشهد به، كالنسب الذي لا يملك استحداث مثله لعموم ما اجتمعت عليه الصحابة من المنع من توريث الحميل، ولما جمعهما التعليل من إسقاط الميراث بالولاء.
والثاني: يقبل إقراره ببينة بخلاف ما لا يملك استحداث مثله، لأمرين:
أحدهما: أن من ملك استحداثه جاز أن يملك الإقرار به أولى.
[ ١٣ / ٣٠٣ ]
والثاني: أن ولده يدخل في ولاء معتقه، ولا يدخل فيه أبوه فافترقا.
والثالث: أن يقبل إقراره بمن ولد بعد عتقه، ولا يقبل إقراره بمن ولد قبل عتقه؛ لأنه بعد العتق يملك استحداث مثله بغير إذن، ولا يملك قبل القطع استحداث مثله إلا عن إذن فافترقا، والله أعلم.