الأصل في وجوب القضاء وتنفيذ الحكم بين الناس الكتاب والسنة والإجماع.
أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿يَا دَاوُودُ إنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ [ص: ٢٦] الآية، وأراد: إنا جعلناك خليفة لنا، وتكون الخلافة بالنبوة. وقيل: أراد خليفة لمن تقدمك فيها، [٥٨/ أ] وتكون الخلافة بالملك.
والحكم مأخوذ من الحكمة التي توجب وضع الشيء موضعه، وقيل: مأخوذ من إحكام الشيء ومن حكمه اللجام لما فيه من الإلزام.
وقوله: ﴿بِالْحَقِّ﴾ أي بالعدل، وقيل: بالحق الذي لزمك لله تعالى، وقوله: ﴿ولا تَتَّبِعِ الهَوَى﴾ أي الميل مع من تهواه، وقيل: أن تحكم بما تهواه ﴿فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي دين الله، وقيل: عن طاعة الله.
وقوله: ﴿بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ أي بما تركوا العمل ليوم الحساب، وقيل: بما أعرضوا عن يوم الحساب. وقوله تعالى:
﴿ودَاوُدَ وسُلَيْمَانَ إذْ يَحْكُمَانِ فِي الحَرْثِ﴾ [الأنبياء: ٧٨] الآيتين، النفش: رعي الليل، والهمل: رعي النهار، وكان الحكم في أغنام رجل رعت كرم آخر وزرعه، فحكم داود -﵇- بالغنم لصاحب الكرم والزرع، وحكم سليمان -﵇- بأن يدفع الغنم إلى صاحب الكرم لينتفع بدرها ونسلها ويدفع الكرم إلى صاحب الغنم ليعمره حتى يعود إلى حاله، ثم يرد الكرم ويسترجع الغنم، فقال الله تعالى: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ وكان حكم الله تعالى فيما حكم سليمان، فرجع داود عن حكمه إلى حكم سليمان. فإن قيل: كيف نقض داود -﵇- حكمه باجتهاد سليمان ﵇؟ قلنا: داود -﵇- كان قد أفتى بهذا لم يحكم ولم بنفذه، فلذلك رجع عنه، ويجوز أن يكون حكم سليمان من وحي فيكون نصًا يبطل به الاجتهاد.
وقال الحسن البصري: لولا هذه الآية لرأيت الحكام قد هلكوا، لكن الله تعالى عذر هذا باجتهاده وأثنى على هذا بصوابه.
وأيضًا قوله تعالى: ﴿فَلا ورَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء:٦٥] الآية، وهي نزلت في الزبير ورجلٍ من الأنصار وقد شهدا بدرًا، وقيل: إنه حاطب بن أبي بلتعة تخاصما إلى رسول الله ﷺ فيء شراج من الحرة كانا يسقيان به نخلًا لهما [٥٨/ ب] فقال ﷺ: "أسق يا زبير ثم أرسل إلى جارك" فغضب الأنصاري
[ ١١ / ٣٨ ]
وقال: إن كان ابن عمتك، فتلون وجه رسول الله ﷺ حتى عرف أن قد ساءه، ثم قال: "يازبير احبس الماء إلى الجدر أو إلى الكعبين ثم خل سبيل الماء" فنزلت الآية: ﴿فَلا ورَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾، أي فيما تنازعوا فيه، وسميت المنازعة مشاجرة لتداخل كلامهما كتداخل الشجر الملتف ﴿ثُمَّ لا يَجِدُوا﴾ أي لا يجدوا في أنفسهم ﴿حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ ويُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾، أي تسليمًا لحكمك.
وأيضًا قال الله تعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يَامُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨]، وأيضًا قوله تعالى: ﴿وأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩]، وقوله تعالى: ﴿إنَّا أنزَلْنَا إلَيْكَ الكِتَابَ بِالحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء: ١٠٥] الآية، وقوله تعالى: ﴿إنَّمَا كَانَ قَوْلَ المُؤْمِنِينَ إذَا دُعُوا إلَى اللَّهِ ورَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وأَطَعْنَا﴾ [النور: ٥١] الآية، وقوله تعالى: ﴿وآتَيْنَاهُ الحِكْمَةَ وفَصْلَ الخِطَابِ﴾ [ص:٢٠]، قال أبو عبد الرحمن: فصل الخطاب: فصل القضاء. وقال شريح: الشهود والأيمان. وقوله تعالى: ﴿مَن يَشَاءُ ومَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩]، قال ابن عباس -﵄-: يعني المعرفة بالقرآن ناسخة ومنسوخة، ومتشابهه ومقدمه ومؤخره، وحلاله وحرامه وأمثاله.
وأما السنة: فما روى بريدة -﵁- أن النبي ﷺ قال: "القضاة ثلاثة؛ قاضيان في النار وقاضٍ يقضي ولا يعلم فأهلك حقوق الناس فذلك في النار، وقاضٍ قضى بالحق فذلك في الجنة". هكذا رواه ابن المنذر.
وروى أبو داود عن بريدة -﵁- أن النبي ﷺ قال: "القضاة ثلاثة؛ واحد [٥٩/ أ] في الجنة واثنان في النار، فأما الذي في الجنة فرجل عرف الحق فقضى به، ورجل عرف الحق فجار عنه، ورجل قضى للناس على جهل فهو في النار". وفي هذا الخبر دليل على أن كل مجتهد لا يكون مصيبًا، بل الحق في واحدٍ؛ لأنه لو لم يكن هكذا لم يكن للتقسيم معنى على هذا الوجه.
وأيضًا روى عمرو بن العاص وأبو هريرة -﵄- أن النبي ﷺ قال: "إذا قضى القاضي فأصاب كان له عشرة أجورٍ، وإن أخطأ كان له أجرٌ أو أجران".
وروي أن رجلين اختصما إلى عمرو بن العاص -﵁- فقضى بينهما، فسخط المقضي عليه، فأتى رسول الله ﷺ فأخبره، فقال: "إذا قضى واجتهد كان له عشرة أجور، وإذا اجتهد فأخطأ كان له أجر أو أجران".
واعلم أن المخطئ إنما يؤجر به على اجتهاده في طلب الحق؛ لأن اجتهاده عبادة
[ ١١ / ٣٩ ]
ولا يؤجر على الخطأ، بل يوضع عنه الإثم فقط، وهذا إذا كان جامعًا لآلة الاجتهاد، عارفًا بالأصول، عالمًا بوجوه القياس.
وأيضًا روى أبو البحتري عن علي -﵁- أنه قال: بعثني رسول الله ﷺ إلى اليمن، فقلت: يا رسول الله، تبعثني وأنا شاب أقضي بينهم ولا أدري ما القضاء؟ قال: فضرب في صدري وقال: "اللهم أهد قلبه، وثبت لسانه"، قال: فو الذي فلق الحبة ما شككت في قضاءٍ بين اثنين.
وروي أنه قال: "إن الله مثبت قلبك وهاد لسانك، فإذا حضر الخصمان إليه فلا تقضي لأحدهما حتى تسمع كلام الآخر، فإنه أحرى أن بتبين لك القضاء"، قال: فما أشكلت عليَّ قضية بعدها، وقدم منها على رسول الله ﷺ في حجة الوداع.
وروي أنه قال له: "إن الله سيهدي قلبك ويثبت لسانك" فما شككت في قضاء بعد. وأيضًا روي أن رسول الله [٥٩/ ب] ﷺ لما أراد أن يبعث معاذًا إلى اليمن قال: "كيف تقضي إذا عرض لك قضاء؟ " قال: أقضي بكتاب الله -﷿، قال: "فإن لم تجد في كتاب الله؟ " قال: بسنة رسول الله. قال: "فإن لم تجد في سنة رسول الله؟ " قال: أجتهد رأيي ولا آلو، فضرب رسول الله ﷺ صدره وقال: "الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي رسول الله".
وقوله: "أجتهد رأيي" أراد به الاجتهاد في رد القضية من طريق القياس إلى معنى الكتاب والسنة، ولم يرد به الرأي الذي يخطر بباله من غير أصل من كتاب أو سنة، وفي هذا إثبات القياس، وأنه ليس للحاكم أن يقلد غيره. وقوله: "لا آلو" معناه لا أقصر في الاجتهاد، ولا أترك بلوغ الوسع منه.
وروت أم سلمة -﵂- أن النبي ﷺ قال: إنما أن بشر، وإنكم تختصمون إلى، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له ما أسمع منه، فمن قضيت له حق أخيه شيئًا، فإنما أقطع له قطعة من النار".
وقوله: "ألحن بحجته": معناه أفطن بها، وألحن مفتوحة الحاء، ولحن الرجل في كلامه لحنًا بسكون الحاء.
وروي أن عثمان قال لعبد الله بن عمر -﵃-: اذهب واقض بين الناس، قال: أو تعفيني يا أمير المؤمنين، فإني أعزم عليك، قال: لا تعجل علي، هل سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من عاذ بالله - ﷿- فقد عاذ بمعاذٍ" قال: نعم،
[ ١١ / ٤٠ ]
فأني أعوذ بالله أن أكون قاضيًا، قال: فما تكره من ذلك وقد كان أبوك يقضى؟ قال: إن سمعت رسول الله ﷺ يقول:"من كان قاضيًا فقضى بالجور كان من أهل النار، ومن كان قاضيًا فقضى بالجهل كان من أهل النار، وما كان قاضيًا فقضى بالعدل فبالحري أن ينفلت كفافًا " فما أرجو منه بعد ذلك.
وأيضًا روى أبو أيوب الأنصاري [٦٠/ أ]-﵁ - أن النبي ﷺ قال " الله مع القاسم حين يقسم؛ ومع القاضي حين يقضى".
وروى أبو هريرة - ﵁ - أن النبي ﷺ قال " إذا جلس القاضي للحكم بُعث إليه ملكين يسددانه؛ فإن عدل أقاما؛ وإن جار عرجا وتركاه".
وأيضا روى أن النبي ﷺ استخلف عتاب بن أسيد على مكة بعد الفتح واليًا وقاضيًا؛ وقال " انههم عن بيع مالم يقبضوا؛ وربح مالم يضمنوا".
وروى أنه ﷺ قلد دحية الكلبي قضاء ناحية. وأيضًا فقد قضى رسول الله ﷺ بين المتنازعين وحكم بين المتشاجرين على ما سنذكره بعد هذا إن شاء الله تعالى.
وأما الإجماع؛ فلأنه لا خلاف بين المسلمين فيه.
وقد حكم أبو بكر -﵁-: بين الناس؛ وبعث أنس بن مالك - ﵁- إلى البحرين قاضيًا.
وقال على - ﵁-: قَدمَ رسول الله ﷺ أبا بكر في مرضه لصلاة المسلمين؛ فلما توفي رسول الله ﷺ نظرنا فوجدناه أحق بالأمر فرضينا لدنيانا من رضيه رسول الله ﷺ لديننا؛ فبايعت أبا بكر؛ وكان لذلك أهلًا فأقام بين أظهرنا الكلمة واحدة والأمر واحد؛ لا يختلف عليه منا اثنان.
وروى الحسن عن على - ﵄ - قال: لقد أمر النبي ﷺ أبا بكر أن يصلى بالناس؛ فأنى لشاهد ما أنا بغائبٍ ولا بى من مرض فنرضي لدنيانا من رضي رسول الله ﷺ لديننا.
وحكم عمر﵁ - بين الناس؛ وبعث أبا موسى الأشعرى -﵁ - إلى البصرة قاضيًا. وبعث ابن عباس [٦٠/ب]- ﵁ - إلى البصرة قاضيًا وناظرًا.
وأيضًا فالقضاء أمر بالمعروف ونهى عن المنكر؛ وقال الله ﷿: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وتَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَر﴾ الآية [آل عمران:١١٠]. وأيضًا ففي أحكام الاجتهاد ما يكثر فيه الاختلاف ولم تتعين هاتين المختلفتين فيه إلا بالحكم الفاصل والقضاء القاطع.
[ ١١ / ٤١ ]
فإذا تقرر هذا فالقضاء مأخوذ من إحكام الشيء والفراغ منه؛ قال الشاعر يرثى عمر بن الخطاب - ﵁-:
قَضَيتَ أُمورًا ثم غادَرْت بعدَها بوائِجَ مِن أكمَامِها لم تُفَتَّقِ
أي أحكمت أمورًا وأمضيتها؛ وخلقت بعدك دواهي خافية كامنة.
وقد يراد بالقضاء إمضاء الحكم؛ ومنه قول الله ﷾: ﴿وقَضَيْنَا إلَى بَنِي إسْرَائِيلَ فِي الكِتَابِ﴾ [الإسراء:٤]؛ أي أمضينا وأنهينا.
وقيل للحاكم قاض لأنه يمضى الأحكام ويحكمها؛ وسمى حاكمًا لمنعه الظالم من الظلم؛ ومن ذلك سميت حكمة اللجام؛ لأنها تمنع الدابة عن ركوبها رأسها؛ وسميت الحكمة حكمة لمنعها الناس من هواهم.
فإذا تقرر هذا فاعلم أن القضاء من فرائض الكفايات؛ فإذا قام به من يصح قضاؤه سقط فرضه عن الباقين؛ وإذا تركه الجميع ولم يقم به أحدٌ أثموا بتركه وكانوا تاركين للفرض لقوله ﷺ:" إن الله لا يقدس امة ليس فيهم من يأخذ للضعيف حقه ". وروى أن النبي ﷺ قال:" لتأمرنَّ بالمعروف أو ليسلطن الله عليكم شراركم".
وأيضًا فإن نصب الإمام إذا كان واجبًا كان نصب القاضي واجبًا ولا فرق بينهما؛ لأنه من الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر؛ ذلك فرض على الكفاية بالإجماع فكذلك [٦١/ أ] القضاء.
فإن قيل: هذا الذي قلتموه مخالف للسنة؛ لأن أبا هريرة - ﵁ - روى عن النبي ﷺ قال: "من ولى القضاء فقد ذبح بغير سكين " وهذا يحتمل معنيين.
أحدهما: أن الذبح في العادة بالسكين فعدل به عن سنن العادة ليعلم أنه كان منه هلاك دينه دون هلاك بدنه.
والثاني: أن الذبح الموحى الذي فيه إراحة لذبيحة وخلاصها من طول الألم إنما يكون بالسكين؛ لأنه يمور في حلق المذبوح فيجهز عليه؛ وإذا ذبح بغير السكين كان ذبحه خنقًا وتعذيبًا؛ فضرب به المثل ليكون أبلغ في الحذر من الوقوع فيه.
وروى عن على -﵁ - أنه خطب بذي قارٍ وعليه عمامة سوداء؛ فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " ما من قاضٍ ولا والٍ إلا يؤتى به يوم القيامة فيوقف على الصراط فينشر له شبرة؛ فإن كان عادلًا نجاه الله بعدله؛ وإن كان غير ذلك انتفض الصراط به انتفاضه فصار ما بين كل عضو من أعضائه مسيرة مائة عام؛ فلا يلقى جهنم.
[ ١١ / ٤٢ ]
إلا بحر وجهه وجبينه " وروى عن عائشة -﵂ - أنها قالت:" ويل للأمراء؛ ويل للأمناء؛ ليأتين على أحدهم يوم يود لو كان معلقًا بالثريا يتذبذب بين السماء والأرض وإنه لم يلِ أحدًا ".
وروى عن رسول الله ﷺ قال لأبى ذر: " يا أبا ذر أحب لك ما أحب لنفسي؛ إني أراك ضعيفًا؛ فلا تأمرن على اثنين ولا تولين مال اليتيم ". وروى ابن أبى أوفي - ﵁ - أن النبي ﷺ قال "الله مع القاضي ما لم يجر؛ فإذا جار برئ الله منه ولزمه الشيطان".
وروى أنس بن مالك - ﵁ - أن النبي ﷺ قال: " من ابتغى القضاء وسأل [٦١/ب] عنه الشفعاء وكل إلى نفسه؛ ومن أكره عليه أنزل الله -﷿ - ملكًا يسدده ".
وحكي أن أبا هريرة -﵁ - أراد محمد بن واسع على القضاء؛ فقال: لتخليني أو لأضربنك ثلاثمائة سوط إن تفعل فسلط؛ وذليل الدنيا خير من ذليل الآخرة. وقال مكحول: لو خيرت بين القضاء والقتل لاخترت القتل.
وروى أن سفيان الثوري لقي شريك بن عبد الله - رحمة الله عليهما - بعد ما ولى القضاء بالكوفة؛ فقال: يا أبا عبد الله؛ بعد الإسلام والفقه والخير تلي القضاء وصرت قاضيًا؟ فقال له شريك: يا أبا عبد الله؛ لابد للناس من قاض؛ فقال له سفيان يا أبا عبد الله؛ لابد للناس من شرطي.
قلنا: أما الأول فلم يرد به تحريم القضاء ولا كراهية فعله؛ وإنما أراد به أن من جعل قاضيًا فقد حمل أمرًا عظيمًا؛ وتحمل المشقة كما يتحمل الذبح؛ فإن جار فيه هلك؛ وإن عدل فاز بالثواب العظيم والأجر الجسيم ويدل عليه ما ذكرنا من الأخبار والآثار.
وقال ﷺ في خطبته: " أصحاب الجنة ثلاثة؛ ذو سلطان مقسط موفق؛ ورجل رحيم رقيق القلب؛ ورجل ضعيف فقير متصدق".
[ ١١ / ٤٣ ]
وروى عبد الله بن عمرو بن العاص - ﵄ - أن النبي ﷺ قال: "المقسطون عند الله يوم القيامة على منابر من نور عن يمين الرحمن وكلتا يديه يمين؛ وهم الذين يعدلون في حكمهم وأهلهم وما ولوا"
وروى عبد الله بن مسعود - ﵁- أن النبي ﷺ قال: لا حسد إلا في اثنتين؛ رجل آتاه الله مالًا فسلطه عليه في الخير، ورجل آتاه الله حكمة فهو يقضى بها ويعلمها ".
[٦٢/ أ] وروى أبو سعيد الخدري -﵁ - أن النبي ﷺ قال:" يوم من إمام عادل أفضل من عبادة ستين سنةٌ؛ وحدٌ يقام في الأرض أذكى من مطر أربعين يوما "
وروى أن النبي ﷺ قال:" سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله؛ إمام عادل " الخبر؛ فبدأ بذكر الإمام العادل.
وقال مسروق: لأن أقضى بعدل أو حق أحب إلىَّ من أغزو في سبيل الله سنةٌ.
قال الحسن البصري: كان يقال: لأجر حاكم يومًا أفضل من أجر رجلٍ يصلى في بيته سبعين سنةٌ.
وقال عبد الله بن مسعود﵁ -:لأن أجلس فأقضى بين اثنين بحقٍ أحب إلىَّ من عبادة سبعين سنةٌ.
وروى عن عمر - ﵁ - انه كتب في كتابه إلى أبى موسى الأشعري - ﵁: أن القضاء في مواطن الحق مما يوجب الله به الأجر ويحسن به الذكر؛ فمن خلصت نيته في الحق ولو على نفسه كفاه الله ما بينه وما بين الناس؛ ومن تزين بما ليس في نفسه شانه الله؛ فإن الله تعالى لا يقبل من العباد إلا ما كان له خالصًا.
فدل هذا على إن القضاء أفضل العبادات وأقرب القرب إلى الله تعالى إذا عرف من نفسه القيام به وأداء حقوقه.
والأخبار الواردة في ذم من رغب فيه محمولة على من يشق عليه القيام به ويخاف أن لا يسلم فيه.
وقال أبو قلابة: ما وجدت مثل القاضي العالم الأمثل السابح وقع في بحرٍ كم عسى يسبح حتى يغرق.
وقال القاضي [٦٢/ب] الطبري: وحدثني بعض شيوخنا ببغداد أن أباه استصحبه في بعض أشغاله في باب الشام؛ فأراني دورًا مختومة فقال: هذه دور أبى (علي) بن خيران.
[ ١١ / ٤٤ ]
طلبه الوزير بن الفرات ليوليه القضاء وقد هرب منه فختم داره؛ فقال لي: أحفظ هذا حتى تحكيه.
فإذا تقرر هذا فالناس في القضاء على أربعة اضرب؛ ضرب يجب عليه أن يتولى القضاء؛ وضرب يستحب له ولا يجب عليه؛ وضرب يستحب له تركه ولا يستحب له فعله؛ وضرب يحرم عليه فعله والدخول فيه.
فأما من يجب عليه فرجل يكون من أهل الفقه والأمانة ولا يوجد في بلده من يصلح للقضاء غيره من أهله؛ فإنه يتعين عليه فرضه؛ لأن الفرض على الكفاية إذا لم يكن من يقوم به غيره أحد يتعين عليه كما نقول في الفتوى؛ وغسل الموتى والصلاة عليه ودفنهم ونحو ذلك. ويجب على الإمام أن يعرضه عليه ويدعوه إلى الدخول فيه؛ فإن امتنع لم يحل له؛ وكان الإمام إجباره عليه.
ومن أصحابنا من قال: ليس له إجباره عليه لقول ﷺ: "إن لا نجبر على القضاء أحدًا"؛ ولأنه من فروض الكفايات فإذا أجبرناه عليه جعلناه من فرائض الأعيان؛ وهذا ضعيف لا وجه له؛ والخبر محمول على ما لو كان هناك نص وفرائض الكفايات قد تتعين على ما ذكرنا؛ ولأنه إذا ألزمه فلا يحل له تركه ويجوز إجباره على فعل الفرض الذي يتعلق بحقوق المسلمين؛ ولأن من اضطر إلى طعامه وهو لا يحتاج إليه [٦٣/ أ] أجبر على بذله؛ فإذا اضطر إلى منفعته أجبر على بذلها ولا فرق بينهما.
فرع
إذا تعين عليه ما ذكرنا يجب عليه أن يمضى للإمام ويعرض نفسه عليه لأنه بمنزلة الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر إذا تعين عليه؛ فإن لم يفعل ذلك عصى وأثم. وقال في " الحاوي": لا يتعين طلب القضاء؛ لأن فرض التقليد على المولّى دون المولى.
فرع آخر
لو كان هناك جماعة بهذه الصفة وجب عليهم على طريق الكفاية؛ حتى يقوم به أحدهم فيسقط فرضه عن جماعتهم؛ فإن عرض الإمام القضاء على واحدٍ منهم هل يجبره على قبوله إذا امتنع؟ ينظر فإن امتنع لعذرٍ لم يجبره؛ وإن امتنع لغير عذرٍ هل يجبره عليه؟ وجهان
أحدهما: لا يجبره؛ لأنها نيابة كالوكالة؛ ولأنه إذا وجد غيره لم يتعين عليه فلا يجبره عليه.
والثاني: يجبره؛ لأنه دعاه إلى واجبٍ رأى تعيينه فيه؛ ولأنه مأمور بطاعته؛ فإن تركه على امتناعه يجوز أن تكون حال غيره مثل حاله فيقضى الأمر إذًا تعطيل القضاء بخلاف الوكالة.
[ ١١ / ٤٥ ]
فرع آخر
لو استوى جماعه في شروط القضاء وفيهم طالبٌ وممسك فالأولى أن يقلد الممسك دون الطالب؛ لأنه أرغب في السلامة، فإن عدل الإمام عن الممسك إلى الطالب جاز وصح تقليده.
فرع آخر
إذا تكاملت الشروط في جماعةٍ فالأولى بالإمام أن يقلد أفضلهم؛ فإن عدل إلى المفضول انعقدت ولايته.
فرع آخر
لو تكاملت شروط الإمامة في جماعةٍ وجب على أهل الاختيار أن يقلدوا أفضلهم؛ فإن عدلوا إلى المفضول؛ قال جمهور العملاء: يجوز كما قلنا في القضاء. وذهب بعض الفقهاء إلى أنه لا يجوز؛ والفرق أن القضاء نيابة خاصة فجاز أن يعمل على اختيار المستنيب؛ والإمامة ولاية عامة فلم يصح فيها تفريط أهل الاختيار لافتياتهم على غيرهم.
فرع آخر
[٦٣/ ب] إذا تكاملت في واحدٍ دون غيره لا يصير بتفرده في عصره واليًا يوَلّى ولو تكاملت شروط الإمامة في واحد منفرد بشروطها قال أكثر الفقهاء: لا تنعقد إمامته إلا بعقد أهل الاختيار كولاية القضاء. وقال فقهاء العراق وبعض المتكلمين: تنعقد إمامته من غير عقدٍ؛ لأن عقد أهل الاختيار إنما يراد لتمييز المستحق؛ فإذا تميز بصفته استغنى عن عقدهم ويفارق القضاء؛ لأنه نيابة خاصة يجوز صرفه عنها مع بقائه على صفته فافتقرت إلى عاقدٍ؛ والإمامة ولاية عامة لا يجوز أن يصرف عنها مع بقائه على صفته فلم تفتقر إلى عاقدٍ.
ومن الفقهاء من سوى بين الإمامة والقضاء، وجعل ولاية القضاء فيمن تفرد بشروطه منعقدة من غير عاقد كالإمامة وهذا أدب، والأصح التسوية بينهما في البطلان؛ لأن الولايات عقود فافتقرت إلى عاقد.
وأما الضرب الثاني من يستحب له ولا يجب عليه: فرجل من أهل العفة والأمانة والاجتهاد؛ وفي البلد مثله جماعة إلا أنه فقير لا كفايه له؛ فيتولى القضاء ليأخذ الرزق. وكذلك إذا كان له كفاية ولكنه خامل الذكر لا يعرف؛ فيريد القضاء ليعرف فينفع بعلمه فيستحب له طلبه والدخول فيه.
فإن قيل: أليس قال ﷺ لعبد الرحمن بن سمرة: "لا تسأل الإمارة؛ فإنك إن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها؛ وإن أعطيتها من غير مسألة أعنت عليها".
[ ١١ / ٤٦ ]
وروى أبو موسى الأشعري - ﵁ - أن النبي ﷺ قال: " لا أستعمل - أو لا يُستعمل - على عملنا من أراده".
قيل: قال الفقهاء: الأولى أن يطلب ذلك ولا يتعرض له حتى يُساق إليه من غير طلبه لهذا الخبر؛ ويستحب له أن يجيب إليه إذا كان مطلوبًا؛ وهذا لأن الطلب تكلف والإجابة معونة. وقال [٦٤/ أ] بعض أصحابنا: يكره له الطلب بكل حالٍ؛ ولكن تستحب له الإجابة إذا كان مطلوبًا ذكره في " الحاوي".
وقال القاضي الطبري: تأويل الخبر عندي إذا أسرع الطلب من غير أن يقف الإمام على حاله؛ فهذا يكره حتى يستبحث الإمام عمن يستحقه ويصلح ويوليه؛ ولا يفوت عليه رأيه بالإطماع في الطلب هذا المنع على هذا الوجه؛ فأما إذا علم الإمام حاله ورآه موضعًا للقضاء يكره له طلبه؛ بل يستحب له على ما ذكرته والله أعلم.
وهكذا إذا كانت الحقوق مُضاعة لجور أو عجزٍ والأحكام فاسدةٌ بجهلٍ أو هوى؛ فقصد بطلبه حفظ الحقوق وحراسة الأحكام؛ يستحب له طلبه ولا شك في هذا؛ لأنه يقصد أمرًا بمعروفٍ ونهيًا عن منكر؛ ويستحق به الأجر من الله تعالى.
قال أصحابنا: وقد أخبر الله تعالى عن يوسف - ﵊- إنه طلب فقال: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف:٥٥]؛ إنما طلب على المعنى الذي ذكرنا شفقة على المسلمين لا منفعة للمسلمين.
وأما الضرب الثالث الذي لا يستحب له فعله ويستحب له تركه: فهو أن يكون رجلًا من أهل العفة والأمانة تقيًا معروفًا بالعلم؛ يرجع إليه في الفتوى؛ فالأولى له الاشتغال بتعليم العلم والفتيا؛ ويترك طلب القضاء لما فيه من الضرر والخطر؛ وعلى هذا يحمل امتناع من امتنع من تقلد القضاء من الصحابة والتابعين؛ وقد قال تعالى: ﴿إنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ والأَرْضِ والْجِبَالِ﴾ الآية [الأحزاب:٧٣].
وأما اضرب الرابع الذي يحرم عليه القضاء: فهو أن يكون جاهلًا بالحكم أو فاسقًا؛ فلا يحل لهما أن يتوليا القضاء؛ وإن ولاهما لا تصح أحكامهما ولا تنفذ قضايهما.
وقال في " الحاوي": والطلبة خمسة؛ مستحب؛ ومحظور؛ ومباح؛ ومكروه؛ ومختلف فيه:
فأما المستحب: [٦٤/ب] فأن تكون الحقوق مضاعة على ما ذكرنا.
وأما المحظور: فأن يقصد بطلبه انتقامًا من أعدائه أو تكسبًا بارتشاء فيأثم به.
[ ١١ / ٤٧ ]
وأما المباح: فأن يطلب لاستمداد رزقه أو لاستدفاع الضرر به فهو مباح؛ لأن المقصود به مباحٌ.
وأما المكروه: فأن يطلب المباهاة والاستعلاء؛ قال الله تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًا فِي الأَرْضِ﴾ الآية [القصص:٨٣].
وأما المختلف فيه: فأن يطلب رغبة في الولاية. والنظر فيه ثلاثة أوجهٍ للسلف ولأصحابنا: أحدهما: يكره أن يكون طالبًا ويكره أن يجيب إليه مطلوبًا؛ وهو ظاهر قول ابن عمر﵄- ومكحول وأبى قلابة ومن يخشى من الفقهاء؛ وطلب السلامة لما ذكرنا من أخبار النهى.
والثاني: يستحب أن يكون طالبًا وأن يجيب إليه إذا كان مطلوبًا؛ وهو ظاهر قول عمر - ﵁ - والحسن؛ ومسروق ومن يُساهل من الفقهاء وقال: إن التعاون على البر والتقوى لما روى أبو هريرة - ﵁ - أن النبي ﷺ قال: "من طلب القضاء حتى يُنال؛ فإن غلب عدله جوره فله الجنة؛ وإن غلب جوره عدله فله النار"؛ ولأنه فرض لا يؤدى بالتعاون؛ والله تعالى يقول: ﴿وتَعَاوَنُوا عَلَى البِرِّ والتَّقْوَى﴾ الآية [المائدة: ٢].
والثالث: وهو أعدلها يكره أن يكون طالبًا ويستحب أن يجيب إليه مطلوبًا؛ وهو قول أكثر المتوسطين في الأمور من الفقهاء؛ وهذا كله حسن.
فرع آخر
لو بذلك على طلب القضاء مالًا؛ فإن كان واجبًا متعينًا عليه أو مستحبًا له ليزيل جور غيره فبذله على هذا الطلب مستحب له؛ وقبوله على القابل له. وإن كان طلبه محظورًا فبذله على هذا الطلب محظور؛ وإن كان طلبه مكروهًا فبذله على هذا الطلب مكروه فيخلف الحكم بحال الطلب لامتزاجهما، فقبوله اشد محظورًا وتحريمًا. [٦٥/ أ] وإن كان طلبه مُباحًا فيعتبر البذل؛ فإن كان بعد التقليد لم يحرم على الباذل وحرم على القابل؛ لقوله ﷺ:" هدايا الأمراء غلول ". وإن كان البذل قبل التقليد حرم على الباذل والقابل جميعًا؛ لأنها من الرشي المحظورة على باذلها وقابلها لرواية أنس - ﵁ - أن النبي ﷺ قال: "لعن الله الراشى والرائش والمرتشي". فالراشي: باذل الرشوة؛ والمرتشى: قابلها؛ والرائش: المتوسط بينهما. وقال عبد الله بن عمرو:
[ ١١ / ٤٨ ]
"لعن رسول الله الراشى والمرتشى".
وإنما تلحقهم العقوبة معًا إذا استووا في القصد؛ وهو أن يرتشوا لينال به باطلًا ويتوصل به إلى ظلمٍ؛ فأما إذا أعطى ليتوصل به إلى حق أو يرفع عن نفسه ظلمًا؛ فإنه غير داخل في الوعيد.
وقد روى ابن مسعود - ﵁ - أنه أخذ في شيء وهو بأرض الحبشة؛ فأعطى دينارين حتى خلى سبيله.
وقال الحسن البصري؛ وجابر بن زيد وعطاء: لا بأس أن يصانع الرجل عن نفسه وماله إذا خاف الظلم.
فرع آخر
إذا حرمنا عليه بذل المال فبذل وقلده؛ فإن قال: قلدتك بهذا المال لا يصح التقليد؛ وإن قال: قلدتك القضاء مطلقًا فالتقليد صحيح؛ وإن تقدم بسببٍ هو معصية كالبيع إذا تقدمه شرط فاسد؛ وقيل: لا يصح التقليد؛ لأنه صار به فاسقًا فلا ينفذ حكمه حتى يتوب ثم يولى.
فرع آخر
يجب على الإمام تقليد القضاء؛ وهو فرض متعين عليه لدخوله في عموم ولايته؛ ولأن التقليد لا يصح إلا من جهته؛ ولا يجوز أن يتوقف حتى يسأله؛ لأنه من الحقوق المسترعاة.
فرع آخر
القاضي في إقليم من الأقاليم إذا عجز عن النظر في جميع النواحي يلزمه تقليد القضاء فيما عجز عن مباشرة النظر فيه؛ فإن بعد عن الإمام تعين [٦٥/ب] فرض التقليد على القاضي؛ وإن قرب منه كان فرض التقليد مشتركًا بين القاضي وبين الإمام ويتعين عليهما دون غيرهما؛ فأيهما تفرد بالتقليد سقط فرضه عنهما؛ فإن تفرد القاضي فيه بالتقليد كان فيه على عموم ولايته؛ وإن تفرد الإمام بالتقليد كان عزلًا للقاضي عنه؛ إلا أن يصرح في التقليد باستنابته عنه فيكون باقيًا على ولايته.
فرع آخر
يجوز للإمام أن يعزل من قلده القاضي؛ ولا يجوز للقاضي أن يعزل من قلده الإمام إلا أن يكون مستنابًا عنه؛ ففي جواز تفرد القاضي بعزله وجهان:
أحدهما: يجوز كما لو كان هو المستنيب. والثاني: لا يجوز لا فتياته على الإمام في
[ ١١ / ٤٩ ]
اختياره. ذكره في "الحاوي".
فرع آخر
لو خلا بلد عن قاض فقلد أهل البلد قاضيًا بينهم كان باطلًا إن كان في العصر إمام لافتياتهم عليه فيما هو أحق به؛ ولم يجز أن ينظر بينهم ملزمًا؛ فإن نظر بطلت أحاكمه وصار بها مجروحًا؛ ويجوز أن ينظر بينهم متوسطًا مع التراضي؛ والأولى أن يعتزل عن الوسطة بينهم لئلا يشتبه بذوي الولايات الصحيحة ولما تقدم من التقليد.
وإن خلا العصر من إمامٍ؛ فإن كان يرجى أن يتجدد لإمامٍ نظر في زمانٍ قريب كان تقليد القاضي باطلًا؛ وإن لم يرج فإن أمكنهم أن يتحاكموا إلى قاضى أقرب البلاد إليهم كان تقليدهم للقاضي باطلًا؛ إن لم يمكنهم التحاكم إلى غيره نُظر؛ فإن لم يمكنهم أن ينصروه على تنفيذ أحكامه كان باطلًا أيضًا لقصورهم عن قوة الولاه؛ وإن أمكنهم نصره وتقوية يده كان تقليدهم جائزًا حتى لا يتغالبوا على الحقوق إذا اجتمع على تقليده جميع أهل الاختيار منهم.
فرع آخر
لا يعتبر [٦٦/ أ] في تقليد الإمام اجتماع أهل الاختيار كلهم بخلاف القضاء في المسألة التي ذكرناها؛ والفرق أن ولاية الإمام عامة في جميع البلاد التي لا يمكن اجتماع أهلها على الاختيار سقط اعتبار اجتماعهم لتعذره؛ وولاية القاضي خاصة على بلدٍ واحدٍ يمكن اجتماع أهل الاختيار عليه؛ فلزم اعتبار اجتماعهم لإمكانه.
فرع آخر
لو قلده القضاء بعض أهل الاختيار منهم نظر في باقيهم؛ فإن ظهر منهم الرضا بالسكوت وعدم الاختلاف صح التقليد؛ وصار بالرضا كالمجتمعين عليه؛ لأنه يمكن يباشر جميعهم وإن ظهر منهم الإنكار بطل التقليد لعدم شرطه في الإجماع.
فرع آخر
لو كان للبلد جانبان فرض بتقليد أحد الجانبين دون الآخر صح تقليده في الجانب المرتضى فيه دون الجانب الآخر؛ لأن تميز الجانبين كتميز البلدين.
فرع آخر
إذا صحت ولايته في هذه المسألة نفذت أحكامه طوعًا وقصرًا لانعقاد ولايته؛ فإن تجدد بعده إمامٌ لم ينقض له حكمًا نفذ على الصحة وله عزله وإقراره؛ ولم يجز للقاضي أن يستأنف النظر إليه بعد إذنه؛ ولو كان تقليده عن إمام لم يلزمه الاستئذان؛ والفرق وجود الضرورة في تقليد أهل الاختيار وعدم الضرورة في تقليد الإمام.
[ ١١ / ٥٠ ]
فرع آخر
هذا القاضي في هذه المسألة يكتفي بإذن الإمام عن تجديد تقليد ويقوم الإذن له مقام التقليد، وإن لم يجز الاقتصار علي الإذن في الولايات المستحدثة؛ لأنه تقدم لهذا القاضي شروط التقليد، فكلن حكمه أخف، ذكره في "الحاوي".
فرع آخر
قال الشافعي-رضي الله- عنه في"أدب القضاء": "ولو أن القاضي والقاسم والكاتب للقاضي وصاحب الديوان [٦٦/ب] وصاحب بيت المال والمأذونين لم يأخذوا جعلًا وعملوا محتسبين كان أحبَّ إليَّ، وإن أخذوا جعلًا لم يحرم عليهم عندي، وبعضهم بالجعل من بعضٍ، وما منهم من أحدٍ كان أحبَّ إليَّ الجعل من المؤذن".
ثم قال: "ولا بأس أ، يأخذ الجعل علي أن يكبل للناس ويزن لهم ويعلمهم القرآن والنحو، وما يتأدبوا به من الشعر مما ليس فيه مكروه".
قال أصحابنا: إنما استحب الشافعي ترك الجعل لمن له كفاية يرجع إليها ويكتفي بها؛ لأن من الناس من قال: لا يجوز ذلك، فاستحب الخروج من الخلاف. فأما من له كفاية يرجع إليها فالمستحب أن لا يأخذ الرزق وبرر علي ما يحتاج إليه فيما يلتبس به في أمر القضاء والحكم، إلا أن أبا بكر الصديق﵁- أخذ في كل يوم درهمين من بيت المال، وروي أنه لما ولي الخلافة خرج برزمةٍ إلي السوق، فقيل له: ما هذا؟ فقال: أنا كاسب أهلي، فاجتمعت الصحابة وقدَّروا له درهمين في كل يوم. وروي عن عمر﵁- أنه قال: أنزلت نفسي من هذا المال منزلة وإلي اليتيم، ومن كان غنيًا فليستعفف، ومن كان فقيرًا فليأخذ بالمعروف.
وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "من استعملناه منكم علي عملٍ ممن لم يكن له امرأة فليتزوج امرأة، ومن لم يكنن له خادم فليتخذ خادمًا، ومن لم يكنن له مسكن فليتخذ مسكنًا".
وروي عن عمر﵁- أنه بعث إلي الكوفة ثلاثة نفر؛ عبد الله بن مسعود قاضيًا، وعمار بن ياسر أميرًا، وعثمان بن حنيف ماسحًا، وجعل لهم كل يوم شاةً، نصفها مع السواقط لعمارٍ، والنصف الآخر بين عبدا لله بن مسعود وبين عثمان بن حنيف
وروي عن عمر﵁- أنه رزق شريحًا [٦٧/ أ] كل شهر مائة درهم، فلما أفضت الخلافة إلي علي - ﵁- جعل رزقه كل سنةٍ خمسمائة درهم.
وروي أن عمر بن عبد العزيز بعث يزيد بنأبي مالكٍ، والحارث بن محمد في أمرٍ
[ ١١ / ٥١ ]
من أمور المسلمين وفرض لهم رزقًا، فقبل يزيد أبي مالك ولم يقبل الحارث، فقال عمر بن عبد العزيز ما نعلم بما فعل يزيد بأسًا، وأكثر الله فينا مثل الحارث.
وأيضًا فإن الله تعالي فرض للعاملين علي الصدقات سهمًا وجعل لهم حقًا لسعيهم فيها وقيامهم ها، فالقاضي بذلك أولي، ولأن خمس الخمس لمصالح المسلمين وهذا من أهم المصالح أو مثل أهمها فوجب أن ينصرف إليه.
فإن قيل: أليس وروي عن عمر﵁- أنه قال: لا ينبغي لقاضي المسلمين أن يأخذ علي القضاء أجرًا؟ قلنا: أراد به إذا كان مستغنيًا عنه فالأولي له ذلك، أو أراد به أخذ ذلك من غير بيت المال.
ومن أصحابنا من قال: إذا كان له كفاية يكره له أخذ الرزق عليه وإذا لم يتعين عليه فرض القضاء، فإن تعين عليه فرضه وكان مكفيًا لم يجز له أخذ الرزق من بيت المال، لأنه فرض متعين عليه، ولا يجوز أنن يأخذ في مقابلته عوضًا. وإن كان فقيرًا وإذا اشتغل بالقضاء بطل كسبه وجب أن يرزق؛ لأنه تضييع حق نفسه بمراعاة حق غيره.
فرع آخر
قد ذكرنا أنه يجب علي الإمام أن يبعث القضاة إلي البلدان، ولا يكلفون السير في خصوماتهم إلي بلد الإمام لما ذكرنا أنه ﷺ بعث القضاة إلي البلاد، ولا بد من أن يكون الإمام عالمًا بتكامل شروط القضاء في المولي ليقع العقد صحيحًا بعد معرفته به، فإن كان رجلًا قد عرفه علي معرفته وعلمه لا يحتاج إلي السؤال والبحث عنه وعن حاله، وإن لم كن عرف حاله يجمع بينه وبين أهل العلم [٦٧/ب] حتى يقف علي مقدار علمه، ثم يسأل عنه من يعرفه من جيرانه والمختلطين به، فإذا ثبت عدالته وعلمه ولاه القضاء.
وقال الإصطخري: يحضر عنده الموافقين والمخالفين، وبأمرهم بالمناظرة بين يديه حتى يعرف من أهل الاجتهاد، فإذا عرفه سأل عنه في الباطن، ثم ولاه بعد ذلك، وهذا قريب كما ذكرنا.
فرع آخر
إذا استفاض الخبر بحاله كانت الاستفاضة أكد من الشهادة ولا يحتاج معها إلي الأخبار، وإن لم يستفيض به الخبر جاز أن يقتصر منها علي شهادة عدليين بتكامل شروط القضاء فيه، ويختبره ليتحقق باختياره صحة معرفته، وهذا الاختبار بعد شهادة عدليين هل يكون واجبًا أو مستحبًا؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنه استحباب يستظهر به، لأن صحة الشهادة يوجب العمل بها.
والثاني: أنه واجب لجواز أن يطرأ عليه نسيان أو اختلال.
فإن لما يشهد بتكامل صفاته شاهدان لزم اختباره قبل تقليده علي ما ذكرناه، وهذا لأن
[ ١١ / ٥٢ ]
النبي ﷺ اختبر معاذ﵁- حين قلده قضاء اليمن، ولم يختبر عليَّا﵁- عند تقليه؛ لأنه أخبر منه بمعاد﵄.
فرع آخر
إذا قلده وهو لا يعلم تكامل الشروط فيه قم علمها كان التقليد باطلا حتى يستأنفه بعد العلم بتكاملها لوقوع التقليد مع الشك فيه.
فرع آخر
صفة العقد معتبٌر باللفظ مع الحضور، وبالمكاتبة مع الغيبة للضرورة، ولا يجوز أن يقتصر علي المكاتبة مع مع الحضور لارتفاع الضرورة.
فرع آخر
لفظ العقد يشتمل علي صريح وكناية ومختلف فيه، فالصريح أربعة ألفاظٍ، قلدتك القضاء، ووليتك القضاء، واستخلفك علي القضاء، أو استنبتك علي القضاء.
[٦٨/أ] وأما الكناية فأربعة ألفاظ؛ قد اعتمدت عليك في القضاء، أو عولت عليك، أو عهدت إليك بالقضاء، أو وكلت إليك القضاء، فلا ينعقد لاحتمالها مال يقترن بها ما يزول به الاحتمال، بأن يقول: فالحكم، أو يقول: فانظر فتكون الكناية كالصريح.
فأما المختلف فيه فأربعة ألفاظٍ؛ قد فوضت إليك القضاء، أو رددت إليك القضاء، أو أسندت إليك القضاء وفيهما وجهان؛ أحدهما: أنه صريح في التقليد.
والثاني: أنها كناية وهو الأصح.
فرع آخر
يفتقر عقد التقليد إلي شيئين؛ أحدهما: ذكر البلد الذي تقلده.
والثاني: صفة الحكم منن عموم وخصوص، فإن أطلق كان علي العموم في المنازعات وعلي الخصوص في الولايات.
فرع آخر
تمام العقد معتبر بقبول المولي، فإن كان حاضرًا كان قبوله بالقول علي الفور، فيقول: قد قبلت، أو تقلدت، وإن كان غائبًا جاز أن يكون قبوله علي التراخي.
فرع آخر
صحة القبول تفتقر إلي شرطين: أحدهما: أن يعلم المولي أن المولي مستحق للولاية التي استنابه فيها، فإن لم يعلم لا يصح قبوله.
والثاني: أن يعلم المولي من نفسه أنه مستكمل للشروط المعتبرة في القضاء، فإن علم خلافه لم يصح قبوله، وكان بالقبول مجروحًا.
[ ١١ / ٥٣ ]
فرع آخر
لو شرع في النظر قبل القبول، فليكون شروعه فيه قبولًا؟ وجهان: أحدهما: يكون قبولًا فتنقذ أحكامه.
والثاني: لا يكون قبولًا حتى يصرح بالقبول نطقًا وتكون أحكامه مردودة قبله، وهذا لأن الشروع في النظر فرع لعقد الولاية فلم ينعقد به قبولها.
فرع آخر
إذا ولاه القضاء [٦٨/ب] علي البلد كتب له بالعهد بما ولي؛ لأن النبي ﷺ كتب العهد لعمرو بن حزم حين بعثه إلي اليمن، وكتب أبو بكر الصديق لأنس﵄- العهد إلي البحرين وختمه بخاتم الرسول النبي ﷺ.
وروي جابر بن مضرب أن عمر﵁- كتب إلي أهل الكوفة: أما بعد فإني بعثت إياكم عمارًا أميرًا، وعبد الله بن مسعود قاضيًا ووزيرًا فاسمعوا لهما وأطيعوا فقد لآثرتكم يهما.
ولا يشترط كتب العهد في صحة التقليد؛ لأن النبي ﷺ لم يكتب العهد لمعاد بن جبل - ﵁ - فاقتصر علي وصيته، وإنما يراد العهد ليكون شاهدًا بما تضمنه من صفات التقليد وشروطه.
فرع آخر
إذا كتب العهد يأمره بتقوى الله تعالي، والتثبيت في القضاء، ومشاورة أهل العلم، وصفح أحوال الشهود وتأمل الشهادات، وتعاهد اليتامى وحفظ أموالهم، ومراعاة الأوقاف وغير ذلك مما يحتاج إلي مراعاته.
وقد روي عن إدريس الآوي أنه قال: أخرج إلينا سعد بن أبي بردة كتابًا، فقال: هذا كتاب عمر بن الخطاب إلي أبي موسي: أما بعد، فإن القضاء فريضة محكمة، وسنة متبعة، الفهم الفهم، إذا آوى إليك أمر بين الناس ووجهك ومجلسك وعدلك حتى لا يطمع شريف في حيفك، ولا يخاف ضعيف من جورك، البينة علي من ادعي واليمن علي من أنكر، والصلح جائز بين الناس إلا صلحًا أحل حرامًا أو حرم حلالًا، لا يمنعك من قضاء قضيته بالأمس أن تراجع الحق، فإن الحق قديم لا يبطل الحق شيء، ومراجعة الحق خير من التمادي في لباطل، الفهم فيما يختلج في صدرك ما لم يبلغك من القرآن، فتعرف الأمثال في الأشباه، ثم قس [٦٩/ أ] الأمور عند ذلك واعتمد إلي أحبها إلي الله تعالي وأشبها، فما تري اجعل للمدعي أمدًا ينتهي إليه، فإن أحضر بينة وإلا وجهت عليه القضاء، فإن ذلك أجلي للعمى وأبلغ في العذر، والمسلمون عدول بعضهم علي بعض إلا مجلودًا في حدٍ، أو مجربًا بشهادة الزور، أو ظنينًا في ولاء أو قرابة، فإن الله تولي منكم السرائر ودرأ عنكم الشبهات. ثم إياك والضجر والقلق والتأذي بالناس، والتنكر بالخصوم في مواطن الحق التي يوجب الله بها الأجر
[ ١١ / ٥٤ ]
ويكسب بها الذخر، وأنه من يصلح سريرته فيما بينه وبين ربه أصلح الله ما بينه وبين الناس، ومن تزين للناس بما يعلم الله منه غير ذلك يشنه الله فما ظنك بثواب الله تعالي في عاجل الدنيا وخزائن رحمته والسلام.
فرع آخر
إذا كتب له العهد نظر، فإن كان البلد الذي ولاه إياه بعيدًا لا يستفيض إليه الخبر بما يكون في الأمام، أحضر شاهدين عدلين وقرأ العهد أو قرأه غيره بحضرته، وأشهدهما علي توليته ليمضيا معه إلي بلد ولايته يقيما له الشهادة عند أهله ويقول لهما: أشهد عليَّ أن قد وليت قضاء البلد الفلاني وتقدمت إليه ما يشتمل العهد عليه، وإن كان البلد قريبًا من بلد الإمام كوسط من بغداد والكوفة منها ونحو ذلك، فهل تثبت ولايته عند أهل البلد باستفاضة الخبر دون الشهادة؟ وجهان:
أحدهما: وهو اختيار الإصطخري يثبت بذلك؛ لأنها أوكد من شهادة شاهدين.
والثاني: لا يثبت بذلك وهو اختيار أبي إسحاق؛ لأن الشهادة أخص، ولأنه عقد لا يقبل فيه الاستفاضة كالإجارة والوكالة.
وقيل: أصل هذا الاختلاف في النكاح والوقف والعتق هل يثبت بالاستفاضة فيه وجهان؛ فإذا ثبت [٦٩/ب] بالاستفاضة يلزم الرعايا الانقياد له والطاعة، وإذا قلنا لا يثبت بها لا يلزمهم الطاعة.
فرع آخر
إذا قرظا الإمام العهد علي الشاهدين بنفسه لا يحتاج الشاهد إلي أن ينظر في الكتاب، فإن الإمام قد ثبتت أمانته، وإن قرأ غيره بحضرته نظر الشاهدان فيه ليعلما أن الأمر علي ما قرأه القارئ من غير زيادة ولا نقصان.
فرع آخر
إذا شهد شاهدان بالتقليد والعهد، والذي تضمنه الولاية، ن فإن عرف أهل البلد عدالتهما لزمتهم الطاعة، وإن لم يعرفوا عدالتهما لم يلزمهم الطاعة حتى يكشفوا عن الطاعة.
فرع آخر
لو لم يشهد بها شاهدان وورد القاضي المولي فأخبرهم بولايته لم تلزمهم الطاعة إن لم يصدقوه، وإن صدقوه هل تلزمهم طاعته؟ فيه وجهان:
أحداهما: تلومهم؛ لأنهم اعترفوا بحق عليهم.
والثاني: لا يلزمهم؛ لأنه يتضمن إقرارهم علي (المولى).
[ ١١ / ٥٥ ]
فرع آخر
لا يلزم عقد القضاء في حق المولي والمولي؛ لأنه في حقهما من العقود الجائزة؛ لأنها استنابة كالوكالة، ويجوز للمولي أن يعزله إذا شاء، والأولي أن لا يعزله إلا من عذرٍ، وأن لا يعزله المولي نفسه إلا لعذرٍ.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: لو عزله الإمام من غير عذرٍ هل ينعزل؟ وجهان.
فرع آخر
إذا كان العزل من المولي أشاعه حتى لا ينظر المولي بعد، فإن نظر قبل عمله بالعزل ففي نفوذ أحكامه وجهان قلنا في الموكل بالتصرفات هل ينعزل بعزله قبله علمه؟ ومن أصحابنا من قال هنا قولًا واحدًا لا ينعزل ما لم يعلم؛ لأن القضاء آكد من الوكالة.
وقيل: ينعزل من وقت العزل قولًا واحدًا للاحتياط فيه، والصحيح الطريقة الأولي، وإن كان العزل من المولي شاعه ليقلد المولي غيره، فإن حكم بعد رد حكمه بلا خلاف.
فرع آخر
التقليد [٧٠/أ] لازم في حق أهل العمل من الرعايا، فيلزمهم التزام الحكم وإظهار الطاعة، فإن امتنعوا من التزامه لعذرٍ أوضحوه، وإن كان بغير عذرٍ أرهبوا، فإن أقاموا علي الامتناع حوربوا؛ لأن التزام القضاء من الفروض.
فرع آخر
قال الإمام جدي: إذا أنكر القاضي كونه قاضيًا صار معزولًا، كما لو كان أنكر الوكيل الوكالة؛ لأن الإنكار أبلغ من عزله نفسه، وفيه وجه لا يصير معزولًا.
فرع آخر
إذا صحت توليته وأراد الخروج إلي بلد القضاء دعا من بحضرته من أهل ذلك البلد وسألهم من العدول والأمناء والعلماء الذين فيه، ومن يتولي أموال اليتامي وغيرها من الأموال، فإن لم يكن بحضرته أحد سأل في طريقة حتى يقف علي حقيقته ويدخل علي علم بحال البلد.
فرع آخر
إذا بلغ البلد فالمستحب أن يدخلها بسوادٍ؛ لأن النبي ﷺ دخل مكة وعلي رأسه عمامة سوداء، ولأنه أهيب له.
فرع آخر
قال أصحابنا: يستحب أن يدخل البلد يوم الاثنين؛ لأن النبي ﷺ دخل المدينة يوم الاثنين.
[ ١١ / ٥٦ ]
فرع آخر
إذا دخل البلد، فإن شاء قصد أوسع موضع في البلد من جامع أو رحبة مسجد أو غيرها، ويجمع الناس ويقرأ عليهم العهد، فإن كان معه شهود شهدوا بما في الكتاب، وإن شاء نزل في منزلٍ ثم أمر مناديًا: ألا إن فلان ابن فلان قد ورد قاضيًا في يوم كذا، ويريد أن يخرج إلي موضع كذا في يوم كذا لقراءة عهده، فمن أحب أن يحضر فليحضر إن شاء الله. فإن كان بلدًا كبيرًا أمر بالنداء يومين أو ثلاثة، وإن كان صغيرًا أمر بالنداء يومًا واحدًا.
فرع آخر
قال في "الأم": "وينزل متوسط المصر" وإنما قال ذلك ليكونن قريبًا إلي الجميع، فإنه إذا نزل في طرفٍ بعد قصده عن قوم وقرب علي آخري، [٧٠/ب] ثم بدأ واستحضر الناس وسألهم في الباطن عليه الخير سأل عنه في العلانية كما عدلوه في السر، وقد ثبت عنه غيرهم، وإن كان قد بدأ وسألتهم في العلانية فقد ترك المستحب، فإذا فعل ذلك فمن عدل سأل عنه في الباطن، فإن جرحوه وقالوا توقينا لسانه وشره في العلانية قبل جرحهم ولا يفسقون بذلك.
وقال "الحاوي": أول آدابه إذا ورد بلد عمله أن يعلمهم قبل دخوله بوروده قاضيًا فيه، إما بكتاب أو رسولٍ ليعلم ما هم عليه من موافقةٍ واختلاف، فإن اتفقوا علي طاعته دخل، وإن اتفقوا على مخالفته توقف واستطلع رأي الإمام.
والأولي أن يستصحب القاضي كتاب الإمام إلي أمير البلد بتقليده القضاء حتى يجمعهم علي طاعته جبرًا إن خالفوا، فإن وافقه بعضهم اعتبر الأكثر، فإن كان موافقوه أكثر عددًا من مخالفيه وأقوي يدًا دخل، وإن كان مخالفوه أكثر توقف، وعلي الإمام رد مخالفيه إلي طاعته ولو بقتالهم حتى يذعنوا له بالطاعة، ويعنيه فيما ينفذ أمره فيهم ويبسط عليهم ليقدر علي الانتصاف ن القوي للضعيف، ومن الشريف للمشروف، ثم ينادي في البلد بوردة إن اتسع الوقت ليعلم به الداني والقاصي، والخاص والعام، والصغير والكبير، فيكون أهيب في النفوس وأعظم في القلوب.
وإذا دخل يسكن وسط البلد علي ما ذكرناه، ويحتاج أن يبدأ بقراءة عهده قبل نظرة؛ ليعلم الناس ما تضمنه من حدود عمله [٧١/أ] ومن صفة ولايته في عموم وخصوص، ويجمع الناس لقراءته في أفسح بقاعه من جوامعه ومساجده؛ لأنه يتضمن طاعة الله تعالي، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ثم ينظر بعد قراءته في حكومةٍ ولو بين.
[ ١١ / ٥٧ ]
خصمين لتستقر ولايته بالنظر، ويتواطأ الخصوم في الحكم، وليعلم الناس قدر صنعته في عمله.
قال: ثم أمرين يعتمدهما الخصوم في نظره: أحدهما: أن يجعل مجلس نظره من بُعٍد معروف بالمكان مخصوصًا بالنظر والأحكام حتى لا يسألوا عنه أن يخفى عليهم ولا يعدلوا عنه إن نظر في غير أحكامهم.
والثاني: أن يكون زمان نظره معينًا عليه من الأيام ليتأهبوا فيه إلى التحاكم إليه، فإن كثرت المحاكمات لزمه النظر في كل يوم، ويكون وقت نظره من اليوم معروفًا ليكون باقيه مخصوصًا بالنظر في أمور المسلمين لراحته ودعته، فإن قلت المحاكمات جعل يوم نظره في الأسبوع مخصوصًا بحسب الحاجة في يوم أو يومين أو ثلاثةٍ بقدر الحاجة حتى يستعد الناس للتحاكم فيه.
ويختار أن يكون أيام نظره من الأسبوع يوم السبت ويوم الاثنين ويوم الخميس، ولو تجدد في غير يوم النظر مالا يمكن تأخيره نظر فيه ولم يؤخره.
فرع آخر
إذا تصدى للحكم بعد استقرار ولايته وانقياد الناس لطاعته يبعث في الحال إلى الحاكم المعرف أن يدفع إليه ديوان الحكم، وهو حجج الخصوم من المحاضر والسجلات وكتب الوقف؛ لأن الحكام يستظهرون في حفظ الحقوق على أربابها بحفظ حججهم ووثائقهم في نسختين، فيسلم إلى المحكوم له إحداهما وتكون الأخرى في ديوانه يرجع إليها إذا احتاج ليكون على ثقةٍ مما في يده، وكان القاضي السابق [٧١/ب] أحق بإمساكها؛ لأن له نظرًا وولاية، والآن قد زال ذلك، وصار النظر للثاني.
فرع آخر
إذا تسلمها واتسع له الزمان تصفحها وعمل بموجب ما تضمنها إذا دعت الحاجة إليه، ولا يحكم بما فيها إلا إذا شهد به شاهدان، ولا يحكم بخط القاضي قبله لاشتباه الخطوط وإمكان الخطوط وإمكان التزوير عليها.
فرع آخر
يجب على الإمام أن بسير أحوال البلاد في القضاء ويكشف عن أحوال القضاة فيها، فإذا علم أن في البلد قاضيًا مستحقًا للنظر سقط عنه فرضه، وإذا علم أنه لا قاضي فيه، أو فيه من لا يستحق النظر وجب عليه أن يقلد فيه قاضيًا، وكان ذلك عليه فرضًا متعينًا، وإن كان في البلد من يصلح للقضاء كان تقليده لمعرفته به وبأهله أولى من تقليد الغريب.
فرع آخر
لو قلد غير متعين فقال: من نظر من أهل البصرة في قضائها فهو مقلد من جهتي لم يجز؛ لأنه لا يجوز أن ينظر من ليس بأهله، ولو قال: من علمائه لم يجز أيضًا؛ لأن المقلد منهم مجهول.
[ ١١ / ٥٨ ]
فرع آخر
لو قال: إن نظر في قضاء البصرة زيد قلدته لم يجز وإن نظر؛ لأنه عقد بشرط.
فرع آخر
لو ذكر عدد أسماءهم وقلدهم ثم قال: فاتهم نظر فيه، فهو القاضي دون غيره صح التقليد في الناظر سواء قل العدد أو كثر؛ لأنه جعل نظره عدلًا لغيره ولم يجعله شرطًا في تقليده، ولو جعل جميعهم ناظرين فيه بطل تقليدهم إن كثروا، وهل يصح إن قلوا؟ فيه وجهان.
فرع آخر
لا يلزم في تقليد القضاء أن يكون مذهب المولى لمذهبه، فيجوز للشفعوي أن يقلد حنفيًا، وللحنفي أن يقلد شفعويًا؛ لأن على القاضي أن يحكم بمذهبه لا بمذهب غيره.
فرع آخر
لو كان شفعويًا فأدى اجتهاده في قضيٍة أن يحكم فيها بمذهب أبي حنيفة﵀- جاز.
وقال بعض أصحابنا: [٧٢/ أ] من اعترى إلى مذهب منع أن يحكم بمذهب غيره لتوجه التهمة إليه، وهذا وجه تقتضيه السياسة بعد استقرار المذاهب وتمييز أهلها، ولكن حكم الشرع لا يوجب؛ لأن الاجتهاد في كل طريق الاجتهاد، فإن من قضى في حكم باجتهاد ثم أراد أن يقضي من بعد لزمه إعادة الاجتهاد، فإن أداه إلى خلاف الأول كان كل واحدٍ من الحكمين ماضيًا، وهذا لما روي أن عمر - ﵁ - حكم في مسألة المشركة بتشريك الإخوة من الأم والأب مع الإخوة من الأم في عام، ولم يشركهم في عامٍ آخر. وقال: هذه علي ما قضينا وتلك علي ما مضينا.
فرع آخر
لو شرط المولي في عقد التقليد أن لا يحكم إلا بمذهب الشافعي ﵁، أو بمذهب أبي حنيفة رحمة الله عليه كان الشرط باطلًا سواء كان موافقًا لمذهب المولي أو مخالفًا؛ لأنه قد منعه من الاجتهاد فيما يجب الاجتهاد. وأما التقليد هل يصح؟ يعتبر بشرطه، فإن عدل به عن لفظ الشرط وأخرجه مخرج النهي فقال: لا يحكم بمذهب أبي حنيفة صح التقليد وإن بطل الشرط، وإن جعله بلفظ الشرط في العقد، فقال: قلدتك علي أن تحكم بمذهب أبي حنيفة أن جعله أمرًا، أو أن لا تحكم بمذهب الشافعي أن جعله نهيًا بطل التقليد لفساد الشرط؛ لأنه معقود علي شريطٍ فاسدٍ. وقال أهل العراق: لا يبطل التقليد، وإن بطل الشرط كما لو لم يخرج مخرج الشرط، وقد ذكرنا الفرق بينهما، فإن كان الشرط خاصًا في حكم بعينه فلا يخلو إما أن يكون أمرًا أو نهيًا، فإن كان أمرًا فقد: قد من السلم بالكافر كان أمره بهذا الشرط فاسدًا، فإن تجرد عن لفظ الشرط صح التقليد مع فساد الشرط، وإن قرنه بلفظ الشرط صح التقليد مع فساد الشرط، وإن قرنه بلفظ الشرط
[ ١١ / ٥٩ ]
بطل التقليد لفساد الشرط، وإن كان الشرط نهيًا فعلي ضربين:
أحدهما: أن ينهاه عن الحكم في قتل المسلم بالكافر [٧٢/ب] ولا يقضي فيه بإيجاب قودٍ ولا بإسقاطه، فهو شرطٌ جائز وتقليد صحيح، لأنه اقتصر بولايته علي ما عداه فصار خارجًا عن نظره.
والثاني: ألا ينهاه عن الحم فيه وينهاه عن القضاء بالقصاص فيه، فهذا النهي هل يوجب صرفه عن النظر؟ فيه وجهان:
أحدهما: يوجب ذلك فلا يحكم فيه بإيجاب قودٍ ولا بإسقاطه، فعلي هذا يكون التقليد صحيحًا فيما عداه.
والثاني: لا يوجب ذلك ويصير النهي عنه أمرًا بضده، وهو أن يقتص من المسلم بالكافر، فإن تجرد عن لفظ الشرط صح التقليد مع فساد الشرط، ويحكم فيه بما يؤدي اجتهاده إليه من وجوب القصاص أو إسقاطه، وأن اقترن بلفظ التقليد بطل التقليد لفساد الشرط، وقال أهل العراق: يصح التقليد هنا أيضًا وإن فسد الشرط.
فرع آخر
يلزم الإمام أ، يعين علي البلد الذي تقلده فيقول: قلدتك قضاء البصرة، أو قلدتك قضاء الكوفة ليكون معلومًا. ولو قال: قلدتك البصرة أو قضاء الكوفة لم يجز للجهل بالعمل، وكذلك لو قال: قلدتك قضاء أي بلد شئت، أو أي بلد رضيك أهله لم يجز.
فرع آخر
لو قلده قضاء البصرة أو آمل، فإن نص علي دخول النواحي والسواد في تقليده دخل وينفذ قضائه في أعماله المنسوبة إليها، وإن نص علي خروجها من تقليده كانت ولايته مقصورة علي تلك البلدة وإن أطلق، فإن كان العرف جاريًا بإفرادها عن قاضي البلد لم تدخل في ولايته، وإن جري العرف بإضافتها إلي قاضي البلد دخلت في ولايته، وإن
اختلف العرف في إفرادها وإضافتها روعي أكثرهما عرفا"، فإن استويا عرفًا روعي أقربهما عهدًا، فإن كان الأقرب إضافتها دخلت في ولايته، وإن كان بخلاف ذلك لا تدخل في ولايته.
فرع آخر
[٧٣/أ] يجوز أن يكون التقليد عامًا ومخصوصًا. فالعام: أن يقلده قضاء جميع البلد، والقضاء بين جميع أهله، والقضاء في جميع الأيام. والخصوص: أن يكون مقصورًا علي قضاء البلد، فيجوز إذا كان معينًا سواء اقتصر علي قضاء أكثر البلد أو أقله، أو محله من محالة؛ لأن القضاء يخص ولا يعم.
فرع آخر
لو قلده البصرة في جانب ربيعة جاز، سواء كان للجانب الآخر قاض أخر أو لا، ويختص بما (حصي).
[ ١١ / ٦٠ ]
فرع آخر
لو قلد أحدهما جانب ربيعة وقلد الآخر جانب مصر، كانت ولاية كل واحد منهما مقصورة علي جانبه.
فرع آخر
إذا خص جانب ربيعة علي ما ذكرنا يجوز أن ينظر بين أهله وبين الطائرين إليه من غير أهله، إلا أن يخص النظر بين أهله دون الطائرين إليه فلا يتعللوا.
فرع آخر
لو قلد أحدهما جانب ربيعة والآخر جانب مصر، وبين الجانبين موضع مشترك بينهما روعي الأغلب عليه في إضافته إلي أحدهما فجعل داخلًا، فإن استوي الأمران فيه روعي القرب، فما كان منه أقرب إلي جانب ربيعة دخل في ولاية قاضيه، وما كان منه أقرب إلي جانب مصر دخل في ولاية قاضيه.
فرع آخر
لو تحاكم من الجانبين رجلان، فدعي كل واحدٍ منهما إلي قاضي جانبه نظر، فإن كان عند التنازع؛ فليس لواحدٍ منهما أن يجير الآخر علي المحاكمة إلي قاضيه لا يقدر أن يعديه علي خصمه لخروجه عن نظره طالبًا كان أو مطلوبًا، فإن أراد الطالب أن يستعدي قاضي المطلوب علي خصمه [٧٣/ب] وجب عليه أن يعديه، ويحكم بينهما في جانبه لحصولهما في عمله، فإن حصل أحد القاضيين في جانب الآخر لم يكن له أن يحكم فيه تنازع إليه سواء كان من أهل عمله أو غير عمله؛ لأن حكمه لا يتعدي إلا في عمله.
فرع آخر
لو قلد قاضيين في بلدٍ لينظر كل واحدٍ منهما بين جميع أهله فيه وجهان:
أحدهما: لا يجوز، لأنه يفضي أمرهما إلي التجاذب في تنازع الخصوم إليهما، وتبطل ولايتها إن جمع بينهما في التقليد، وتصح ولاية الأول إن قلد أحدهما بعد الآخر.
والثاني: وهو قول الأكثرين يجوز؛ لأنهما استنابه كالوكالة، وقد نقل الشافعي ﵁ فلا نطلق الوجهان.
فرع آخر
إذا قلنا بالمذهب الصحيح فتنازع خصمان وجذب كل واحدٍ منهما الخصم إلي أحدهما، عمل علي قول الطالب منهما دون المطلوب، وحاكمه إلي من أراده منهما لأن حكم كل واحدٍ منهما الخصم إلي أحدهما، عمل علي قول الطالب منهما دون المطلوب، وحاكمه إلي من أراده منهما؛ لأن حكم كل واحدٍ من القاضيين نافذ عليهما.
[ ١١ / ٦١ ]
فرع آخر
لو كان كل واحد منهما طالبًا ومطلوبًا لتنازعهما في قسمة ملك أو اختلافهما في ثمن منيع، عمل علي قول من دعا إلي أقرب القاضيين، فإن استويا في القرب ففيه وجهان:
أحدهما: يقرع بينهما لتساويهما.
والثاني: يقطع التنازع بينهما حتى يتفقا علي الرضا بأحدهما.
فرع آخر
لو قلده جميع البلد لينظر في أصح د جانبيه أو في جامعه لم يجز لعموم ولايته، وكان التقليد باطلًا أنن جعل ذلك شرطًا فيه، كقوله: قلدتك علي أنن تنظر فيه لتنافي حكم الشرط والإطلاق، ولو لم يكن شرطًا، [٧٤/ أ] بل كان أمرًا، كقوله: قلدتك قضاء البصرة فانظر في جامعها صح التقليد وبطل الشرط، وله أن ينظر في غير الجامع؛ لأنه لا يملك الحجر عليه في مواضع جلوسه.
فرع آخر
لو قال: قلدتك علي أن تحكم في الجامع بين من قال فيه صح، ولم يجز أن يحكم في غيره، لأنه جعل الولاية هنا مقصورة علي من جاءه الجامع وهم لا يعينون إلا فيه.
فرع آخر
لو كان التقليد مقصورًا علي بعض أهل البلد دون جميعهم يجوز إذا تميزوا عن غيرهم، كقوله: قلدتك لتقضي بالبصرة بين العرب دون العجم، ويقلد الآخر القضاء بين العجم دون العرب فيجوز، ويختص بما خص وليس لواحدٍ منهما أن يحكم بين من ليس من العرب ولا من العجم كالنبط لخروجهم عن نظر كل واحدٍ منهما.
فرع آخر
لو كان في البلد عربي النسب عجمي اللسان أو عجمي النسب عربي اللسان فإن كان في التقليد ما يدل علي إرادة النسب دون اللسان، أو اللسان دون النسب يحمل عليه وإن لم يكن فيه ما يدل علي إرادة واحد منهما يحمل علي اعتبار النسب دون اللسان؛ لأن النسب لازمة واللسان صفة زائلة.
فرع آخر
لو كان في العجم فزال العرب ففي أحق الحاكمين بالنظر في أحكامهم وجهان مبنيان علي الوجهين في سؤالي ذوي القربى، هل يحرم عليهم من الصدقات ما يحرم علي ذوي القربى؟ فيه وجهان: فإن قلنا يحرم تغليبًا للولاء علي النسب، فعلي هذا يكون قاضي العرب أحق بالنظر بينهم من قاضي العجم.
[ ١١ / ٦٢ ]
والثاني: [٧٤/ب] يغلب النسب علي الولاء، فعلي هذا يكون قاضي العجم أحق.
فرع آخر
لو وقع التنازع بين عربي وعجمي واتفقا علي التحاكم إلي قاضي أحدهما، فإن اتفقا علي قاضي المطلوب ينفذ حكمه بينهما؛ لأنه مندوب إلي استيفاء الحقوق من أهل نظره والحق مستوفي من المطلوب للطالب، وإن اتفقا علي التحاكم إلي قاضي الطالب ففي نفوذ حكمه بينهما وجهان مخرجان من القولين في نفوذ حكم من تراضيا به من غير الحاكم.
فرع آخر
لو تجاذب العربي والعجمي ودعا كل واحدٍ منهما إلي نظر قاضيه ففيه وجهان: أحدهما: يوقف تنازعهما ويقطع تخاصمهما حتى يتفقا علي قاضي أحدهما، فإن اتفقا علي قاضي المطلوب جاز، وأن اتفقا علي قاضي الطالب فقد ذكرنا وجهين.
والوجه الثاني: أن يجتمع القاضيان علي سماع الدعوي؛ لأن كل واحدٍ منهما موجود بين أهل نظره، وليس له الانفراد في هذا النظر فلزم اجتماعهما عليه، فإذا اجتمعا علي سماع الدعوي تفرد بالحكم منهما قاضي المطلوب دون الطالب، وإن اقتضي الحكم سماع البينة تفرد بسماعها قاضي المشهود عليه دون المشهود له، وإن اقتضي الحكم عرض اليمن استوفي قاضي الحالف دون المستخلف ليكون الحكم في الأحوال كلها نافذًا من قاضي المطلوب دون الطالب، فإن امتنع القاضيان من الاجتماع أتما بالامتناع وكان قاضي المطلوب أعصمهما أتمًا، وأخذهما الأمير بالاجتماع جبرًا.
فرع آخر
يجوز أن يكون القاضي مقصور الولاية علي النظر بين خصمين معينين، ولا ينظر بين غيرهما.
فرع آخر
إذا جوزنا هذا ينظر، فإن رد إليه النظر بينهما في كل تنازع يحدث منهما، فيكون بعد فصل الحكم بينهما انعزل، وإن قلده مطلقًا الحكم بينهما فيحمل علي العموم في كل ما تحدد من خصومتهما، وعلي هذا لو قلده [٧٥/أ] الإمام قضاء بلدٍ علي أن يستخلف عليه ولا ينظر فيه بنفسه، فهذا تقليد مراعاةٍ وليس بتقليد حكم ولا نظرٍ، فإذا قلد من اختاره ثبت ولاية لمختار، ولم يكن لمن اختاره عزله وله الإشراف عليه والمراجعة له، ولو كان الإمام علي من يستخلفه جاز، وكان هذا تقليد تنفيذ وإشراف وليس بتقليد حاكم ولا اختيار.
فرع آخر
يجوز أن يكون التقليد مقصورًا علي بعض الأيام دون الكل، فيجوز إذا عين علي اليوم الذي يحكم فيه ولا يجوز إن لم يعنيه؛ لا، النظر مقصورًا علي المتحكمين فيه، فوجب تعيين اليوم به الحضور.
[ ١١ / ٦٣ ]
فرع آخر
إذا قلده النظر في يوم السبت ففيه ثلاثة أحوالٍ: أحدهما: أن يجعله ناظرًا في كل سبتٍ علي ولايته بعد انقضاء السبت، وإن لم يكن له أن ينظر في غيره لبقاء نظره في أمثاله.
والحالة الثانية: أن يجعله ناظرًا في سبتٍ واحدٍ فينعزل بعد غروب الشمس، وليس له أن يجمع في نظر السبت بين الليل والنهار.
والحالة الثالثة: أن يطلق فيحمل علي الخصوص، وهو أول سبتٍ يكون بعد هذا التقليد. ولو لم ينظر فيه لم يجز أن ينظر في غيره.
والفرق بين أن يقلده النظر بين اثنين فيحمل أطلاقة علي العموم في كل تنازع يكون بينهما، وبين أن يقلده النظر في يوم السبت فيحمل إطلاقه علي الخصوص في سبتٍ واحدٍ أن الخصمين باقيان يحمل النظر بينهما علي العموم، ويوم السبت ينقضي فيحمل النظر قيه علي الخصوص
فرع آخر
لو قلد قاضيًا أن ينظر في يوم السبت، وقال آخر أن ينظر في يوم الأحد، كان كل واحد منهما مقصور النظر علي يومه.
فرع آخر
لو تدافع خصمان في يوم السبت إلي قاضيه ولم ينفصل الحكم بينهما فيه حتي رجعا في يوم الأحد، كان قاضي يوم الأحد أحق بالنظر بينهما.
فرع آخر
لو تنازع اثنان فدعا أحدهما إلي قاضي السبت ودعا الآخر [٧٥/ب] إلي قاضي الأحد، فإن كان تنازعهما في يوم السبت قاضيه أحق بالنظر بينهما، وإن كان تنازعهما في يوم الأحد كان قاضيه أحق بالنظر بينهما، وإن كان تنازعهما في غيرهما من الأيام لم يتراجع قول واحدٍ منهما حتى يستأنف الترافع في أحد اليومين، فيكون ذلك اليوم أحق بالنظر بينهما.
فرع آخر
لو قلده النظر في شهرٍ من السنة يختص بذلك الشهر ليلًا ونهارًا؛ لأن الشهر يجمعهما.
فرع آخر
لو قلده النظر في جميع الأحكام تكون ولايته مشتملة علي جميع ما يختص بنظر القضاة، ويشمل عشرة أقسام:
أحدها: يثبت الحقوق عند الناكر من ديونٍ في الذمم وأعيان في اليد بعد سماع الدعوي، وسؤال الخصوم وثبوتها يكون من أحد وجهين إقرار أو بينة.
[ ١١ / ٦٤ ]
والثاني: استيفاء الحقوق بعد ثبوتها عند التدافع والتمتع، فإن كانت في الذمة ألزم الخروج منها، وإن كانت أعيانًا سلمها إن امتنع من تسليمها.
والثالث: النظر في العقود من المناكح والبيوع وغيرها عند الاختلاف فيها، ليحكم باجتهاده في صحتها وفساده، أو ليخالف عليها.
والرابع: فصل التشاجر في حقوق الأملاك من الشفعة وحدودها والاستخلاف، والعمل بشواهد الأبنية، فأما مخارج الأبنية والأجنحة في الطرقات ومقاعد الأسواق، فإن جاءه فيها متظلم نظر فيه ودخل في ولايته، وإن لم يأت فيه متظلم دخل في المشيبة وكان المحتسب أحق بالنظر فيه، ثم إن لم يفتقر إلي اجتهاده تفرد المحتسب به، وإن افتقر إلي اجتهاده وكان القاضي أحق بالاجتهاد فيه وأولي من المحتسب، ويكون المحتسب فيه منفذًا لحكم القاضي.
والخامس: الولاية علي ألأيامي في المناكح منن أكافئهن عدم أوليائهن أو عضلهم.
والسادس: الولاية علي [٧٦/ أ] ذوي الحجر لصغرٍ أو جنون إذا عدم أولياء النسب، أو لسفهٍ يحجر به ويرتفع بإيناس الرشد.
والسابع: الحكم بنفقات الأقارب والزوجات والعبيد وتقريرها برأيه واجتهاده.
والثامن: النظر في الأوقاف والوصايا إن لم يكن فيها ناظر يتولي ذلك، وإن كان فيها ناظر يراعيها، فإن كانت لمعينين سقط الاجتهاد فيهم، وإن كان للموصوفين تعينوا باجتهاد الناظر قبل الحكم، وباجتهاد القاضي عند الحكم.
التاسع: النظر في التعديل والجرح والتقليد والعزل، فيعمل فيه علي اجتهاده سواء وافق فيه اجتهاد من قلده أو خالفه إلا في التقليد والعزل، فيكون اجتهاد من قلده فيه أنفذ.
والعاشر: إقامة الحدود علي مستحقيها فيما تعلق بحقوق الآدميين من إقامة حد القذف والقصاص.
فأما ما تعلق منها بحقوق الله تعالي المحصنة كحد الزنا وشرب الخمر وتارك الصلاة، فإن تعلق باجتهاد كان القاضي أحق بها لاختصاصه بالاجتهاد في الأحكام، ويأمر أمير البلد باستيفائها، وهو أولي من مباشرتها بنفسه، وعليه أن يعمل بأمره فيها، وإن لم يتعين بالاجتهاد كان الأمير أحق بها لتعلقها بتقويم السلطنة، فإن تعلق بها سماع البينة سمعها القاضي واستوفي الأمير.
فرع آخر
لو كان أموال الغائبين في بلد قضائه، فإن علموا بها فلا نظر للقاضي فيها لوقوفها علي اختيار أربابها. وإن لم يعلموا بها لأنهم ورثوها وهم لا يعلمون فهي داخلة في نظر القاضي وعليه حفظها حتى يقدموا أو يوكلوا فتخرج حينئذ من نظره.
[ ١١ / ٦٥ ]
فرع آخر
هل يتولى القاضي قبض الصدمات وتفريقها في السهمان، فإن قلد الإمام عليها ناظرًا كان أحق بها من القاضي. وإن لم يقلد عليها ناظرًا ففي استحقاق هذا القاضي بمطلق ولايته النظر [٧٦/أ] فيها؟ وجهان:
أحدهما لاستحق؛ لأنها من حقوق الله تعالى فيمن سماه لها.
والثاني: له النظر فيها؛ لأنها من حقوق الأموال التي تحمل على اجتهاد الإمام.
فرع آخر
ليس للقاضي التعرض لأموال الفيء وجهًا واحدًا؛ لأن وجوه مصرفها موقوف على اجتهاد الأئمة.
فرع آخر
الإمامة في صلاة الجمعة والأعياد بل تكون إليه فإن ندب لها إمام كأم أحق بها من القاضي، وإن لم يندب لها إمام ففي اختصاص القاضي بإقامتها وجهان: أحدهما: يقيمها؛ لأنها من حقوق الله تعالى العامة.
والثاني لا حق له في إقامتها؛ لأن الأمر بها أخص.
فرع آخر
لو قلده النظر الخاص يصح، وهو أن يقلده النظر في المدينات دون المناكح، أو الحكم بالإقرار من غير سماع بينٍة، أو في نصابٍ مقدر من المال فيجوز ويختص بما خص.
قال أبو عبدا لله الزهري: لم يزل الأمراء عندنا بالبصرة برهةً من الدهر يستقصون على المسجد الجامع قاضيًا يسمونه قاضي المسجد يحكم في مائتي درهمٍ وعشرين دينارًا فما دونها، وبفرض النفقات ولا يتعدى بها موضعه ولا ما قدر له.
فرع آخر
لو قلده النظر في المناكح جاز أن يحكم بما يتعلق بها من صداق وفرض نفقٍة وسكن وكسوة، ويزوج ألأيامي، ولا يحكم بين الزوجين فيما يتعلق بالمدينات، ويجوز أن يحكم بأجره الرضاع، ولا يحكم بنفقة الأولاد ويحكم بنفقة خادم الزوجة ولا يحكم بنفقة خادم الزوج.
فرع آخر
لو قلده النظر في نصاب مقدر وهو مائتا درهم فنظر فيها بين خصمين جاز أن ينظر بينهما في هذا القدر ثالثةً.
فرع آخر
لو قلده النظر في مائتي درهم [٧٧/ أ] وكان شريكين أربعمائة درهم يجوز أن ينظر
[ ١١ / ٦٦ ]
فيها، إذا كانت دعوى الشريكين متفرقة، ولا يجوز أن ينظر إذا كانت دعواهما واحدة.
فرع آخر
لو أراد أن ينظر في عروض قيمتها مائتي درهم جاز تغليبًا لحكم التقدير دون الجنس، إلا أن يصرح بالنهي عن النظر في العروض، فلا يجوز حينئذ.
واعلم أن صاحب "الحاوي" رحمه الله تعالى ذكر ترتيبًا حسنًا فقال: ولاية القضاء تشتمل على خمسة شروط؛ مولِّي، ومولَّى، وعمل، ونظرٌ، وعقدٌ. فأما المولِّي ينقسم إلى أصل وفرع، فالأصل الإمام والفرع قاضي الأقاليم. وأما المُولَّى فتقلد القضاء من جهته من فروض الكافيات، ويدخل في فرضه كل من تكاملت فيه شروط القضاء حتى يقوم به أحدهم.
وأما العمل فيلزم الإمام أن يعين على البلد الذي تقلده القضاء، ويجوز أن يكون بالتقليد عامًا ومخصوصًا، والمخصوص ينقسم ثلاثة أقسام:
أحدهما: أن يكون مقصورًا على قضاء بعض البلد.
والثاني: أن يكون التقليد مقصورًا على بعض أهل البلد دون جميعهم.
والثالث: أن يكون التقليد مقصورًا على بعض الأيام دون الكل.
وأما الرابع وهو النظر فضربان؛ عام وخاص، وما يختص بنظر القضاة عشرة أقسامٍ على ما ذكرناه.
وأما الخامس: العقد الذي يصح به التقليد، وهو يشتمل على ثلاثة شروط؛ مقدمة العقد: وصفة العقد ولزوم العقد.
فأما الأول أن يكون المولى عارفًا بتكامل شروط القضاء في المولي. وأما صفى العقد معتبر باللفظ مع الحضور، وبالمكاتبة مع الغيبة. وما لزوم العقد: [٧٧/ب] فمعلومٌ وقد ذكرنا تفريعات كل فصل منها مبينًا مشروحًا وبالله التوفيق.
مسألة: قَالَ: " وَأَحبّ لِلقَاضِي أَنْ يَجْلِسَ فِي مَوْضِعٍ بَارِزٍ للنَّاسِ وَلاَ يَكُونُ دُونَهُ حِجَابٌ".
الفصل
إنما استحب الشافعي ﵁ للقاضي أن يجلس في موضع فسيح ظاهرٍ، إما رحبًا أو غير ذلك ليكون في موضع ظاهرٍ يراه الخاص والعام، والقاطن والغريب، كان فسيحًا واسعًا ترتاح النفوس ولا يسرع فيه الملك، وفي بعض النسخ "بارزًا للناس" بالنصب، فقوله "بارز" بالخفض صفة للموضع، وبالنصب صفة للقاضي في ظهوره من غير إذن.
[ ١١ / ٦٧ ]
قال أصحابنا: ولا يجلس في بيته وإن أذن عليه؛ لأنه ليس ببارز، ويقع فيه الحجاب ولا يعرف من جاء إليه بجلوسه، ولاسيما إذا كان غريبًا.
قال أصحابنا: وإذا كان بارزًا لا يحتاج مع البروز إلي الاستئذان وإذنٍ، ولو نظر بينهم في داره التي لا يدخلها أحد إلا بإذنه جاز ولم يكره إن قل، لما روي عن أم سلمه﵂- أنها قالت: اختصم إلي رسول الله ﷺ رجلان من الأنصار في مواريث متقدمٍة فقضي رسول الله ﷺ بينهما في بيتي.
وروي أنه كان بين عمرو وأبي كعب﵄- منازعة فأتيا زيد ين ثابت في بيته فقضي بينهما، وقال لعمر﵁: لو أمرتني لجئتك، فقال: في بيته يؤتي الحكم.
ولو كثرت المحاكمات [٧٨/ أ] عدل عن النظر في داره التي تحوج إلي الاستئذان إلي المجلس الذي وصفناه بالشرطين المتقدمين، وإن كان حكمه نافذًا في الأحوال كلها ويكره أن يكون له حاجب علي أن يكون وصول المتحكمين إليه موقوفًا علي إذنه؛ لما روى أن النبي ﷺ قال: " من ولي من أمر الناس شيئًا فاحتجب حجبه الله يوم القيامة". وروي أن أبا مريم ألأسدي قدم علي معاوية، فقال له معاوية: ما أقدمك؟ قال حديث سمعته من رسول الله ﷺ يقول: " من ولاه الله من أمر الناس شيئًا فاحتجب عن حاجتهم وخلتهم وفاقتهم احتجب الله يوم القيامة عن حاجته وخلته وفاقته".
وروي أن عمر -﵁ - قلد سعد بن أبي وقاص - ﵁- الكوفة، فقضي فيها زمانًا بغير حاجب، ثم اتخذ حاجبًا، فعزل عمر﵁- حاجبه. ولأنه ربما منع الحاجب ذا ظلامةٍ لهوى، وربما استعجل على الإذن وارتشى.
قال أصحابنا: فإن أتخذ حاجبًا في غير مجلس الحكم لم يكره له، بل إذا احتجب عن الناس في غير مجلس الحكم وزمانه كان أحفظ لحشمته وأعظم لهيبته فيكون أولي. ومن قال يكره للقاضي اتخاذ الحاجب في زمان الاستقامة وسداد أهله، فأما في زمان الاختلاط والتهارج واستطالة السفهاء والفادغة، فالمستحب له أن يتخذ حاجبًا لحفظ هيبته ويمنع من استطالة الخصوم، وبهذا أقول في زماننا هذا.
وقال الإقفال: لا يكره ذلك في وقت الحكم ليدفع الزحام عنه، فيكون في الحقيقة مرتبًا لا حاجبًا، ويكره في الأوقات الأخر؛ لأنه ربما يجئ صاحب حاجةٍ فيدفعه عنه، وهذا حسن.
[ ١١ / ٦٨ ]
فرع آخر
لا يكره للأئمة اتخاذ الحُجاب، [٧٨/ ب] بل يستحب لهم؛ لأنهم ينظرون في عموم الأمور، فيحتاجون أن يفردوا لكل نظر وقتًا يحرسه الحجاب عليهم ويمنعوا من دخول أصناف الناس من عير أوقاتهم، وقد روي أنه كان علي باب عمر﵁- حاجب يسمي يرفا، فاجتمع علي بابه أبو سفيان وسهيل بن عمرو، وسلمان وبلال، وصهيب، وجماعة من وجوه العرب، فأذن لسلمان وصهيب وبطلاب﵁- فتعمر وجه أبي سفيان، فقال له سهيل بن عمرو: يا أبا سفيان، إن هؤلاء دعوا ودعيت، فأجابوا وتأخرت، ولئن حسدتهم اليوم علي باب عمر بن الخطاب لأنت عدا أشد حسدًا لهم علي باب الجنة.
ولأنه لولا الحجاب لما تميز هؤلاء بالسابقة، ولا ترتب الناس بحس فضائلهم وأقدارهم.
وحكي أنه استصعب الإذن علي المغيرة بن شعبة في خلوةٍ أرادها مع عمر﵁- فرشا يرفا حتى سهل له الإذن عيه، وكان يسأل يرفا أن يجس في الدهليز إذ تعذر عليه الدخول حتى يظن الناس انه وصل حتى تظهر له منزلة الاختصاص بعمر ﵁.
وفي مثل هذا يكره الحجاب؛ لأن الحاجب ربما فعل مالا يراه المحتجب، وقد كان الحسن حاجب عثمان، وقنبر حاجب علي ﵃.
فرع آخر
الشروط المعتبرة في الحجاب نوعان؛ واجب ومستحب، فالواجب ثلاثة؛ العدالة، والعفة، والأمانة. وأما المستحب فخمسة، أن يكون حسن المنظر، جميل المخبر عارفًا بمقادير الناس، بعيدًا عن الهوى والعصبية، معتدل الأخلاق بين الشراسة واللين.
مسألة: قال: "وأن يكون في غير المسجد لكثرة الغاشية والمشاتمة بين الخصوم، في أرفق الأماكن به وأحرها ألا تسرع ملالته فيه".
أعلم أنه يكره للقاضي أن يجعل المسجد مجلسًا لقضائه صغر المسجد أو كبر، وهذه كراهته تنزيه لا تحريم، وبه قال عمرين عبد العزيز وسعيد بن المصيب. وقال مالك، والشعبي، وشريحة، وأحمد، وإسحاق: لا يكره بحالٍ. وروي ذلك عن عمر، وعثمان، وعلي ﵃. وعن أبي حنيفة روايتان:
إحداهما: أنه يكره.
والثانية: أن لا يكره في المسجد الأعظم.
وقال ابن أبي ليلي: يستحب له القضاء فيه، لأنه طاعة. واحتجوا بما روي عن
[ ١١ / ٦٩ ]
الشعبي قال: رأيت عمر - ﵁ مستندًا إلي القبلة يقضي بين الناس.
ودليلنا ما روي أنر سول الله ﷺ سمع رجلًا ينشد ضالة في المسجد، فقال: "لا وجدها، إنما بنيت المساجد لذكر الله وإقامة الصلاة"، وروى أنه قال: " أيها الناشد غيرك الواجد". وروي أبو هريرة﵁ - أن النبي ﷺ قال: "من سمع رجلًا ينشد ضالة في المسجد فليقل: لا ردها الله إليك، فإن المساجد لم تبن لهذا". وروي أنس - ﵁- في خبر الأعرابي: إنما هي- يعني المساجد- لذكر الله والصلاة، وقراءة القرآن.
ووجه الدليل أن النبي ﷺ منع رفع الصوت لطلب الضالة في المسجد، ونحن نعلم أن رفع الأصوات والخصومات والمهاترات [٧٩/ب] في مجلس القضاء أكثر، فكان بالكراهة أولي. وروى معاذ﵁- أن النبي ﷺ قال: "جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم وخصوماتكم، ورفع أصواتكم وسل سيوفكم، وإقامة حدودكم، وجمهروها في الجمع، واتخذوا علي أبواب مساجدكم مطاهر".
وروي أن عمر بن عبد العزيز كتب إلي عبد الحميد بن زيد: لا تقضي في المسجد فإنه يأتيك اليهودي والنصراني والحائض. وروى أنه كتب إلي القاسم بن عبد الرحم بمثل ذلك.
وقال سعيد بن المسيب: لو كان لي من الأمر شيء ما تركت اثنين يختصمان غي المسجد. وأيضا فسبيل الحاكم أن يجلس في موضع يصل إليه الطاهر والخائض، والمجنون، والصغير، والمشترك والمسجد يصان عن ذلك، وربما يتوجه الحد علي رجل فلا يمكن إقامته فيه، ولأن الغالب من المتخاصمين اللغط والتكاذب واللجاجة والشتائم، وينزه المسجد عن ذلك. وأما خبرهم فلا حجة لهم فيه؛ لأنه يحتمل أن يكون عن اتفاق مقع، وقد قال أصحابنا: لو كان في المسجد معتكفًا أو منتظرًا للصلاة، فتحاكم اثنان لا يكره بينهما، وقد قضي رسول الله ﷺ والصحابة في المسجد علي هذا الوجه. وهذا لأن حضوره في المسجد لم يكن مقصورًا علي القضاء فيه.
وروي عن الحسن البصري أنه قال: دخلت المسجد فرأيت عثمان - ﵁- قد ألقي رداءه ونام، فأتاه سقا بفربةٍ ومعه خصم، فجلس عثمان [٨٠/أ] ﵁ (وقضى) بينهما.
[ ١١ / ٧٠ ]
فرع آخر
قال أصحابنا: لا يكره القضاء في المسجد في حالتين:
إحداهما: ما ذكرنا في موضع الاتفاق من غير قصدٍ.
والثانية: إذا لزم تغليظ الأيمان بالمكان؛ لأن النبي ﷺ غلظ لعان العجلاني في المسجد.
فرع آخر
قال أصحابنا: ولا يكره فيه الجلوس للفتيا وتعلم القرآن والعلم؛ لأنه ليس فيه ما ذكرنا في القضاء.
وأما قول الشافعي -﵁-: في أرفق الأماكن به أراد أن يكون في موضع لا يتأذى منه بالشمس والغبار والدخان، والرائحة الكريهة؛ لأن عمر - ﵁ - كتب إلى أبي موسى - ﵁: إياك والغضب والقلق والضجر، وهذه الأشياء تفضي إلى الضجر، وتمنع الحاكم من التوفر على الاجتهاد، وتمنع الخصوم من استيفاء الحجة، فإن حكم مع هذه الأحوال صح حكمه كما يصح إذا حكم في حال الغضب مع النهي الوارد فيه، وهكذا لا يجلس في موضع ضيق لا تصل إليه العجوز والشيخ والضعيف. وقيل: أراد به أن يكون الموضع إن احتاج فيه إلى البول والغائط قدر عليه، وإن عطش شرب الماء فيه، وإن جاع أكل فيه الطعام؛ لأنها أحوال لا يستغني القاضي عنها.
وقال بعض أصحابنا: يبني له دكة عظيمة في ساحة واسعة، وإن كان على باب داره دكة واسعة يجلس عليها، أو جلس في دهليز داره مفتوح الباب وكان واسعًا يراه الناس كان حسنًا. وقال بعض أصحابنا بخراسان: توطأ له فرشة ويجعل له متكأ ويوضع له وسادة ليكون أرفق به وأحبب له عند الحضور حتى لا يمل.
مسألة: قَالَ: "وَأَنَا لإِقَامَةِ الحَدِّ فِي المَسْجِدِ أَكْرَهُ".
إنما قال ذلك لما روى ابن عباس -﵄- أن النبي ﷺ [٨٠/ ب] قال: "لا تقام الحدود في المساجد" وروى حكيم بن حزام أن النبي ﷺ: نهى أن تقام الحدود في المساجد، وأن يستقاد فيها.
وروى أن عمر -﵁- أُتي برجل في شيء فقال: أخرجاه من المسجد واضرباه. وروي أن عليًا -﵁- أُتي بسارق في المسجد فقال: يا قنبر، أخرجه من المسجد واقطع يده.
[ ١١ / ٧١ ]
وحكي عن أبي حنيفة أنه قال: لا يكره إقامة الحدود في المسجد؛ لأنها أشهر نكالًا وأبلغ زجرًا، وأنها من حقوق الله تعالى، وهذا لا يصح لما ذكرنا. ولأنه إذا أقيم عليه الحد ربما يبول أو يتقاطر منه دم فيتلوث به المسجد، فلهذا كانت الكراهية فيه، وإن كان في إقامته تلويث المسجد مثل قطع اليد في السرقة ونحوه يحرم في المسجد.
فرع آخر
إذا سار القاضي إلى مجلسه سلم في الطريق على من يراه؛ لأن السنة أن يسلم الراكب على الماشي، والسائر على الجالس، والقليل على الكثير. وروي أن النبي ﷺ قال: "ألا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم، أفشوا السلام بينكم".
فرع آخر
إذا دخل مجلسه سلم على القوم، وكذلك يفعل الخصمان إذا وصلا إليه، ويرد القاضي جواب السلام، فإن عطس القاضي شمتاه أو أحدهما، وإن عطس أحدهما شمته القاضي أو صاحبه.
فرع آخر
يصلي عند التأهب للجلوس ركعتين، فإن جلوسه في المسجد كانت الصلاة تحية تجوز في أوقات النهي، وإن كانت في غير المسجد لا يصليها في أوقات النهي.
فرع آخر
إذا فرغ من الركعتين دعا الله تعالى بالتوفيق والعصمة والتسديد، ويستحب أن يدعو بما روت أم سلمة -﵂- قالت: كان رسول الله ﷺ إذا خرج من بيته يقول: "اللهم إني أعوذ بك أن أزل أو أُزل، أو أضل، أو أضل، أو أظلم أو أُظلم، أو أجهل [٨١/ أ] أو يُجهل عليَّ".
وروي أن الشعبي كان يقولهن ويزيد عليهن: أو أعتدي أو يُعتدى عليَّ، اللهم أعنِّي بالعلم، وزيني بالحلم، وأكرمني بالتقوى حتى لا أنطق إلا بالحق، ولا أقضي إلا بالعدل.
فرع آخر
قال بعض أصحابنا: يستحب أن يقول هذا إذا جلس للحكم، ثم يشرع في نظره بعد استقبال القبلة، لا سيما إذا كان في المسجد؛ لأن النبي ﷺ قال: "خير المجالس ما استقبل به القبلة".
[ ١١ / ٧٢ ]
فرع آخر
قال ابن أبي أحمد: ولا يتكئ في مجلسه لما روى عمرو بن الشريد، عن أبيه، أن النبي ﷺ رجلًا جالسًا وقد اتكأ على يده اليسرى، فقال: "هذه جلسة المغضوب عليهم"، فأنكر الاتكاء.
فرع آخر
قال: ويجمع الفقهاء فيجلسهم عن يمينه وشماله حتى يسمعوا كلامه وكلام الخصمين، ويرفع مجالسهم وينزلهم على قدر منازلهم من العلم والنهي، ويكون على رأسه مُحضر يقدم الخصوم ويؤخرهم، ويكون ثقةً أمينًا لئلا يميل مع بعض الخصوم.
مسألة: قَالَ: "وَمَعْقُولٌ فِي قَوْلِ رَسُولِ اللهِ ﷺ: لَا يَحْكُمُ الحَاكِمُ وَلَا يَقْضِي القَاضِيَ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ".
جملة هذا أن يكره للقاضي أن يقضي في حال الغضب، لما روى عبد الرحمن بن أبي بكرة، أن النبي ﷺ قال: "لا يقضي القاضي بين اثنين وهو غضبان". وروي أن أبا بكرة -﵁- كتب إلى ابنه وهو على سجستان: أن لا تقضي بين اثنين وأنت غضبان، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول وذكر الخبر.
وروى أبو سعيد الخدري -﵁- أن النبي ﷺ قال: "لا يقضي القاضي إلا وهو شبعان ريان".
وروي أن النبي ﷺ قال: "لا يقضي القاضي [٨١/ ب] وهو غضبان مهموم، ولا مصاب محزون، ولا يقضي وهو جائع"، فإن الغضب يفسِد عقله وفهمه وخلقه، فيشوش اجتهاده وخاطره، وقد أمر الله تعالى بالتأني والتثبت في الأحكام. وقال أنس -﵁: قال رسول الله ﷺ: "التأني من الله، والعجلة من الشيطان".
وروى ابن عباس -رضي الله عهما- أن النبي ﷺ قال: "إذا تأنيت أصبت أو كدت تصيب، وإذا استعجلت أخطأت أو كدت تخطئ".
وقال أبو هريرة - ﵁: قال رجلٍ للنبي ﷺ: أوصني، فقال: "لا
[ ١١ / ٧٣ ]
تغضب". وروي أن شريحًا كان إذا جاع أو غضب قام فلم يقض.
وروي عن زياد بن أبي السكن أنه قال: دخلت على الشعبي عند طلوع الشمس وهو يأكل فقال: آخذ حلمي قبل الخروج إلى القضاء. وروي أنه كان يأكل قبل الفجر، فقيل له في ذلك فقال: آخذ حلمي ثم أخرج فأقضي بين الناس.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: هذا إذا غضب لنفسه، فإن غضب لحق الله تعالى فلا بأس أن يقضي في تلك الحالة؛ لما روي أن الزبير بن العوام -﵁- لما خاصم جارًا له في الماء، وقال له رسول الله ﷺ: "اسق زرعك ثم أرسل الماء إلى جارك" لوى خصمه شدقه، وقال: إن كان ابن عمتك، فغضب رسول الله ﷺ حتى احمرت وجنتاه، ثم قال للزبير: "احبس الماء حتى يبلغ الجدر" فقضي عليه في حال الغضب، وهذا غريب.
قال الشافعي ﵁: "وكل شيء يحدث في الإنسان ما يغير فهمه وخُلقه كالجوع الشديد والعطش، والفرح الشديد، [٨٢/ أ] والحر المزعج والبرد المؤلم، والغم الشديد، وكان يدافع الأخبثين، أو حضره العشاء ونفسه تتوق إليه، أو غلبة النعاس، فكل هذا في معنى الغضب فلا يقضي في هذه الأحوال، ولكن لو قضى فيها نفذ".
مسألة: قَالَ: "وَأَكْرَهُ لَهُ البَيْعَ وَالشِّرَاءَ خَوْفَ المُحَابَاةِ".
اعلم أنه يكره للقاضي أن يتولى البيع والشراء بنفسه؛ لأنه ربما يبتاع منه بنقصان أو يشتري منه بزيادةٍ، وذلك يجري مجرى الهبة والهدية، ويطلب بها الميل عند الحكم، وذلك محرم على القاضي.
وقال في "الأم": في مجلس الحكم أكره له هذا؛ لأن في مجلس الحكم علتين:
إحديهما: ما ذكرنا
والثانية: اشتغال قلبه. وفي غير مجلس الحكم علة واحدة، فتكون الكراهة أشد في مجلس الحكم.
فرع
قال: ويجوز أن يوكل إلى غيره ذلك، ولكن ينبغي أن يكون ذلك الوكيل منسوبًا.
فرع
قالَ: ويجوز أن يوكل إلى غيره ذلك، ولكن ينبغي أن يكون ذلك الوكيل منسوبًا إليه معروفًا به؛ لأن المحاباة تحصل كما تحصل لو باشر القاضي بنفسه، وإنما لا تحصل
[ ١١ / ٧٤ ]
المحاباة إذا لم يعلم من بايعه أنه وكيل القاضي.
فرع آخر
قال في "الأم": "ولو اشترى أو باع لم أنقص البيع ولا الشراء لأنه ليس بمحرم".
وحكي عن أبي حنيفة -﵀- أنه قال: لا يكره له تولي البيع والشراء بنفسه، ودليلنا قوله ﷺ: "ما عدل والٍ اتجر في رعيته أبدًا".
وقال شريح: شرط عليَّ عمر -﵁- حين ولاني القضاء ألا أبيع ولا أبتاع، ولا أرتشي، ولا أقضي وأنا غضبان.
فإن قيل: أليس كان رسول الله ﷺ يبيع ويشتري؟ قيل: لأن الله تعالى نزه رسول ﷺ عما يتوجه إلى غيره من التهمة، فقال: "وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ" [التكوير: ٢٤]، أي بمتهمٍ، ولأنه ما فعل بعد النبوة إلا نادرًا قصد بها بنيان الأحكام. [٨٢/ ب].
فرع آخر
إذا لم يجد بدًا من مباشرة البيع والشراء وقد احتكم إليه، اخترنا له أن لا ينظر في حكومته بنفسه ويستخلف من ينظر فيها حتى لا يتهم، فإنه وإن حكم بالحق فإنه لا يؤمن أن يكون قلبه أميل إليه من خصمه إن باشره، أو إلى خصمه إن عاشره.
مسألة: قَالَ: "وَلَا أُحِبُّ أَنْ يَتَخَلَّفَ عَنِ الوَلِيمَةِ".
الفصل
اعلم أن إجابة الداعي إلى الوليمة واجبة على غير القاضي على ما تقدم بنيانه، فأما على القاضي قال بعض أصحابنا: إنها واجبة إلا أن يحللوه؛ لأن الشافعي -﵁- قال: "ولا أحب أن يتخلف عن الوليمة"، أو إما أن يجيب كلًا أو يترك كلًا فلم يجعلها واجبة، بل جعلها مستحبةً، وهذا لأنه أجير المسلمين، وفي مروره إلى الولائم ربما يحصل الضرر بالخصوم، فإنه لا يدري متى يتحاكم إليه، فأزيل عنه الوجوب وبقي الاستحباب.
ومن أصحابنا من قال: في الأئمة والقضاة ثلاثة أوجهٍ:
أحدهما: أنه كغيرهم.
والثاني: لا يلزمهم الإجابة لاختصاصهم بمصالح المسلمين، وبه قال ابن أبي هريرة.
والثالث: إن كان مرتزقًا لا يحضر، لأنه أجير المسلمين، وإن لم يكن مرتزقًا يلزمه الإجابة.
فتكون الإجابة على الوجه الأول فرضًا يأثم بتركها، وعلى الوجه الثاني الإجابة مستحبة يكره تركها، وعلى الوجه الثالث الإجابة مفضلة باعتبار حاله في الارتزاق والتطوع.
[ ١١ / ٧٥ ]
فرع
قال أصحابنا: وإن كان إذا حضر الولائم كلها انقطع النظر بين الخصوم، أو يؤدي إلى البذلة لزمه النظر وترك الإجابة إلى الولائم؛ لأن الاشتغال بما أخذ عليه الجعل أولى من الاشتغال بغيره.
فرع آخر
قال: إن للقاضي هذا في الوليمة خاصة دون سائر الدعوات، فإنه لا يستجيب في سائر الدعوات ما يستجيب في الوليمة؛ لأنها دعوة مسنونة فأكد الأمر في إجابتها. [٨٣/ أ] فرع: إذا أراد الإجابة ينبغي أن يجيب الكل بحيث لا ينل بالقضاء، فيكون قد فعل المستحب، ولا ينبغي أن يجيب البعض دون البعض، بل إذا لم يكن إلا ذلك ترك الكل. والأولى في زماننا هذا أن لا يجيب واحدًا؛ لأن السرائر قد خبثت والظنون قد تغيرت، ولكنه يعتذر إليهم ويسألهم التحليل، وهذا على سبيل الاستحباب والاحتياط، ولأنه إذا أجاب البعض يحمل ذلك على الميل إلى قومٍ دون قومٍ وذلك لا يجوز.
فرع
قال القفال: وإنما يجيب داعيًا لم يقع له خصومة، فأما إذا دعاه أحد الخصمين لا يجيب كما لا يقبل هديته بحالٍ؛ لأن الخصم الآخر ربما لا يمكنه اتخاذ دعوة فينكسر قلبه بحضور القاضي دعوة الخصم. قال: وعلى هذا إذا سلم عليه خصمان لم يخص أحدهما بالجواب، بل يجيبهما أو يدعوهما. وإفشاء السلام أولى غير أن تركه جائز؛ لأنه أهيب وأحرى أن لا يستأنس به الخصوم. قال: وقيل: إذا سلم عليه أحد الخصمين أمر للآخر أن يسلم أيضًا ثم يجيبهما، وإنما يأمر غيره بذلك إذ لا يحسن أن يقول هو بنفسه سلم عليَّ.
وقال بعض أصحابنا: إذا حضر الخصوم تسقط عنهم سُنة السلام، فإن سلما جميعًا رد القاضي عليهما، وإن سلم أحدهما ففيه ثلاثة أوجهٍ؛ أحدهما: يرد عليه في الحال.
والثاني: يرد عليه بعد الحكم بينهما.
والثالث: يرد في الحال عليهما.
ومن أصحابنا من قال: لا يرد عليهم القاضي جواب السلام أصلًا؛ لأنهم أوقعوا السلام في غير موقعه فلا يستحقون الرد عليهم.
فرع آخر
المرتزق إذا حضر الوليمة فإن قل زمان حضوره فيها كاليوم أو ما قاربه لم يلزم رد شيء من رزقه، وإن طال، وأقل زمان طوله ثلاثة أيام، رد من رزقه بقسط ما أخل بنظره. ذكر في "الحاوي".
[ ١١ / ٧٦ ]
مسألة: قَالَ: "ويَعُودُ [٨٣/ ب] المَرضي، وَيَشْهَدُ الجَنَائِزَ، وَيَاتِي مَقْدَمَ الغَائِبِ". يستحب له أن يفعل كل ذلك لما روى أن رسول الله ﷺ عاد غلامًا يهوديًا في جواره وعرض عليه الإسلام فأسلم.
ويحضر كلها إن تيسر بخلاف الولائم؛ لأنها لا تطول والولائم تطول، فله أن يفعل البعض دون البعض. قال أبو إسحاق: ويخص بذلك من عرفه وقرب منه، والفرق بين هذا وبين حضور الولائم أن حضورها حق الداعي؛ لأنه ينفق ويتكلف الناس بحضوره إكرامًا له، وليس كذلك عيادة المريض وحضور الجنائز؛ لأن ذلك من أعمال البر والطاعة يقصد بها وجه الله تعالى والثواب.
وأيضًا فإن عيادة المرضي والجنائز تكثر وفي حضورها كلها مشقة شديدة، وانقطاع عما عليه من النظر لامتدادها بخلاف الولائم في الغالب، فيحضرها متى قدر، ولا يجوز أن يحضر بينهم.
وأما زيارة القادم فإن شاء زار البعض، وإن شاء تركها وليس عليه زيارة جميع القادمين؛ لأن ذلك مما يكثر ولا ينبغي أن يعتاد الزورات في البلد لهذه الأمور؛ لأن فيه ابتذالًا وتضييعًا للقضاء.
وقال ابن المرزبان: سمعت القاضي أبا حمدٍ يقول: الصحيح أن يعود الكل أو يترك الكل، وكذلك في الجنائز ومقدم الغائب، وهذا خلاف ما قاله سائر أصحابنا. والشافعي -﵁- ذكر ذلك في إجابة الوليمة دون غيرها، فلا يصح هذا القول.
فرع
إن جاءَه الخصمان بدأ بهما قبل صلاة الجنازة؛ لأن ذلك فرض على الكفاية والقضاء فرض على عينه.
فرع آخر
قال الشافعي ﵁: يجوز للقاضي اتخاذ السحن لما روي أن رسول الله ﷺ حبس رجلًا في تهمةٍ يومًا وليلةً. وروي أن عمر -﵁-[٨٤/ أ] اشترى دارًا بمكة بأربعة آلاف درهم وجعلها سجنًا.
وروي أن عمر -﵁- حبس الحُطيئة الشاعر فقال:
مَاذَا تَقُولُ لأَفْرَاخ بِذِي مَرَخٍ زُغْبِ الحَوَاصِلِ لا ماءٌ وَلَا شَجَرُ
أَلْقَيْتَ كَاسِبهُمْ فِي قَعْرِ مظلمةٍ فَارْحَمْ عَليكَ سَلَامُ اللهِ يا عُمَرُ
[ ١١ / ٧٧ ]
فخلاه وحبس آخر فقال:
يا عمر الفاروق طال حبسي ومرَّ مني إخوتي وعرسي
في حدث لم تقترفه نفسي إلا مراء ضوى من شعاع الشمس
وروي أن عليًّا -﵁- بنى سجنًا. ولأنه يحتاج إليه للتأديب ولاستيفاء الحقوق من المماطل بالدين.
فرع آخر
قال بعض أصحابنا: يستحب أن يتخذ درة يؤدب بها من استجوب التأديب، ويرهب بها السفيه؛ لما روي أن عمر -﵁- اتخذ درة يؤدب بها.
وروى أنس بن مالك -﵁- أن عمر بن الخطاب -﵁- ضرب مملوكةً بالدرة، وقال: اكشفي قناعك. وروي أن عمر -﵁- رأى زيد بن خالد الجهني ركع ركعتين بعد العصر، فمشى إليه حتى ضربه بالدرة. وروي أن عمر -﵁- كتب إلى أبي موسى -﵁: إذا رأيت الخصم يتعمد الظلم فأوجع رأسه.
فرع آخر
قد ذكرنا أنه ينبغي أن يكون على رأس القاضي رجل ينادي هل من خصمٍ ويقدم الأول فالأول. قال ابن المنذر: ويستحب أن يكون خادم من أجل النساء اللواتي يتقدمن إلى القاضي. وروي عن الشعبي أنه كان يقضي وعلى رأسه رجل ينادي هل من خصمٍ.
فرع آخر
قد ذكرنا أنه يجمع الفقهاء وقت القضاء، وقيل: يستحب أن يستحضرهم من كل مذهب ويستشيرهم فيما يشكل عليه، ثم إن شاء جمعهم في مجلس حكمه، وإن شاء أقعدهم [٨٤/ ب] ناحيةً حتى يستدعيهم إذا احتاج إليهم، وإذا حضروه لا يردون عليه إلا ما خالف نص الكتاب أو السنة أو الإجماع أو القياس الذي لا يحتمل إلا معنًى واحدًا، إلا أن يسألهم عن ذلك فيجيبون.
وينبغي أن يكون عنده شاهدان عدلان حتى إن احتاج يشهدهما فيتحملان الشهادة على ما يجري فإن في حكم القاضي بعلمه خلافًا بين العلماء فيخرج بذلك من الخلاف، ويجوز أن يقعدهما ناحيةً إذا قلنا يقضي القاضي بعلمه؛ لأن أكثر ما فيه أن يقر بعض الخصوم ثم جحد فيحكم بعلمه، ويجب أن يقعدهما بحضرته إذا قلنا لا يقضي القاضي بعلمه، حتى إن جحد الخصم بعد الإقرار شهدا به.
فرع آخر
ينبغي أن يكون القاضي مطرقًا رأسه عند دخول جميع المتنازعين عليه من شريفٍ
[ ١١ / ٧٨ ]
ومشروفٍ، ويراعي الوقار فلا يبدأ أحدًا بكلامٍ أو سلامٍ أو إكرامٍ.
وحكي أن المهدي أمير المؤمنين تقدم مع خصوم له إلى مجلس عبيد الله العنبري قاضي البصرة، فلما رآه القاضي مقبلًا أطرق إلى الأرض حتى جلس مع خصومه مجلس المتحاكمين، فلما انفضت الخصومة قام القاضي فوقف بين يديه، فقال المهدي: والله لو قمت حين دخلت عليك لعزلتك، ولو لم تقم حين انقضى الحكم لعزلتك. وهذا لأن قيامه قبل الحكم ميل، وترك قيامه له بعد الحكم تركًا لحق الإمام، فيكون العزل الأول مستحقًا والعزل الثاني أدبًا.
فرع آخر
ينبغي أن يبعد مجالس الخصوم منه ليكون أبلغ في الهيبة، وأيضًا لا يسبق إليه تهمة أن يشير إلى أحدهما بخلاف الحق، ويكون البساط الذي يجلس عليه متميزًا عن بساط الخصوم حتى يكون أهيب له.
فرع آخر
ينبغي أن لا يحضر مجلسه مع الخصوم إلا من له بالحكم تعلقٌ، [٨٥/ أ] فإننا نستحب ألا يخلو مجلس الحكم من شهودٍ وفقهاءٍ، أما الشهود فليشهدوا بما جرى فيه، وأما الفقهاء للمشاورة على ما ذكرنا. ويمنع أن يحضر مع الخصم من ليس بوكيل له في المخاصمة.
فرع آخر
قال بعض أصحابنا: يستحب أن يسوي بينهما في مقعدهما والنظر إليهما وكلامه لهما، ولا يخص أحدهما بترتيب ولا نظرٍ ولا كلامٍ، وليكن جلوس الخصوم بين يديه جثيًا على الركب، ليتميز عن جلوس غيرهم فيكون أهيب. وينبغي أن يكون كلام الخصوم مقصورًا على الدعوى والجواب، وكلام القاضي مقصورًا على المسألة والحكم.
وقال في "الحاوي": ينبغي أن يميز مجلس الحكم من غيره من خمسة أوجهٍ:
أحدها: فضل وقار القاضي، فلا يبدأ بكلامٍ أو سلامٍ، ويطرق رأسه على ما ذكرنا.
والثاني: أن يبعد مجلس الخصوم عنه.
والثالث: ألا يحضر مع الخصوم إلا من له تعلق بالحكم.
والرابع: أن يسوى بينهما على ما ذكرنا.
والخامس: أن يكون كلامهم مقصورًا على الدعوى والجواب كما ذكرنا.
فرع آخر
إذا أراد القاضي أن ينظر في الأمور عند جلوسه للقضاء، فأول ما يبدأ بالنظر فيه أمر
[ ١١ / ٧٩ ]
المحبوسين، فيتصفح عن أحوالهم، ولا يحتاج فيه إلى متظلم إليه لعجز المحبوس عن التظلم، وهذا لأن الحبس عذاب، فهم أهل بالنظر فيه من غيرهم.
فرع آخر
إذا بدأ بهم ينفذ إلى الحبس رجلين من إمائه حتى يكتب اسم من حبس له، وبأي شيء حبس. وقال بعض أصحابنا: [٨٥/ ب] ينفذ إلى الحبس ثقةً أمينًا ومعه شاهدا عدلٍ، وقيل: يبعث بثقةٍ ولا يعتبر العدد، وعندي الاحتياط في العدد ولكن يجوز أن يقتصر على واحدٍ؛ لأن طريقه الخبر.
فرع آخر
إذا أراد الأمين أن يكتب أسماءهم يقدم بالقرعة من خرجت عليه القرعة، وإذا حمل المكتوب إلى القاضي، ثم ينادي في الناس ثلاثة أيام إن كان البلد كبيرًا، أو يومًا واحدًا إن كان البلد صغيرًا، أن القاضي يبدأ بالنظر في أمر المحبوسين، فمن كان له على محبوسٍ حق فليحضر في يوم كذا. وقيل: ينادي هكذا أولًا ثم يبعث ثقةً مع شاهدين ليكتب اسم المحبوسين، ولا بأس بهذا عندي.
فرع آخر
إذا اجتمعوا أقرع بين المحبوسين فيمن يقدمه في النظر، ولا يقرع بين الخصوم؛ لأن نظرهُ للمحبوسين على خصومهم، ثم إذا أقرع أحدهم أمر بإخراجه وينادي بإحضار خصمه، ولا يفتقر إخراج المحبوس إلى إذن خصمه؛ لأنه يخرج في حقه لا في حق حبسه. وقيل: إذا استبين خصم المحبوس الذي خرجت عليه القرعة وجههُ القاضي مع أمينه إلى الحبس حتى يأخذ بيد خصمه ويأتي به إلى مجلس الحكم.
فرع آخر
لو كان الحبس بعيدًا أخرج بالقرعة جميع من يقدر على النظر بينهم في يومه قبل شروعه في النظر. فإذا تكاملوا بدأ بالنظر في أمر الأسبق بالقرعة السابقة ولا يستأنف قرعة ثانية، وإن كان الحبس قريبًا من مجلس الحكم لم يخرج منه ثانيًا إلا بعد فراغه من النظر في أمر الأول؛ [٨٦/ أ] لأن المقصود اتصال نظره، ولا يتصل مع البعد إلا بإخراج كلهم، ويتصل مع القرب بإخراج واحدٍ.
فرع آخر
إذا تقدم المحبوس إليه سأله عن سبب حبسه، ولا يقتصر على السؤال الأول في الحبس وعارضه به، فإن اتفق جوابه عمل عليه، وإن اختلف جوابه عمل على أغلظ الأمرين من الأول والثاني، فإن ثبت في ديوان الحكم سبب حبسه قابله بما قال في الأول والثاني وعمل على أغلظ الثلاثة.
فرع آخر
إذا استقر العمل بأحد الأمور كان له فيما يذكره من سبب حبسه خمسة أحوال:
[ ١١ / ٨٠ ]
أحدها: أن يقول: حبسني تعزيرًا في اللدد كان مني ولم يحبسني خصم، فقد استوفي حق التعزير بعزل الأول، وأن يستكمل مدة حبسه مع بقاء نظر الأول؛ لأن القاضي الثاني لا يعزر لذنبٍ كان مع غيره، ولم يطلقه لجواز أن يكون له خصم لم يذكره حتى ينادي أيامًا بأن القاضي قد رأى إطلاق فلانٍ من حبسه، فإن كان له خصم قد حبس له فليحضر، فإذا مضت ثلاثة أيام ولم يحضر له خصم أطلقه بعد إطلاقه أنه ما حبس بحق خصمٍ.
والحالة الثانية: أن يقول: شهد الشهود عليَّ بحقٍ له ولكن لم تثبت عدالتهم فحبسني لتعديلهم، فاختلف أصحابنا في جواز الحبس لاستكشاف حال الشهود، فقال أبو إسحاق: يجوز؛ لأن الخصم قد أتى بما عليه، وإنما بقي الاستكشاف الذي إلى الحاكم. وقال الإصطخري: لا يجوز ذلك؛ لأنه ربما لا يعد لأن يكون حبسًا بحقٍ.
فإن قلنا بقول أبي إسحاق يرد إلى الحبس حتى يسأل عن أحوال الشهود. وإن قلنا بقول الإصطخري عليه بتكامل البينة بالعدد والصفة.
وقال بعض أصحابنا: إن قلنا بقول الإصطخري وكان القاضي قال: حكمت بحبسه لزوم حبسه [٨٦/ ب] باجتهاده، ولا يجوز إطلاقه، وإن لم يقل حكمت وجب إطلاقه، ولكن لا يعجل بإطلاقه حتى ينادي في الناس ثلاثة أيام على ما ذكرنا.
والحالة الثالثة: أن يقول: حبسني تعديًا بغير حقٍ ولغير خصم فقد ادعى ما يخالف الظاهر من أحوال القضاة، وحبسه حكم فلا ينقص إلا بتعيين الفساد، وعمل على بينةٍ إن كانت، فإن شهدت أنه حبس بحقٍ عزر في جرحه للقاضي الذي حبسه، وإن شهدت أنه حبس بظلم نادى ثلاثًا في حضور خصمٍ إن كان له ثم أطلق بعد ثلاثٍ إن لم يحضر، وإن لم تقم بينة بأحد أمرين لزم بأن ينادي ثلاثًا على ما ذكرنا، فإن لم يظهر له خصم خلاه ولا يخليه حتى يحلفه أنه لا خصم له؛ لأن دعواه تخالف الظاهر هنا هذا بخلاف المسألة قبلها. وقال في "الحاوي": يعيده إلى حبسه ويكشف عن حاله حتى ييأس القاضي بعد الكشف من ظهور حق عليه، وطالبه بكفيل بنفسه ثم أطلقه.
فإن قيل: الكفالة بالنفس لا تصح إلا ممن يثبت عليه حق. قيل: الحبس من جملة الحقوق، فإن عدم كفيلًا استظهر في بقاء حبسه على طلب كفيلٍ ثم أطلقه عند إعوازه، بينهما، وإن أنكر قيل: أنت مدعي ابتداءً فحكم أو أقم البينة أنه كان محبوسًا بدينك وإلا حبسناه.
والحالة الرابعة: أن يقول: حبسني الخصم بما لا يستحق بإراقة خمرٍ وقتل خنزير، فإن كان الخصم مسلمًا يطلقه، وإن كان الخصم ذميًا، فإن كان القاضي شفعويًا لا يرى وجوب غرمه كان حكمه باطلًا، وصار القاضي الثاني هو الحاكم، فإن كان شفعويًا
[ ١١ / ٨١ ]
أيضًا لا يرى وجوب الغرم حكم بإطلاقه، وإن كان حنيفًا حكم بمذهبه حكم يحبسه إن امتنع، وإن كان [٨٧/ أ] القاضي الأول حنفيًا يرى وجوب الغرم، فإن كان رأى القاضي مثل رأيه كان المحبوس على حبسه، وإن كان مخالفًا له لم ينتقض حكم الأول لنفوذه عن اجتهادٍ سائغ، وهل يجب إمضاؤه على الثاني؟ فيه قولان: أحدهما: يلزمه إمضاؤه؛ لأن اجتهاده انتقض بالاجتهاد.
والثاني: لا يلزمه إمضاؤه لبطلانه عنده، ويعيده إلى حبسه من غير أن يلزمه القضاء؛ لأنه لا يراه ولا يطلقه لأنه لا ينقض الحكم به وأقره فيه حتى يصطلحوا.
والحالة الخامسة: أن يقول: حبسني لخصم بحقٍ، فيسأل عن خصمه وعن الحق الذي حبس به، فإذا حضر وطالب فإن كان من حقوق الأبدان كالقصاص، فالحبس به غير مستحق؛ لأن تعجيل استيفائه منه ممكن وإن كان مالًا، فإن كان عينًا فإن استحقه بعقدٍ حكم فيه بما يوجب العقد من إقباض الثمن وتسليمه، وإن استحقه بغير عقدٍ كالمغضوب، فإن ثبت قبضها ببينةٍ حكم القاضي بتسليمها، وإن ثبت بإقراره رفع يده عنها، ولم يمنع المدعي منها ولم يحكم له بتسليمها لجواز أن تكون لغيره، وإن كان مالًا في الذمة أمره بقضائه إن كان مليًّا، وإن ادعى عسرة نظر في سبب الاستحقاق، فإن كان عن مقابلة مالٍ لم يقبل إلا بعد الكشف، وإن كان في غير مالٍ قبل قوله في العسرة مع يمينه، ووجب إطلاقه بها بعد النداء عليه، يقال: ألا إن فلان ابن فلان يُخلى، فإن كان له خصم آخر فليحضر، وهذا لجواز أن يكون له خصم آخر.
ولو أقام صاحب الدَّين البينة على أن للمحبوس مالًا، فإن لم يعين المال لم تسمع الشهادة للجهل بها، وإن عين المال بأن له هذه الدار، [٨٧/ ب] سُئل المحبوس، فإن اعترف بها حكم بقضاء الدين منها، ولو امتنع باعها عليه وقضى عنه دينه، وإن أنكرها فإن لم يقرّ بها لغيره لا يؤثر إنكاره وتباع عليه، وإن أقرّ بها لغيره فإن أحاله على إنسانٍ مجهول لا يعرفه بيعت عليه ولا يتوقف، وإن أحاله على معلوم وقال: هي لزيدٍ، سُئل زيد فإن أنكرها بيعت عليه ووكل القاضي عنه وكيلًا ببيعها، ولا يتولى القاضي مع إنكاره. وإن صدقه زيد قيل له: ألك بينة بأن الدار لك ملكًا، فإن أقامها حكم له بالدار؛ لأنه معه بإقرار المحبوس بينة ويدًا، فكان أولى من بينة المحبوس مع زوال يده بالإنكار، وإن لم يكن له بينة ففي الحكم بها لزيدٍ وجهان:
أحدهما: يحكم بها لزيدٍ؛ لأن المحبوس قد أبطل بينة فبطل شهادتها وصار مقرًا بها لزيدٍ فلزم إقراره.
والثاني: لا يحكم بها لزيد وتكون الدار ملك المحبوس؛ لأن البينة شهدت له بالملك، ولصاحب الدين بالقضاء، فإذا أكذبها ردت في حق نفسه ولم ترد في حق صاحب القرض، فإذا بيع المال عليه أو لم يبع ينادي عليه ويخلي.
وعلى ما ذكرنا لو قال: حبسني بحد الخمر، أو حد القذف لفلان، أو حد الزنا ينظر فيه ونحده إن لزمه الحد، ويخليه إلا إذا أمكن استيفاء الحد، فلا فائدة في
[ ١١ / ٨٢ ]
التأخير. وإذا أراد تخليته أمر بالنداء عليه على ما ذكرنا.
ولو قال: حبسني فلان من غير الحكم لا يقبل ذلك؛ لأنه خلاف الظاهر، ويستكشف على ما ذكرنا إذا قال: حبسني ظلمًا، وإذا أراد أن يخليه حلفه، وقيل: إن كان فلان حاضرًا أحضره [٨٨/ أ] حتى يقيم عليه البينة أن له عليه حقًا وإلا أطلقه، وإن كان غائبًا ففيه وجهان:
أحدهما: يطلقه؛ لأن الأصل أن لا حبس. والثاني: لا يطلق؛ لأن الظاهر أنه حبسه القاضي بحقٍ. ذكره بعض أصحابنا بخراسان.
فرع آخر
إذا فرغ من أمر المحبوسين على ما ذكرنا نظر في أمور الأوصياء؛ لأن الوصي ينظر في مال من لا يمكنه المطالبة بحقه، ولا يعبر عن نفسه، وهم الأطفال والمجانين والمساكين، فكان النظر في أمرهم أولى. ثم لا يخلو الوصي من أربعة أقسامٍ:
أحدهما: أن يقيم البينة على أن الحاكم الذي نفذ وصيته وأطلق تصرفه في المال، فإن القاضي الثاني لا يتعرض له، ويمضي عليه ما ثبت من حكم الأول؛ لأن الظاهر أن الأول لم ينفذه إلا بعد ثبوت عدالته، إلا أن يعلم من حدوث فسقٍ أو خيانةٍ فينقضي ذلك.
والثاني: أن لا يكون الحاكم الأول نفذ وصيته، وأراد أن يقيم البينة عنده على الوصية، فإن الحاكم الثاني يسمع بينته، ونظر في عدالته، فإن كان عدلًا أمضاه، وإن كان فاسقًا انتزع المال من يده وجعله في يد أمينٍ عدلٍ. وإن شك في أمانته ففيه وجهان؛ قال الإصطخري: يقره في يده؛ لأن الظاهر الأمانة، كما لو نصبه الحاكم. وقال أبو إسحاق: ينتزع المال من يده حتى يعلم أمانته، ويفارق أمين الحاكم؛ لأن الحاكم لا ينصب إلا من هو ثقة مرضي، وإن كان أمينًا ضعيفًا ضمَّ إليه أمينًا يقويه.
والثالث: أن يقسم الوصي البينة أن فلانًا أوصى إليه وأمره بتفرقة المال، وقال: قد فرقت، نظر الحاكم، فإن كانت الوصية لأقوامٍ معينين لم يتعرض له قلوا أو كثروا؛ لأنهم يطالبون به وإن لم يوصله إليهم. وإن كانت الوصية لغير معينين مثل الفقراء والمساكين نظر، [٨٨/ ب] فإن كان عدلًا لم يضمنه، وإن كان فاسقًا ضمنه؛ لأن الفاسق لا يكون وصيًا، فكان تفرقة المال تعديًا منه عليه فيلزمه ضمانة، ورد تفريق ما يضمنه إلى أمينه حتى يفرقه عليهم، وليس للوصي أن يرجع على المساكين بما فرقه وإن صدقوه على الوصية؛ لأنه مقرٌ بوصوله إليهم بحقٍ، ذكره في "الحاوي".
وإن كان فسقه خفيًا يحتاج إلى الاجتهاد نفذ تصرفه ولا يضمنه إلا بالتعدي ما لم يحكم بفسقه، وإن كان الفسق ظاهرًا وباع شيئًا من التركة فسخ بيعه وإن لم يكن عرف
[ ١١ / ٨٣ ]
المال بعد، فإن كان عدلًا قويًا فهو أكمل الأوصياء حالًا فيقره في يده ونفذ وصيته؛ لأنه من أهل الولاية. وإن أمينًا ضعيفًا لا يقدر على التفرد بتنفيذ الوصية يضم إليه أمينًا يقوى به في تنفيذها.
وإن كان فاسقًا عزله؛ لأن الوصية ولاية والفاسق ليس من أهل الولاية. ومن أصحابنا من قال: هذا إن كان خائنًا في الأمانة فاسقًا في الديانة ثقة في الأمانة، فإن كانت الوصية بالولاية على الأطفال أو بتفريق الثلث في غير معينين انتزعها منه وردها إلى غيره، وإن كانت لتفريق الثلث لمعينين أو في قضاء الدين لمسمين يجوز أن يقرها في يده، والفرق أن في تلك ولاية واجتهاد وليس الفاسق من أهلها، وهذه مقصورة بالتعيين على التنفيذ دون الاجتهاد.
والرابع: أن يقول: إن فلانًا أوصى بتفرقة هذا المال وخفت عليه الهلاك ففرقته بنفسي، ولم تكن الوصية إليَّ وأقام البينة على الوصية، فإن كان لأقوام معينين لم يتعرض له حتى يدعي من له الوصية، وإن كان لأقوام بأوصافٍ مثل الفقراء والمساكين فيه وجهان؛ [٨٩/ أ] أحدهما: يضمن؛ لأنه متعدي بتفرقته.
والثاني: لا يضمن؛ لأنه قد أوصله إلى أصحابه ووضعه في موضعه، والأول أصح عندي.
واعلم أنه إذا أراد النظر في أمور الأوصياء، بدأ بمن يرى من غير قرعةٍ بخلاف المحبوسين؛ لأن هذا من نظر اجتهادٍ، ولأن النظر فيه عليهم لا لهم.
وقيل: للوصي ثلاثة أحوالٍ: أحدهما: أن يكون وصيًا في الولاية على الأطفال أو المجانين فيلزمه في حقهم ثلاثة أشياء؛ حفظ أصول أموالهم، وتمييز فروعها، والنفقة عليهم بالمعروف.
والثانية: أن يكون وصيًا في تفريق الثلث وقضاء الدين، فلا يتعداه إلى ولاية الأطفال، ونظر في الوصية فإن كانت لمعينين سقط اجتهاده فيها، وصرف الدين والثلث إلى المسلمين، وإن كانت في موصوفين وصاروا بعد الدفع فيها كالمعينين، فإن عدل عن أهل تلك الصفة إلى غيرهم لم يجز، وضمن لأهل تلك الصفة، ولا يكون له استرجاع ما دفع إليهم إلا أن يصدقوه على الوصية والصفة.
والثالثة: أن يكون وصيًّا في الأمرين من ولاية الأطفال، وتفريق الثلث فهي الوصية العامة، فيلزمه أن يعمل في كل واحدٍ منهما ما كان يعمله لو تفرد به، فإذا عرف القاضي كيفية الوصية اختبر حال الوصي في أمانته وثبوته على ما ذكرنا.
فرع آخر
إذا فرغ من أمر الأوصياء نظر في أمور الأمناء، فالأمين هو الذي ينصبه القاضي في أموال الأيتام الذين لا وليَّ لهم، وفي أموال المحجور عليهم للسفه ينظر في أمرهم، فإن لم يكن حالهم تغيرت وكانوا من أهل الأمانة والنظر أقرهم، وإن تغيرت حالهم عزلهم، وإن أراد يولي غيرهم ويعزلهم من غير تغيير حالهم [٨٩/ ب] كان له ذلك،
[ ١١ / ٨٤ ]
والفرق بين هذا وبين الوصي حيث قلنا ليس له أن يعزله إن تولية الوصي ابتداء لم تكن إليه، وتولية هذا إليه إن لم يكن القاضي الأول ولاه فكان له عزله أيضًا، وإن وجد فيه ضعفًا فالقاضي بالخيار بين أن يضم إليه قويًا من أمنائه، أو ينتزع من يده إلى قوي بخلاف الوصي.
وقال في "الحاوي": يعتبر فيهم ثلاثة أشياء. أحدها: ما هم عليه من قوة وأمانة.
والثاني: ما يتصرفون فيه من الولاية عن الأطفال والنظر في الأموال.
والثالث: ما فعلوه فيها من قبل وما يستأنفوه من العمل فيها من بعد.
ويبدأ بمن يراه منهم من غير قرعةٍ كالأوصياء، ولا يخلو حال الأمين فيها من أربعة أحوالٍ:
أحدهما: أن يكون عدلًا وقد فعل ما جاز فيكون على ولايته ونفاذ فعله.
والثانية: أن يكون عدلًا وقد فعل ما لم يجز بالجهالة فيكون على ولايته، ويرد ما فعله ويضمن إن فات استدراكه. والثالثة: أن يكون فاسقًا وقد فعل ما جاز، فولايته باطلة بفسقه، ولا يضمن ما تعين ويضمن ما لم يتعين كالوصي.
والرابعة: أن يكون فاسقًا وفعل ما لم يجز فولايته باطلة ويرد ما فعل ويضمن ما تصرف فيه.
فرع آخر
لو ادّعى هذا الأمين أجرة جعلها له الحاكم قبله، فإن أقام بينة أعطاه إذا لم يرد على أجرة مثله، وإن عدم البينة ففي استحقاقها وجهان مبنيان على الوجهين إذا ركب الدابة من ادعى إعارتها، وادعى المالك إجارتها، فإن قلنا هناك لا أجرة لمالك الدابة فلا أجرة للأمين هنا. وإن قلنا هناك يلزم الأجرة تلزم الأجرة هنا.
فرع آخر
إذا فرغ من أمور الأمناء نظر في أحوال الضوال [٩٠/ أ] واللقطة، فربما يكون من الناس من لا يختار وتملك اللقطة فيتركها عند الحاكم، فينظر الحاكم في ذلك فما لا يخاف تلفه ولا يلزمه مؤنةٌ في حفظه حفظه على صاحبه، وما يلزمه مؤنة في حفظه أو يخاف عليه التلف كالمواشي وغيرها باعها وحفظ ثمنها على صاحبها، وإن كانت دراهم أو دنانير أو نحو ذلك أخذها الحاكم وجعلها في بيت المال معرفة له عن خبرها، حتى إذا جاء صاحبها ردها عليه أو خلطها في مال بيت المال.
وقال في "الحاوي": جملة ما ذكرنا أن القاضي يبدأ بالنظر في الأمانات وهي خمسة:
أحدها: أن يتسلم ديوان الحكم ممن كان قبله.
[ ١١ / ٨٥ ]
والثانية: أن يتصفح أحوال المحبوسين. والثالثة: النظر في أمور الأوصياء.
والرابعة: النظر في أمور الأمناء.
والخامسة: النظر في الوقوف العامة والخاصة.
ففي العامة لا يقف النظر على مطالبةٍ؛ لأن مستحقها لا يتغير. وفي الخاصة؛ لأن مصرفها إلى معين من الفقراء، فينظر هل يصل إليهم؟ وهل يستحق الولاية على من يعين منهم بصغرٍ أو جنونٍ، وليعلم سبيلها فتحمل على شروط واقفيها، وإن تغير حال الوالي عليها فعل به ما قدمناه في الأولياء والأوصياء.
فرع آخر
يجب على القاضي بعد تصفح حال الأمناء والأوصياء أن يثبت في ديوانه حال كل أمين ووصي فيما بيده من الأموال، ومن يلي عليه من الأيتام، ليكون حجة للجهتين، فإن وجد ذكره في ديوان القضاء الأول عارض به وعمل بأحوطها، وإذا تطاول مدة الوقف سجل به لتكون الحجة باقية ويثبته في ديوانه.
مسألة
قال: "وإذا بان له من أحد الخصمين لدد نهاه".
الفصل: أراد باللدد شدة اللجاج [٩٠/ ب] والخصومة. وفي اللغة: اللدد الالتواء والميل، يقال: لديد الوادي وهما جانباه لأنهما يكونان ملتويين، وسمي الوجور من أحد الشدقين لدودًا؛ لأنه يميل يقال: خصم ألدُّ وخصوم لد. قال الله تعالى: ﴿وَتُنذِرَ بِهِ قَوْمًا لُّدًّا﴾ [مريم: ٩٧]، وقال تعالى: ﴿وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ [البقرة: ٢٠٤]، وهو لا يميل ولا يستقيم على جهةٍ واحدةٍ، ويقال: فلان يتلدد إذا كان يتلفت يمينًا وشمالًا. فإذا تقرر هذا، فهذا اللدد يوجد من الخصم ويظهر للحاكم من وجوهٍ؛ أحدهما: أن يقول: استحلف الخصم فإذا كان في أثناء التحليف يقول: اقطع فلي بينة، ثم لا يكون له بينة أو يقدمه إلى الحاكم، فإذا أراد أن يحكم يقول: لي بينة، ثم يمضي ويقدمه مرةً أخرى، ولا يكون له بينة، فإذا أراد أن يحكم يقول: لي بينة ويتكرر منه ذلك بحيث يعلم أنه يقصد الإضرار والتعنت، أو يحمله إلى مجلس الحكم ويهرب ثم يعود من الغد ويحمله ثانيًا ونحو ذلك، فإذا بان للحاكم ذلك أول دفعةٍ نهاه ولا يبدؤه بزبرٍ ولا زجر، فإن عاد ثانيًا زبره وزجره، ويعتبر ذلك من وجهين؛ أحدهما: بحسب لدده.
والثاني: على قدر منزلته. فإن عاد ثالثًا ضربه أو حبسه تعزيرًا يجتهد فيه بحسب اللدد على قدر المنزلة.
وقيل: في الأول نهاه، وفي الثاني زبره، وفي الثالث زجره وأغلظ القول، وفي الرابع عزره وهذا حسن عندي، وهو اختيار القاضي الطبري، وإنما يبدأ بالنهي لأنه
[ ١١ / ٨٦ ]
ربما فعل ذلك ليضيق صدره، ثم إذا عاد يزيد في درجة النهي، وعلى هذا.
فرع
لو كان في لدده شتم وفحش وكان سفيهًا ضربه بالنعل وأطراف الثياب على مقداره، وإن كان شيخًا ساكتًا يمنع الحق ويخرج عن الواجب باللدد حبسه، فإن جمع [٩١/ أ] في لدده بين الأمرين جاز أن يجمع في تعزيره بين الضرب والحبس.
فرع آخر
قال بعض أصحابنا: يضرب ضرب تأديب بالدرة ضربًا رقيقًا لا يؤلم ألمًا شديدًا ولا يضربه بالسوط لأنه ينكأ في البدن ولا يصنعه؛ لأنه بذله ولا يبطحه ولايمده.
فرع آخر
لو ردَّ على القاضي وأغلظ له القول، فإن رأى تأديبه فعل، وقد ترك النبي ﷺ التأديب في قصة الزبير مع الأنصاري حين قال: إن كان ابن عمتك. وقيل: إن النبي ﷺ عزره حين قال للزبير: "أمر الماء على بطنه واحبسه حتى يبلغ الجدار"، وهذا القول منعه تعزيرًا. وروي أنه كان يقسم الصدقات، فقال له رجل: اعدل، فقال: "ويلك لم أعدل فمن يعدل". وهذا القول تعزيرًا، وفيه نزل قوله تعالى: "وَمِنْهُم مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ" [التوبة: ٥٨] الآية.
فرع آخر
قال الشافعي ﵁: "وأحب أن لا يكون القاضي جبارًا عسوفًا عييًا ولا ضعيفًا مهينًا"؛ لأنه إن كان جبارًا تهيبه الخصوم فلا يتمكنون من استيفاء حجتهم، وإن كان مهينًا ضعيفًا انبسطوا بين يديه واستخفوا به، ولكن يكون بين أمرين معتدل الأحوال وقورًا، كما وصف أبو بكر الصديق -﵁- شديد من غير عنف، ولين من غير ضعف. وقال عمر ﵁: لا يصلح لأمور الأمة إلا رجل قوي من غير عنف، ولين من غير ضعف، لا يأخذه في الله لومة لائم".
مسألة
قَالَ: "وَيُشَاوِرُ، قَالَ اللهُ تَعَالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] ". اعلم أنه إذا أراد القاضي أن يقضي، فإن كان يقضي في أمرٍ ظاهرٍ عليه نص كتابٍ، أو سنةٍ، أو إجماع أو قياسٍ، لا يحتمل إلا معنًى [٩١/ ب] واحدًا لا يحتاج في ذلك إلى المشاورة، إنما ترد للاجتهاد والنظر، وهذا أمر ظاهر لا يحتاج فيه إلى الاجتهاد والنظر، وإن كان يقتضي في أمر خفي يحتاج فيه اجتهاد ونظر، يستحب له أن يشاور لقوله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾.
قال الحسن البصري ﵀: إن كان رسول الله ﷺ لغنيًا ولكن أراد أن يستن
[ ١١ / ٨٧ ]
بذلك الأئمة والقضاة بعده. وقال تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: ٣٨]، وقال رسول الله ﷺ: "المستشير معان والمستشار مؤتمن". وقد شاور رسول الله ﷺ أصحابه في أسارى بدرٍ، فأشار أبو بكر الصديق -﵁- بالفداء، وأشار عمر بالقتل، فأخذ برأي أبي بكر الصديق وفادى، فأنزل الله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ﴾ [الأنفال: ٦٧]، الآية، فقال ﷺ: "لو نزل عذاب من السماء لما نجا منه إلا عمر بن الخطاب". وشاور أهل المدينة في شيئين؛ في حفر الخندق حتى اتفقوا عليه، وفي صلح الأحزاب على ثلث ثمار المدينة، فقالوا: إن كان الله أمرك بهذا فالسمع والطاعة لأمر الله تعالى، وإن كان غير ذلك فلا نطعمهم فينا فإنهم في الجاهلية لم يكونوا يصلون إلى ثمرة إلا بشراء أو قرى فامتنع. وشاور أبو بكر الصديق -﵁- الصحابة في الجدة أم الولد هل ترث؟ وشاورهم عمر -﵁- في أم الأب وفي دية الجنين [٩٢/ أ] التي أجهضت ما في بطنها. وشاورهم عثمان -﵁- في الأحكام. وقال الزهري: قال أبو هريرة -﵁- ما رأيت أحدًا أكثر مشاورة لأصحابه من رسول الله ﷺ.
وقال عمر بن عبد العزيز: القاضي لا ينبغي أن يكون قاضيًا حتى يكون فيه خمس خصالٍ؛ يكون عفيفًا حليمًا عالمًا بما كان قبله، مستشيرًا ذوي الألباب، لا يبالي بملامة الناس. ولأنه إذا شاور يكون أقطع للتهمة وأوضح لحكم المسألة، ويتنبه بالمشاورة ويتذكر بها ما نسيه. وقيل: كان علي -﵁- قليل الاستشارة في الأحكام؛ لأنه قد شاهد استشارة من قبله فاكتفي بها. وقيل: لأنه لم يبق في عصره عديل يشاوره. وقيل: كان استشارة رسول الله ﷺ في أمور الدنيا ومصالحها. واختلف أصحابنا في استشارته في الدين والأحكام كاختلافهم، هل له أن يجتهد رأيه فيها، فقال بعضهم: ما استشار ﷺ في الدين ولا في الأحكام؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ [النجم: ٣، ٤]، وقال آخرون: استشارهم في الدين والأحكام، فمنه ما شاورهم في علامةٍ تكون لأوقات الصلوات، فأشار بعضهم بالناقوس وبعضهم بالقرن والقصة معروفة. وشاور أصحابه في حد الزنا والسارق، فقالوا: الله ورسوله أعلم، فقال: "هن فواحش وفيهن عقوبة" حتى أنزل الله تعالى فيهما ما أنزل، [٩٢/ ب] وهذا قول من جعل الاجتهاد رأيه فيها.
وأما غير رسول الله ﷺ من الصحابة ومن بعدهم فمشاورتهم في مصالح الدنيا
[ ١١ / ٨٨ ]
وأحكام الدين فيما يختص منها بالدنيا ندب إليه عقلًا، وما اختص منها بالدين ندب إليه شرعًا، ولو لم يشاور وحكم نفذ إذا لم يخالف نصًا، أو إجماعًا، أو قياسًا جليًا، وليس على أهل الشورى أن يعارضوه فيه، ولا يمنعوه منه إذا كان مسوغًا في الاجتهاد.
مسألة
قَالَ: "وَلَا يُشَاوِرُ إِذَا نَزَلَ بِهِ المَشْكِلُ إِلَّا أَمِينًا عَالِمًا بِالكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالآثَارِ".
الفصل
اعتبر فيمن يشاور شروط المفتي وذكر سبع شرائط؛ الأمانة، والعلم بالكتاب، والعلم بالسنة، والعلم بالآثار -يعني أقاويل الصحابة- والعلم بأقاويل الناس -يعني العلماء بعدهم- فيما أجمعوا عليه وفيما اختلفوا فيه، والعلم بالقياس، والعلم بلسان العرب.
ومعنى قوله: عالمًا بالكتاب والسنة: أن يكون مع العلم بمعانيها مهديًا إلى ترتيب أحدهما على الثاني عند تقابل المختلفين، ولا يشاور العوام؛ لأن القصد من المشورة طلب الفائدة، ولا يكون ذلك إلا بالمشورة مع العلماء. واعلم أن المشكل وغير المشكل في ذلك سواء، وإن خص الشافعي -﵁- فقال: "إذا نزل به المشكل".
فرع
يجوز أن يشاور الأعمى، والعبد، والمرأة؛ لأنه يعتبر فيمن يشاور شروط المفتي، ولا يعتبر في المفتي البصر والحرية والذكورة، وإنما يعتبر شرطان؛ العدالة المعتبرة في المخبر دون الشاهد؛ لأن الحرية شرط في الشاهد دون المفتي، [٩٣/ أ] والثاني أن يكون من أهل الاجتهاد، فإنه يحيط علمه بخمسة أصولٍ:
أحدهما: علمه بكتاب الله تعالى في معرفة ناسخه ومنسوخه، ومحكمه ومتشابهه، ومفسره ومجمله، وعمومه وخصوصه وإن لم يقم بتلاوته.
والثاني: علمه بسنة رسول الله ﷺ ومعرفة أخبار التواتر والآحاد، وصحة الطرق والإسناد، وما تقدم منها وما تأخر، وما كان على سببٍ وغير سببٍ وإن لم يسمعها مسندة إذا عرفها من وجوه الصحة.
والثالث: علمه بالإجماع والاختلاف وأقاويل الناس، ليتبع الإجماع ويجتهد في المختلف فيه.
والرابع: علمه بالقياس الجلي والخفي، وقياس المعنى وقياس الشبه، وصحة العلل وفسادها.
والخامس: علمه بالعربية فيما تدعو إليه الحاجة من اللغة والإعراب؛ لأن لسان
[ ١١ / ٨٩ ]
الكتاب والسنة عربي، فيعرف لسان العرب وصيغة ألفاظهم، وموضوع خطابهم، ليفرق بين الفاعل والمفعول، وحكم الأوامر والنواهي في الندب والإرشاد، والعموم والخصوص. فإن قيل: هذه الشرائط لا تجتمع في أحدٍ فيكون سد باب الاجتهاد والفتوى. قيل: لم يرد الشافعي -﵁- أن يكون محيطًا بكلها، بل إذا علم الأصول الخمسة وأشرف عليها حتى ينتبه بما علم على ما لا يعلم، وإن لم يصر أعلى الناس بها جاز أن يفتي، وجاز أن يُستفتى، وجاز أن يشاوره القاضي في الأحكام النازلة.
فرع
لا فرق بين المفتي الذي يوافق القاضي في مذهبه وبين المفتي الذي يخالفه؛ لأنه لا يمتنع عنه الجواب بل يسأله عن الدليل وعن التعليل، وقد قال الشافعي ﵁: "ويجمع الموافقين والمخالفين [٩٣/ ب] ليذكر كل واحد دليله ويتناظروا فيه فيظهر الحق وتنفتح له طرق الاجتهاد". وقال أيضًا: "ويجمع المختلفين لا يتأسد لتقصيه العلم" أي لاستقصائه ولكشف بعضهم عن بعضٍ. وقيل: التقصي الكشف بالسؤال والمناظرة في طلب الصواب.
فرع آخر
لو كان فاسقًا لم يحمل على قوله فيما تعلق بالرواية والفتيا. واختلفوا في جواز مباحثته فيما يتعلق بالمعاني والاستنباط، فقال ابن أبي هريرة لا يجوز؛ لأنه لا يوثق به حذرًا مما يستحدثه من شبهةٍ فاسدةٍ. وقال آخرون: يجوز، لأنه ربما ينكشف بمناظرته وجه الصواب؛ لأنه لا يؤخذ بقوله بل يُحمل على ما تنتهي إليه المناظرة من وضوح الصحة والفساد.
فرع آخر
لا يعول على مشاورة واحدٍ، بل يجمع عددًا ينكشف بمناظرتهم ما غمض، ولا يقلدهم وإن كان عددًا.
مسألة
قَالَ: "وَلَا يَقْبَلُ وَإِنْ كَانَ أَعْلَمَ مِنْهُ حَتَّى يَعْلَمَ كَعِلْمِهِ أَنَّ هَذَا لَازِمٌ لَهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ تَخْتَلِفِ الِّروَايَةُ فِيهِ، أو بِدَلَالَةٍ عَلَيْهِ، أَوْ أَنَّهُ لَا يَحْتَمِلُ وَجْهًا أَظْهَرَ مِنْهُ" فأما أن يقلده فلم يجعل الله ذلك لأحد بعد رسول الله ﷺ.
معنى هذا الفصل ما شرحه في الأم فقال: "ولا يقبل من المشير الإشارة حتى يخبره أنه أشار به من حيث يلزم، وذلك كتاب أو سنة أو إجماع أو قياس على هذا، ولا يقبل لذا قال هذا له حتى يقفه عليه ويعقل منه ما عقل، وحتى يسأل هل له وجهٍ يحتمل غير
[ ١١ / ٩٠ ]
الذي قال، وأن الآية وجهان، أو سنة رويت مخففة، أو سنة ظاهرها يحتمل وجهين لم يعمل بأحد الوجهين حتى يجد دلالته في كتاب، أو سنة، أو إجماع، أو قياس على أن الوجه الذي [٩٤/أ] عمل به هو الوجه الذي يلزمه، والذي هو أولى به من الوجه الذي تركه، وهكذا لا يعمل بالقياس أبدًا حتى أولى بالشبه بالكتاب أو السنة أو الإجماع". والمقصود أنه لا يعمل بالتقليد وإنما يعمل بما يؤدي إليه اجتهاده، وبه قال أبو يوسف، ومحمد، وأحمد.
وقال أبو حنيفة: إن كان القاضي أعلم من مخالفه عمل على اجتهاد نفسه، وإن كان مخالفه أعلم منه عمل على اجتهاد مخالفه. وقال بعض أصحابنا ببغداد: إذا لم يبن له حكم الحادثة جاز له ترك الاجتهاد إلى قول من يوافقه، ولا يجوز أن يعمل بقول غيره وهو يعتقد خطأه، وظاهر مذهب أبي حنيفة ما تقدم. واحتج عليه بأنه قول من هو أعلم منه عنده إذا صار إليه، فهو ضرب من الاجتهاد وهذا لا يصح؛ لأنه من أهل الاجتهاد يجوز له التقليد كما لو قلد من هو مثله.
وأما ما ذكره فلا يصح؛ لأن من هو أعلم منه يجوز عليه الخطأ، فإذا اعتقد أن ما قاله خطأ لم يجز أن يعمل به، وجوز بعض العلماء تقليد علماء السلف، وجوز بعض أصحاب الحديث تقليد الصحابة والتابعين دون غيرهم لقوله ﷺ: "خير الناس قرني ثم الذين يلونهم". ومنهم من قال: يجوز تقليد الأربعة من الخلفاء ولا يجوز تقليد غيرهم. وقال بعضهم: يجوز تقليد أبي بكر وعمر - ﵄ - خاصة لقوله ﷺ: "اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر".
فإن قيل: ما قاله الشافعي - ﵁ - خطأ؛ لأنه جعل القبول من النبي ﷺ تقليدًا. قلنا: لم يرد به حقيقة التقليد، وإنما أراد به القبول من غير السؤال عن وجهه، وهل يقع عليه اسم التقليد؟ فيه وجهان؛ فمن قال بتناوله الاسم احتج بهذا الاستثناء، [٩٤/ب] فإن الشافعي - ﵁ - استثنى ذلك من التقليد في الجواز، وهذا هو الصحيح من المذهب. ومن قال لا يتناوله قال: هذا استثناء من غير الجنس - أي التقليد - لا يجوز، لكن قبول قول رسول الله جائز.
فرع
لو لم يصل القاضي باجتهاده إلى حكم الحادثة ففي جواز تقليده فيها وجهان: قال ابن سريج: يجوز أن يقلد فيها للضرورة، ويحكم فإنه ما م حاكم عالم إلا يجوز أن يشكل عليه أحكام بعض الحوادث. وقال أبو إسحاق: لا يجوز، بل يستخلف عليها
[ ١١ / ٩١ ]
من يحكم باجتهاده إن ضاق وقت الحادثة لا الحاكم ملزم، فلا يجوز أن يلزم ما لا يعتقد لزومه، وصورة التضييق أن يتقدم إليه مسافران في حادثة والقافلة ترحل ويخافان الانقطاع عنها.
فرع آخر
فإذا تقرر فساد التقليد وجب النظر في أصول الشرع ليصل إلى العلم بموجبها، وقال قوم من السلف: لا يجب النظر ويعول على الإلهام، وهذا غلط لقوله تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ﴾ [فصلت: ٥٣]، الآية، وقال أيضًا ﷿: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ١٠]، يعني إما بالنص على حكمه، وإما بالنص على أصله.
فصل
ذكره القاضي الإمام صاحب "الحاوي" رحمه الله تعالى في هذا الموضع يتصل بالأصول والفروع، فأوردته على وجهه حتى لا يشذ منه شيء، قال: إذا ثبت وجوب النظر [في الأصول الشرعية] فالسبب المؤدي إلى معرفة الأصول والعمل بها شيئان: علم الحس والعقل؛ لأن حجج العقل أصل لمعرفة الأصول، إذ لا تعرف صحة الأصول إلا بحجج العقول، ولذلك لم يرد الشرع إلا بما أوجبه العقل أو جوزه، ولم يرد بما حظره العقل [٩٥/ أ] وأبطله، قال الله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلاَّ الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٣]، أي لا يعلمها إلا العاقلون. وقال تعالى: [إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لأُوْلِي النُّهَى] [طه: ٥٤] أي العقول. والسبب الثاني في معرفة الأصول الشرعية معرفة لسان العرب، وهو معتبر في حجج السمع خاصة، قال الله تعالى: [وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ قومه] [إبراهيم: ٤] الآية، وهذا لأنه لا يخاطبهم إلا بما يفهمونه ليكون حجة لهم وعليهم. وقال تعالى: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل: ١٠٣]، فاحتاج الناظر إلى معرفة لسانهم، وموضوع خطابهم، ليفرق بين الحقيقة والمجاز، وبين الإثبات والنفي، وبين المطلق والمقيد، وبين العام والخاص، وبين المفسر والمجمل، والناسخ والمنسوخ، والفاعل والمفعول، ويعرف صيغة الأوامر والنواهي، فإن قصر عنها لم يصح منه، ولا نعني به أن يكون عالمًا بجميع لغتهم وإعراب كلامهم؛ لأن التشاغل به يقطعه عن عمل ما سواه، وإنما نعني به أن يكون عالمًا بموضوع كلامهم ومشتمل خطابهم، وهو مشهور على أربعة وجوه؛ أمر، ونهي، وخبر، واستخبار.
فأما من لا يقصد النظر المؤدي إلى العلم فالذي يلزمه من معرفة العربية ما يجب أن
[ ١١ / ٩٢ ]
يتلوه في صلاته من القرآن والأذكار دون غيره، فإذا جمع الناظر بين هذين الشيئين من العقل ولسان العرب صح منه النظر في الأصول.
واختلفوا في العبارة عن الأصل والفرع، فقيل: الأصل ما دل على غيره، والفرع ما دل عليه غيره، وقال آخرون: الأصل ما تفرع منه غيره والفرع ما تفرع عن غيره. ثم اعلم أن أصول الشرع أربعة؛ الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس. فالأصل الأول: [٩٥/ب] كتاب الله تعالى الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، قال الله تعالى: ﴿هَذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ﴾ [الجاثية: ٢٩]، وقال تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨]، وقال تعالى: ﴿ومَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ١٠].
وكلام الله يشتمل على ثلاثة وجوه؛ أمر، ونهي، وخبر، وليس فيه استخبار لعلمه بما كان وما يكون، وما ورد فيه على صيغة الاستخبار والاستفهام، فالمراد به تقرير أو عيد، ومن أصحابنا من حل ما فيه بأخص من هذه العبارة، فقال: لأنه يشتمل على إعلام وإلزام.
فالإعلام وعد أو عيد، وليس يخلو ما فيه من القصص من أن يراد به وعد أو عيد، والإلزام أمر ونهي، فالأمر ما تقيد بلفظه، والنهي ما تقيد بتركه.
والأمر ينقسم بالقرائن ثلاثة أقسام، واجب، واستحباب، ومباح، فإن تجرد عن قرينة كان محمولًا عند الشافعي على الوجوب إلا بدليل تصرفه عن ظاهره. وقال غيره: هو محمول على الاستحباب، وقال جماعة: هو موقوف، وما قاله الشافعي - ﵁ = أولى لفرق ما بين ورود الأمر وعدمه.
والنهي ينقسم إلى ثلاثة أقسام: تحريم، وكراهة، وتنزيه، فإن جرد عن قرينة؛ قال الشافعي: "يحمل على التحريم والفساد". والأمر يقتضي فعل المأمور به مرة واحدة، ولا يحمل على التكرار إلا بدليل. والنهي يقتضي ترك المنهي عنه دومًا. والنهي يقتضي الفور.
وفيما يقتضيه مطلق الأمر من الفور والتراخي وجهان؛ أحدهما: يحمل على الفور كالنهي، والثاني: على التراخي.
وقد يرد الأمر بلفظ الخبر كقوله: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨].
ويجوز أن يتوجه إليه الفسخ. وقال قوم: لا يجوز كالخبر، وهذا فاسد لأنه في معنى الأمر، [٩٦/أ] ومطلق الأمر والنهي متوجه إلى جميع الأحرار من الرجال والنساء، وفي دخول العبيد فيها ثلاثة أوجه:
[ ١١ / ٩٣ ]
أحدها: يدخلون فيه لتوجه التكليف إليهم.
والثاني: لا يدخلون فيه إلا بدليل؛ لأنهم أتباع الأحرار.
والثالث: إن تضمن الخطاب تعبدًا توجه إليهم، وإن تضمن ملكًا أو عقدًا أو ولاية لم يدخلوا فيه.
وإذا ورد الخطاب باللفظ المذكور لا يدخل النساء فيه إلا بدليل، كما لو ورد بلفظ المؤنث لا يدخل فيه الرجال إلا بدليل، وهذا متفق عليه، وهذا مختلف فيه.
وما تضمنته شرائع من قبلنا فما لم يقصه الله تعالى علينا لم يلزمنا حكمه لانتقاء العلم بصحته، وأما ما قصه علينا في كتابه العزيز يلزمنا منه ما شرعه إبراهيم - ﵇ - لقوله تعالى: (ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنْ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا) [النحل: ١٢٣]. وفي لزوم ما شرعه غيره من الأنبياء وجهان؛ أحدهما: يلزم لكونه حقًا ما لم يقم دليل على نسخه.
والثاني: لا يلزم لكونه منسوخًا.
فصل
اعلم أن الذي يشتمل عليه نصوص الكتاب في الأحكام خمسمائة آية، وهي تنقسم ستة أقسام:
أحدها: العموم والخصوص، فالعموم الجمع والاشتراك، وأقل الجمع ثلاثة، ومن جعل أقل الجمع اثنين جعلها أقل العموم والخصوص هو الانفراد، وأقل الخصوص واحد، ويجوز أن يكون الخصوص مخرجًا لأقل العموم إذا انطلق على الباقي اسم العموم كالاستثناء، ويكون المخصوص غير مراد بالعموم خلاف النسخ، ويصير المراد بالعموم هو الباقي منه بعد الخصوص. ويجوز تخصيص العموم المؤكد كما يجوز تخصيص العموم المطلق. وقال بعض العلماء. لا يخصص المؤكد منه، وهذا غلط لوجود الاحتمال بعد التأكيد كوجوده من قبل. ثم العموم ثلاثة أحوال: [٩٦/ب] أحدها: أن يقترن به من الدلائل أو الشواهد ما يوجب حمله على العموم، كقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] الآية، فهو محمول على العموم في تحريم الأمهات والبنات من تخصيص.
والثانية: أن يقترن به ما يدل على تخصيصه كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المائدة: ٣٣] ثم قال ﴿إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: ٣٤] الآية.
والثالثة: أن يطلق، قال أهل الظاهر: لا صيغة للعموم توجب العمل بها، والواجب فيه التوقف حتى يقوم دليل على المراد بها كالمجمل. وقال بعض المتكلمين: يجب استعماله على عمومه ما لم يقم دليل على تخصيصه من غير نظر ولا اجتهاد امتثالًا لموجب الأمر. وقال أهل العراق إنه قبل التخصيص مستعمل على عمومه منغير اجتهاد ولا نظر، وبعد التخصيص مجمل لا يستعمل إلا بعد البيان؛ لأنه قبل
[ ١١ / ٩٤ ]
التخصيص جليٌّ وبعد التخصيص خفيٌّ. والرابع: وهو مذهب الشافعي - ﵁ - أن لمطلق العموم صيغة توجب النظر والاجتهاد في أدلة تخصيصه، فإن وجد ما يخصه استعمل باقية بعد تخصيصه وإن لم يوجد ما يخصه أُجري على عمومه، ولا يجوز استعماله قبل النظر، ولا يصير مجملًا بعد التخصيص؛ لأنه قبل النظر والاجتهاد يتكافأ الاحتمال، وبعد إمعان النظر والاجتهاد يترجح الاستعمال، وليس لزمان الاجتهاد والنظر وقت مقدر وإنما هو معتبر بما يؤديه الاجتهاد إليه من الرجاء والإياس.
واعلم أن أدلة التخصيص تؤخذ من أحد أربعة أصول؛ الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس. فأما تخصيص الكتاب كقوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، لأنه خص منه المطلقة قبل الدخول بقوله تعالى: ﴿فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب: ٤٦] الآية.
[٩٧/ أ] وأما تخصيه بالسنة كقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]، خصه قوله ﷺ: "لا قطع في أقل من ربع دينار". وأما تخصيص الكتاب بالإجماع فإن قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١] خصه الإجماع بأن العبد لا يرث، وخصته السنة في أن القاتل والكافر لا يرثان، فصار بعضها مخصوصًا بالسنة وبعضها مخصوصًا بالإجماع.
وأما تخصيصه بالقياس مثل قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢] الآية، ثم خص الأمة بنصف الحد بقوله تعالى: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنْ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥]. ثم خص العبد بنصف الحد قياسًا على الأمة، فصار بعض الآية خصوصًا بالقياس. ويجوز تخصيص العموم بالقياس الجلي، وفي جواز تخصصه بالقياس الخفي وجهان، فإن عدم المجتهد أدلة التخصيص من أحدد هذه الأصول الأربعة جاز القياس على الخصوص في العموم، ولم يجز القياس على الباقي من العموم، مثاله أن قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] الآية، لما خص منه من سرق من ثمر أو كثر في سقوط القطع عنه، لم يجز أن نقيس على قطع السارق قطع من ليس بسارق، وجاز أن نقيس على التمر والكثر سارق غير التمر والكثر في سقوط القطع عنه.
والفرق بينهما أن العموم لما ضعف عن حكم استيفاء اسمه قوي معناه عن اجتذاب غيره، والمخصوص لما قوي حكمه عن استيفاء اسمه قوي معناه على اجتذاب غيره.
والقسم الثاني: المجمل والمفسر: فالمفسر هو الذي يفهم منه المراد، والمجمل هو الذي ما لم يفهم منه المراد، ومثله في الكتاب قوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١]، وقوله تعالى: [٩٧/ ب] ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]. وقوله ﷺ: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني
[ ١١ / ٩٥ ]
دماءهم وأموالهم إلا بحقها".
فإن قيل: كيف جاز خطابهم بما لا يفهمونه من المجمل؟ قلنا: إنما جاز لأحد أمرين:
أحدهما: ليكون إجماله توطئة للنفوس على قبول ما يتعقبه من البيان، فإنه لو بدأ في تكليف الصلاة والزكاة ببيانهما جاز أن تنفر النفوس منهما ولا تنفر من إجمالها.
والثاني: أن الله تعالى جعل من الأحكام جليًا، وجعل منها خفيًا، ليتفاضل الناس في العمل بها، ويثابوا على الاستنباط لها، وكذلك جعل منها مفسرًا جليًا، وجعل منها مجملًا خفيًا.
ثم اعلم أن المجمل ضربان: أحدهما: أن يقع الإجمالي في الاسم المشترك كالقرء ينطلق على الطهر والحيض، والشفق على الحمرة والبياض، فإن اقترن تنبيه أخذ به، وإن تجرد عن تنبيه أخذ به وإن تجرد واقترن به عرف عمل عليه، وإن تجرد عن تنبيه وعرف وجب الاجتهاد في المراد منها، وكان من خفي الأحكام التي وكل العلماء فيها إلى الاستنباط، فصار داخلًا في المجمل لخفائه وخارجًا عنه لإمكان استنباطه.
والثاني: الإجمالي في الحكم المبهم.
وهو ضربان: أحدهما: ما كان إجماله في لفظه، كقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]، ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١].
والثاني: ما كان إجماله بغيره، مثل قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] والربا صنف من البيوع، فصار به الباقي من البيوع مجملًا على قول كثير من أصحابنا. [٩٨/ أ] وقال بعضهم، وهو عموم خص منه الربا، ومثاله من السنة قوله ﷺ: "الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحًا أحل حرامًا أو حرم حلالًا"، وكلا الضربين مجمل يفتقر إلى بيان يفهم به المراد.
فإن قيل: التعبد بمثل هذا الخطاب قبل بيانه؟ قلنا: يلزم لأن النبي ﷺ بعث معاذًا - ﵁ - إلى اليمن، وقال له: "ادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فإن أجابوك فأعلمهم أن في أموالهم حقًأ يؤخذ من أغنيائهم فيرد في فقرائهم" فتعبدهم بالتزام الزكاة قيل بيانها، وفي كيفية تعبدهم بالتزامه وجهان:
أحدهما: أنهم متعبدون قبل البيان بالتزامه بعد البيان.
والثاني: أنهم متعبدون قبل البيان بالتزامه مجملًا، وبعد البيان بالتزامه مفسرًا.
ثم اعلم أن البيان يختلف باختلاف المجمل وهو ضربان: أحدهما: ما وكل العلماء إلى اجتهادهم في بيانه من غير سمع يفتقر إليه، مثل قوله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ
[ ١١ / ٩٦ ]
يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] فلم يرد سماع ببيان أقل الجزية حتى اجتهد العلماء في أقلها. وكقوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِي لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩] الآية، فأجمل ذكر العدد الذي تنعقد بهم الجمعة حتى اجتهد العلماء فيه. وكقوله تعالى: ﴿لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ [الطلاق: ٧] الآية، فأجمل قدر النفقة حتى اجتهد العلماء في تقديرها، فهذا ونظائره من المجمل التي لا يفتقر إلى بيان السمع، فبيانه عن الرسول ﷺ؛ لأنه مأخوذ من أصول الأدلة المستقرة، وقد سأل عمر رسول الله ﷺ [٩٨/ ب] عن الكلالة، فقال: "تكفيك آية الصيف"، فوكله إلى الاجتهاد ولم يصرح بالبيان ..
واختلف أصحابنا في هذا النوع من البيان الصادر عن الاجتهاد هل يؤخذ قياسًا أو تنبيهًا؟ على وجهين: أحدهما: يؤخذ تنبيهًا من لفظ المجمل وشواهد أحواله؛ لأن النبي ﷺ قال لعمر - ﵁: "تكفيك آية الصيف" فردها إليه ليستدل بما تضمنها من تنبيه وشاهد حاله.
والثاني: يجوز أن يؤخذ قياسًا على ما استتر بيانه من نص أو إجماع، لأن عمر - ﵁ - سأل عن قُبلة الصائم، فقال: "أرأيت لو تضمضت" فجعل القبلة بغير إنزال كالمضمضة من غير ازدراد.
والثاني من المجمل: ما يفتقر بيانه إلى السمع، كقوله تعالى: (وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ) [البقرة: ٤٣]، لا يوصل إلى بيانه إلا من نص مسموع من كتاب أو سنة، فعلى هذا يجوز أن يتأخر بيانه وبيان تخصيص العموم عن وقت نزوله إلى وقت تقييده واستعماله أم لا؟ فعلى ثلاثة أوجه: أحدها: يجوز؛ لأن معاذًا - ﵁ - أخر بيان الزكاة لأهل اليمن إلى الوقت الذي أخذها منهم.
والثاني: لا يجوز، لاختلاف أحوال الناس في الحاجة إلى البيان وللتحرز بتعجيله من احترام المنية للرسول ﷺ المبين.
والثالث: يجوز تأخير بيان العموم؛ لأنه قبل البيان مفهوم، ولا يجوز تأخير بيان المجمل لأنه قبل البيان غير مفهوم.
القسم الثالث: المطلق والمقيد، وهو أن يرد الخطاب مقيدًا بحال، أو وصف، أو شرط، ثم يرد من جنسه مطلق غير مقيد بوصف ولا شرط، والكلام فيه مشتمل على فصلين:
أحدهما: في المقيد هل يجب أن يكون حكمه مقصورًا على الشرط المقيد به [٩٩/ أ] أم لا؟
والثاني: في المطلق هل يجب حمله على المقيد من جنسه أم لا؟
فأما الأول عندنا وعند جمهور العلماء ينقسم قسمين:
[ ١١ / ٩٧ ]
أحدهما: ما كان تقييده بالوصف في ثبوت حكمه فيثبت الحكم بوجوده وينتفي بعدمه، كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ إلى قوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [المائدة: ٦]، فتقييد التيمم بالمرض والسفر شرطًا في إباحته، وهذا التيمم فيما كان معناه خاصًا.
والثاني: ما لا يكون بالوصف المقيد شرطًا في حكم الأصل ويعمم حكمه مع وجود الشرط وعدمه، كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنْ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: ١٠١]، وليس الخوف شرطًا في جواز القصر، وكقوله في جواز الصيد: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَمِ﴾ [المائدة: ٩٥]، ولا يكون العمد شرطًا في وجوبه.
وهذا القسم فيما كان معناه عامًا، والفرق بينهما يكون باعتبار معنى التقييد، فإن كان معناه خاصًا كالقسم الأول ثبت حكم التقييد، وإن كان معناه عامًا كالقسم الثاني سقط حكم التقييد. وقال داود وأهل الظاهر: لا معنى لهذا التقسيم، ويجري جميع المقيد على تقييده، ويكون شرطًا في ثبوت حكم يثبت بوجوده ويسقط بعدمه. ولا يعتبر معنى الأصل في عموم ولا خصوص؛ لأن الاعتماد على النصوص دون المعاني عندهم، وهذا غلط؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ﴾ [الإسراء: ٣١]، ولا يستباح قتلهم من إملاق كما لا يستباح مع وجوده، وقال تعالى: ﴿وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ [النور: ٣٣]، ولا يجوز الإكراه على البغاء وإن لم يردن تحصنًا. فلما سقط حكم التقييد في هذا ولم يصر نسخًا جاز أن يسقط في غيره ولا يكون نسخًا، فإن خص هذا بدليل فقد جعلوا للدليل تأثيرًا في إسقاط التقييد، وهو الذي ذكرنا. [٩٩/ ب] فإن قيل: فإذا سقط التقييد صار لغوًا غير مقيد. قلنا: يحتمل ذكر التقييد مع سقوط حكمه أمورًا.
منها: أمر يكون حكم السكوت عنه مأخوذ من حكم المنطوق به ليستعمله المجتهد فيما لم يجد فيه نصًا، فإ، أكثر الحوادث غير منصوص.
ومنها: أن يكون التقييد تنبيهًا على غيره، كما قال تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَامَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَامَنْهُ بِدِينَارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ [آل عمران: ٧٥] الآية، فنبه بالقنطار على الكثير، ونبه بالدينار على القليل، وإن كان حكم القليل والكثير فيهما سواء.
ومنها: أن يكون الوصف هو الأغلب من أحوال ما قيد به، فيذكره لغلبته كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] الآية، وإن كانت مفاداة الزوجين تجوز مع وجود الخوف وعدمه؛ لأن الأغلب من المفاداة أن تكون مع الخوف.
وإذا احتمل هذه الأمور وغيرها صار وجود التقييد مقيدًا مع سقوط حكمه وإن لم يكن لغوًا.
[ ١١ / ٩٨ ]
فإذا تقرر هذا وجب النظر في كل مقيد، فإذا ظهر دليل على عدم تأثيره سقط حكم التقييد وصار في عموم حكمه كالمطلق، وإن عدم الدليل وجب حمله على تقييده وجعل شرطًا في ثبوت حكمه.
وأما حكم المطلق الوارد من جنس المقيد إذا جعل التقييد شرطًا في المقيد، فظاهر مذهب الشافعي - ﵁ - أنه يجب حمل المطلق على المقيد من جنسه ما لم يقم دليل على حمله على إطلاقه كما في العدالة في الشهود، وقوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] يحمل على قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَى عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢]، وعلى هذا حمل إطلاق العتق في كفارة الظهار على العتق المقيد بالأيمان في كفارة القتل. وظاهر مذهب أبي حنيفة - ﵀ - أن المطلق محمول على إطلاقه ما لم يقم دليل [١٠٠/أ] على الحمل على المقيد من جنسه.
وذهب أصحابنا إلى أن حكم المطلق بعد المقيد من جنسه موقوف على الدليل، فإن قام الدليل على تقييده قيد، وإن لم يقم على واحد منهما دليل صار كالذي لم يرد فيه نص فيعدل فيه إلى غيره من أدلة الشرع والاجتهاد في استنباط المعاني، ويصير احتماله لأمرين مبطلًا لحكم النص فيه، وهذا قول من ذهب إلى وقف العموم حتى يقوم دليل على تخصيص أو عموم. وهذا أفسد المذاهب؛ لأن النصوص المحتملة يكون الاجتهاد عائدًا إليها ولا يعدل بالاحتمال إلى غيرها، ليكون حكم النص ثابتًا بما يؤدي إليه الاجتهاد من نفي الاحتمال عنه وتعيين المراد به. قال الإمام المارودي: "والذي عندي وأراه أولى المذاهب في المطلق والمقيّد أن يعتبر غلظ حكم المطلق والمقيد، فإن كان حكم المطلق أغلظ حمل على إطلاقه ولم يقيد إلى بدليل. وإن كان حكم المقيد أغلظ حمل المطلق على المقيد ولم يحمل على إطلاقه إلا بدليل؛ لأن التغليظ إلزام وما تضمنه الإلزام لم يسقط إلزامه بالإجمال". فإذا تقرر هذا الذي ذكرنا، ودب حمل المطلق على المقيد كان ذلك مستعملًا في إطلاق الصفة، ولا يكون مستعملًا في إطلاق الأصل، مثاله: أن مسح اليدين في التيمم مطلق، وفي الوضوء مقيد بالمرفقين فحمل عليه. وأطلق ذكر الرأس والرجلين في التيمم وذكرا في الوضوء، فلم يحتمل ترك ذكرهما في التيمم على إثبات ذكرهما في الوضوء؛ لأن ذكر المرافق سنة وذكر الرأس والرجلين أصل. وقال ابن خيران: المطلق يحمل على المقيد في الأصل أيضًا، فالله تعالى ذكر الإطعام في كفارة الظهار ولم يذكر في كفارة القتل فيحمل عليها. وفي هذا إثبات أصل بغير أصل، فإذا ثبت حمل المطلق على المقيد فهل وجب عليه حمله من طريق اللغة أو من طريق الشرع؟ وجهان:
أحدهما: من طريق اللغة؛ لأن في لسان العرب موضوع لهذا.
والثاني: بالشرع [١٠٠/ ب] المستقر على استنباط المعاني، لأن الأحكام لا تؤخذ إلا شرعًا من نص أو قياس.
[ ١١ / ٩٩ ]
وإذا وردا مقيدين من جنس واحد بشرطين مختلفين، وأطلق ثالث من جنسهما وجب حمل المطلق على إطلاقه ولم يجز حمله على أحد المقيدين؛ لأنه ليس حمله على أحدهما بأولى من حمله على الآخر، وحمل كل من المقيدين على تقييد نظيره فينظر في صفتي التقييد فيهما. فإن تنافى الجمع بينهما لم يحمل أحدهما على الآخر، واختص كل واحد منهما بالصفة التي قيد بها، وذلك مثل تقييد صوم الظهار بالتتابع، وتقييد صوم التمتع بالتفرقة، ولا يمكن الجمع بين التتابع والتفرق فيختص كل واحد منهما بصفته، فإن أمكن اجتماع الصفتين ولم يتنافيا ففي حمل كل واحد منهما على تقييد نظيره وجهان: أحدهما: لا يحمل إلا على ما قيد به إذا قلنا المطلق لا يحمل على المقيد إلا بدليل.
والثاني: يحمل على تقييده وتقييد نظيره، فيصير كل واحد منهما مقيدًا بالصفتين إذا قلنا بجواز حمل المطلق على المقيد.
فعلى هذا يجوز أن يحمل ما أطلق من جنسهما على تقييدهما معًا، ويصير كل واحد من النصوص الثلاثة المتجانسة مقيدًا بشرطين.
والقسم الرابع: الإثبات والنفي، فينقسم ثلاثة أقسام؛ إثبات تجرد عن نفي، ونفي تجرد عن إثبات، وما اجتمع فيه نفي وإثبات. فأما الأول فضربان:
أحدهما: أن يقترن بحرف التحقيق فيكون إثباته نفيًا لما عداه، كقوله ﷺ: "إنما الأعمال بالنيات". وقوله ﷺ: "إنما الولاء لمن أعتق". وسواء كان هذا الإثبات جوابًا أو ابتداء. ولكن اختلف أصحابنا في النفي به هل هو بلفظ النقط أو بدليله على وجهين:
أحدهما: أن الذي أوجب النفي بعد الإثبات هو دليل اللفظ دون اللفظ، فيكون دليل الخطاب هو الموجب للنفي؛ لأنها لفظة [١٠١/أ] لجنس فجرى مجرى التأكيد.
والثاني: أنها أوجبت النفي والإثبات بنفس اللفظ؛ لأن لفظةُ إنما موضوعة في اللغة لإثبات ما اتصل ونفي ما انفصل عنها.
والثاني: أن يتجرد الإثبات عن حرف التحقيق، كقوله ﷺ: "في سائمة الغنم زكاة" وكقوله: "القطع في ربع دينار" فلمخرجه حالتان:
إحداهما: أن يكون جوابًا لسائل عن الزكاة في مسائمة الغنم فقال: "في سائمة الغنم زكاة"، ولسائل عن القطع في ربع دينار، فقال: "القطع في ربع دينار"، فلا يكون هذا الإثبات نفيًا لما عداه.
والثانية: أن يبدأ به الرسول ﷺ فيقول مبتدئًا: في سائمة الغنم زكاة، فيكون هذا الإثبات نفيًا لما عداه فلا يجب في غيرها، وهذا لأنه لا بد لتخصيص هذا بالذكر من موجبٍ، فلما خرج عن الجواب ثبت وردوه للبيان، وهذا هو الظاهر من مذهب
[ ١١ / ١٠٠ ]
الشافعي - ﵁ - وقول جمهور أصحابه. وذهب ابن سريج وأبو حامد إلى أن حكم ما عدا الإثبات موقوف على الدليل لما تضمنه من الاحتمال، وهذا فاسد لما ذكرنا من التعليل.
وإذا انتفى حكم الإثبات عما عداه على ما بيناه فقد اختلف أصحابنا في موجب نفيه عنه على وجهين؛ أحدهما: أنه أوجب لسان العرب لغة. والثاني: أنه أوجب دليل الخطاب شرعًا.
وأما القسم الثاني في النفي إذا تجرد عن إثبات فهو على ضربين:
أحدهما: أن يكون جوابًا لسؤال فلا يكون النفي موجبًا لإثبات ما عداه، كقوله ﷺ:
"لا تحرم الرضعة أو الرضعتان" لا يدل على التحريم بالثالثة.
والضرب الثاني: أن يبتدئ الرسول ﷺ فيقول: "لا يقبل الله صلاة بغير طهور" فدل على قبولها بالطهور، ويكون نفي الحكم عن تلك الصفة موجبًا لإثباته عند عدمها، وهو الظاهر من مذهب الشافعي ﵁.
ويحتمل قول من جعل ما عدا الإثبات موقوفًا، وإذا كان حكم النفي مطلقًا يحتمل نفي الجواز ونفي الكمال لعمومه، كقوله ﷺ: "لا صلاة إلا بطهور"، فكان هذا النفي مانعًا [١٠١/ب] من أجزائها.
فإن قام دليل على نفي الكمال حمل عليه، كقوله ﷺ: "لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد". ويجيء على مذهب من قال بوقف المحتمل بجعل هذا موقوفًا لأنه محتمل.
وأما القسم الثالث: الجامع للإثبات والنفي يشتمل على ثلاثة أنواع؛ الاستثناء، والشرط، والغاية.
فأما الاستثناء فالمعتبر في ثبوت حكمه ثلاثة أشياء:
أحدها: أن يرجع إلى أصل يبقى منه بعد الاستثناء بعضه وإن قل، فإن رفع جميعه لم يصح؛ لأنه يصير نسخًا، ويثبت حكم الأصل ويبطل الاستثناء.
والثاني: أن يكون الاستثناء من جنس الأصل ليصح به خروج بعضه، فإن عاد إلى غير جنسه صح عند الشافعي في المعنى دون اللفظ، وأبطله قوم في اللفظ والمعنى، وأجازه قوم في اللفظ والمعنى. مثاله أن يقول: لفلان عليَّ ألف درهم إلا دينار، فلا يجعل لفظ الدينار مستثنى من لفظ الدراهم؛ لأنه لا يجانسها، وإنما تجعل قيمته مستثناة من الدراهم؛ لأنه لا ينافيها فصار الاستثناء في المعنى دون اللفظ.
والثالث: أن يعلق على الاستثناء ضد حكم الأصل، فإن كان الأصل إثباتًا صار الاستثناء نفيًا، وإن كان الأصل نفيًا صار الاستئناء إثباتًا. فإن عاد الاستثناء إلى جمل مذكورة تقدمته يمكن أن يعود إلى جميعها، ويمكن أن يعود إلى بعضها، فعند الشافعي
[ ١١ / ١٠١ ]
تعود إلى جميعها ما لم يخصه دليل، كقوله تعالى: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا﴾ [المائدة: ٣٤]، فكان راجعًا إلى كل ما تقدم من القتل والصلب والنفي.
وقال أبو حنيفة ﵀: يرجع إلى أقرب مذكور إلا أن يقم دليل، كقوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ [النساء: ٩٢]، فرجع إلى الدية دون الكفارة.
وكذلك ما اختلفا [١٠٢/أ] في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَاتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ إلى قوله: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا﴾ [المائدة: ٥٤]، فعند أبي حنيفة ترجع التوبة إلى الفسق وحده؛ لأنه أقرب مذكور، وعندنا ترجع إليه وإلى قبول الشهادة اعتبارًا بالعموم، ولا يرجع عندهما إلى الجلد لاختلافهما في التعليل، فعند أبي حنيفة لبعده عن أقرب مذكور، وعند الشافعي لخروجه بدليل، وهو أن حد القذف حق الآدمي فلا يسقط بالتوبة. وكذلك لم يجعل قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلاَّ خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ [النساء: ٩٢] عائدًا إلى الكفارة، لأنها من حقوق الله تعالى التي لا تسقط بالعفو، ويكون عائدًا إلى الدية لسقوطها بالعموم.
وأما النوع الثاني وهو الشرط: فالشرط في اللغة هو العلامة، ومنه قوله تعالى: ﴿فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ [محمد: ١٨]، أي علاماتها، ولهذا يُسمى بالشرطي لتمييزه بعلامته. والشرط في الشرع هو الشيء الذي علق به الحكم لكونه علامة له. فإذا علق الحكم بشرط ثبت الحكم بوجوده وانتفى بعدمه، كقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] الآية، فيتعلق به إثبات ونفي، فيجري مجرى الاستثناء من وجه وإن خالفه من وجه. فوجه اجتماعهما أنه قد يثبت حكمًا وينفي حكمًا. ووجه افتراقهما أن الشرط يثبت الحكم في حال وجوده وينفيه في حال عدمه، والاستثناء يجمع بين النفي والإثبات في حالة واحدة، وربما قيد الحكم فيقوم الدليل على ثبوت الحكم مع وجوده وعدمه فلا يتعلق بالشرط إثبات ولا نفي، ويصرفه الدليل عما وضع له من الحقيقة إلى ما قصد من المجاز، كقوله تعالى: ﴿وَاللاَّئِي يَئِسْنَ مِنْ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنْ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ﴾ [الطلاق: ٤]، وحكمها في العدة مع وجود الريبة وعدم الريبة سواء، فإن تجرد الشرط عن دليل حمل على موجبه في النفي والإثبات، وإن علق الشرط بجملة مذكورة عاد إلى جميعها ما لم يخصه دليل كالاستثناء. وجعلها أبو حنيفة [١٠٢/ب] عائدًا إلى أقرب مذكور. ودليلنا قوله تعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ﴾ إلى قوله: ﴿فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ﴾ [المائدة: ٨٩]، وهذا يعود إلى جميع ما تقدم، ولا يعود إلى أقرب مذكور من تحرير الرقبة.
وأما الثالث: الغاية فهي على ثبوت الحكم قبلها وانتفائه بعدها، كقوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنْ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، فكان الفجر حدًا لإباحة الأكل قبله وتحريمه بعده، فتعلق بالغاية إثبات ونفي كالاستثناء
[ ١١ / ١٠٢ ]
والشرط، غير أن الشرط موجب لثبوت الحكم بعده ولانتفائه قبله، والغاية موجبة لثبوت الحكم قبلها، ولا ينافيه بعدها. فإن اقترن بالغاية شرط تعلق الإثبات بها والنفي بأحدهما، كقوله تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ وهذا غاية، ثم قال: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَاتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمْ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، وهذا شرط [فتعلق حكم الإثبات بوجود الشرط بعد الغاية]، فلا يستباح وطئها إلا بالغسل بعد انقطاع الدم، وتنتفي الاستباحة بعدمها أو عدم أحدهما من غاية أو شرطٍ.
وأما القسم الخامس: وهو المحكم والمتشابه، فأصله قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾ [آل عمران: ٧]، وفي المحكم والمتشابه للعلماء ثمانية أقوال: أحدها: وهو قوله ابن عباس وابن مسعود - ﵃ - المحكم الناسخ، والمتشابه المنسوخ.
والثاني: المحكم الفرائض والوعد، والمتشابه القصص والأمثال.
والثالث: المحكم الذي لم تتكرر ألفاظه، والمتشابه الذي تكررت ألفاظه.
والرابع: المحكم ما عرف العلماء تأويله وفهموا معناه، والمتشابه ما لم يكن لهم إلى علمه سبيل، كقيام الساعة، وطلوع الشمس من مغربها.
والخامس: المحكم ما أحكم الله تعالى بيان حلاله وحرامه، فلم تشتبه معانيه، والمتشابه ما اشتبهت معانيه.
[١٠٣/أ] والسادس: المحكم ما لم يحتمل من التأويل إلا وجهًا واحدًا، والمتشابه ما احتمل من التأويل أوجهًا.
والسابع: المحكم ما قال بنفسه ولم يحتج إلى الاستدلال، والمتشابه ما لم يقم بنفسه واحتاج إلى الاستدلال.
والثامن: المحكم ما كانت معاني أحكامه معقولة، والمتشابه ما كانت معاني أحكامه غير معقولة، كأعداد الصلاة، واختصاص الصيام بشهر رمضان.
وفي قوله تعالى: ﴿هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ ثلاثة أوجه: أحدها: أنه أراد الآي التي فيها الفرائض والحدود؛ لأنها أكثر المقصود.
والثاني: أراد فواتح السور التي يستخرج منها القرآن.
والثالث: أراد معقول المعاني؛ لأنه يتفرع عنه ما يشاركه في معناه، فيصير الأصل كفروعه كالأم لحدوثها عنه، فلذلك يسمى أم الكتاب.
﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ [آل عمران: ٧]، فأراد به الأجل الذي أرادت اليهود أن يعرفوا من الحروف المقطعة في القرآن من انقضاء مدة النبي ﷺ بحساب الجمل.
والثاني: أنه معرفة غرائب القرآن في العلم بورود النسخ قبل وقته. ﴿ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾:
[ ١١ / ١٠٣ ]
أي الشرك. وقيل: اللبس. وقيل: إفساد ذات البين. ﴿وَابْتِغَاءَ تَاوِيلِهِ﴾ أي التفسير، وقيل: إنه العاقبة المنتظرة. ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَاوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ﴾ قيل: تأويل جميع المتشابه؛ لأن فيه ما يعلمه الناس وفيه ما لا يعلمه إلا الله ﷾. وقيل: تأويله القيامة لما فيه من الوعد والوعيد [١٠٣/ب] كما قال تعالى: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَاوِيلَهُ يَوْمَ يَاتِي تَاوِيلُهُ﴾ [الأعراف: ٥٣]، ويعني يوم القيامة، وقيل: [إن تأويله وقت حلوله]. قوله: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ يعني الثابتين فيه والعاملين به. وقيل: يعني المستنبطين له والعالمين به، وفيهم وجهان:
أحدهما: أنهم داخلون في الاستثناء، وتقديره أن الذي يعلم تأويله هو الله تعالى والراسخون في العلم أيضًا يعلمونه. وقال مجاهد: قال ابن عباس - ﵄: أنا ممن يعلم تأويله.
والثاني: أنهم خارجون من الاستثناء، ويكون معنى الكلام: وما يعلم تأويله إلا الله وحده، ثم استأنف فقال: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ ﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ وهذا يحتمل وجهين، أحدهما: أن علم ذلك عند ربنا.
والثاني: ما فصله الله تعالى من المحكم والمتشابه منزل من عند ربنا، وإنما جعل الله تعالى كتابه محكمًا ومتشابهًا استدعاءً للنظر من غير اتكال على الخبر ليتبين التفاضل ويستجزل الثواب.
وروى معاذ - ﵁ - أن النبي ﷺ قال: "القرآن على ثلاثة أجزاء؛ حلال فاتبعه، وحرام فاجتنبه، ومتشابه يشكل عليك فكله إلى عالمه".
فإذا وضح ذلك فما تضمنه كتاب الله تعالى من الأحكام والأعلام ينقسم أربعة أقسام؛ أحدها: محكم في جميع أحواله، ومتشابه في أحواله، ومتشابه في حالٍ ومحكم في حالٍ، ومحكم من وجه ومتشابه من وجه. فأما الأول فضربان: مفهوم ومعقول، والفرق بينهما أن المفهوم [١٠٤/ أ] ما لم يحتج إلى فكر، والمعقول ما احتاج إلى فكر.
والمفهوم ضربان: أحدهما: ما فهم بصريح لفظه كقوله تعالى في تحريم المناكح: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣].
والثاني: ما فهم بمخرج خطابه مثل قوله تعالى في تحريم الخمر والقمار: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: ٩٠]، فدل وضع الخطاب على تحريمه.
وأما المعقول فضربان: أحدهما: ما علم بالتنبيه، كقوله تعالى: ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ [النساء: ١١]، فنبه بثلث الأم أن الباقي للأب.
[ ١١ / ١٠٤ ]
والثاني: ما علم بالاستدلال، مثل تقدير أقل الحمل بستة أشهر بقوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥]، دل بقوله حولين على أن الباقي من ثلاثين شهرًا هو أقل الحمل.
فهذه الضروب الأربعة ونظائرها محكمة غير متشابهة.
وأما المتشابه في الأحوال فضربان: أحدهما: ما تولجت فيه إشارة يحتمل الاستدلال بها كقوله تعالى في الكلالة: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوْ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ﴾ [النساء: ١٢] الآية، فسأل عمر - ﵁ رسول الله ﷺ عن الكلالة فقال: "تكفيك آية الصيف"، يعني قوله تعالى: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلْ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ﴾ [النساء: ١٧٦]، الآية، وإنما سماها آية الصيف؛ لأنها نزلت في الصيف، فلم يزده في البيان على الرد إلى الإشارة.
والثاني: ما تجرد عن الإشارة كالحروف المفردة في القرآن، مثل قوله تعالى: ﴿الم﴾ و﴿كّهيعص﴾، فكانت على احتمال مشتبه غير أن المراد في الضرب الأول خفي، وفي هذا الضرب مبهم، وكلاهما من المتشابه.
وأما المتشابه في حال والمحكم في حال فضربان؛ أحدهما: العموم إذا خص.
والثاني: المجمل إذا فسر، هما قبل البيان من المتشابه وبعد البيان من المحكم.
[١٠٤/ب] وأما المحكم من وجه والمتشابه من وجه فضربان: أحدهما: أن يكون المتشابه في الموجب والمحكم في الواجب، مثل قوله تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ﴾ [الأنعام: ١٥١]، فالحق هو السبب الموجب وهو من المتشابه، وإباحة القتل هو الواجب وهو من المحكم.
والضرب الثاني: أن يكون المحكم في الموجب والمتشابه في الواجب، كقوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١]، فالسبب الموجب هو استحصاد الزرع وهو من المحكم، والحق المؤدى هو الواجب وهو من المتشابه.
وأما القسم السادس: فهو الناسخ والمنسوخ؛ والنسخ: هو رفع ما ثبت حكمه بالشرع دون العقل؛ لأن واجبات العقول لا يجوز نسخها بشرع ولا عقل. والنسخ مختص بالأحكام المشتملة على الأوامر والنواهي دون الأخبار؛ لأن نسخ الخبر مفضي إلى دخول الكذب في ناسخه ومنسوخه، ونسخ الحكم إنما هو العلم بانقضاء مدته، وهو مأخوذ في اللغة من نسخ المطر الأثر إذا أزاله، فسمي في الشرع نسخًا لزوال الحكم به، كما سمي به نسخ الأحكام الشرعية؛ لأنها معتبرة بالمصالح.
وقد تختلف المصالح باختلاف الأزمان، فيكون المنسوخ مصلحة في الزمان الأول دون الثاني، ويكون الناسخ مصلحته في الزمان الثاني دون الأول، فيكون كل واحد منهما مصلحة في زمانه وحسنًا في وقته وإن تضادا، ولا يكون بداء ورجوعًا فيستقبح كما زعم قوم من اليهود؛ لأن البداء هو الرجوع فيما تقدم من أمر ونهي، والنسخ هو أمر بالشيء في وقت ونهي عنه في وقت فافترقا.
[ ١١ / ١٠٥ ]
ثم اعلم أن النسخ جائز في الكتاب والسنة؛ لأن كل واحد منهما أصل لأحكام الشرع، فإذا جاز [١٠٥/أ] في الكتاب الذي هو أصل السنة كان في السنة أجوز.
ثم الناسخ والمنسوخ في الكتاب والسنة يشتمل على تفصيل بيانه على سبعة أقسام؛
أحدها: ما يقع فيه النسخ.
والثاني: ما يقع به النسخ.
والثالث: في أحكام النسخ.
والرابع: في أحوال النسخ.
والخامس: في زمان النسخ.
والسادس: في دلائل النسخ.
والسابع: في الفرق بين التخصيص والنسخ.
فأما الأول: فقد ذكرنا أنه في الأوامر والنواهي الشرعية، وهي على ثلاثة أضرب:
أحدها: أن تكون مطلقة فيجوز نسخها وإن وردت بلفظ الخبر، ووهم بعض أصحابنا وقال: لا يجوز إذا وردت بلفظ الخبر اعتبارًا بالأخبار، وهذا فاسد من وجهين:
أحدهما: اختصاص الأخبار بالأعلام، واختصاص النواهي بالإلزام.
والثاني: اختصاص الأخبار بالماضي والأوامر بالمستقبل، ولما تعلق بما ورد من الأوامر بلفظ الأخبار أحكام الأوامر دون الأخبار من هذين الوجهين، كذلك في حكم النسخ.
والضرب الثاني: أن يرد الأمر مؤكدًا بالتأييد، ففي جواز نسخه وجهان: أحدهما: لا يجوز نسخه؛ لأن صريح التأييد مانع من احتمال النسخ.
والثاني: وهو الأشبه أنه يجوز؛ لأن المطلق يقتضي التأبيد كالمؤكد؛ لأنه لما جاز انقطاع المؤبد بالاستثناء، مثل قوله تعالى: ﴿وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ ﴿إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا﴾ [النور: ٤، ٥] الآية، جاز انقطاعه بالنسخ كالمطلق.
والضرب الثالث: أن يكون الأمر مقدرًا بمدة فيكون انقضاء المدة موجبًا لانقطاع الأمر، فيصير نسخًا بغير نسخ، فإن أريد نسخه قبل انقضاء مدته ففي جوازه وجهان كالمؤبد.
وأما القسم الثاني: فالنسخ يكون بمثل المنسوخ، فنسخ الكتاب بالكتاب والسنة بالسنة، قال الله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَاتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦]، وفي المراد بنسخها وجهان؛ [١٠٥/ ب] أحدهما: تبديلها.
والثاني: نقضها. وقوله تعالى: ﴿أَوْ نُنسِهَا﴾ أي ننزلها فلا ننسخها وجهان أحدهما: أي نتركها فلا ننسخها.
والثاني: أراد نؤخرها، ومنه بيع النساء، أي نؤخر إنزالها.
وفي قوله: ﴿نَاتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ وجهان: أحدهما: أراد بخير منها في
[ ١١ / ١٠٦ ]
المنفعة، إما بالتخفيف وإما بكثرة الثواب.
والثاني: أنه على التقديم والتأخير، ومعناه نأت منها بخير.
وإذا كان كذلك لم يجز نسخ القرآن بالسنة صرح به الشافعي، ووافقه أصحابه. واختلفوا هل منع منه العقل أو الشرع على وجهين: أحدهما: منع منه العقل؛ لأنه يمنع من اعتراض المأمور على الآخر.
والثاني: منع منه الشرع دون العقل؛ لأن التفويض إلى المأمور لا يمنع من مشاركة الأمر.
وجوز أبو حنيفة نسخ القرآن بالسنة المستفيضة كما نسخت آية الوصايا، وهي قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ [البقرة: ١٨٠] الآية، بقوله ﷺ: "لا وصية لوارث". ودليلنا قوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ﴾ [النحل: ١٠١]، وقوله تعالى: ﴿قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ وروى جابر - ﵁ - أن النبي ﷺ قال: "كلامي لا ينسخ كلام الله تعالى وكلام الله ينسخ كلامي، وكلام الله ينسخ بعضه بعضًا"، رواه الدارقطني ﵀. والذي نسخ آية الوصايا هو آية المواريث وكانت السنة بيانًا. وأما نسخ السنة بالقرآن فظاهر مذهبنا الذي نص عليه في القديم والجديد أنه لا يجوز نسخ السنة بالقرآن، كما لا يجوز نسخ القرآن بالسنة.
وقال ابن سريج: يجوز بخلاف ذلك؛ لأن القرآن أوكد من السنة، وخرجه قولًا ثانيًا للشافعي - ﵁ - من كلام تأوله في الرسالة، واستشهاده بأن الآمر أنفذ حكمًا من المأمور.
[١٠٦/أ] ثم اختلف أصحابنا في طريق الجواز والمنع في الشرع مع جوازه في العقل على ثلاثة أوجه: أحدها: أنه لا يوجد سنة إلا ولها في كتاب الله تعالى أصل كانت السنة بيانًا لمجمله، فإذا ورد الكتاب بنسخها كان نسخًا لما في الكتاب من أصلها، فصار هذا نسخ الكتاب بالكتاب.
والثاني: أن الله تعالى يوحي إلى رسول الله ﷺ بما يحفيه عن أمته، فإذا أراد نسخ ما سنة للرسول ﷺ أعلمه به حتى يظهر نسخه، ثم يرد الكتاب بنسخه، ثم يرد الكتاب بنسخه تأكيدًا لنسح رسول الله ﷺ، فصار ذلك نسخ السنة بالسنة.
والثالث: نسخ الكتاب بالسنة يكون أمرًا من الله تعالي لرسول الله ﷺ بالنسخ، فيكون الله تعالى هو الآمر به والرسول ﷺ هو الناسخ، فصار ذلك نسخ السُنة بالكتاب والسُنة والله أعلم.
وأما القسم الثالث في أحكام النسخ فهو على خمسة أضرب. أحدها: ما نسخ
[ ١١ / ١٠٧ ]
حكمه وبقيت تلاوته، والناسخ باقي الحكم والتلاوة، كنسخ العدة حولًا بأربعة أشهر وعشر، ونسخ آية الوصايا بآية المواريث.
والثاني: ما نسخ حكمه وتلاوته والناسخ باقي الحكم والتلاوة كنسخ صيام أيام البيض بصيام شهر رمضان، ونسخ استقبال بيت المقدس باستقبال الكعبة، كما قال ابن عباس - ﵄ -: "أول ما نسخ باب الصيام الأول واستقبال بيت المقدس".
والثالث: ما نسخ حكمه وبقيت تلاوته ونسخت تلاوة الناسخ وبقي حكمه، كقوله تعالى في حد الزنا: ﴿وَاللاَّتِي يَاتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء: ١٥] الآية، نسخه قوله تعالى: الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة نكالًا من الله والله عزيز حكيم، قال عمر - ﵁ -: [١٠٦/ب] كنا نقرأها على عهد رسول الله ﷺ، ولولا أن يقال زاد عمر في كتاب الله لأثبتها فيه.
فإن قيل: فكيف يجوز أن يكون المنسوخ ناسخًا؟ قلنا: فيه جوابان:
أحدهما: أن النسخ إنما كان بالحكم دون التلاوة والحكم باقٍ وإن نسخت التلاوة.
والثاني: يجوز أن يكون النسخ به قبل نسخ التلاوة.
والضرب الرابع: ما نسخ حكمه وتلاوته ونسخت تلاوة الناسخ وبقي حكمه، وهو ما روي عن عائشة - ﵂ - أنها قالت: كان فيما أنزل الله تعالى من القرآن: عشر رضعات محرمات فنسخن بخمس معلومات، وتوفي رسول الله ﷺ وهن مما يقرأ في القرآن. تعني في العمل بهن دون التلاوة، فكان المنسوخ مرفوع الحكم والتلاوة، والناسخ مرفوع التلاوة باقي الحكم.
والضرب الخامس: ما نسخ حكمه وتلاوته وهو لا يعلم الذي نسخه، كما روي أنه كان في القرآن: لو كان لابن آدم وادٍ من ذهب لابتغى إليه ثانيًا، ولو كان له ثانٍ لابتغى إليه ثالثًا، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب. وروى أنس - ﵁ - أنهم كانوا يقرأون: بلغوا إخواننا عنا أنا قد لقينا ربنا فرضي عنا ورضينا عنه. ومثل هذا قد يكون رفعًا له في المعنى ولا يكون نسخًا له في الحكم، روي أن رجلًا قام من الليل ليقرأ سورة فلم يقدر عليها، وقام آخر ليقرأها فلم يقدر عليها، فسئل رسول الله ﷺ عنها، فقال: "رفعت البارحة".
وأما القسم الرابع: من أحوال النسخ، فهو على خمسة أضرب:
أحدها: ما نسخ إلى مثله في الخفة والغلظ، كنسخ استقبال بيت المقدس [١٠٧/ أ] باستقبال الكعبة.
[ ١١ / ١٠٨ ]
والثاني: ما نسخ إلى ما هو أغلظ منه كنسخ صيام أيام البيض بصيام شهر رمضان، والحبس في الزنا بالرجم.
والثالث: النسخ إلى ما هو أخف منه، كنسخ العدة حولًا بأربعة أشهر وعشر، ونسخ مصابرة الواحد بعشرة في الجهاد بمصابرته لاثنين.
والرابع: ما نسخ إلى غير بدل كنسخ قيام الليل في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾ ﴿قُمْ اللَّيْلَ﴾ [المزمل: ١، ٢]، بقوله تعالى: ﴿وَمِنْ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ﴾ [الإسراء: ٧٩] الآية، فنسخ فرضه بغير بدل.
والخامس: ما نسخ فيه للتخيير بين شيئين بإسقاط أحدهما وانحتام الآخر، كقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: ١٨٤] الآية، بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] الآية.
وأما القسم الخامس في زمان النسخ فهو على ثلاثة أضرب؛ أحدها: يجوز فيه النسخ.
والثاني: لا يجوز فيه النسخ.
والثالث: فيه خلاف.
فأما الذي يجوز فيه النسخ فهو بعد اعتقاد المنسوخ والعمل به، فيجوز سواء عمل به كل الناس كاستقبال بيت المقدس، أو عمل به بعضهم كفرض الصدقة في مناجاة الرسول ﷺ نسخت بعد أن عمل بها علي بن أبي طالب - ﵁ - وحده. وأما الذي لا يجوز النسخ فيه فهو قبل اعتقاد المنسوخ والعمل به، فلا يجوز أن يرد النسخ لأن من شرط النسخ أن يكون بعد استقرار الفرض ليخرج عن البداء إلى الإعلام بالمدة.
فإن قيل: فقد روي في ليلة المعراج، أن الله تعالى فرض على أمته خمسين صلاة، فلم يزل ﷺ يراجع ربه فيها ويستغفر له حتى استقر الفرض على خمسٍ. قلنا: كان هذا على وجه التقرير دون النسخ؛ لأن الفرض يستقر بنفوذ الأمر، ولم يكن من الله تعالى فيه أمر إلا عند استقرار الخمس.
وأما المختلف فيه [١٠٧/ب] فورود النسخ بعد اعتقاد المنسوخ وقبل العمل به، وفيه ثلاثة أوجه:
أحدها: لا يجوز كما لا يجوز قبل الاعتقاد لما ذكرنا من العلة، ليخرج من البداء إلى النسخ.
والثاني: يجوز كما يجوز بعد العمل؛ لأن الاعتقاد من أعمال القلب دون العمل اختيارًا لطاعتهم، كما أمر الله تعالى إبراهيم - ﵊ - بذبح ابنه ثم نهاه قبل ذبحه فقال: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ [الصافات: ١٠٢] الآية، فاختبر بذلك طاعته ونهاه بعد الاعتقاد وقبل الفعل.
[ ١١ / ١٠٩ ]
والثالث: لا يجوز إلا أن يمضي بعد الاعتقاد وزمان العمل به، وإن لم يعمل به لاختصاص النسخ بتقدير مدة التكليف وذلك موجود بمضي زمانه، فإذا استقر النسخ بما بيناه لم يلزم فرضه قبل ظهوره من الرسول ﷺ، وإن كان فرضه لازمًا للرسول ﷺ، فإذا أظهره سقط عنه فرض الإبلاغ ولزم فرضه في الحال لكل من عمل به من الحاضرين. فأما فرضه على الغائبين عنه ففيه وجهان: أحدهما: يجب؛ لأن الله تعالى عمهم بفرضه ولم يخص به حاضرًا من غائب. والثاني: وهو الأشبه أنه لا يجب إلا بعد العلم، كما يلزم الحاضرين فرضه بعد إبلاغ الرسول ﷺ وإن تقدم فرضه على الرسول ﷺ، وكذلك استدامة أهل قباء في صلاتهم إلى بيت المقدس وتحولوا إلى الكعبة وبنوا. وقال ابن عمر - ﵄: كنا نخابر أربعين سنة لا نرى بذلك بأسًا حتى أخبرنا ابن خديج أن النبي ﷺ نهى عن المخابرة فتركناها لقول رافع، ولم يتراجعوا فيما تقدم.
وأما القسم السادس في دلائل النسخ: [١٠٨/أ] وهو أن يرد في الشيء الواحد كلمات مختلفات، فهما ضربان:
أحدهما: أن يمكن استعمالها ولا يتنافى اجتماعهما وهو ضربان: أحدهما: أن يكون أعم من الآخر لعموم أحدهما وخصوص الآخر، فيقضي بالأخص على الأعم فيستثنى منه، كقوله تعالى: ﴿وَلا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١]، وقال تعالى فيمن أباح نكاحهن: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥]، فقضى بعده بتلك، فصار كقوله تعالى: ولا تنكحوا إلا الكتابيات حتى يؤمن، وكان عمومًا مخصصًا ولم يكن ناسخًا ولا منسوخًا. والثاني: تتساوى الآيتان في جواز تخصيص كل واحد منهما بالآخر، كقوله تعالى: (وأن تجمعوا بين الأختين) [النساء: ٢٣]، وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون: ٥، ٦]، فجاز أن يكون تحريم الجمع بين الأختين إلا بملك اليمين، وجاز أن يكون أباحه ملك اليمين إلا الجمع بين الأختين، فوجب الرجوع إلى دليل يوجب تخصيص إحديهما بالأخرى، ولذلك قال عثمان ﵁: أحلتهما آية وحرمتهما آية والتحريم أولى، فهذا فيما أمكن استعمال الحكمين المختلفين فيه، وأنه يحمل على التخصيص دون النسخ إلا أن يقوم دليل على النسخ فيعدل بالدليل على استعمال التخصيص النسخ كآية الوصايا وآية المواريث، فقد كان يمكن استعمالها من غير نسخ، ولكن روي عن الصحابة - ﵃ - أنهم قالوا: نسخت آية المواريث آية الوصايا، فعدل عن استعمال التخصيص إلى النسخ.
والضرب الثاني: أن يتنافى الحكمان، ولا يمكن استعمالهما فيعلم مع التنافي أن أحدهما ناسخ للآخر فيرجع إلى دلائل النسخ، فيستدل بها على الناسخ والمنسوخ، وهي خمسة دلائل مرتبة بتقدم بعضها على بعض:
فأولها: أن يتقدم أحدهما ويتأخر الآخر، فيعلم أن المتأخر ناسخ للمتقدم. فإن قيل: [١٠٨/ب] قوله تعالى في العدة: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾.
[ ١١ / ١١٠ ]
[البقرة: ٢٣٤] ناسخ (لقوله) تعالى: ﴿والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ ويَذَرُونَ أَزْوَاجًا وصِيَّةً لأَزْوَاجِهِم مَّتَاعًا إلَى الحَوْلِ غَيْرَ إخْرَاجٍ﴾ [البقرة: ٢٤٠]، وهو متقدم عليه. قيل: هو متقدم عليه في التلاوة، ومتأخر عنه في التنزيل، وقد عدل بترتيب التلاوة عن ترتيب التنزيل بحسب ما أمر الله تعالى بت للمصلحة التي استأثر بعلمها، فقد قيل: إن آخر آيةٍ نزلت قوله تعالى: ﴿واتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إلَى اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٨١]، وهى متقدمة في سورة البقرة، وأول ما نزل من القرآن سورة اقرأ، وهى متأخرة في المفصل والنسخ، إنما تختص بالمتأخر في التنزيل دون التلاوة.
فإن أشكل المتقدم والمتأخر، وجاز أن يكون كل واحدٍ منهما متقدمًا أو متأخرًا عدل إلى الدليل، وهو بيان الرسول ﷺ، فإن ثبت عنه بيان الناسخ من المنسوخ عمل عليه، وكانت السنة مبينة ولم تكن ناسخةً. وإن عدم بيان الرسول ﷺ عدل إلى الدليل أثالث وهو الإجماع، فإن انعقد الإجماع على تعيين الناسخ والمنسوخ عمل عليه، وكان الإجماع مبينًا ولم يكن ناسخًا. وإن عدم الإجماع عدل إلى الدليل الرابع وهو الاستعمال، فإذا كان أحدهما مستعملا والآخر متروكًا كان المستعمل ناسخًا والمتروك منسوخًا. فإن لم يوجد في الاستعمال بيان إما لاشتباهه أو لاشتراكه عدل إلى الدليل.
الخامس: وهو الترجيح بشواهد الأصول والأدلة وكانت غاية العمل بت. وقال بعض أهل العلم: كل آية منسوخةٍ ففي ضمن تلاوتها ما يدل على أن حكمها غير ثابت على الإطلاق، كقوله تعالى في سورة النساء في حد الزنا: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي البُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ المَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٥]، أن حكمها لا يدوم، فنسختها آية النور في قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ والزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِّنْهُمَا﴾ [النور: ٢] الآية، [١٠٩/ أ] ولهذا قال النبي ﷺ: "خذوا عنى، خذوا عنى، قد جعل الله لهن سبيلا" الخبر. وهذا الذي ادّعاه هذا القائل يبعد أن يوجد في كل آيةٍ منسوخة، لكنه معتقد لمذهب أبى حنيفة في أن الزيادة على النص تكون نسخًا، فيجعل ذلك من شواهد المنسوخ، وليست الزيادة على النص عندنا نسخًا.
وأما القسم السابع في الفرق بين التخصيص والنسخ: والفرق بينهما من خمسة أوجه: أحدها: أن تخصيص العموم يجوز أن يكون مقترنا بت ومتقدما عليه ومتأخرا عنه، ولا يجوز أن يكون الناسخ متقدمًا على المنسوخ ولا مقرتنا بت، بل يجب أن يتأخر عنه.
والثاني: التخصيص بيان ما أريد بالعموم، والنسخ بيان ما لم يرد بالمنسوخ.
والثالث: تخصيص العموم يجوز أن يكون بغير جنسه بخلاف النسخ.
والرابع: يجوز التخصيص في الأحكام والأخبار، والنسخ يختص بالأحكام.
والخامس: التخصيص على الفور، والنسخ على التراخي. فهذا كله بيان الأقسام السبعة من أحكام الأصل وهو الكتاب.
وأما الأصل الثاني وهو أصل الشرعة؛ السنة: وهذا لأن الله تعالى ختم برسوله ﷺ
[ ١١ / ١١١ ]
النبوة وكمل (به) الشريعة، وجعل الله بيان ما أخفاه من مجمل ومتشابهٍ، وإظهار ما يشرعه من أحكام ومصالح، فقال تعالى: ﴿وأَنزَلْنَا إلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤].
ولما جعله الله تعالى بهذه المنزلة أوجب على الناس طاعته في قبول ما يشرعه لهم وامتثال ما يأمرهم بت وينهاهم عنه، فقال تعالى: ﴿ومَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ ومَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]. الآية، فأوجب عليه لأمته أمرين؛ البيان والبلاغ، قال الله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إلَيْكَ مِن رَّبِّكَ﴾ [المائدة: ٦٧] الآية، وأوجب للرسول على أمته ﷺ أمرين؛ طاعته في قبول قوله، [١٠٩/ ب] وأن يبلغوا عنه ما أخبرهم بت، كما قال ﷺ: "ليبلغ منكم الشاهد الغائب". وقال ﷺ: "بلغوا عنى ولا تكذبوا علىًّ، فرب مبلغ أوعى من سامع، ورب حامل فقهٍ إلى من هو أفقه منه".
ولما كان الرسول ﷺ لا يقدر أن يبلغ جميع الناس للعجز عنه، اقتصر على إبلاغ من حضر لينقله الحاضر إلى الغائب. ولما لم يبق فيهم إلى الأبد، وكل من يأتي في عصرٍ بعد عصرٍ يأخذون عمن تقدمهم من عصرٍ لينقل عنه كل سلفٍ إلى خلفهِ، فيستديم على الأبد نقل سنته، ويعلم جميع من يأتي بشرائعه، فصار نقل الأخبار عنه أصلًا من أصول الشرعة.
ثم الأخبار على ثلاثة أضرب؛ أخبار استفاضة، وتواتر، وآحادٍ.
فأما الاستفاضة: أن تبدو منتشرة من البر والفاجر، ويتحقق العالم والجاهل، فلا يختلف فيها مخبر، ولا يتشكك فيها سامع، ويكون انتشارها في ابتدائها كانتشارها في آخرها، وهذا أقوى الأخبار حالًا وأثبتها حكمًا. وأما التواتر فما ابتدأ بت الواحد بعد الواحد حتى يكثر عددهم ويبلغوا قدرًا ينتفي عن مثلهم التواطؤ والغلط، ولا يعترض في خبرهم تشكك ولا ارتياب، فيكون في أوله من أخبار الآحاد، وفي آخره من أخبار التواتر، فيصير مخالفًا لخبر الاستفاضة في أوله وموافقًا له في آخره، ويكون الفرق بين خبر الاستفاضة وخبر التواتر من ثلاثة أوجهٍ: أحدها: ما ذكرنا من اختلافهما في الابتداء واتفاقهما في الانتهاء.
والثاني: أن أخبار الاستفاضة لا يراعى فيها عدالة المخبر وفي التواتر يراعى.
والثالث: أن أخبار الاستفاضة [١١٠/ أ] ينتشر من غير قصدٍ لروايتها، وأخبار التواتر ما ننشر عن قصد لروايتها.
ثم يستوي الخبران في انتفاء التشكك عنهما ووقوع العلم يهما، وليس العدد فيها محصورًا ليكون أنفي للارتياب وأمنع من التصنع، وإنما الشرط فيهما أن ينتفي عن المخبرين يهما جواز التواطؤ على الكذب، ويمتنع اتفاقهم في السهو والغلط حتى يزول الشك ويحصل اليقين، ثم ينتهي إلى عصرٍ بعد عصرٍ على مثل هذه الحال، فالمستفيض من أخبار السنة مثل عدد الركعات، والمتواتر فيها مثل نصب الزكوات. فإن قيل: فقد استفاض في النصارى قتل عيسى﵇- وقد أخبر الله تعالى بكذبهم. قيل:
[ ١١ / ١١٢ ]
إنما استفاض عن أربعة نفر، ثم استفاض عنهم الخبر فصار أصله من أخبار الآحاد وانتشاره من أخبار الاستفاضة.
وأما أخبار الآحاد فهو: ما أخبر بت الواحد والعدد القليل الذي يجوز على مثلهم التواطؤ على الكذب، أو الاتفاق في السهو والغلط، وهى على ثلاثة أضربٍ؛ أخبار المعاملات، وأخبار الشهادات، وأخبار السنن والديانات.
فأما أخبار المعاملات فلا يراعى فيها عدالة المخبر، وإنما يراعى فيها سكون النفس إلى خبره، فيقبل من كل برٍ وفاجرٍ، ومسلم وكافرٍ، وصغير وبالغٍ. فإذا قال واحد منهم: هذه هدية فلانٍ إليك جاز القبول ويتصرف فيها بقوله، ولذلك لو قال: قد أذن لق فلان في دخول داره، وإنما لا تعتبر فيه العدالة؛ لأن العرف جاز باستتابة أهل البذلة فيه، ومن خرج عن حد الصيانة وذلك منافٍ لشروط العدالة. وأما أخبار الشهادات فيعتبر فيها شرطان ورود الشرعة يهما وانعق الإجماع عليهما:
أحدهما: العدالة؛ لأن المنتدب لها أهل الصيانة، فتعتبر العدالة ليكونوا من أهل الصدق والصيانة [١١٠/ ب].
والثاني: العدد على موارد الشرعة بت من الاختلاف، فصارت الشهادة من هذين الوجهين أغلظ من أخبار المعاملات وإن كانا جميعا من أخبار الآحاد. وأما أخبار السنن في العبادات، فمختلف في قبول أخبار الآحاد فيها. فقال الأصم وابن عليّة: لا يقبل ويعدل إلى غيرها من أدلة الشرعة؛ لأنها لا توجب العلم فلا توجب العمل. وذهب الجمهور إلى قبولها ووجوب العمل بتا، لقوله تعالى: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ ولِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ﴾ [التوبة: ١٢٢] الآية، فلو لم تلزم الحجة بالآحاد النافرة لأمر فيه بالتواتر والاستفاضة، ولأن النبي ﷺ بعث معاذ﵁- إلى اليمين، فنقل السنن وعلمهم العبادات ونصب الزكوات وقبلوا. وقال بعض أصحاب الحديث: لا يجوز قبول خبر ممن لا يوافقه على مذهبه وهذا غلط، ويؤدى إلى إطراح أكثر السنن، ولأنه لما سقط عن رسول الله ﷺ فرض البلاغ بذكره للآحاد لزم فيها قبول أخبار الآحاد، ولأنه يجوز العمل على قول مفتى واحد وهما في أحكام الدين سواء. وذهب بعض أهل العراق إلى أنها لا تقبل إلا عن اثنين حتى تتصل بالرسول ﷺ كأقل الشهادات.
وذهب آخرون إلى أنها لا تقبل إلا من أربعة عن أربعة كأكثر الشهادات. وعندنا وعند الجمهور خبر الواحد والجماعة في وجوب العمل بتا واحد، وقد عمل أبو بكر﵁- في ميراث الجدة على خبر الواحد، وأخذ الجزية من المحبوس. وعمل عمر﵁- على خبر الواحد في دية الجنين، لأن ما يجوز على [١١١/ أ] الواحد يجوز على الاثنين والأربعة وليس اعتبار أخبار السنن بالشهادة أولى من اعتبارها بأخبار المعاملات؛ لأنها واسطة بينهما فاعتبر فيها العدالة كالشهادة، وقبل خبر الواحد كالمعاملة.
[ ١١ / ١١٣ ]
ثم اعلم أنه يجب العمل بما تضمنها ما لم يمنع منه العقل. وقال أبو حنيفة: لا يعمل بتا إذا خالفت الأصول ولهذا رد المصرات وخبر وقال مالك: لا يعمل بتا إذا خالفت عمل أهل المدينة، ولذلك لم يعمل على خبر خيار المجلس وهو الراوي له، وهذا غلط؛ لأن الخبر أًل فلم يجز أن يدفع بأصلٍ وهو حجة على أهل المدينة فلم يدفع بعلمهم.
وإذا وجب العمل فهو غير موجب للعلم الباطن بخلاف المستفيض والمتواتر، وهل يوجب العلم الظاهر؟ فيه وجهان: أحدهما: ليوجب؛ لأن ظاهر العلم من نتائج باطنه فلم يفترقا. والثاني: يوجب؛ لأن سكون النفس إليه موجب له ولولاه لكان ظنًا ثم الكلام في السنن يشتمل على فصلين؛ أحدهما: في أحوال الرواة الناقلين لها.
والثاني: في أحكام المتون المعوّل عليها.
فأما الأول ففيه خمسة فصول؛ أحدها: في صفات الراوي.
والثاني: في شروط التحمل. والثالث: في صيغة الأداء.
والرابع: في أحوال الإسناد.
والخامس: في نقل السماع.
فأما الأول: فيعتبر فيه أربعة شروطٍ: أحدها: البلوغ، فإنه لا حكم لقول الصغير في حق نفسه فكيف في حق غيره.
والثاني: العقل، ولا يقتصر على الذي يتعلق بت التكليف حتى ينضم إليه التيقظ والتحفظ، فيفرق بين الصحيح والباطل ليصح تمييزه.
والثالث: [١١١/ ب] العدالة في الدين؛ لأن الفاسق مردود القول فيه، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦].
ولا يرد خبر أهل الأهواء والبدع ما لم يكفروا غيرهم، ويظهروا عنادهم، وقد اتهم بذلك كثير من التابعين فما ردت بت أخبارهم، وشدد بعض أصحاب الحديث فقأ: لا يقبل خبرهم، وقد ذكرنا ذلك من قبل.
والرابع: أن يكون مأمون الزلل، شديد اليقظة، بعيدا من السهو والغفلة حتى لا يشتبه عليه الكذب بالصدق، ويكون على ثقة من نفسه ويكون الناس على ثقةٍ به.
وحكي عن مالك- رحمة الله- أنه قال: لقد سمعت من سبعين شيخًا أتقرب إلى الله تعالى بأدعيتهم لا أروى عن أحدهم. وإنما قال هذا لأنهم كانوا أهل سلامةٍ لا تؤمن غفلتهم وإن قويت ديانتهم.
ولأفرق بين الجاهل والعالم إذا كان ضابطا؛ لأن الصدر الأول قبلوا روايات الأعراب وأهل البوادي، وقال رسول الله ﷺ: "رب حامل فقهٍ إلى من هو أفقه منه".
[ ١١ / ١١٤ ]
ويقبل خبر الأعمى وإن لم تقبل شهادته، وكذلك يقبل هبر العبد والمرأة؛ لأن فتواهما مقبولة لاختصاصه بالدين.
وقال أبو حنيفة: لا تقبل أخبار النساء في الدين إلا أخبار عائشة وأم سلمه ﵄.
هكذا ذكر صاحب"الحاوي" عنه ولا يصح، قلنا: لو كان نقص الأنوثة مانعًا لعَّم، ولأنه يقبل المرأة في الفتوى وهو أغلظ.
وأما شروط التحمل فللمستمع أربعة أحوال؛ أحدها: أن يسمعه من لفظ المحدث
والثاني: أن يقرأه عليه.
والثالث: أن يجيزه المحدث.
والرابع: أن يكاتبه المحدث. فأما الأول فيصح تحمله عنه سواء كان عن قصدٍ واسترعاء، أو كان باتفاق ومذاكرة بخلاف الشهادة، ويجوز أن يكون المحدث أعمى أو أصم، ولا يصح السماع إن كان المتحمل أصم ويصح إن كان أعمى.
وأما [١١٢/ أ] قراءة المستمع على المحدث فيصح تحمله كما لأوقره المحدث، وكذلك لو قرأه غير المستمع على المحدث كان كما لو قرأه المستمع، ومن شرط صحة السماع في هذا شيئان: أحدهما: أن يكون المحدث سميعًا، فإن كان أصم لم يصح.
والثاني: أن يغترف المحدث بصحة ما قرأه عليه، ولا يصح التحمل إن لم يغترف بت، ويجوز أن يكون القارئ أصم.
وأما الإجازة فلا يصح التحمل بالإجازة عند الشافعي﵁- وجماعة، وأجازة بعض أصحاب الحديث في الأحوال. وقال بعضهم: يعتبر في صحة الإجازة أن يسلم الكتاب، وليصح إن لم يسلم الكتاب. وقيل: لو صحت الإجازة بطلت الرحلة، وقد يتدل في الإجازة الفاسد بالصحيح والمجهول بالمعروف.
فأما المكاتبة: فلا يصح فيها التحمل.
فإن قيل: فقد كتب رسول الله ﷺ إلى عماله في السنن والأحكام كتبا عملوا عليها وأخذ الناس بتا، منها كتابه لعمرو بن حزم في الديات، والصحيفة التي أخذها أبو بكر﵁- من فراب سيفه في نُصب الزكوات. قلنا: قد كانت ترد مع رسل يعوّل على خبرهم بتا.
ويصح سماع غير البالغ إذا كان مميزا سمع ابن الزبير وكان ابن تسع سنين حين مات رسول الله ﷺ، وسمع ابن عباس﵄- قبل بلوغه وقبل الناس روايتهما بعد البلوغ. وهكذا لو كان كافرا ثم أسلم، أو كان فاسقا ثم اعتدل؛ لأن شرط صحة التحمل صحة التمييز وحده.
[ ١١ / ١١٥ ]
وأما صفة الأداء: فيعتبر في المحدث إذا روى بعد ما قدمناه من شروط التحمل شرطان؛ أحدهما: ذكر إسناده.
والثاني: التحري في لفظ متنه. ثم له حالتان:
إحداهما: أن يحدث من حفظه فيصح السماع منه [١١٢/ ب] إذا وثق بحفظه.
والثانية: أن يحدث من كتابه، فإن كان أعمى لا تصح روايته من كتابه لأن الكتب قد تشتبه عليه، وإن كان بصيرًا صح أن يروى كتابه بشرطين؛ أحدهما: أن يكون واثقًا بكتابه.
والثاني: أن يكون ذاكرًا لوقت سماعه. فإن أخل لم تصح روايته.
ومنع أبو حنيفة﵀- أن يروى من حفظه كما لا يجوز للشاهد أن يشهد من حفظه، ولا يصح هذا لقوله ﷺ: "قيدوا العلم بالكتاب". ولو لم يصح الرجوع إليه لكان الأمر بتقييده غير مفيدٍ. وروى أن رجلًا شكا إلى رسول الله ﷺ النسيان، فقال له: "حرك يدك"، أي اكتب حتى ترجع إذا نسيت إلى ما كتبت. وقد كتب عثمان﵁- حين جمع القرآن عدة مصاحف ونفذها إلى الأمصار، فحفظ المسلمون منها القرآن.
والفرق بين الشهادة والخبر أن الشهادة يفترق فيها حال الشاهد والمشهود عليه فتغلظت بالحفظ كما تغلظن بالعدد، وفي الحديث يشترك المحدث والمستمع فتخففت بالكتاب. وقد صارت الرواية في عصرنا من الكتاب أثبت عن أصحاب الحديث من الحفظ لما يرجعون إليه من شواهد الأصول في صحة السماع.
ويجوز أن يقول المحدث في روايته: "حدثنا" و"أخبرنا" وهما عند الشافعي سواء في الحكم، ولكن الأولى في عرف أصحاب الحديث أن يسمع من لفظ المحدث أن يقول: "حدثنا" وإن قرأه على المحدث أن يقول: "أخبرنا" وإن سمع وحده قال: "حدثني" السماع وإن كانت في الحكم سواء. ويجوز أن يقبل في رواية المحدث فيما يعود نفعه إليه، ولا يجوز ذلك في الشهادة، وهذا لاشتراك الناس في السنن والديانات وافتراقهم في الشهادات. [١١٣/ أ] وإذا أسند الراوي حديثه من رجل، فأنكر ذلك الرجل الحديث أو نسيه لم يقدح في صحة الرواية، ولا يجوز للمحدث أن يرويه عن المستمع إن أنكره، ويجوز أن يرويه عنه إن نسيه، وقد روى ربيعة بن عبد الرحمن عن سهيل بن أبى صالح، عن أبيه، عن أبى هريرة﵁- أن النبي ﷺ قضى باليمين مع الشاهد، ثم نسى سهيل الحديث فأخبره بت ربيعة، فصار سهيل يقول: أخبرني ربيعة عنى أنني حدثته عن أبى هريرة، أن النبي ﷺ قضى باليمين مع الشاهد.
[ ١١ / ١١٦ ]
وإذا عمل الراوي بغير روايته لم يقدح في صحة الرواية؛ لأن أبا هريرة روى غسل الإناء من ولوغ الكلب سبعًا، وأفتى بغسله ثلاثا، فعملوا على روايته دون فتياه، لجواز أن يكون قد نسى الرواية فأفتى بغيرها؛ وروايته حجة وفتواه ليست بحجةٍ.
وأما تفسير الراوي للحديث الذي رواه، فإن كان من الصحابة الذين سمعوا لفظ الرسول ﷺ وشاهدوا مخرج كلامه حمل على تفسيره، كما فسر ابن عمر﵄- افتراق المتباعدين أنه بالأبدان دون الكلام، فحمل على تفسيره. وإن كان هذا المحدث من دون الصحابة لم يكن تفسيره حجةً؛ لأنه وغيره سواء.
وأما أحوال الإسناد: فصحته معتبرة بثلاثة شروط أن يكون الإسناد متصلًا بالرسول ﷺ، فإن كان مرسلًا أو منقطعًا لم ينجز. والمرسل: أن يروى التابعي عنه ﷺ وهو لم يشاهده ولا يريه عن صحابي شاهده. والمنقطع أن يكون من الروايتين رجل لم يذكر، فالمنقطع لا يكون حجة، ووافقنا أبو حنيفة فيه. والمرسل عن أبى حنيفة حجة وربما جعله أقوى من المسند لثقة التابعي بصحته في إرساله. [١١٣/ أ] ولا يكون عند الشافعي﵁- حجة، ولا يجوز العمل بت إذا انفرد حتى يسمى راوية عن رسول الله ﷺ؛ لأنه قد يجوز أن يسمعه عن مثله من التابعين، ويجوز أن يسمعه عمن لا يوثق بصحته، وقد قال الشافعي: "ومرسل سعيد بن المصيب عندنا حسن"، وهذا لأنه ما أرسل حديثًا إلا وقد وجد مسندًا عن أكابر الصحابة ﵃.
وأما رواية الصحابة فلا مرسل فيها؛ لأنه إن قال: سمعت فلا شبه في صحته، وإن قال: قال رسول الله ﷺ فالظاهر أنه عن سماعه منه، وإن سمعه من غيره فليس يرويه إلا عند مثله؛ لأن صحابة رسول الله ﷺ ﵃ محكوم بعد التهم، وجميعهم مقبول الرواية عنه لقوله ﷺ: "أصحابي كالنجوم، بأيهم اقتديتم اهتديتم". وقال ابن عباس ﵄: ليس كل ما حدثتكم بت سمعته من رسول الله ﷺ، ولكن سمعت وحدثني بت أصحابه. فأجرى عليه أهل العلم وأصحاب الحديث أحكام المسند.
والثاني: أن تكون الرواية عن مسمى مشهور سمى بت، حتى لا يقع التدليس في اسمه، فإن لم يسمه وقال: أخبرني الثقة، وأخبرني من لا أتهم، لم يكن حجة في صحة النقل؛ لأنه قد يثق بت ويكون مجروحًا عند غيره.
فإن قيل: ذكر الشافعي مثل هذا. قلنا: قد اشتهر من عناه بهذا، وأراد بمن يثق بت إبراهيم بن إسماعيل، فصار كالتسمية له وإن كان الأولى أن يصرح باسمه، لكنه ربما أشكل عليه في وقت الحديث اسم الرواة، وهو واحد في عدد ثقاتٍ، فيتخرج أن يسمى بت من لا يقطع بصحته، فعدل عنه إلا ما لأجرح فيه [١١٤/ أ] فقال: أخبرني الثقة، فلا وجه لمن أنكره عليه من أصحاب الحديث مع ظهور العذر فيه.
والثالث: أن يعرف عدالة كل واحد من الرواة حتى يتصل ذلك بالصحابة، وليست رواية العدل عن غيره دليل على عدالته؛ لأن العدل قد يروى عن عدلٍ وغير عدلٍ. وقال الشعبي في روايته: حدثني الحارث الأعور وكان والله كاذبًا.
[ ١١ / ١١٧ ]
فإن قيل: (أفيجوز) أن يروى عن غير عدلٍ. قيل: يجوز في المشاهير ولا يجوز في المناقير، ويجوز أن يروى المتقدم على المتأخر، فقد روى ابن سيرين، عن خالد الحذاء، عن أبى قالبة حديث القرعة، وسمع إبراهيم من الأعمش حديث قيام المأموم عن يمين الإمام.
وإذا كانت عدالة الرواة شرطًا في صحة الحديث، فحالهم ثلاثة أقسام: أحدها: أن يعلم عدالتهم فيحكم بصحة الحديث.
والثاني: أن يعلم جرحهم أو جرح أحدهم فلا يحكم بصحته. والثالث: أن يجهل أحوالهم، فعند أبى حنيفة يقبل ما لم يعلم الجرح، وعند الشافعي لا يقبل إلا أن يعلم التعديل فيكشف عن عدالتهم.
فإن شهد قوم بالتعديل وقوم بالجرح، فالجرح أولى ولا يقبل الجرح حتى يذكر ما بت صار مجروحًا. فإن وجدوه كذب في حديث يرد جميع أحاديثه المتقدمة، ووجب نقض ما عمل بت منها وإن لم ينقض بشهادة من حدث فسقه؛ لأن الحديث حجة لازمة لجميع الناس وفي جميع الإعصار، فكان حكمه أغلظ من الشهادة الخاصة، وفي تعديل الرواة وجهان:
أحدهما: أنه يجرى مجرى الخبر؛ لأنه حكم على غائب فلا يقبل في تعديله أقل من شاهدين. وفي جواز أن يكون المحدث أحدهما [١١٤/ ب] وجهان، كما لو عدل شهود الفرع شهود الأصل.
وأما الجرح فلا يقبل فيه أقل من شاهدين؛ لأنها شهادة على باطن مغيب. فأما الصحابة ﵃ فلا يعتبر فيهم إلا صحبتهم، فإذا صحت قبلت أحاديثهم إذا خرجوا عمن اشتهر النفاق؛ لأن الله تعالى اختار لرسوله ﷺ من رضي عنهم ووصفهم بالرحمة، فقال تعالى: ﴿رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا﴾ [الفتح: ٢٩]. فأما من عرف من الرواة بالتدليس فصفتان: أحدهما: من عرف بتدليس متون الأحاديث، فهذا مجروح العدالة مطروح الأحاديث وهو ممن يحرف الكلم عن مواضعه.
والثاني: من عرف منه تدليس الرواة مع صدقة في المتون. فقد حكي أن شريكًا وهشيمًا والأعمش كانوا مدلسين. وقيل: إن التدليس في أهل الكوفة أشهر منه في أهل البصرة، واتهم سفيان بن عيينة بالتدليس في حديثٍ رواه عن عمرو بن دينارٍ وكان بينه وبين عمرو بن دينار في ذلك الحديث ثلاثة رجالٍ، فقيل له بعد الرواية عنه من حدثك بهذا؟ فقال: حدثني على بن ألمديني، عن أبى عاصم، عن ابن جريج، عن عمرو بن دينار فاعله بعض أصحاب الحديث من أجل هذا، ونسب إلى التدليس وإن كان ثقة عدلًا.
ثم لا يخلو حال التدليس في أسماء الرواة من إحدى حالتين:
[ ١١ / ١١٨ ]
إحداهما: أن يكون في إبدال الأسماء بغيرها فيعدل عن اسم زيد بن خالد فيشمسه بعمرو بن بكر لنزول من عدل عن اسمه وارتفاع من عدل إلى اسمه، فهذا كذب يرد حديثه بت.
والثانية: أن يكون التدليس في إطراح اسم الراوي الأقرب وإضافة الحديث إلى من هو أبعد، كأذى حكي عن سفيان بن عيينة [في حديثه عن عمرو بن دينار] وبينهما في بعض [١١٥/ أ] الأحاديث رجال، وإن سمع منه أكثرها فلا يكون هذا التدليس مجروحًا، ولكن لا يقبل حديثه إذا روى عن فلانٍ، حتى يقول: "حدثني" أو "أخبرني"، فإذا قال ذلك زال احتمال التدليس فيقبل حديثه.
وشدد بعض أصحاب الحديث حال التدليس، فيقبل حديثه حتى يقول: "سمعت"، ولا يقبله إذا قال: "حدثني" أو "أخبرني" كما يقبل من مالك، عن نافع، عن ابن عمر ﵄.
وأما القسم الخامس في نقل السماع فللراوي في نقل سماعه أربعة أحوالٍ: أحدها: أن يروى ما سمعه بألفاظه وعلى صفته.
والثاني: أن يروى معناه بغير لفظه.
والثالث: ينقصم. والرابع: أن يزيد عليه.
فأما الحالة الأولى فلا يخلو مصدره من رسول الله ﷺ أن يكون ابتداءً أو جوابًا.
فإن كان ابتداءً وحكاه فقد أدى الأمانة فيه كقوله ﷺ:"مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم". وإن كان جوابًا عن سؤال فهو على ثلاثة أضرب:
أحدهما: أن يكون الجواب مغنيًا عن ذكر السؤال كما سئل الله ﷺ عن التوضؤ بماء البحر، فقال:"هو الطهور ماؤه، الحل ميتته"، فالروي فيه مخير بين ذكر السؤال وتركه".
والثاني: يفتقر الجواب إلى ذكر السؤال كما سئل عن بيع الرطب بالتمر، فقال:"أينقص الرطب إذا يبس؟ " فقيل: نعم، فقال:"فلا يجوز أن يقتصر على رواية الجواب حتى يذكر السؤال؛ لأن قوله:"فلا إذًا" لا يفهم إلا بذكر السؤال.
والثالث: أن يكون إطلاق الجواب يحتمل أمرين، فإذا نقل السؤال بقى أحد الاحتمالين، كما سئل رسول الله ﷺ [١١٥/ ب] ﷺ عن الناقة تذبح فيوجد في جوفها جنين ميت أيؤكل؟ فقال:"ذكىته ذكاه أمه". فلو قاله ابتداءً لا حتما أن تكون ذكرته مثل ذكوة أمه، ويحتمل أن يستباح بزكاة أمه، فإذا ذكر السؤال صار الجواب محمولا على أنه بسباح في هذا من هو أصل الخبر كالصحابي ومن تفرغ عليه من التابعين ومن دونهم.
والحالة الثانية: أن يروى معنى الحديث بغير لفظة، فهو ثلاثة أضرب:
[ ١١ / ١١٩ ]
أحدها: أن يكون في الأوامر والنواهي كقوله ﷺ:"لا تبيعوا الذهب بالذهب"، فيروى: أن النبي ﷺ نهى عن بيع الذهب بالذهب إلا سواء بسواء. وبقوله ﷺ:"اقتلوا الأسودين في الصلاة"، فهذا جائز؛ لأن افعل أمر ولا تفعل نهى، وكان الراوي فيهما مخيرًا، وسترى في هذا التخيير من كان أصل الخبر من الصحابة، ومن صار فارغًا فيه كالتابعين ومن بعدهم.
والثانية: أن يكون في نقل كلامٍ قاله بألفاظ ويكون الكلام يحتمل الألفاظ أو خفي المعنى، كقوله ﷺ:"لا طلاق في الإغلاق". فينبغي أن ينقله بلفظه ولا يعبر عنه بغيره [ليكون مات ضمنه من الاحتمال والخفاء] فإنه لم يذكره محملًا ولا خفيًا إلا لمصلحة وليكل استنباطه إلى العلماء.
والثالث: أن يكون المعنى جليًا غير محتمل، كقوله ﷺ:"الخير كثير وقليل فاعله"، فلا يجوز لمن سمع كلامه من التابعين ومن بعدهم أن يورد المعنى بغير لفظه حتى ينقل اللفظ على صفيته، ويورد المعنى [١١٦/ أ] بألفاظه.
وهل يجوز لمن شاهده ﷺ من الصحابة وعرف مخرج كلامه، أن يورد المعنى بغير لفظة؟ وجهان لأصحابنا: أحدهما: لا يجوز كغيره من التابعين.
والثاني: يجوز له؛ لأنه أعرف بفحواه من غيره.
وقال صاحب"الحاوي": والذي أراه أنه كان يحفظ اللفظ لم ينجز أن يرويه بغير لفظه؛ لأن في كلام الرسول ﷺ من الفصاحة ما لا يوجد في كلام غيره، وإن لم يحفظ اللفظ جاز أن يورد معناه بغير لفظه؛ لأن الراوي قد يحمل أمرين؛ اللفظ والمعنى، فإن قدر عليهما لزم أداءهما وإن عجز عن اللفظ وقدر على المعنى لزم أداؤه لئلا يكون مقصرًا في نقل ما تحمل، فربما تعلق بالمعنى من الأحكام ما ليجوز أن يكتمه، وقد قال الله تعالى: ﴿ولا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ﴾ [البقرة: ٢٨٣] الآية.
والحالة الثالثة: أن ينقص من ألفاظه، وهذا على ثلاثة أضرب:
أحدها: أن يصير الباقي منه مبتزا لا يعلم معناه فليصح ذلك منه، وعليه أن يستوفيه لتتم فائدة الخبر.
والثاني: أن يكون الباقي مفهومًا ولكن يكون ذكر المتروك يوجب اختلاف الحكم في المذكور، مثل قوله ﷺ لأبى بردة بن تيار وقد ضحى قبل الصلاة قال:"أعد أضحيتك"، فقال: ليس عندي إلا جزعة من المعز، فقال:"تجزيك ولا تجزئ أحدًا بعدك". فلو روى الناقل:"تجزيك" لفهم أنها تجزي جميع الناس، فلما قال:"ولتجزي أحدًا بعدك"، دل على اختصاصه بهذا الحكم فلا يجوز تركه وإن كان ما (رواه) مفهومًا.
[ ١١ / ١٢٠ ]
والثالث: أن يكون الباقي مفهومًا مستقل الحكم، كقوله ﷺ: "هو الطهور ماؤه، الحل ميتته"، فيجوز أن يقتصر [في الرواية على أحدهما] فيروي: "هو الطهور ماؤه" أو يروي "الحل ميتته" لأنهما كلمات فلم يلزم الجميع [١١٦/ ب] بينهما في الرواية إلا أن يتعين عليه فرصة الإبلاغ عند الحاجة إليه فيلزمه أداء ما تحمل كالشاهد.
والحالة الرابعة: أن يزيد في الخبر، وهو على ثلاثة أضربٍ: أحدهما: أن تكون الزيادة شرحًا للحال كما نهى ﷺ عن تقلي الركبان، وأن يبيع حاضر لبادٍ، فيزيد فيه ذكر السبب الذي دعاه إلى هذا القول فيصح هذا من الصحابي؛ لأنه قد شاهد الحال دون التابعي.
والثاني: أن تكون الزيادة تفسيرًا لمعنى الكلام كنهيه ﷺ عن المحاقلة والمزابنة، فيجوز للراوي من صحابي وتابعي أن يفسر معناها في روايته، فتصير الزيادة تفسيرًا فيجوز، ولكن إن فسرها الصحابي لزم قبول تفسيره بغير دليلٍ، وإن فسرها التابعي لم يلزم قبوله إلا بدليل.
والثالث: أن تخرج الزيادة عن شرح السبب وتفسير المعنى فما هي إلا كذب صريح، وقد نزه الله تعالى عن صحابة رسوله ﷺ، وقد قال ﷺ: "من كذب عليَّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار".
وأما الأصل الثاني من أحكام المتون المنقولة والسنن المروية، فجمع ما ذكرنا أن كتاب الله تعالى يشتمل عليه من الأقسام الستة وهي العموم والخصوص، والمفسر والمجمل، والمطلق والمقيد، والإثبات والنفي، والمحكم والمتشابه، والناسخ والمنسوخ فمثلها موجود في السنة وأحكامها على ما ذكرناه في الكتاب.
ثم تختص السنة بأصول تشتمل عليها ثلاثة أقسام؛: ما يؤخذ من السنة والثاني ما يجب بيانه بالسنة والثالث ما يلزم العمل به من السنة فأما الأول عن الرسول ﷺ من ثلاثة أوجهٍ أحدها: [١١٧/ أ] من قوله. والثاني: من فعله. والثالث: من إقراره.
فأما أقواله فهو مطاع فيها، قال الله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [النساء:٥٩] الآية. وهي على أربعة أضربٍ؛ أمر، ونهي، وخبر، واستخبار فيطاع في أوامره ويتبع في نواهيه ويصرف في خبره ويجاب عن استخباره. ثم ينقسم قسمين؛ أحدهما: ما ابتدأه.
والثاني: ما كان جوابًا عن سؤال.
فأما المبتدأ من قوله فيشتمل على خمسة أقسامٍ؛ عبادات، ومعاملات، وترغيب، وترهيب وتأديب.
فأما العبادات: فتردد بين وجوب وندبٍ. وأما المعاملات: فتردد بين إباحةٍ وحظرٍ. وأما الترغيب بالثواب فداعٍ إلى الطاعة.
[ ١١ / ١٢١ ]
وأما الترهيب بالعقاب فزاجر عن المعصية. وأما التأديب: فباعث على الجملة والألفة. وبهذا تتم مصالح الدين والدنيا.
وأما ما كان جوابًا عن سؤالٍ فينقسم ثلاثة أقسامٍ:
أحدها: ما قابل السؤال فلم يزد عليه ولم ينقص منه، كما سئل رسول الله ﷺ عن الاستطاعة في الحج، فقال: "زاد وراحلة"، وهذا حد الجواب أن يكون مطابقًا للسؤال.
والثاني: أن يكون الجواب أزيد من السؤال، كما سُئل رسول الله ﷺ عن ماء البحر فقال: "هو الطهور ماؤه، الحل ميتته"، فتكون الزيادة على السؤال بيان شرع مبتدأ.
والثالث: أن يكون الجواب أنقص [من السؤال] فله أربعة أحوال:
أحدها: أن يكون نقصان الجواب لخطأ السائل، كما سُئل رسول الله ﷺ عما يلبس المحرم، فقال: "لا يلبس قميصًا ولا عمامة".
والثاني: أن يكون في كتاب الله تعالى بيان كيفية السؤال، كما سأل عمر -﵁- رسول الله ﷺ عن الكلالة فقال: [١١٧/ ب] "يكفيك آية الصيف".
والثالث: أن يكون في بعض الجواب تنبيه على بقية الجواب، كما سُئل عمر عن قبلة الصائم، فقال: أرأيت لو تمضمضت.
والرابع: أن يكون لتوقفٍ عنه، فإن لم يكن له تعلق بالديانات لم يلزمه إتمام الجواب، وإن كان له تعلق بالديانات لزم إتمام الجواب لما فيه من إظهار دين الله تعالى، وليس يتوقف إلا ليتوقع أمر الله تعالى وبيانه، كما سأله ﷺ أشيد بن حضير عن الحيض، فتوقف حتى نزل فيه: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢] الآية.
وأما أفعال الرسول ﷺ فضربان: أحدهما: ما يتعلق بالديانات كأكله ومشربه وملبسه فيدل على الإباحة، لأن أفعاله ﷺ تتردد بين الحسن والجائز، ولا يفعل ما يقبح في العقل أو يكره في الشرع، فيكون التآسي به أبرك من المخالفة له، قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]، إلا أن يقوم دليل على اختصاصه بالإباحة، كما في الناكح فلا يجوز إتباعه فيه.
والثاني: ما اختص بالديانات فله ثلاثة أحوالٍ:
أحدها: أن يأمر بإتباعه فيها، كما قال ﷺ: "صلوا كما رأيتموني أصلى". وقال ﷺ في الحج: "خذوا عني مناسككم". فيكون إتباعه فيها فرضًا لاقتران أمره بفعله.
والثانية: أن ينهى عن إتباعه فيها، كما نهى ﷺ عن الوصال وانتهى الناس، ثم إنه ﷺ واصل فواصلوا، فقال ﷺ: "إني لست مثلكم، إني أطعم وأسقى".
فلا يجب علينا إتباعه فيه لنهيه، وهذا كله على ثلاثة أضرب: أحدها: ما كان له مباحًا وعلينا محظورًا كالمناكح.
[ ١١ / ١٢٢ ]
والثاني: ما كان له مستحبًا ولنا مكروهًا كالوصال.
والثالث: [١١٨/ أ] ما كان عليه فرضًا وعلينا ندبًا، كالسواك والوتر والأضحية وغيرها كما في الخبر.
والحالة الثالثة: أن تتجرد أفعاله عن أن يأمر بها أو ينهى عنها، فإتباعه فيها ندب، وهل يكون فرضًا أو مستحبًا؟ فيه وجهان: قال الأكثرون: يستحب إلا أن يقترن بها أمر؛ لأنه قد كان يستيسر بكثير من أفعاله، فلو كان إتباعه فيها فرضًا لأظهرها كما أظهر أقواله ليكون البلاغ بها عامًا.
والثاني: إتباعه فيها فرض ما لم ينه عنه. وروي أن رجلًا أرسل إلى أم سلمة يسألها عن قبلة الصائم، فقالت: إن رسول الله ﷺ قد قبل وهو صائم. فقال الرجل: لسنا كرسول الله ﷺ، إن الله قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وأعاد زوجته لتسأل، فذكرت أم سلمة ذلك لرسول الله ﷺ فقال: "إني لأرجو أن أكون أتقاكم لله وأعلمكم بحدوده" فدل على وجوب إتباعه في أفعاله. وأما إقرار رسول الله ﷺ على ما أقرهم عليه من بياعاتٍ ومعاملاتٍ، ومأكولٍ ومشروبٍ، وأبنية ومقاعد في الأسواق، فجميعها في الشرع مباح؛ لأنه لا يستجيز أن يقر الناس على منكرٍ محظورٍ، كما وصفه الله تعالى في قوله: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ﴾ [الأعراف: ١٥٧] الآية، فدل أن ما أقر عليه خارج عن المنكر وداخل في المعروف. واختلف العلماء في حكم الاستباحة لذلك بعد الإقرار عليه على وجهين: أحدهما: أنها مستباحة بالعرف المتقدم دون الشرع.
والثاني: أنها مستباحة بالشرع حتى أقروا.
وهذا الوجهان من الاختلاف في أصول الأشياء قبل مجيء الشرع، هل كانت على الإباحة حتى حظرها الشرع، أو كانت على الحظر حتى أباحها الشرع.
وأما القاسم الثاني فيما يجب بيانه بالسنة [١١٨/ ب] فعلى أربعة أضربٍ:
أحدها: ما لزمه بيانه في حقوق الله تعالى وحقوق عباده، وهو بيان ما أجمله الله تعالى في كتابه العزيز من الصلاة والزكاة، فالرسول ﷺ مأخوذ ببيانه في حق الله تعالى ليقام بحقه فيها، ومأخوذ بيانه في حقوق العباد ليعلموا ما كلفوا منها.
والثاني: ما لزم الرسول ﷺ بيانه في حقوق الله تعالى دون عباده، وهو تخصيص العموم يلزم بيانه في حق الله تعالى لاستثنائه له، ولا يلزم في حقوق العباد؛ لأنهم على العموم ما لم ينقلوا عنه.
والثالث: ما لزمه بيانه في حقوق العباد دون حقوق الله تعالى، وهو ما يستحق الثواب بفعله ولا يجب العقاب بتركه، كنوافل العبادات وأفعال القلوب.
والرابع: ما اختلف فيه وهو ما استأنف الرسول ﷺ بيانه من الأحكام التي ليست في كتاب الله تعالى، كالحكم بالشفعة للجار، والقضاء بالدية على العاقلة، وإعطاء السلب للقاتل، وأن لا ميراث لقاتل ونحو ذلك، فيلزم الرسول ﷺ بيانه في حقوق
[ ١١ / ١٢٣ ]
العباد، لأنه لا طريق لهم إلى العمل إلا منه، وفي لزوم بيانها في حقوق الله تعالى وجهان مبنيان على اختلاف أصحابنا في أنه هل يجوز للرسول ﷺ أن يحكم فيها باجتهاده؟ وجهان:
أحدهما: يجوز؛ لأن الاجتهاد فضيلة، فكان النبي ﷺ بها أحق، والدليل عليه أيضًا قصة داود وسليمان -صلّى الله عليهما- في حكم الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم، فعلى هذا يكون هذا البيان لازمًا في حقوق الله تعالى.
[١١٩/ أ] والثاني: ليس له الاجتهاد؛ لأنه لا يسوغ الاجتهاد مع وجود النص وأوامر الله تعالى نصٌ، وعلى هذا لا يكون هذا البيان لازمًا في حقوق الله تعالى. وقال صاحب "الحاوي": "الأصح عندي من إطلاق هذين الوجهين في اجتهاده أن يكون اجتهاده معتبرًا بالحكم، فإن كان مما يشارك فيه أمته، كنهيه عن الكلام في الصلاة، وكنهيه ﷺ عن الجمع بين المرأة وعمتها لم يكن له أن يجتهد فيه حتى يأخذه عن أمر الله تعالى ووحيه، كما قال ﷺ لابن مسعود - ﵁: "إن الله تعالى يحدث من أمره ما يشاء، وأن مما أحدث أن لا تتكلموا في الصلاة". وإن كان مما لا يشارك فيه أمته، كقوله ﷺ: "لا ميراث لقاتل" وكحده ﷺ لشارب الخمر، جاز أن يحكم فيه برأيه واجتهاده، وإنما كان كذلك لأن الأحكام هي إلزام من أمر المأمور فما دخل فيه أن يكون مأمورًا به، وما لم يدخل فيه جاز أن يكون آمرًا به؛ لأن المأمور غير الآمر".
وأما القسم الثالث فيما يلزم به من السنة فنقول: السنة إذا جاءت بحكمٍ فلا يخلو من أحد أمرين؛ إما أن تنفرد السنة بذلك الحكم، أو يقترن بها فيه أصل آخر.
فإن انفردت بذلك الحكم وجب العمل بها في التزام ذلك الحكم؛ لأنها أصل في أحكام الشرع سواء وافقها القياس أو لا. وقال أبو حنيفة: إن خالفت القياس الذي لا يحتمل كان العمل على القياس أولى من الأخذ بالسنة وهذا لا يصح؛ لأن القياس فرع السنة ولا يجوز [١١٩/ ب] أن يكون رافعًا للسنة. وإن اقترن بالسنة في ذلك الحكم أصل آخر فهو على ثلاثة أضربٍ، كتاب الله تعالى، والسنة، والإجماع.
فأما الأول: فلا يخلو الكتاب من أن يكون موافقًا لحكم السنة أو منافيًا له. فإن كان موافقًا له صار ذلك الحكم ثابتا بأصلين الكتاب والسنة. ونظر فيهما فإن تقدمت السنة به على الكتاب كان وجوبه بالسنة والكتاب مؤكدًا، وإن تقدم الكتاب به على السنة كان وجوبه بالكتاب والسنة.
وإن كان الكتاب منافيًا للسنة في ذلك الحكم فأثبته أحدهما ونفاه الآخر فهو على ثلاثة أضربٍ: أحدها: أن يتقدم الكتاب فيكون العمل على الكتاب دون السنة؛ لأن الكتاب لا ينسخ بالسنة.
والثاني: أن تتقدم السنة على الكتاب، فيكون العمل عند الشافعي بالسنة دون
[ ١١ / ١٢٤ ]
الكتاب؛ لأن عنده السنة لا تنسخ بالكتاب، وعلى قول ابن سريج يكون العمل على الكتاب دون السنة، وتكون السنة منسوخة بالكتاب.
والثالث: وإن وردا موردًا واحدًا ولا يتقدم أحدهما على الآخر، فلأصحابنا فيه ثلاثة أوجهٍ:
أحدها: يؤخذ فيه بكتاب الله تعالى؛ لأنه أصل السنة، وقد قال ﷺ: "ما آتاكم عني فاعرضوه على كتاب الله تعالى، فإن وافقه فاعرضوه على كتاب الله تعالى، فإن وافقه فاعملوا به، وإن خالفه فاتركوه".
والثاني: يؤخذ بحكم السنة لاختصاصها بالبيان، فالله تعالى يقول: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾ [الحشر: ٧].
والثالث: يجب التوقف عنهما حتى يقوم الدليل على ثبوت أحدهما.
وقال صاحب "الحاوي": [١٢٠/ أ] "والصحيح عندي أن ينظر في حكم السنة، فإن كان تخصيصًا حمل على السنة؛ لأن عموم الكتاب مخصوص بالسنة، وإن كان نسخًا عمل على الكتاب دون السنة؛ لأن الكتاب لا ينسخ بالسنة".
وأما الضرب الثاني في مقابلة السنة بالسنة، فإن اتفقا وكان الفعل فيهما موافقًا للقول، تأكد الحكم باجتماعهما فيه ووجب العمل به، وإن تنافيا فيه وكان الفعل في السنة مخالفًا للقول، مثل أن يرد عن الرسول ﷺ قول فيعمل بخلافه، والأحكام قد توجد من فعله كما توجد من قوله، فهذا على ثلاثة أضربٍ:
أحدها: أن يمكن استعمالهما على ما لا يتنافيان، مثل نهيه ﷺ عن الصلاة بعد العصر، ثم صلى بعد العصر. فحمل نهيه عن الصلاة التي لا سبب لها، ويحمل فعله على الصلاة التي لها سبب فيجب العمل بها، ويحمل كل واحدٍ منهما على ما يوجبه استعماله.
والثاني: أن يكون الرسول ﷺ مخصوصًا بذلك الفعل، كما بين اختصاصه بالوصال بعد نهيه عنه فيؤخذ بعموم نهيه ﷺ، ويعدل عن عمومه في حقه بفعله.
والثالث: أن لا يمكن استعمالهما ولا يبين اختصاصه بأحدهما، فهذا يوجب أن يكون المتأخر منهما ناسخًا للمتقدم، والظاهر من مذهب الشافعي -﵁- أن القول لا ينسخ إلا بالقول، والفعل لا ينسخ إلا بالفعل. وقال بعض أصحابنا: يجوز نسخ كل واحد منهما بالآخر؛ لأن كل واحد منهما سنة يؤخذ بها.
وقد روي أن النبي ﷺ قال في السارق: "فإن عاد في الخامسة فاقتلوه"، ثم رفع [١٢٠/ ب] إلى النبي ﷺ في المرة الخامسة فلم يقتله، فدل على أن القتل منسوخ. وقال ﷺ: "الثيب بالثيب جلد مائةٍ والرجم"، ثم رجم ماعزًا ولم يجلده، فدل على أن الجلد منسوخ، فعلى مذهب من جوز نسخ القول بالفعل جعل فعله المتأخر ناسخًا لقوله المتقدم.
[ ١١ / ١٢٥ ]
وعلى الظاهر من مذهب الشافعي أن القول لا ينسخ بالفعل، لكن يستدل بفعله المخالف لقوله على أنه قد تقدم على فعله قول فنسخ القول الأول، ثم ورد فعله المخالف بعد قوله الناسخ، فاقتصر الناس على نقل الفعل دون القول لظهور النسخ فيه. فإن لم يعلم المتقدم من المتأخر عدل عنهما إلى عمل الصحابة بأحدهما، وكان عمله بأحدهما دليلًا على نسخ الآخر، وإن لم يكن في العمل بيان وجب التوقف عنهما حتى يقوم الدليل على ثبوت أحدهما.
وأما الضرب الثالث: في مقابلة السنة بالإجماع فهو على ثلاثة أضربٍ: أحدها: أن يكون الإجماع موافقًا للسنة في العمل بها، كما قال ﷺ: "لا ميراث لقاتل، ولا وصية لوارث"، فيكون الحكم ثابتًا بالسنة والإجماع دليل على صحة النقل، فيصير هذا الخبر في حكم المتواتر وإن لم يكن متواترًا.
والثاني: أن ينعقد الإجماع على خلاف السنة، فيدل ذلك على أنها منسوخة أو نقلها غير صحيح، فيكون ذلك موجبًا لترك السنة والعمل على الإجماع.
والثالث: أن يعمل فيها بعض الصحابة ويتركها بعضهم، فالعمل بالسنة واجبٌ [١٢١/ أ] وإن تركها بعضهم؛ لأن التارك لها محجوج بها.
ولو رويت سنة لمن غاب عن الرسول ﷺ فعمل بها ثم لقيه هل يلزمه سؤاله عنها؟ فيه وجهان: أحدهما: يلزمه ليكون على يقين من وجوب العمل بها.
والثاني: لا يلزمه؛ لأنه لو لزمه السؤال إذا حضر للزمه الهجرة إذا غاب.
وقال صاحب "الحاوي": "الصحيح عندي أن وجوب السؤال مختلف باختلاف السنة، فإن كانت تغليظًا لم يلزمه السؤال، وإن كانت ترخيصًا لزمه السؤال؛ لأن التغليظ التزام والترخيص إسقاط".
وإذا ظفر الإنسان براوي حديث عن رسول الله ﷺ يتعلق بالسنن والأحكام، فإن كان من العامة المقلدين لم يلزمه سماعه؛ لأن فرضية السؤال عن نزول الحوادث به، وإن كان من الخاصة المجتهدين لزمه سماع الحديث ليكون أصلًا في اجتهاده، ونقل السنن من فروض الكفايات، فإذا نقلها من فيه كفاية سقط فرضها عن الباقين [وإذا قصر ناقلوها عن الكفاية] وإلا خرجوا أجمعين. والذي يدخل في فرض الكفاية من قبلت منه الرواية دون من لم تقبل، وعلى محتمل السنة أن يرويها إذا سئل عنها، ولا يلزمه روايتها إذا لم يُسئل، إلا أن يجد الناس على خلافها فيلزمه روايتها ليعملوا بها.
وأما الأصل الثالث من أصول الشرع وهو الإجماع: والإجماع أن يستفيض إثبات أهل العلم من دلائل الأحكام وطرق الاستنباط على قولٍ في حكم لم يختلف فيه أهل عصرهم، وتكون استفاضته عند أمثالهم من أهل العلم بعد عصرهم، فتعتبر الاستفاضة
[ ١١ / ١٢٦ ]
عن أهل العلم، وفي أهل العلم [١٢١/ ب] ولا يكون لقول من خرج عن أهل العلم تأثير من وفاقٍ أو اختلافٍ، فهذا حد الإجماع وهو حجة في الأحكام.
وأنكر قوم مكان الإجماع وإن كان دليلًا، وأنكر قوم أن يكون دليلًا وإن أمكن، وقد دللنا على بطلانه فيما تقدم، والدليل عليه قوله تعالى: ﴿وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ﴾ [لقمان: ١٥] فدل أمره بإتباعهم على إمكان اتفاقهم ووجوب إجماعهم، ثم نهى الله تعالى عن مخالفتهم بقوله تعالى: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى﴾ [النساء: ١١٥]، فصار محظورًا ثم أكده بقوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣].
وروي أن النبي ﷺ قال: "الأمة المجتمعة حجة على من شذ عنها"، ثم أخبر أنهم لا يجتمعون إلى على حق، فقال تعالى: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠] الآية. ثم جعل أهل كل عصرٍ حجة على من بعدهم من الإعصار ليستديم الإبلاغ، فقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣].
ثم اختلف العلماء في أمة كل نبي هل يكون اجتماعهم حجة؟ فقال بعض المتكلمين: إجماع غير هذه الأمة لا يكون حجة، وبه قال ابن أبي هريرة؛ لأن اليهود والنصارى أجمعوا على قتل عيسى - ﵇- وأخبر الله تعالى بكذبهم. وقال آخرون منهم: يكون حجة على من بعدهم من أمتهم؛ لوجوب العمل بشرائع الأنبياء في عصرٍ بعد عصرٍ ما لم يرد نسخًا. وأما إجماعهم على قتل عيسى -﵇- فإنما أجمعوا على نقل القتل المأخوذ عن آحاد [١٢٢/ أ] فتعترضهم الشبهة ويجوز عليهم الكذب، والإجماع في النقل حق وإن كان القتل باطلًا.
وعلى هذا تعلق بالإجماع أربعة أحكام إمكان وجوده، ولزوم حجته، واشتماله على الحق، ووجوده في كل عصر. ثم الكلام فيه يشتمل على أربعة فصولٍ:
أحدها: ما ينعقد عنه الإجماع.
والثاني: ما ينعقد به الإجماع.
والثالث: ما يستقر به الإجماع.
والرابع: في معارضة الاختلاف والإجماع.
فأما الأول فهو ينعقد عن دليلٍ أوجب اتفاقهم عليه؛ لأن ما لا يوجب له يتعذر الاتفاق فيه، والدليل الداعي إليه يكون من سبعة أوجهٍ:
أحدها: أن ينعقد عن تنبيه من كتاب الله تعالى، كإجماعهم على أن ابن الابن في الميراث كالابن.
والثاني: أن ينعقد عن استنباط من سنة النبي ﷺ، كإجماعهم على توريث كل من الجدتين السدس.
[ ١١ / ١٢٧ ]
والثالث: أن ينعقد عن الاستفاضة والانتشار، كالإجماع على أعداد الركعات وترتيبها في الركوع والسجود.
والرابع: أن ينعقد عن العمل به، كالإجماع على نُصب الزكوات.
والخامس: أن ينعقد عن المناظرة والجدال، كإجماعهم على قتال ما نعى الزكاة.
والسادس: أن ينعقد عن توقيف، كإجماعهم أن الجمعة تسقط فرض الظهر.
والسابع: أن ينعقد عن استدلال وقياس، كإجماعهم على أن الجواميس في الزكاة كالبقر. فإن تجرد الإجماع عن دليل يدعو إليه ووجد الاتفاق عليه فهل يصح وينعقد؟ قال جماعة من أهل العلم: يجوز لقوله ﷺ: [١٢٢/ ب] "ما رأه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن". وهذا قول من جعل الإلهام دليلًا.
وقال الجمهور: لا يجوز أن ينعقد إلا بدليلٍ؛ لأن إثبات الشرع بغير دليل لا يجوز، ولأن اتفاق الكافة بغير سبب لا يوجد. وإذا انعقد الإجماع عن أحد أدلته، فهل يقطع بصحته؟ وجهان:
أحدهما: أنه يقطع بصحته لقيام الحجة به.
والثاني: أن الإجماع غير معصومٍ عن السهو والغلط اعتبارًا بأهله في انتفاء العصمة عن آحادهم، فكذلك عن جماعتهم، ولا يكون قيام الحجة موجبًا لعصمته، كما تقوم الحجة بخبر الواحد وإن كان غير معصومٍ.
وأما ما ينعقد به الإجماع فانعقاده معتبرٌ بأربعة شروطٍ:
أحدها: أن يعتبر فيه قول الخاصة من أهل العلم دون العامة، لقوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ [آل عمران: ١٨]، فخص أهل العلم بهذه المنزلة، ولهذا قال ﷺ: "العلماء ورثة الأنبياء". وروي أن أبا طلحة الأنصاري -﵁- خالف الصحابة وقال: البرد لا يفطر الصائم؛ لأنه ليس بطعامٍ ولا شرابٍ. فردوا قوله ولم يعتدوا بخلافه؛ لأنه كان من عامة الصحابة دون علمائهم.
والثاني: يعتبر فيه قول علماء الأمصار كلهم. وقال مالك ﵀: الإجماع معتبر بأهل المدينة وهذا باطل؛ لأن الأحكام مستنبطة من الكتاب والسنة لا من الأمكنة، وقد قال تعالى: ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩]، ولم يأمر برده إلى أهل المدينة.
والثالث: أن لا يظهر في أحدهم الخلاف فيه، فإن تظاهر أحدهم [١٢٣/ أ] بخلافٍ، فإن كان يدفع خلافه نصٌّ كان خلافه مرتفعًا والإجماع بغيره ينعقد، كما خالف ابن مسعود -﵁- الصحابة في الفاتحة والمعوذتين ولم يجعلهن من القرآن، فلا يعتد بخلافه لوجود النص، وقد انعقد الإجماع على أنهن من القرآن. وكما
[ ١١ / ١٢٨ ]
ذهب حذيفة بن اليمان إلى أن أول الصوم أسفار الصبح، فلم يعتد بخلافه وأجمعوا على أن أوله من طلوع الفجر.
وإن كان لا يدفع قول مخالفيه نصٌّ فيكون خلافه مانعًا من انعقاد الإجماع، سواء كان من أكابر أهل العصر أو من أغرهم سنًا، كما خالف ابن عباس -﵁- جميع الصحابة في العول، وقال:"من شاء باهلته عند الحجر الأسود"، فصار خلافه خلافًا والإجماع بخلافه مرتفعًا.
وقال أحمد: خلاف الواحد لا ينقص الإجماع، ويكون محجوجًا بمن عداه، وهذا غلط؛ لأن أبا بكر -﵁- خالف جميع الصحابة في قتال أهل الردة، ثم بان الحق معه، وقد قال الله تعالى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاء﴾ [البقرة: ٢٦٩].
والرابع: أن ينتشر في جميع أهل العصر فيكونوا فيه بين معترفٍ به أو راض له، فإن انتشر فيهم فأمسكوا عنه من غير أن يظهر منهم اعترافٌ أو رضي فهو ضربان:
أحدهما: أن يكون في عصر الصحابة.
والثاني: أن يكونوا في غيره من الأعصار.
فإن كان ذلك في غير عصر الصحابة فلا يكون انتشار قول الواحد منهم مع إمساك غيره إجماعًا ولا حجة؛ لأنهم قد يعرضون عما لا يتعين فرضه عليهم. وإن كان في عصر الصحابة الذي قد خصَّه الله تعالى بفضل أهله، وقال ﷺ: "أصحابي كالنجوم، بأيهم اقتديتم اهتديتم" فإذا قال الواحد منهم قولًا أو حكم به فأمسك الباقي فهو على ضربين: أحدهما: أن يكون مما يخاف [١٢٣/ ب] فوت استدراكه، كإراقة دمٍ أو استباحة فرج فيكون إجماعًا؛ لأنهم لو اعتقدوا خلافه لأنكروه، إذ لا يصح منهم أن لا يتفقوا على إقرار منكرٍ، وإن كان مما لا يفوت استدراكه كان حجة؛ لأن الحق لا يخرج عن عصرهم، وفي كونه إجماعًا يمنع من الاجتهاد وجهان لأصحابنا:
أحدهما: يكون إجماعًا لا يسوغ معه الاجتهاد؛ لأن عدم الخلاف مع الانتشار يمنع من إثبات الخلاف.
والثاني: لا يكون إجماعًا والاجتهاد معه جائز؛ لأن من نسب إلى ساكتٍ قولًا أو اعتقادًا فقد افترى عليه.
وإن لم ينتشر في كلهم ولا يرد فيه خلافٌ من أحدهم لا يكون إجماعًا، وهل يكون حجةً يعتبر بما يوافقه من قياس أو يخالف؟ فله أربعة أحوالٍ:
أحدها: أن يكون القياس موافقًا لقوله فيكون قوله حجة بالقياس.
والثانية: أن يكون قوله مخالفًا للقياس الجلي، فالعمل بالقياس الجلي أولى.
والثالثة: أن يكون مع قول الصحابي قياس جلي، ويخالف قياسٌ خفيٌّ فقوله مع القياس الجلي أولى.
والرابعة: أن يكون مع قوله قياسٌ خفي ويخالفه قياس جلي.
قال في "القديم": قوله مع القياس الخفي أولى وألزم من القياس الجلي؛ لأن
[ ١١ / ١٢٩ ]
الصحابة أهدى إلى الحق، ثم رجع وقال في "الجديد": القياس الجلي أولى بالعمل من قوله مع القياس الخفي؛ لأنهم كانوا يحاجون بالقياس حتى قال ابن عباس ﵁: ألا يتقي الله زيد بن ثابت، يجعل ابن الابن ابنًا ولا يجعل أب الأب أبًا. فإذا لزمهم العمل بالقياس كان لغيرهم ألزم.
وأما ما يستقر به الإجماع فيعتبر بأربعة شروطٍ.
أحدها: العمل باتفاقهم عليه، سواء اقترن بقولهم عمل أو لا. وقال بعض الناس: لابد أن يقترن به عمل؛ لأن العمل تحقيق [١٢٤/ أ] للقول، وهذا لا وجه له؛ لأن حجج الأقوال أكثر من حجج الأفعال، وإن انفراد كل واحدٍ منهما كان حجة فلا يلزم اجتماعهما إذا لم يختلفا.
فإن تجرد الإجماع في القول عن عمل يوافقه أو يخالفه كان القول إجماعًا، وإن تجرد الإجماع في العمل عن قول يوافقه أو يخالفه كان إجماعًا. ولو أجمعوا على القول واختلفوا في العمل بطل الإجماع إن لم يكن لاختلافهم في العمل تأويل. وإن أجمعوا على العمل واختلفوا في القول بطل الإجماع، ولم يكن لاختلافهم في القول تأويل لما يلزم من اتفاقهم في القول والعمل، فإن جهل الاتفاق والعمل يثبت بذلك إجماع ولا خلاف لترددهما بين اتفاقٍ يكون إجماعًا، وافتراقٍ يكون خلافًا.
والثاني: أن يستديموا ما كانوا عليه من الإجماع ولا يحدث من أحدهم خلاف، فإن خالفهم واحد بعد إجماعهم بطل الإجماع وساغ الخلاف؛ لأنه لما جاز أن يحدث إجماع بعد الخلاف جاز أن يحدث خلافهم بعد الإجماع. وروي أن عليًّا -﵁- خالف في بيع أمهات الأولاد بعد إجماعه مع أبي بكر وعمر ﵄ على أن بيعهن لا يجوز، فبطل بخلافه الإجماع في تحريم بيعهن. وقد قيل: إن ﵁ رجع بعد هذا حين قال له عبيدة السلماني: يا أمير المؤمنين، إن رأيك مع الجماعة أحب إليَّ من رأيك وحدك. فإن كان هذا الرجوع صحيحًا كان تحريم بيعهن إجماعًا.
والثالث: أن ينقرض عصرهم حتى يؤمن حدوث الخلاف بينهم، فإن بقاء العصر ربما أحدث من بعضهم خلافًا كما خالف ابن عباس ﵄ في العول بعد موت عمر ﵁، فقيل له: ألا قلته في أيامه؟ فقال: هبته وكان امرءًا مهيبًا. ولا يعتبر في انقراض [١٢٤/ ب] العصر موت جميع أهله لأن هذا أمر يضيق ولا ينحصر، وقد تتداخل الأعصار ويندرج الناس من حالٍ بعد حالٍ، ويختلفون في الأعمار والآجال، وإنما المعتبر في انقراضه أمران:
أحدهما: أن يستولي على العصر الثاني غير أهل العصر الأول.
والثاني: أن ينقرض فيهم من بقي من أهل العصر الأول؛ وهذا لأن أنس بن مالك وعبد الله بن أبي أوفي ﵄ عاشا إلى عصر التابعين وطاولوهم فجمعوا بين عصرين، فلم يدل ذلك على بقاء عصر الصحابة فيهم.
ثم إذا كان انقراض العصر شرطًا في استقرار الإجماع فهو معتبر في الأحكام التي لا
[ ١١ / ١٣٠ ]
يتعلق بها إتلاف وإهلاك واستهلاك، ولا يستقر إجماعهم فيها إلا بانقراضهم عليها.
فأما الأحكام التي يتعلق بها إتلاف واستهلاك لا يمكن استدراكه، فقد اختلف أصحابنا في انقراض العصر، هل يكون شرطًا والإجماع مستقر بالاتفاق عليه، وليس لأحدهم أن يستحدث فيه خلافًا؛ لأنهم في عظائهم الأمور، لا يجوز أن يتفقوا على الإجماع عليها إلا بعد وضوح الحق منها، كما أجمعوا مع أبي بكر﵁- على قتال مانعي الزكاة وفيه إراقة الدماء، فلم يكن لأحدهم بعد الإجماع وما سفك فيه من الدماء أن يخالف فيه؛ لأنه يجعل ما تقدم من إجماعهم منكرًا، ولا يجوز أن تجتمع الأمة على منكر.
والرابع: أن لا يلحق بالعصر الأول من ينازعهم من أهل العصر الثاني، فإن لحق بعض الصحابة بعض التابعين فخالفهم في إجماعهم فقيه وجهان:
أحدهما: لا يرتفع الإجماع؛ لأنهم بمشاهدة النبي ﷺ أحفظ لشريعته وقد أنكرت عائشة﵂- على أبي سلمة بن عبد الرحمن منازعته الصحابة، وقالت: أراك كالفروج إذا اجتمع مع الديكة صايحتها. [١٢٥/أ]
والثاني: أن خلافه يمنع الإجماع؛ وقد قال علي ﵁: اعرف الحق تعرف أهله.
فإذا استقر الإجماع بهذه الشروط الأربعة وجب أن يكون إجماع أهل العصر حجة على من بعد من أهل الأعصار المتأخرة ويكون حجة على الصحابة، وإجماع التابعين حجة تابعي التابعين ولا يكون حجة على التابعين، هكذا حكم الإجماع في كل عصر ثان.
وقال داود: الإجماع اللازم مختص بعصر الصحابة لاختصاصه بنزول الوحي فيهم، وهذا غلط؛ لأن وضوح الحق مستمر في كل عصر؛ لأنه لا يخلو عصر من قائم لله بحجته.
الفصل الرابع: في معارضة الإجماع والاختلاف: فينقسم أربعة أقسام:
أحدها: أن يحدث الخلاف بعد تقدم الإجماع في عصر واحد، مثل أن يتقدم إجماع الصحابة ثم يحدث من أحدهم خلاف، فهذا الخلاف مانع من انعقاد الإجماع.
والثاني: أن يحدث الإجماع بعد تقدم الخلاف في عصر واحد فيرتفع به الخلاف المتقدم كاختلاف الصحابة في قتال مانعي الزكاة، ثم وافقوا أبا بكر الصديق﵁- فيرتفع به الخلاف بالإجماع، وفي هذا الإجماع وجهان:
أحدهما: أنه أوكد من إجماع لم يتقدمه خلاف؛ لأنه يدل على ظهور الحق بعد التباسه.
والثاني: أنهما سواء؛ لأن الحق يقترن بكل واحد منهما.
والثالث: أن يحدث الخلاف بعد تقدم الإجماع في عصرين مختلفين، كإجماع
[ ١١ / ١٣١ ]
الصحابة وخلاف التابعين لهم، فهو على ضربين:
أحدهما: أن يخالفوهم مع اتفاق الأحوال في المجمع عليها، فهذا الخلاف الحادث مطرح والإجماع المتقدم منعقد؛ لأن حجة الإجماع قاهرة.
والثاني: أن يحدث في المجمع عليه [١٢٥/ب] صفة زائدة أو ناقصة فيحدث الخلاف فيها بحدوث ما اختلف من صفاتها، فيكون الإجماع في الصفات منعقدًا، وحدوث الاختلاف في الصفات المختلفة سائغًا عند الشافعي ﵁ وجمهور العلماء.
وقال داود وبعض أهل الظاهر: يستصحب حكم الإجماع واختلاف الصفات الحادثة لا يبيح اختلاف الحكم فيها إلا بدليل قاطع، وجعلوا استصحاب الحال حجة في الأحكام، ومثال هذا أن ينعقد الإجماع على إبطال التيمم برؤية الماء قبل الصلاة، فإذا رأوه في الصلاة أبطلوا تيممه استصحابًا لبطلانه قبل الصلاة من غير أن يجمعوا بينهما بقياس، كما لو استيقن الطهر وشك في الحدث وجب أن يستصحب حكم اليقين ويلغي حكم الشك، وهذا فاسد.
ولكل حال تجددت حكم توقف على الدليل، يجوز أن يكون مساويًا، ويجوز أن يطون مخالفًا، ويكون الإجماع حجة في الحال التي ورد فيها، ولا يكون حجة في غيرها إلا أن يكون القياس موجبًا لاستصحاب حكمه، فإن الإجماع لا الإجماع، وإنما كان كذلك لأنه لما ساغ الاجتهاد فيما عدا حالة الإجماع، ولم يسغ الاجتهاد في حالة الإجماع دل على افتراقهما فيه، ولم يلزم أن يساويه في حكمه، وأما حما الطهارة على اليقين فلأن الشرع لم ينصب عليها دليلًا وقد نصب على الأحكام دليلًا.
وذهب بعض أصحابنا إلى أن استصحاب الحال إن لم يعارضه دليل يجوز أن يجعل دليلًا، وقوله مدفوع بما ذكرناه. ويتفرغ على هذا إذا اختلف أهل الاجتهاد في حكم فأثبته بعضهم ونفاه بعضهم. وقال داود وأهل الظاهر: لا دليل على النافي، ويجب الدليل على المثبت استصحابًا لحكم الأصل في التفي كما تجب البينة على المدعي دون المنكر. وعند الشافعي [١٢٦/ أ] والجمهور يجب الدليل على النافي كوجوبه على المثبت، وأنه لا يجوز له نفي الحكم إلا بدليل، كما لا يجوز له إثباته إلا بدليل؛ لأن الله تعالى نصب على الأحكام أدلة النفي والإثبات، والنافي للحكم مثبت لضده فلم يجز نفيه إلا بدليل. فأما وجوب البينة على المدعي دون المنكر، فلأن يمين المنكر كبينة المدعي، فصارا مجتمعين في البينة وإن اختلفا في صفتها.
والرابع: أن يحدث الإجماع بعد الخلاف في عصرين مختلفين، كاختلاف الصحابة في حكم على قولين فيجمع التابعون على أحدهما، فظاهر مذهب الشافعي﵁- والجمهور أن حكم الاختلاف ثابت، وأن ما يعقبه من الإجماع غير منعقد؛ لأن انقراض الصحابة على قولين في حكم إجماع منهم على تسويغ الاجتهاد في ذلك
[ ١١ / ١٣٢ ]
الحكم، وفي انعقاد الإجماع بعد إبطال ما أجمعوا من تسويغ الاجتهاد، فصار في إثبات إجماع التابعين إبطال لإجماع الصحابة فلم يجز.
وقال الحارث بن أسد المحاسبي وتابعه بعض أصحابه يزول حكم الاختلاف بما يعقبه من الإجماع كما يزول اختلاف الصحابة إذا تعقبه إجماعهم، وهذا فاسد؛ لأن إجماع الصحابة لا ينعقد إلا بانقراضهم، فوقع الفرق بين انقراضهم على وفاق أو خلاف.
وعلى هذا لو اختلفت الصحابة على قولين في حكم صار ذلك إجماعًا منهم على إبطال ما عدا القولين، ولم يجز لمن بعدهم من التابعين إحداث قول ثالث. مثاله: أن الصحابة انقرضوا على قولين في اني عم أحدها أخ من أم، أحدهما التسوية بينهما في الميراث، والثاني الأخ للأم منهما أولى بكل الميراث، فخالفهم من التابعين سعيد بن جبير فجعل ابن العم الذي ليس بأخ لأم أحق بالميراث، فخالفهم في القولين بإحداث قول ثالث.
وذهب بعض من ينتسب إلى العلم إلى تسويغ هذا؛ لأن الاختلاف [١٢٦/ب] موجب لتسويغ الاجتهاد، وهذا غلط؛ لأن في انقراض الصحابة على قولين إجماعًا منهم على إبطال ما خرج عن القولين، وأن الحق في أحدهما، فلم يجز للتابعي أن يبطل ما انعقد إجماعهم عليه، [فهذا حكم الإجماع وما يتعلق به ويتفرغ عليه وهو من دلائل السمع] ويجوز نقل الإجماع بأخبار الآحاد؛ لأنه ليس أوكد من سنن الرسول ﷺ.
فإن نقل الراوي أنهم أجمعوا على كذا فقطع بإجماعهم عليه قبلت منه، وأثبت الإجماع بقوله سواء كان الراوي من أهل الاجتهاد أو لم يكن. وإن قال الراوي لم أعرف بينهم اختلافًا فيه، فإن لم يكن من أهل الاجتهاد ولا ممن أحاط علمًا بالإجماع والاختلاف لم يثبت الإجماع بروايته.
واختلف أصحابنا في ثبوته بها إن كان من أهل الاجتهاد والتقدم في العلم بالإجماع والاختلاف، فأثبت بعضهم الإجماع وجعل نفي الاختلاف إثباتًا للإجماع. وقال بعضهم: لا يثبت الإجماع بهذا النفي ولكل من القولين وجه.
وأما الأصل الرابع من أصول الشرع وهو القياس فله مقدمتان؛ أحداهما: الاجتهاد، والثانية: الاستنباط.
فأما الاجتهاد فهو مأخوذ من جهد النفس وكدها في طلب المراد به، كما أخذ جهاد العدو من جهد النفس في قهر العدو. والاجتهاد هو طلب الصزاب بالأمارات، الدالة عليه.
وقال ابن أبي هريرة: إن الاجتهاد هو القياس، ونسبه إلى الشافعي ﵁ من
[ ١١ / ١٣٣ ]
كلام اشتبه عليه في كتاب "الرسالة". والذي قال الشافعي ﵁ في هذا الكتاب: أن معنى الاجتهاد معنى القياس، يريد به أن كل واحد منهما يتوصل به إلى حكم غير منصوص عليه.
والفرق بين الاجتهاد والقياس: أن الاجتهاد هو ما وصفناه من أنه طلب الصواب بالأمارات الدالة عليه. [١٢٧/أ] والقياس: هو الجمع بين الفرع والأصل لاشتراكهما في علة الأصل، فافترقا، غير أن القياس يفتقر إلى الاجتهاد، وقد لا يفتقر الاجتهاد إلى القياس على ما سنوضحه، فلذلك جعلنا الاجتهاد مقدمة للقياس. والدليل على أن الاجتهاد له أصل يعتمد عليه في الأحكام، خبر معاذ ﵁ حيث قال: أجتهد رأيي، فدل على أن الاجتهاد عند عدم النص أصل في أحكام الشرع.
ثم الكلام في الاجتهاد يشتمل على أربعة فصول؛ أحداهما: فيمن يجوز له الاجتهاد.
والثاني: في وجوه الاجتهاد.
والثالث: فيما يجب بالاجتهاد.
والرابع: في حكم الاجتهاد. فأما الأول فضربان؛ مجتهد في عموم الأحكام، ومجتهد في خصوص الأحكام. فأما المجتهد في جميع الأحكام فالمعتبر في جواز اجتهاده أربعة شروط:
أحدها: إشرافه على نصوص الكتاب والسنة، فإن قصر في أحدهما لم يجز أن يجتهد.
والثاني: علمه بوجوه النصوص في العموم والخصوص، والمفسر والمجمل، والمقيد والمطلق على ما بيناه من قبل، فإن قصر فيها لم يجز أن يجتهد.
والثالث: الفطنة والذكاء ليصل به إلى معرفة المسكوت عنه أمارات المنطوق به فإن قلت: فيه الفطنة والذكاء لم يصح منه الاجتهاد.
والرابع: أن يكون عارفًا بلسان العرب وموضوع خطابهم ومعاني كلامهم؛ لأن الكتاب والسنة وهما أصل الشريعة وردا بلسان العرب.
وإذا كان كذلك كان معرفة لسان العرب فرضًا على كل مسلم من مجتهد وغير مجتهد، إلا أن غير المجتهد يلزمه من فرضه ما اختص بتكليفه من الشهادتين وما تضمن [١٢٧/ب] الصلاة من القراءة والأذكار، ولا يلزمه معرفة ما عدا ذلك إلا بحسب ما يندرج إليه في نوازله وأحكامه، وقد قال الشافعي: "على كل مسلم أ، يتعلم من لسان العرب ما بلغه جهده في أداء فرضه كما عليه أن يتعلم الصلاة والأذكار". وقال أبو حنيفة: لا يلزمه معرفة لسان العرب؛ لأنه يجوز له القراءة والأذكار بغير العربية.
وأما المجتهد فيلزمه مع حقوق الاجتهاد أن يكون عارفًا بلسان العرب، والذي يلزم في حقه أن يكون محيطًا بأكثره ليرجع فيما عزب عنه، إلى غيره، كما أن جميع السنة لا يحيط بها واحد من العلماء، وإنما يحيط بها جميع العلماء، فإذا كان المجتهد محيطا بأكثرها صح اجتهاده، وليرجع فيما عزب عنه إلى من علم به، ثم هذا المجتهد
[ ١١ / ١٣٤ ]
إن قصد (بالاجتهاد) العلم صح اجتهاده وإن لم يكن عدلًا، وإن قصد به الحكم والفتيا كانت العدالة شرطًا في نفوذ حكمه وقبول فتياه وإن لم يكن شرطًا في صحة اجتهاده.
وأما المجتهد في حكم خاص فحكمه في صحة اجتهاده معتبر بما يجتهد فيه، فإن كان اجتهاده في القبلة كان الشرط في صحة اجتهاده صحة البصر ومعرفة دلائل القبلة، وإن كان اجتهاده في العدالة والجرح كان صحة اجتهاده معتبر بأسباب الجرح والتعديل، وما يراعى من غلبة أحدهما على الآخر في الصغائر وتغليب الحكم في الكبائر وإن كان اجتهاده في المثل من جزاء الصيد كان صحة اجتهاده معتبرًا بمعرفة الأشياء في غير ذي المثل، وعلى هذا. [١٢٨/ أ] فإذا تقرر ما ذكرنا من شروط الاجتهاد المعتبر في المجتهد، تعلق به فصلان؛ أحدهما: جواز اجتهاد الأنبياء. والثاني: جواز الاجتهاد في زمان الأنبياء. فأما الأول فقد اختلفوا فيه؛ فقيل: لا يجوز للأنبياء- صلوات الله وسلامه عليهم- أن يجتهدوا، ولا لنبينا ﷺ أن يجتهد لقدرتهم على النص بنزول الوحي، ولهذا توقف في إحرامه حتى نزل الوحي، والوحي ينقسم إلى ما هو قرآن يتلى، وإلى ما لا يتلى، ولهذا قال تعالى: ﴿ومَا يَنطِقُ عَنِ الهَوَى (٣) إنْ هُوَ إلاَّ وحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ [النجم: ٣، ٤].
وظاهر مذهب الشافعي وبه قال الجمهور: يجوز للكل ذلك؛ لأنه لو كان لا يجوز لما أخطأ داود وأصاب سليمان ﵉، وقد قال تعالى: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وكُلًاّ آتَيْنَا حُكْمًا وعِلْمًا﴾ [الأنبياء: ٧٩]، ولأن النبي ﷺ اجتهد في أسارى بدر على ما ذكرنا، وقال لعمر ﵁: "أرأيت لو تمضمضت" حين سأله عن قبلة الصائم هل يفطر أم لا. وروي أنه ﷺ قال " من اغتسل من الجنابة خلق الله تعال من كل قطرة تقطر منه ملكًا يتسغفر له إلى يوم القيامي" فقال رجل: يا رسول الله، أنقضي أو طارنا ونؤجر عليها؟ فقال ﷺ "ثكلتك أمك، حسبتك من فقهاء المدينة، أرأيت لو وضعتها في حرام، أفتحتسبون بالحرام ولا تحتسبون بالحلال" أي تتوقعون المثوبة بالحلال وهذا قياس. وأما توقفه في اللعان وغيره فليعلم هل ينزل عليه نص فلا يجتهد. فإذا ثبت هذا فقد اختلف أصحابنا في وجوبه وجوازه [١٢٨/ب] على وجهين:
أحداهما: يجوز ولا يجب؛ لأن للأحكام أصلًا هو الكتاب.
والثاني: أنه واجب عليه؛ لأن أحكام الكتاب مأخوذة من سنته إذا خلا منها.
وقال صاحب "الحاوي" "الأصح عندي أنه يجب عليه الاجتهاد في حقوق الآدميين، ويجوز له الاجتهاد في حقوق الله تعالى؛ لأنهم لا يصلون إلى حقوقهم إلا باجتهاده، فلزمه وإن أراد الله تعالى منه الاجتهاد في حقوقه أمره".
ثم إذا اجتهد هل يستنتج الاجتهاد برأيه أو يرجع فيه إلى دلائل الكتاب؟ وجهان:
أحدهما: أنه يرجع في اجتهاده إلى الكتاب؛ لأنه أعلم بمعاني ما خفي منه من
[ ١١ / ١٣٥ ]
جميع أمته، فكان اجتهاده بيانًا وإيضاحًا.
والثاني: وهو الأظهر أنه يجوز أن يجتهد برأيه ولا يرجع إلى أصل من الكتاب؛ لأن سنته أصل في الشرع مثل الكتاب، وقد ندب الله تعالى إليها بقوله ﴿ومَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر: ٧] الآية، وقال ﷺ "إنما أجتهد رأيي فيما لم ينزل علي فيه شيء".
واختلفت أصحابنا في عصمة الأنبياء- عليهم الصلاة والسلام- من الخطأ في اجتهادهم علو وجهين:
أحدهما: أنهم معصومون في اجتهادهم من الخطأ لتسكن النفوس إلى التزام أوامرهم بانتفاء الخطأ عن اجتهادهم. وهذا مقتضى الوجه الذي يقال فيه إنهم لا يجتهدون إلا عن دليل من نص.
والثاني: أنهم غير معصومين من الخطأ لوجوده منهم، لكن لا يقرهم الله تعالى عليه ليزول الارتياب به، وإن جاز أن يكون غيرهم من العلماء مقرًا عليه؛ لأن داود﵇- قد أخطأ في اجتهاده، فاستدركه الله تعالى بإصابة سليمان﵇- واجتهد [١٢٩/ أ] النبي ﷺ في أساري بدر بعد مشاورة أبي بكر وعمر﵄- وأخذ منهم الفداء، فأنكره الله تعالى، وهذا يقتضي الوجه الذي يقال فيه إنهم يجوز أن يجتهدوا بالرأي من غير استدلال بنص.
وقال ابن أبي هريرة: نبينا ﷺ معصوم الاجتهاد من الخطأ دون غيره من الأنبياء صلوات الله عليهم؛ لأنه لا نبي بعده يستدرك خطأه لإنختام النبوة به، وغيره من الأنبياء قد بعث بعده من يستدرك خطأه. وهذا لا وجه له؛ لأن جميع الأنبياء﵈- غير مقرين على الخطأ في وقت التنفيذ، ولا يهملون فيه على التراخي حتى يستدركه نبي بعد نبي، فاستوي فيه جميع الأنبياء.
فأما أمور الدنيا فيجوز فيه على الأنبياء الخطأ والسهو؛ لأنه روي أن النبي ﷺ سمع ضجة بالمدينة، فقال: "ما هذا؟ " فقيل: إنهم يلقحون النخل، فقال: " لأي نفع ذلك، إنهم إن تركوه لم يضرهم" فبلغهم ذلك فتركوه، ففسد حمل النخل، فقال ﷺ: "ما كان من أمر دينكم قردوه إلى، وما كان من أمر دنياكم فأنتم أعلم به".
وأما جواز اجتهاد غير الأنبياء في زمان الأنبياء، كاجتهاد الصحابة في زمان الرسول ﷺ فينقسم ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يكون المجتهد غائبًا عن مدينة الرسول ﷺ لا يقدر على سؤاله في وقته فله حالتان: إحداهما: أن يكون له ولاية منه، كعلي بن أبي طالب، ومعاذ بن جبل﵄- حين بعثهما إلى اليمن، فيجوز اجتهادهما؛ لأن معاذًا قال: أجتهد رأيي، فاستصوبه وحمده، وسواء اجتهد في حق نفسه أو في حق غيره، ولا يلزمه إذا
[ ١١ / ١٣٦ ]
قدم على الرسول ﷺ أن يسأله [١٢٩/ب] فيما اجتهد فيه وإن كان سؤاله مستحبًا، ويكون ما اجتهد فيه أثرًا متبوعًا ما لم يرد عن الرسول ﷺ خلافه، كما اتبع معاذ في قوله: "أيما رجل انتقل من مخلاف عشيرته إلى غير مخلاف عشيرته فصدقته في مخلاف عشيرته" والمخلاف القربة. وإنما اختص المولى بذلك؛ لأن في الولاية إذنًا بالاجتهاد فيما تضمنها.
والثانية: أن لا يكون للمجتهد ولاية فله حالتان:
إحديهما: أن يظفر بأصل من كتاب أو سنة فيجوز اجتهاده في الرجوع إلى الاستدلال بالظاهر منها، ولا يلزمه إذا قدم على الرسول ﷺ أن يسأله عما اجتهد فيه؛ لأنه قد اجتهد بأصل لازم.
والثانية: أن يقدم أصلًا من كتاب أو سنة فلا يجوز أن يجتهد في حق غيره لعدم ولايته.
أما اجتهاده في حق نفسه، فإن كان فيما يخاف فواته جاز اجتهاده فيه، وعليه إذا قدم على الرسول ﷺ أن يسأله عنه، وليس له أن يهاجر إليه من أجل السؤال، وإن كان مما يخاف فواته ففي جواز اجتهاده وجهان: أحدهما: لا يجوز؛ لأنه لا يصح منه أن يشرع، وعليه أن يسأل ليعمل بما كلف.
والثاني: يجوز أن يجتهد إذا كان من أهل الاجتهاد، ويعمل باجتهاده لقوله ﷺ: "بعثت بالحنيفية السمحة السهلة البيضاء".
فعلى هذا في جواز تقليده في اجتهاد وجهان:
أحدهما: لا يجوز لغيرة ممن ليس من اهل الاجتهاد أن يقلده فيه لوجود ما هو أقوى منه، فعلى هذا لا يلزم المجتهد إذا قدم علىلرسول ﷺ أن يسأله عما اجتهد فيه [ولا يجوز أن يعمل به في المستقبل حتى يسأل إن حضر. والثاني: يجوز لغيره أن يقلده كما يجوز أن يقلد العالم وإن وجد من هو أعلم منه، فعلى هذا يلزم المجتهد إذا قدم على الرسول أن يسأله عما اجتهد فيه لئلا يصير مشرعًا بغير أصل].
والقسم الثاني: أن يكون المجتهد حاضرًا في مدينة الرسول ﷺ وغائبًا عن مجلسه، [١٣٠/أ] فإن رجع في اجتهاده إلى أصل من كتاب أو سنة صح وجاز أن يعمل به ويفتي؛ لأن العجلاني سأل بعض الصحابة بالمدينة عن قذف امرأته بمن سماه، فقال له: حد في جنبك إن لم تأت بأربعة شهداء، ثم سأل رسول الله ﷺ فأخبره بما قيل له، فتوقف حتى نزلت عليه آية اللعان، ولم ينكر على العجلاني سؤال غيره، ولا أنكر على من أجابه مع حضوره.
وإن لم يرجع المجتهد إلى أصل من كتاب ولا سنة، فقد جوز بعض أصحابنا
[ ١١ / ١٣٧ ]
اجتهاده وقال بعضهم: لا يجوز اجتهاده.
وقال صاحب "الحاوي": "الذي عندي أنه يصح اجتهاده في المعاملات دون العبادات؛ لأن العبادات تكليف يتوقف على الأوامر بها، والمعاملات تخفيف تعتبر النواهي عنها"
والثالث: أن يكون المجتهد حاضرًا في مجلس الرسول ﷺ فاجتهاده معتبر بأمر الرسول ﷺ، فإن أمر الرسول ﷺ بالاجتهاد صح اجتهاده، كما حكم النبي ﷺ سعد بن معاذ﵁- في بني قريظة، فحكم بقتل من جرت عليه المواشي واسترقاق من لم تجر عليه، فقال ﷺ: "هذا حكم الله من فوق سبعة أرقعة". وإن لم يأمره بالاجتهاد لم يصح اجتهاده إلا أن يعلم فيقره عليه، فيصير بإقراره عليه صحيحيًا كما قال أبو بكر الصديق﵁- بحضرة الرسول ﷺ في سلب القاتل وقد أخذه غير قاتله: "لاها الله إذا تعمد إلى أسد من أسد الله تعالى يقاتل عن الله ورسوله فيعطيك سلبه"، فأقره على هذا القول فصح اجتهاده حين أقره عليه. وأما الفصل الثاني في وجود الاجتهاد: فهو ما لم يرد في الكتاب والسنة بيان حكمه، فقد قيل: إن الذي تضمنه كتاب الله تعالى من الأحكام [١٣٠/ب] يشتمل على نحو خمسمائة آية، والذي تضمنه السنة منها نحو خمسمائة حديث، ونوازل الأحكام أكثر من أن تحصى ولا تقف على هذا العدد، ولا يجوز أن تكون الأمة مضاعفة لا ترجع إلى أصل من كتاب ولا سنة توصلهم إلى العلم بأحكام النوازل، وقد قال الله تعالى: ﴿اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣]، وروى المطلب بن حنطب أن النبي ﷺ قال: "ما تركت شيئًا مما أمركم الله به إلا وقد أمرتكم به، ولا تركت شيئًا مما نهاكم عنه إلا وقد نهيتكم عنه".
فدلت الآية في إكمال الدين، ودل الخبر في استيفاء الأوامر والنواهي على أن الأحكام المسكوت عنها أصلًا في الكتاب والسنة يتوصل بها إلى معرفة ما أغفل بيانه فيها، وهو الاجتهاد فيما تضمنها من الأمارات الدالة، واستخراج ما تضمنها من المعاني المستنبطة، ليكون الدين قد كمل والأحكام قد وضحت، فإن النصوص على الحوادث معدول عن استيعابه لأمرين: أحدهما: أنه شاق في الإحاطة بجمعية.
والثاني: ليتفاضل العلماء في استنباطه.
فصح لهذين المعنيين أن يكون الاجتهاد في الشرع أصلًا يستخرج به حكم ما لم يرد فيه نص ولا انعقد عليه إجماع.
واعلم أنه مضى الاجتهاد في أعصار الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ولابد من إيضاح اجتهاد العلماء فيما بعدهم، وهو ينقسم ثمانية أقسام:
أحدها: ما كان حكم الاجتهاد مستخرجًا من معنى النص كاستخراج علة الربا من البر، فهذا صحيح غير مدفوع عند جميع القائلين بالقياس.
[ ١١ / ١٣٨ ]
والثاني: ما كان مستخرجًا من شبه النص، كالعبد في ثبوت تملكه لتردد شبهه بالحر في أنه يملك؛ لأنه مكلف. وشبه بالبهيمة في أنه لا يملك لأنه مملوك، وهذا صحيح [١٣١/ أ] وليس بمدفوع عنه عند من قال بالقياس ومن لم يقل، غير أن من لم يقل بالقياس جعله داخلًا في عموم أحد الشبهين، ومن قال بالقياس جعله ملحقًا بأحد الشبهين.
والثالث: ما كان مستخرجًا من عموم النص، كالذي بيده عقدة النكاح في قوله تعالى: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، يعم الأب والزوج والمراد به أحدهما، وهذا صحيح يوصل إليه بالترجيح.
والرابع: ما كان مستخرجًا من إجمال النص، كقوله تعالى في متعة الطلاق: ﴿ومَتِّعُوهُنَّ عَلَى المُوسِعِ قَدَرُهُ وعَلَى المُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ [البقرة: ٢٣٧]،فصح الاجتهاد في قدر المتعة باعتبار حال الزوجين.
والخامس: ما كان مستخرجًا من أحوال النص، كقوله تعالى في المتمتع: ﴿ومَتِّعُوهُنَّ عَلَى المُوسِعِ قَدَرُهُ وعَلَى المُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ [البقرة: ٢٣٦]، فاحتمل صيام الثلاثة قبل عرفة وبعدها، واحتمل صيام السبعة إذا رجع في طريقه وإذا رجع في بلده، فصح الاجتهاد في تغليب إحدى الحالتين على الأخرى.
والسادس: ما كان مستخرجًا من دلائل النص، كقوله تعالى: ﴿لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ﴾ [الطلاق: ٧] الآية، فاستدللنا على تقدير نفقة الموسر بمدين بأنه أكثر ما جاءت به السنة في فدية الأذى، أن لكل مسكين مدين. واستدللنا على تقدير نفقة المعسر بأقل ما جاءت به السنة في كفارة الواطء أن لكل مسكين مدًا.
والسابع: ما كان مستخرجًا من أمارات النص كاستخراج دلائل القبلة، فيمن خفيت عليه من قوله تعالى: ﴿وعَلامَاتٍ وبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (١٦)﴾ [النحل: ١٦]، فصح الاجتهاد في القبلة بالأمارات الدالة عليها من مطالع النجوم.
والثامن: ما كان مستخرجًا من غير نص ولا أصل، فقد اختلفت أصحابنا في صحة الاجتهاد عليه بغلبة الظن على وجهين:
أحدهما: لا يصح حتى يقترن بأصل؛ لأنه لا يجوز أن يرجع في الشرع [١٣١/ ب] إلى غير أصل، وهذا ظاهر مذهب الشافعي ﵁، ولذلك أنكر القول بالاستحسان، لأنه تغليب ظن بغير أصل.
والثاني: يصح الاجتهاد به؛ لأن الاجتهاد في الشرع أصل فجاز أن يستغنى عن أصل.
وقد اجتهد العلماء في التعزيز على ما دون الحدود بآرائهم في أصله من ضرب وحبس، وفي تقديره بعشر جلدات في حال، وبعشرين في حال، وبثلاثين في حال، وليس لهم في هذه المقادير أصل مشروع.
والفرق بين الاجتهاد بغلبة الظن وبين الاستحسان؛ أن الاستحسان يترك له القياس،
[ ١١ / ١٣٩ ]
والاجتهاد بغلبة الظن مستعمل مع عدم القياس.
وأما الفصل الثالث فيما يجب بالاجتهاد: فالذي يجب على المجتهد أن يقصد باجتهاده طلب الحق عند الله تعالى، وإصابة العين التي يجتهد فيها، وهذا هو الظاهر من مذهب الشافعي، ويشبه أن يكون من مذهب المزني أن عليه أن يقصد باجتهاده طلب الحق عند نفسه؛ لأن ما عند الله لا يعلم إلا بالنصوص، وعلى كلا المذهبين عليه أن يتوصل باجتهاده إلى طلب الحق وإصابة العين، فيجتمع فيه بين هذين الشرطين.
وقال بعض أهل العراق من الفقهاء والمتكلمين: إن الذي على المجتهد هو الاجتهاد ليعمل بما يؤدي إليه اجتهاده، فيجعلون عليه الاجتهاد ولا يجعلون عليه طلب الحق بالاجتهاد، ويقال: إنه مذهب أبي يوسف.
وأما أبو حنيفة ﵀ فقيل: مذهبه فيه مختلف، فيجعل عليه في بعض الأحكام طلب الحق بالاجتهاد كقولنا، ويجعل عليه في بعض الأحكام الاجتهاد ليعمل بما يؤدي إليه اجتهاده كقول أبي يوسف. وقد اختلطت مذاهب الناس في هذا حتى التبست واشتبهت.
واستدل من أوجب عليه الاجتهاد دون طلب الحق بالاجتهاد [١٣٢/ أ] وهو مذهب من جعل عليه الاجتهاد بغير أصل، بأن ما أخفاه الله تعالى لا طريق لنا إلى إظهاره، وفي التزامه تكليف ما خرج عن القدرة كاختراع الأجسام وقلب الأعيان، وهذا غلط؛ لأن الاجتهاد واستدلال الحكم هو الحق المطلوب به، فلم يجز أن يختص الوجوب بالاستدلال دون الحكم المطلوب؛ لأن الاستدلال مقصود بمدلول عليه، وقد نصب الله تعالى على ما أخفاه أمارات توصل إليه فلم يخرج عن الاستطاعة.
وأما الفصل الرابع في حكم الاجتهاد: فلا يخلو حال الحكم المجتهد فيه من أن يتفق عليه أقاويل المجتهدين أو تختلف. فإن اتفق صار إجماعًا تعين فيه الحق وسقط فيه الاجتهاد من بعده، كسقوط الاجتهاد مع نصوص الكتاب والسنة؛ لأن الإجماع حجة ناطقة بعد الكتاب والسنة. وإن اختلفت أقاويل المجتهدين فهو على ضربين:
أحدهما: أن يكون الاختلاف في أصول التوحيد وصفات الذات، فالحق فيها في واحد، وهو الذي كلف العباد طلبه وما عداه باطل، فمن أصابه فقد أصاب عند الله وأصاب الحق، ومن أخطأه فقد أخطأ عند الله وأخطأ في الحق. وقال عبيد الله العنبري: كل مجتهد مصيب في الأصول، وهذا خطأ فأحسن؛ لأن أصول التوحيد وصفات الذات لا تختلف فلا يجوز الاختلاف فيها، وأحكام الشرع قد تختلف بحسب المصالح في الأعيان والأزمان، فجاز أن يكون الاختلاف مسوغًا فيها.
والضرب الثاني: الاختلاف في الأحكام الشرعية كاختلاف الصحابة﵃- في أحكام الصلاة، والزكاة، والصيام، ومقاسمة الإخوة للجد، فذهب الأكثرون إلى أن الحق في جميعها، وأ، كل مجتهد مصيب فيها عند الله تعالى، ومصيب في الحكم؛ [١٣٢/ب] لأن جواز اختلاف الجميع دليل على صحة الجميع، وهو قول أبي
[ ١١ / ١٤٠ ]
الحسن الأشعري والمعتزلة، وقالوا: ليس في الحادثة أشبه مطلوب.
وقال أصحاب الأشعري بخراسان: لا يصح هذا المذهب عنه، والمشهور عند أهل العراق ما ذكرناه، ولأنه من أدى اجتهاده إلى حكم يلزمه العمل به ولا يحل له مخالفته، فدل على أنه الحق، ولو كان الحق واحدًا لكان إليه طريق، وكان من عدل عنه مفرطًا مذمومًا كمسائل الأصول.
وذهب الشافعي وأبو حنيفة ومالك وأكثر الفقهاء إلى أن الحق في أحدها، وإن لم يتعين لنا فهو عند الله تعالى متعين، لاستحالة أن يكون الشيء الواحد في الزمان الواحد في الشخص الواحد حلالًا وحرامًا؛ لأن ما حل لشخص في حال لم يكن حرامًا عليه في تلك الحالة فينافيه ويناقضه، ولأن الصحابة ومن بعدهم تناظروا، واحتج كل واحد على قوله وخطأ بعضهم بعضًا، ولهذا قال علي، وعثمان، وعبد الرحمن﵃ إن كانا قد اجتهدا فقد أخطأ، وهذا يقتضي أن كل واحد منهم يطلب إصابة الأشبه، ولأنهم فد اختلفوا في اجتهادهم في القبلة إلى أربع جهات لا يدل على أن القبلة في الجهات الأربع، وإن جاز لكل واحد منهم أن يصلي إلى الجهة التي يؤدي اجتهاده إليها كذلك هنا.
وأما قولهم أنه لو كان كذلك لكان مفرطًا مذمومًا. قلنا: يجوز أن يعذر في الخطأ لعموم طريقه، لقوله ﷺ: "وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر".
وقال بعض المتكلمين: ليس عند الله تعالى شيء مطلوب، ولا يجب على المجتهد أ، ينظر في دليل ولا شيء يتوصل به إلى مطلوب، وإنما يعمل على غالب ظنه وما يقوي في نفسه، كما يعمل في المعاملات بغالب ظنه وبما يقوي في نفسه، وهذا خطأ فاحش؛ [١٣٣/أ] لقوله تعالى: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ [الأنبياء: ٧٩]، فأخبر أنه خص سليمان ﵇ بالفهم، وعلى قولهم يكون داود وسليمان سواء.
فإذا تقرر هذا فاعلم أن الفقهاء اختلفوا هل كل مجتهد فيها مصيب أم لا؟ فعند الشافعي أن المصيب منهم واحد وإن لم يتعين، وأن جميعهم مخطئ إلا ذلك الواحد، فمن أصاب الحق فقد أصاب عند الله تعالى في الحكم، ومن أخطأ الحق فقد أخطأ عند الله تعالى وأخطأ في الحكم، وبه قال مالك وجماعة. وقال أبو يوسف وطائفة: كل مجتهد مصيب، وأن الحق في واحد، فمن أصابه فقد أصاب ما عند الله تعالى وأصاب الحكم، ومن أخطأ فقد أخطأ ما عند الله تعالى وأصاب في الحكم.
وقال بعض أصحابنا المتأخرين: مذهب الشافعي﵁- هذا وغلطوا فيه، وإنما تعلقوا بقول الشافعي في مواضع: "أدى ما كلف"، فظنوا أنه أراد بذلك أنه أصاب ولم يرد هذا، بل أراد أنه في معنى من أدى ما كلف في أنه لا يأثم.
وقال القاضي الطبري: نص في القديم والجديد على ما ذكر أولًا، ولا أعلم أحدًا من أصحابه اختلف على مذهبه في ذلك، وإنما نسب إليه قوم من المتأخرين ممن لا معرفة لهم بمذهبه، وتشبثوا بألفاظ ليس فيها دليل عند من فهم من مذهبه، وإذا أردت
[ ١١ / ١٤١ ]
أن تعرف ذلك فكل موضع رأيت فيه قوله: "أدى ما كلف" ونحو ذلك. فاقرأ الباب من أوله واقرأ ما قبله وبعده فإنك تجد للشافعي﵁- نصًا [١٣٣/ب] أن الحق في واحد وما عداه خطأ.
وقال أبو إسحاق: يشبه أن تكون المسألة على قولين؛ لأن الشافعي ذكر قولين فيمن أخطأ القبلة بيقين هل تلزمه الإعادة أم لا؟ والأصح أن عليه الإعادة، ومن يقول كل مجتهد مصيب يقول: لا إعادة عليه، وكذلك قال: إذا دفع الزكاة إلى من ظاهره الفقر فبان عنيًا، هل تلزمه الإعادة؟ فيه قولان. وهذه الطريقة اختيار أبي حامد، وهو الذي حكاه عن أبي إسحاق، والصحيح عن أبي إسحاق ما ذكرنا.
واختلف القول عن أبي حنيفة رحمة الله، فقيل: إنه ذكر في بعض المسائل كقولنا، وفي بعضها كقول أبي يوسف.
والدليل على صحة قولنا إن الحق لما كان في واحد لم يكن المصيب إلا واحدًا ولو كان كل مجتهد مصيبًا، وقد نسب الله تعالى نبيه داود ﵇ إلى الخطأ، وسليمان ﵇ إلى الإصابة يقول تعالى ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ [الأنبياء: ٧٩] الآية، وأيضًا روي أن النبي ﷺ قال: "إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر" فنسبه إلى الخطأ وإن جعل له أجرًا.
فإن قيل: لو اختلفا في الإصابة لما شرك بينهما في الأجر. قلنا: ولو اتفقا في الإصابة لما فاضل بينهما في الأجر. فإن قيل: لما استجازوا أن يولوا من خالفهم في الاجتهاد دل على أن كل مجتهد مصيب. قيل: قد أ، كر علي﵁- على شريح القاضي حين خالفه في ابني عم أحدهما أخ لأم، وقال: "علي بالبعد الأبطر، وعزله عن القضاء"، على أ، نفوذ الاجتهاد عين الحكم، وقد يجوز أن يتفقا عليه [١٣٤/ أ] وقت الحكم.
فإذا صح أن الواحد هو المصيب منهم، وإن كان غير متعين بالمصيب مأجور على الاجتهاد وعلى الصواب، والمخطئ غير مأجور على الخطأ، ولكن مذهب الشافعي أنه مأجور على الاجتهاد وإن أخطأ فيه لقصده الصواب وإن لم يظفر به، وإنما لا يؤجر على الخطأ: لأن الأجر للترغيب في الصواب ولا ترغيب في الخطأ.
قال أبو إسحاق: ويجوز أن يؤجر على قصده وإن كان الفعل خطأ، كما لو اشترى رقبة فأعتقها تقربًا إلى الله ﷿، ثم وجدها حر الأصل فقد تلف ثمنها وهو مأجور، وإن لم يصح شراءه وعتقه لم يقع لما أتى به من القصد إلى فك رقبة والتقرب به إلى الله تعالى، وقد نص الشافعي على هذا.
وأيضا فلا بد للمجتهد أ، يعدل باجتهاده عن طرق فاسدة يتضح له فسادها إلى طريق مشتبه يظن فيه الحق بعدوله عن تلك الطريق الفاسدة اجتهاده صحيح فأثيب على ذلك. قال أبو إسحاق وفيه وجه آخر أنه يؤجر على نيته وعلى نفس اجتهاده، ولا يؤجر على الحكم لخطئه فيه.
[ ١١ / ١٤٢ ]
فأما اجتهاده: فما بلغ منه فهو صواب وما بقى عليه من اجتهاده إلى بلوغ معرفة الحق فهو معذور في تخلفه عنه؛ لأن فهمه بلغ بعض طريقه ولم يبلغ به أقصى ما طلبه فهو فيما أتى به مأجور ومصيب فيه، ومنزلته منزلة الحاج الذي أمر بقطع المساقة ليبلغ به إلى بيت الله الحرام، فسلك بعض الطريق ثم ضعف عن باقية أ، تلفت راحلته، يؤجر [١٣٤/ب] على القدر الذي قصده.
وعبر القفال عن هذا فقال: لا يستحق الأجر في قصده الخطأ الموضوع عنه، وإنما يستحق الأجر على إنشاء قصد الثواب. مثاله: أن يقوم ليخرج إلى مكة فأخطأ في نصف الطريق وعدل إلى طريق آخر، فثوابه من ابتداء قصده إلى موضع عدوله إلى الخطأ. قال: وهذا معنى قول الشافعي: "لا يؤجر على الخطأ إنما يؤجر على قصد الثواب". وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: "نية المؤمن خير من عمله"، ولهذا ثلاث تأويلات:
أحدها: أن نيته في الاجتهاد خير من خطئه في الاجتهاد.
والثاني: يعني أن نيته خير من خيرات عمله.
والثالث: أن النية أوسع من العمل؛ لأنها تسبق الأقوال والأفعال فيعجل الثواب عليها.
وقال القاضي الطبري: ما قاله أبو إسحاق أولا أصح؛ لأن ذلك الاجتهاد خلاف الاجتهاد الذي يصيب به الحق فلا يؤجر عليه ولا على بعض أجزائه. وقال بعض أصحابنا بخراسان: ثواب المخطئ على ماذا؟ فيه قولان.
أحدهما: على الاجتهاد كرجلين سلكا الجامع من طريقين فأفضل أحدهما الطريق أثيب عليه وإن لم يصل إلى الجامع.
والثاني: على القصد كرجلين رميا إلى كافر فأصابه أحدهما دون الآخر، يثاب المخطئ على القصد، وإطلاق القولين خطأ على المصيب. وقال الأصم وابن عليه: هو مأثوم على الاجتهاد لخطئه فيه. [١٣٥/أ] وقالت طائفة من أهل العراق: هو غير مأجور عليه ولا مأثوم فيه. وهذا خطأ للخبر الذي ذكرنا.
وقال الإمام أبو القاسم الصميري: كل مجتهد مصيب في أنه أدى ما كلف من الاجتهاد وإن أخطأ الحكم الذي أراده الله تعالى إلا واحدًا، وهذا لا يصح؛ لأنه كلف الاجتهاد المؤدي إلى الصواب، ولم يكلف الاجتهاد المؤدي إلى الخطأ.
وأما الاستنباط وهو المقدمة الثانية من مقدمتي القياس، فهو من نتائج الاجتهاد، فكان فرعًا وأصلًا للقياس؛ لأن الوصول إلى استنباط المعاني بعد الاجتهاد في الدلائل، وصحة القياس يكون بعد استنباط المعاني، ولذلك صار الاستنباط فرعًا للاجتهاد وأصلًا للقياس. والاستنباط يختص باستخراج المعاني من ألفاظ النصوص
[ ١١ / ١٤٣ ]
مأخوذ من استنباط الماء إذا استخرج من حفرته.
وقد جعل الله تعالى الأحكام أعلامًا من أسماء ومعاني: فأما الأسماء فهي ألفاظ ظاهرة تعرف بالبديهة. والمعاني: علل باطنة تعرف بالاستنباط، ويكون الحكم بالاسم مقصورًا عليه وبالمعنى متعديًا عنه، فصار معنى الاسم أخص بالحكم من الاسم لعموم المعنى بالتعدي وخصوص الاسم بالوقوف، ولئن كانت المعاني تابعة للأسماء؛ لأنها مستودعة فيها فالأسماء تابعة لمعانيها لتعديها إلى غيرها. فإن تورعنا في تعليق الأحكام كان ما يدل عليه في إثبات القياس كافيًا، وإذا كان كذلك وجب أن يستنبط [١٣٥/ب] معاني الأحكام بالاجتهاد، ليعلم بالقياس حكم ما يرد فيه نص من معاني ما ورد فيه النص، فما وجد فيه معنى النص شاركه في حكمه قياسًا، وما عدم فيه معنى النص خالفه في حكمه عكسًا، فيكون القياس موجبًا لحكم الإثبات في الطرد، وحكم النفي في العكس.
ومن أصحابنا من جعله موجبًا لحكم الطرد في الإثبات ولم يجعله موجبًا لحكم العكس في النفي، وهو قول من اعتبر في صحة العلة الطرد دون العكس، وزاد قول من اعتبر صحتها بالطرد والعكس. والفرق بين المعاني والعلل أن المعنى ما وجب به الحكم في الأصل حتى تعدى إلى الفرع، والعلة اجتذاب حكم الأصل إلى الفرع، فصار المعنى ما ثبت به حكم الأصل، والعلة ما ثبت به حكم الفرع. ثم هما بعد هذا الفرق يجتمعان من وجهين ويفترقان من وجهين:
فأما الاجتماع: أن حكم الأصل موجود في المعنى والعلة. والثاني: أن المعنى والعلة موجودان في الفرع والأصل.
وأما الافتراق: فالعلة مستنبطة من المعنى وليس المعنى مستنبطًا من العلة لتقدم المعنى وحدوث العلة.
والثاني: أن العلة قد تشتمل على معاني، والمعنى لا يشتمل على علل؛ لأن الطعم والجنس معنيان وهما علة الربا.
وعبر بعض الفقهاء عن المعنى بالعلة، وعن العلة بالمعنى، ولم يذكر فرقًا بينهما، إما اتساعًا وإما استرسالًا، والتحقيق فيهما ما ذكرناه من الفرق. فإذا تقررت هذه الجملة وجب على المجتهد في استنباطه المعاني والعلل أربعة شروط يعتبر بها صحتها ثم تختص العلل دون المعاني بشرطين مختلفين فيهما.
فأما [١٣٦/أ] أحد الأربعة: فأن يكون المعنى مؤثرًا في الحكم، فإن لم يؤثر فيه لم يجز أن يكون معنى للحكم ولا علة له، فإن النبي ﷺ لم يرجم ماعزًا لاسمه ولا لهيئة جسمه ولكن للزنا، فصار الزنا علة الرجم، وكما أثبت الرسول ﷺ الربا في البر، لا أنه مزروع، ولكن لأنه كطعوم فكان الطعم علة الربا دون الزرع.
والثاني: أن يسلم المعنى والعلة على الأصول ولا يرد فيهما نص ولا إجماع؛ لأن القياس فرع لهما يستعمل عند عدمهما فلم يجز أن يكون دافعًا لهما، فإذا رده أحدهما بطل.
[ ١١ / ١٤٤ ]
والثالث: أن لا يعارضهما من المعاني والعلل ما هو أقوى منهما، فإن الأقوى أحق بالحكم من القياس، وما أدى إلى إبطال الأقوى فهو الباطل بالأقوى.
والرابع: أن يطرد المعنى والعلة فيوجد الحكم بوجودهما فيسلما من نقص أو كسر. فإن عارضهما نقص أو كسر فعدم الحكم مع وجودهما فسد المعنى وبطلت العلة؛ لأن فساد العلة يدفعها وفساد المعنى لا يدفعه؛ لأن المعنى لازم والعلة طارئة؛ لأن الكيل إذا بطل أ، يكون علة الربا في البر لم يبطل أن يكون الكيل باقيًا في البر، فيصير التعليل باطلًا والمعنى باقيًا.
ولا يجوز تخصيص المعاني والعلل المستنبطة لتسلم من النقص المعترض أو يكون دخول النقص عليهما بارتفاع الحكم مع وجودهما دليلًا على فسادهما. فأما العلل المنصوص عليها فقد اختلف أصحابنا في جواز تخصيصها على وجهين:
أحدهما: لا يجوز تخصيصها اعتبارًا بالعلل المستنبطة.
والثاني: يجوز تخصيصها؛ لأنها لفظ منطوق به، فجرت مجرى تخصيص العموم كما علل رسول الله ﷺ المنع من بيع الرطب بالتمر بأنه ينقص [١٣٦/ب] إذا يبس. وحكي عن أبي حنيفة أنه جوز تخصيص العلل المستنبطة من النصوص عليها، ولم يفسدها بمعارضة النقض لخروجها منها بالتخصيص، بدليل أنه لما جاز تخصيص العموم كان تخصيص العلل أولى؛ لأنها قد تستنبط من عموم مخصوص هي له فرع وهو لها أصل، وهذا لا يصح من وجهين:
أحدهما: أنه لما كان سلامة الطرد معتبرًاُ في العلل العقلية وجب أن يكون معتبرًا في العلل الشرعية؛ لأن أحكام الشرع لا تخرج عن قضية العقل.
والثاني: أن تكون العلة إذا عارضها نقص لم يكن التعليل بالمنتقض أولى بالتعليل من الناقص، فتعارضا بهذه المقابلة فوجب العدول عنها إلى ما لا تعارض فيه.
وأما الشرطان المختلف فيهما في تصحيح العلل:
أحدهما: عكس العلة هل يكون معتبرًا في صحتها؟ وجهان:
أحدهما: قال ابن أبي هريرة وجماعة: لا يعتبر، فإنه إذا ثبت الحكم بوجودها صحت وإن لم يرتفع بعجمها؛ لأن المقصود بها ثبات الحكم دون نفيه، وكما يصح المعنى إذا اطرد ولم ينعكس.
والثاني: أن صحة العكس معتبر فيها؛ لأن علل الشرع معتبرة بعلل العقل في الطرد والعكس، ولأن عدم التأثير في ارتفاعها يدل على عدم التأثير في وجودها، والفرق بين المعنى والعلة في اعتبار العكس ما قدمناه من الفرق.
والثاني: وقوف العلة على حكم النص وعدم تأثيرها فيما عداه كوقوف علة الربا في الذهب والفضة عليها تعليلًا بأنها أثمان.
واختلف أصحابنا في أنها هل تكون علة لثبوت الربا، فقال أبو بكر القفال: أشار إليه في أصوله ولا تكون علة؛ لأن العلة ما جذب حكم الأصل إلى فروعه، ويجعل
[ ١١ / ١٤٥ ]
ثبوت الربا في الذهب والفضة بالاسم دون المعنى. وقال جمهور أصحابنا: [١٣٧/أ] إنها علة وإن لم تتعد عن حكم الأصل؛ لأن وقوفها يوجب نفي حكم الأصل عن غيره، كما أوجب تعديها ثبوت حكم الأصل في غيره، فصار وقوفها مؤثرًا في النفي كما كان تعديها مؤثرًا في الإثبات، فاستفيد بوقوفها وتعديها حكم غير الأصل، فعلى هذا يكون ثبوت الربا في الذهب والفضة بالمعنى دون الاسم، فصارت صحة المعاني معتبرة بأربعة شروط، وفي صحة العلل وجهان:
أحدهما: تعتبر صحتها بأربعة شروط لما قدمناه من فرق ما بين المعاني والعلل.
فإذا تقرر هذا وجب على المستنبط أن يعتبر بها حكم الأصل في الكشف عن معانيه، فإن لم يجد فيها ما يؤثر في الحكم، كأعداد الركعات ونصب الزكوات، علم أن معانيه غير معقولة، وأن الحكم فيها مقصورًا على الاسم ومعتبر بالاسم، وإن كان في معاني الأصل ما يكون مؤثرًا في الحكم سير جميع معانيه ولم يقتصر على المعنى الأول؛ لجواز أن يكون بعده ما هو أقوى منه، ليكون حكم الأصل معتبرًا بأقوى معانيه.
ثم لا يخلو معاني الأصل من أن يكون الحكم متعلقًا بجميعها أو ببعضها، فإن تعلق بجميع معاني الأصل كالربا في الذهب والفضة فهي العلة الواقفة، وهل يكون ثبوت الحكم في الأصل بالمعنى أو الاسم، فعلى ما ذكرناه من الوجهين، وإن تعلق الحكم ببعض معانيه فهو على ضربين؛ أحدهما: أن يصح تعلق الحكم بأحد معانيه. والثاني: أن لا يصح. فإن صح تعليقه بأحدها فهو على ضربين:
أحدهما: أن تتفق أحكامها في الفروع، فيوجب كل واحد منهما بوجوب غيره، فيكون المستنبط مخيرًا في تعليق الحكم بأيها شاء، كما يجوز أ، يثبت حكم الأصل بأي دلائله شاء. [١٣٧/ب] والثاني: أن تختلف أحكام المعاني في الفروع، فيوجب كل واحد غير ما يوجب الآخر، كتعليل الربا في البر بأنه مقتات وبأنه مأكول، وبأنه مكيل، ولكل واحد من هذه المعاني فروع تجتذبها ليست في غيره، فهذا على ضربين:
أحدهما: أن يكون أحدهما داخلًا في الآخر، فيكون الحكم معتبرًا بالمعنى للأعم دون الأخص في تعليل الربا في البر بأنه مقتات، وتعليله بأنه ماكول والقوت يدخل في المأكول، فكان تعليله بالأكل منه بالقوت لعموم الأكل وخصوص القوت.
والثاني: أن لا يدخل أحدهما في الآخر، كالتعليل بالأكل والتعليل بالكيل، فهو على ضربين:
أحدهما: أن يكون أحد المعنيين أكثر فروعًا من الآخر، فيكون أكثرها قروعًا أولى وتعليل الحكم به أحق لكثرة بيانه بكثرة فروعة.
والثاني: أن تتقارب فروعهما، فهو على ضربين:
أحدهما: أن تكون شواهد أكثر الأصول مع أحدهما، وشواهد أقلها مع الآخر فيكون أكثرها شواهد أولى، وتعليل الحكم به أحق لقوته بكثرة شواهده.
[ ١١ / ١٤٦ ]
والثاني: (أن) تتساوى شواهد الأصول لكل واحد منهما ولا يترجح أحدهما على الآخر بشيء، فيتعلق حكم الأصل بكل واحد من المعنيين، ويكون اجتماعهما معًا علة في فروع الأصل، لقوة العلة باجتماعهما واستيعابهما لفروعهما.
وأما إذا لم يصح تعليق حكم الأصل بأحد معانيه لدخول الكثير عليه، وجب أن يضم إليه معنى آخر منمعاني الأصل، فيجمع فيه بين معنيين، فإن سلما بالاجتماع من كسر يدخل عليهما صارا جميعًا معنى الحكم في الأصل، وعلة الحكم في الفرع، وإن لم يسلم المعنيان من كسر ضممت إليهما معنى ثالثًا، فإن سلمت صار جميعها معنى الحكم في الأصل وعلة الحكم في الفرع، وإن لم تسلم المعاني الثلاثة [١٣٨/ أ] من كسر ضممت إليها رابعًا وخامسًا، كذلك أبدًا حتى يجمع بين معاني الأصل، فيتبين باجتماع معانيها وقد قل حكمه وعدم تعديه. ومنع أبو حنيفة تعليق الحكم بما لم يتعد معانيه وأبطل به العلة الواقفة. وخص بعض أصحابنا معاني العلة، ومنع من تعليق الحكم بأكثر من أربعة أصناف.
ولو تعارض التعليل بمعنيين أحدهما منصوص عليه والآخر مستنبط، كان معنى النص أولى من معنى الاستنباط، كما يكون الحكم بالنص أولى من الحكم بالاجتهاد، وذلك مثل تعليل مال الفيء بقوله تعالى: ﴿كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ﴾ [الحشر: ٧]، وتعليل تحريم الخمر بقوله تعالى: ﴿إنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ العَدَاوَةَ والْبَغْضَاءَ﴾ [المائدة: ٩١] الآية. وكما علل النبي ﷺ بيع التمر بالرطب بقوله: "أينقص الرطب إذا يبس " الخبر، فهذا التعليل كله عن نص الشافعي ﵁ لا يجوز أن يدفع بعل مستنبطة.
إذا ثبت ما ذكرنا من مقدمتي القياس، فالقياس موضوع لطلب أحكام الفروع المسكوت عنها من الأصول المنصوصة بالعلل المستنبطة من معانيها، ليلحق كل فرع بأصله حتى يشركه في حكمه لاشتراكهما في المعنى والجمع بينهما بالعلة، فصار القياس إلحاق الفرع بالأصل بالعلة الجامعة بينهما في الحكم.
واسم القياس مأخوذ في اللغة من المماثلة، يقال: هذا قياس هذا أي مثله؛ لأن القياس هو الجمع بين المتماثلين في الحكم. وقيل: إنه مأخوذ من الإصابة، يقال: قسست الشيء إذا أصبته؛ لأن القياس يصيب به الحكم.
والقياس: أصل من أصول الشرع وحجة [١٣٨/ب] يستخرج بها أحكام الفروع المسكوت عنها، يجب العمل به عند عدم النصوص في الإجماع، واختلفوا في طريق إثباته، فقال الأكثرون: هو دليل بالشرع. وقال بعضهم: هو دليل بالعقل وهو ضعيف. وقال النظام، وداود، والقاساني، والمغربي، والنهرواني، والشيعة: لا يجوز أن يعمل به في الشرع، ولا القول به، ولا يستدل به على حكم في فرع، والأحكام متعلقة بالأسماء دون المعاني.
وعندنا يتعلق الحكم بمعانيها إذا عقلت، وبالأسماء إذا جهلت ويكون اختلافهما
[ ١١ / ١٤٧ ]
على ما ورد الشرع بها. واختلفوا في طريق نفيه، فقال بعضهم: منفي بالعقل وحده. وقال بعضهم: منفي بالشرع وحده. وحكي عن داود أنه قال: لم يرد الشرع به، ولو ورد به لجاز أن يكون دليلًا فيه. وقيل: إنه قال: العقل لا يوجبه والشرع لم يوجبه، وهذا كله غلط، وهذا الخلاف خلاف حادث بعد أن تقدم الإجماع بإثباته من الصحابة والتابعين قولًا وعملًا.
أما العمل: فإنهم اختلفوا في مسائل، مثل قوله: أنتعلي حرام، ومقاسمة الجد الإخوة، وذهب كل واحد منهم مذهبًا، ولا يجوز أن يكونوا قالوا ذلك توقيقًا؛ لأن أحدًا منهم ما أظهر فيه توقيفًا، فثبت أنهم قالوه اجتهادًا وقياسًا. وأما القول: قال أبو بكر الصديق ﵁ في الكلالة: أقول فيها برأيي. وعن عمر﵁- مثل ذلك. وقال ابن مسعود ﵁ في مسألة المفوضة أقول برأيي، فإن أصبت فمن الله تعالى، وإن أخطأت فمني ومن الشيطان [١٣٩/أ] والله ورسوله منه بريئان، وغير هذا من الألفاظ في مسائل كثيرة، ما تدل على الاجتهاد والقياس، فدل ذلك على صحة ما قلناه.
وأيضا قال الله تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُوْلِي الأَبْصَارِ﴾ [الحشر: ٢]، وفي الاعتبار وجهان: أحدهما: أنه مأخوذ من العبور، وهو أن يجاوز المذكور إلى غير المذكور، وهذا هو القياس.
والثاني: مأخوذ من العبرة، وهو اعتبار الشيء بمثله، ومنه عبرة الخراج، أن يقاس خراج عام بخراج عام غيره في المماثلة.
وفي كلا الوجهين دليل على القياس؛ لأنه أمر أن يستدل بالشيء على نظيره، وبالشاهد على الغائب.
وأيضا قال تعالى: ﴿وضَرَبَ لَنَا مَثَلًا ونَسِيَ خَلْقَهُ﴾ [يس: ٧٨] الآية، فجعل خلق الأحياء دليلًا على خلق الموتى، وهذا دليل مستمر في قضايا العقول، ولولا القياس لما صار دليلًا.
وأيضًا قال الله تعالى: ﴿ولَوْ رَدُّوهُ إلَى الرَّسُولِ وإلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣]، وأولوا الأمر هم العلماء، والاستنباط هو القياس، فصارت هذه الآية كالنص في إثباته.
وروي في خبر معاذ﵁- أنه قال: "أجتهد رأيي" وهذا دليل على جواز الاجتهاد عند عدم النص، وأن ليس كل الأحكام مأخوذة عن نص، فصار القياس أصلًا بالنص. وروي أنه صلى الله ﵇ قال في خبر عمر ﵁: "أرأيت لو تمضمضت" وهذا قياس. وأيضًا لما استقر في العقل أن يستدل بالشاهد على الغائب، ويجمع بين المتماثلين في الشبه، ويسوي بين المتفقين [١٣٩/ب] في المعنى، وجب أن يكون في قضايا السمع استدلال بالشاهد على الغائب، والجمع بين المتماثلين في الشبه والمتفقين في المعنى استدلالًا بالعقل والسمع. أما العقل فشواهده واضحة.
[ ١١ / ١٤٨ ]
وأما السمع فقد يستقر بالشاهد على الغائب في القبلة بقوله تعالى: ﴿وحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤].
وفي الجمع بين المشتبهين في المماثلة وجزاء الصيد بقوله تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: ٩٥]. وفي التسوية بين المتفقين في المعنى لاعتبار الرق في حد العبد بالزنا بحد الأمة بقوله تعالى: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى المُحْصَنَاتِ﴾ [النساء: ٢٥] الآية.
فإن قيل: أحكام العقل متفقة وأحكام السمع مختلفة فلم يجز اعتبار أحدهما بالآخر. قلنا: نحن نقيس على أحكام السمع ما وافقها كما نقيس على أحكام العقل ما وافقها، فصار كل واحد منهما أصلًا لفروعه في المماثلة.
فإذا تقرر هذا فالقياس قياسان؛ قياس معنى وقياس شبه. والفرق أن قياس المعنى ما لم يكن لفرعه إلا أصل واحد أخذ حكمه من معناه. وقياس ما تجاذبته أصول فليحق بأقواها شبهًا به، فصار قياس المعنى أقوى من قياس الشبه على الوجهين.
ثم قياس المعنى ينقسم قسمين؛ خفي وجلي. فأما الجلي فيكون معناه في الفرع زائدًا على معنى الأصل. والخفي يكون معناه في الفرع مساويًا لمعنى الأصل. والقياس الجلي على ثلاثة أضرب:
أحدها: ما عرف معناه من ظاهر النص بغير [١٤٠/أ] استدلال، ولا يجوز أن يرد التعبد فيه بخلاف أصله، وذلك مصل قوله تعالى: ﴿فَلا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ ولا تَنْهَرْهُمَا﴾ [الإسراء: ٢٣]، فدل تحريم التأفيف ببديهة النص على تحريم الضرب والشتم لما فيه من إهانة الأبوين والأذى. ويجوز أن يحرم التأفيف ويبيح الضرب والشتم، فصار تحريم الضرب والشتم مأخوذًا من تحريم التأفيف قياسًا، ومثله قوله تعالى: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧] الآية. فلا يجوز أن يجازي على قليل الطاعة ولا يجازى على كثيرها، ويعاقب على قليل المعصية ولا يعاقب على كثيرها. وقال القفال الشاشي: حكم ذرة ونصف ذرة بمنزلة، وإنما قال هذا حتى لا يقول مهوس الكثير ذرات والاسم متناول لها، ومثله قوله: ﴿ومِنْ أَهْلِ الكِتَابِ مَنْ إن تَامَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إلَيْكَ﴾ [آل عمران: ٧٥] الآية، فالأمين على القنطار هو على الدينار آمن والخائن في الدينار هو في القنطار أخون. ومثله قوله تعالى: ﴿وإن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا﴾ [الأنبياء: ٤٧] وقوله تعالى: ﴿ولا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾ [النساء: ١٢٤].
وقال بعض مشايخنا: لا يسمى هذا قياسًا؛ لأن العرب وضعت هذه اللفظة للتنبيه على ما زاد عليه، فيكون النهي عن الضرب والشتم باللفظ دون المعنى، وسماه بعضهم مفهوم الخطاب، وقيل: هو فحوي الخطاب، قالوا: والقياس ما خفي حكم المسكوت عنه بالاستدلال من المنصوص عليه، فما خرج عن الخفاء لم يحتج إلى الاستدلال فليس بقياس. وقال نفاة القياس: مثل هذا لا يكون قياسًا، [١٤٠/ب] بل هو نص. وقيل: إنه تنبيه وهذا غلط؛ لأن النص ما عرف حكمه من اسمه. والقياس ما عرف حكمه من اسم غيره وقد وجد هنا؛ لأن اسم التأفيف لا ينطلق على الضرب كما لا
[ ١١ / ١٤٩ ]
ينطلق الضرب على التأفيف، فصار تحريم الضرب مأخوذًا من معنى التأفيف لا من اسمه، فإن امتنعوا أن يسموه قياسًا فقد سلموا معناه وخالفوا في اسمه، والمخالفة في الاسم ساقطة مع تسليم المعنى. وأيضًا فالمعاني تتنوع إلى جلي تسبق بديهته إلى الفهم من غير استدلال، وإلى خفي لا يفهم إلا بالفكر والاستدلال، كالأسماء تتنوع إلى واضح تعرفه الخاصة والعامة، وإلى غامض تعرفه الخاصة دون العامة، كنهية ﷺ أن يصلي الرجل وهو زناء، وقوله ﷺ "لا جلب، ولا جنب، ولا خلاط، ولا وراط". ونهى ﷺ عن الملاقيح والمضامين. ثم اختلاف الأسماء وفي الوضوح والغموض لا يمنع أن تكون كلها نصوصًا، وكذلك اختلاف المعاني في الجلاء والخفاء لا يمنع أن تكون كلها قياسًا.
واعلم أن هذا الوجه من القياس أقرب وجوه القياس إلى النصوص لدخول فرعها في النصوص، ولا خلاف بين أصحابنا في جواز تخصيص العموم به، وهل يجوز به النسخ أم لا؟ فيه وجهان:
أحدهما: وهو قول الأكثرين: لا يجوز؛ لأن القياس فرع للنص الذي هو أقوى، فلا يجوز أن يكون ناسخًا له.
والثاني: وهو اختيار ابن أبي هريرة وجماعة يجوز؛ لأنه لما جاز [١٤١/أ] أن يرد التعبد في فرعه بخلاف أصله، صار الفرع كالنص فجاز به النسخ.
فإن كان أصله نصًا في القرآن جاز أن ينسخ به القرآن دون السنة، وإن كان أصله نصًا في السنة جاز أن ينسخ به السنة دون القرآن.
ومن هذا اختلف أصحابنا في قوله تعالى: ﴿إن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ [الأنفال: ٦٥] الآية، مع قوله: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا﴾ [الأنفال: ٦٦] الآية، أن نسخ مصابرة عشرين مائتين بمصابرة عشرين أربعين، علم بالقياس بظاهر الكلمة، فمنهم من قال: علم بالقياس؛ لأن الله تعالى لم ينص على حكم العشرين، وإنما قسناه على نسخ ظاهر الكلمة، ومنهم من قال: علم بظاهر الكلمة.
والضرب الثاني: ما عرف معناه من ظاهر النص بغير استدلال بالإجماع، ولكن يجوز أن يرد التعبد فيه بخلاف أصله، مثل نهي رسول الله ﷺ عن الأضحية بالعوراء، والعرجاء، فكانت العمياء قياسًا على العوراء والقطعاء قياسًا على العرجاء، لأن نقصها أكثر والنص للنقص وإن جاز أن يرد التعبد بإباحة العمياء والقطعاء مع تحريم النص وأباح ما عداه، فحرم التضحية بالعوراء والعرجاء وأباح التضحية بالعمياء والقطعاء، وأثبت بعضهم تحريم جميعه بالتنبيه دون النص، فهذا الضرب من القياس يجوز تخصيص العموم بمثله، ولا يجوز به النسخ بالاتفاق لجواز ورود التعبد في الفرع بخلاف أصله.
ومن هذا الجنس قوله ﷺ [١٤١/ب] " لا يقضي القاضي وهو غضبان" وقد أجمعوا
[ ١١ / ١٥٠ ]
على أن منعه لأنه يزعجه ويغير طبعه، فكان النعاس الغالب، والجوع الشديد والشبع المثقل، والحزن المفرط قياسًا عليه لوجود معناه فيه.
ومثله قوله ﷺ في الفأرة إذا ماتت في السمن: "إن كان جامدًا فألقوها وما حولها، وإن كان مائعًا فأريقوه". وأجمعوا على أنه لنجاسة الفأرة.
وقال ﷺ: "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يتوضأ منه" فكان التغويط مثله. وقال ﷺ: "إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليهرقه وليغسله سبع مرات" فكان إذا بال الكلب فيه مثله.
فإن قيل: لا نعلم كل هذا قياسًا، وإنما علمناه إجماعًا. قلنا: المجمعون إنما قالوا ذلك من طريق القياس دون غيره، ولو كان هناك سبب جمعهم عليه لعرفناه ولنقل إلينا كما نقل إجماعهم.
والضرب الثالث: ما عرف معناه من ظاهر النص باستدلال ظاهر يعرف بمبادئ النظر، وذلك مثل قوله وتعالى: ﴿فَإذَا أُحْصِنَّ فَإنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى المُحْصَنَاتِ مِنَ العَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥]، ولم يكن المعنى إلا نقص الرق بالعبد قياس عليه بهذا المعنى، كقوله ﷺ: "من أعتق شركًا له في عبد قوم عليه الباقي" فكانت الأمة قياسًا.
وكقوله تعالى في يوم الجمعة: "وذروا البيع" [الجمعة: ٩]، فعقد النكاح قياس على البيع، فهذا الضرب لا يجوز النسخ به ويجوز تخصيص العموم به عند أكثر أصحابنا.
وقال بعضهم: لا يجوز تخصيص العموم به لخروجه عن الجلاء بالاستدلال، وهكذا غلط، لأنه قد صار بجلاء الاستدلال كالجلي بغير استدلال.
وهذه الضروب الثلاثة [١٤٢/ أ] من القياس يجوز أن ينعقد بها الإجماع وينقض بها حكم من خالفها من الحكام.
وأما القياس الخفي: فهو ما خفي معناه فلم يعرف إلا بالاستدلال، ويكو معناه في الفرع مساويًا لمعنى الأصل، وهو على ثلاثة أضرب: أحدهما: ما كان معناه لائحًا. والثاني: ما كان غامضًا. والثالث: ما كان مشتبهًا.
فأما الأول: فيعرف باستدلال متفق عليه مثل قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء:٢٣] الآية، فكان عمات الآباء والأمهات في التحريم قياسًا على الخالات لاشتراكهن في الرحم. وكقوله تعالى في نفقة الولد في صغره: ﴿فَإنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦]، فكانت نفقة الوالد عند عجزه في كبره قياسًا على نفقة الولد لعجزة في صغره، والمعنى في هذا الضرب لائح لتردده بين الجلي والخفي، وهو من ضروب الخفي بمنزلة الأول من ضروب الجلي، ويجوز أن ينعقد الإجماع بمثله وينقض به حكم الحاكم إذا خالفه، وهل يجوز تخصيص العموم به؟ فيه وجهان.
وأما الثاني: فهو ما كان معناه غامضًا للاستدلال المختلف فيه فتقابلت معانيه حتى غمضت، مثاله: تعليل الربا في البر المنصوص عليه، فيقابل فيه التعليل بالأكل ليقاس
[ ١١ / ١٥١ ]
عليه كل مأكول، والتعليل بالقوت ليقاس عليه كل مقتات، والتعليل بالكيل ليقاس عليه كل مكيل. ومثل هذا الضرب لا ينقض به حكم الحاكم ولا يخص به العموم.
وأما الثالث: وهو ما كان مستبهمًا احتاج نصه ومعناه إلى استدلال كالذي قضي به الرسول ﷺ أن الخراج بالضمان يعرف بالاستدلال، أن الخراج هو المنفعة والضمان هو ضمان البيع، ثم عرف معنى المنفعة بالاستدلال، فتقابلت المعاني بالاختلاف فيها، فمن علل [١٤٢/ ب] لها بأنها آثار فلم يجعل المشتري إذا رد بالعيب مالكًا للأعيان من الثمار والنتاج، ومن علل لها بأنها ما خالفت أجناس أصولها، فجعله مالكًا للثمار دون النتاج، وعللها الشافعي بأنها إنما يجعله مالكًا لكل نماء من ثمار ونتاج، فمثل هذا الضرب ينعقد الإجماع في حكم أصله، ولا يتعقد في معناه ولا ينقض بقياسه حكم، ولا يخص به عموم وهو مما تقدمه وإن قاربه في حكمه.
وأما قياس الشبه: فهو ما تجاذبته الأصول، فأخذ من كل أصل شبهًا، وأخذ كل أصل منه شبهًا، وهو نوعان: قياس تحقيق يكون الشبه في أحكامه. وقياس تقريب يكون الشبه في أوصافه، وقياس التحقيق مقابل لقياس المعنى الجلي وإن ضعف عنه. وقياس التقريب مقابل لقياس المعنى الخفي وإن ضعف عنه.
وأما قياس التحقيق فثلاثة أضرب:
أحدهما: أن يتردد حكم الفرع بين أصلين ينتقص برده إلى أحدهما ولا ينتقص برده إلى الآخر قرده إلى الأصل الذي لا ينتقص برده إليه وإن كان أقبل شبهًا دون الآخر. وإن كان أكثر شبهًا كالعبد هل يتردد بين الحر والبهيمة، فلما انتقص برده إلى الميراث حين لم يملك به وجب رده إلى البهيمة لسلامته من النقص، وإن كان شبهه بالأحرار أكثر.
والثاني: أن يتردد الفرع بين أصلين يسلم من النقص في رده إلى كل واحد منها وهو بأحد الأصلين أكثر شبهًا مثل أن يشبه أحدهما من وجه والآخر من وجهين أو أحدهما في وجهين والآخر من ثلاثة أوجه يرد إلى الأكثر مثاله: في الجناية على طرف العبد يتردد بتردده إلى الحر في تقدير الجناية على أطرافه وبتردده على البهيمة في وجوب ما نقص من قيمته وهو يشبه البهيمة في أنه مملوك وموروث ويشبه الحر في أنه آدمي مخاطب مكلف يجب في قتله القود والكفارة فوجب رده إلى الحر [١٤٣/ أ] في تقدير أرش طرفة دون البهيمة لكثرة شبه بالحر.
والثالث: أن يتردد الفرع بين أصلين مختلفي الصفتين، ويوجد في الفرع بعض كل واحد من الصفتين ولا يكمل فيه إحدى الصفتين، لكن يوجد فيه الأكثر من إحدى الصفتين والأقل من الأخرى، فيجب رده إلى الأصل الذي فيه أكثر صفاته. مثاله: ثبوت الربا في السقمونيا لما تردد بين الخشب في الإباحة، لأنه ليس بغذاء وبين الطعام في التحريم، لأنه مأكول فكان رده إلى الغذاء في التحريم وإن لم يكن غذاء، وفي رده إلى الخشب في الإباحة وإن لم يكن غذاء، لأن الأكل أغلب بصفاته.
[ ١١ / ١٥٢ ]
وأما قياس التقريب فثلاثة أضرب:
أحدهما: أن يتردد الفرع بين أصلين مختلفي الصفتين، وقد جمع الفرع معنى الأصل فيترجح في الفرع اغلب الصفتين. مثاله في المعقول: أن يكون أحد الأصلين معلولا بالبياض والآخر معلولا بالسواد، ويكون الفرع جامعًا بين السواد والبياض فيعتبر حاله، فإن كان بياضه أكثر من سواده رد إلى الأصل المعلول بالبياض، ولم يكن للسواد فيه تأثير، وإن كان سواده أكثر من بياضه رد إلى الأصل المعلول بالسواد دون البياض، ولم يكن للبياض فيه تأثير.
مثاله في الشرع: الشهادات أمر الله تعالى فيها بقبول العدل ورد الفاسق، وقد علم أن أحدًا غير الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لا بمحض الطاعة حتى لا يشوبها بمعصية من الصغائر، فوجب اعتبار الأغلب من حاليه كما قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ، فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ، وأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ، فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ﴾ [القارعة:٦ - ٩]، [١٤٣/ ب] فإن كانت الطاعات أغلب عليه حكم بعدالته، ولا تأثير لما فيه من معصية، وإن كانت المعاصي أغلب عليه حكم بفسقه، ولا تأثير لما فيه من طاعة. وقال أبو حنيفة: هذا الضرب لا يكون قياسًا، لأن ما استخرج علة فرعه من أصله، وهذا قد استخرج علة أصله من فرعه. ولأن القياس إنما يصح إذا كان معنى الأصل موجودًا بكماله في الفرع، فإذا وجد بعض أوصافه لا يصح إلحاقه به، وهذا لا يصح، لأن صفة العلة مستخرجة من الفرع وحكم العلة مستخرج من الأصل، والجمع بينهما موضوع بحكم العلة دون صفتها. ومثال هذا: ما نقول في الماء المطلق إذا خالطه مائع طاهر كماء الورد فلم يغيره نظر، فإن كان الماء أكثر حكم له بالتطهير وإن كان فيه ما ليس بمطهر، فإن كان ماء الورد أكثر حكم به غير مطهر، وإن كان فيه ما هو مطهر، ولأن الحادثة إذا أشبهت كل واحد من الأصلين في بعض الأوصاف فلا بد من تعرف حكمها، ولا نصفيها يحتاج أن يلحق بأصله، ولا يجوز إلحاقها بغير هذين الأصلين، لأنه لا يجوز إلحاقها بما لا يشبهها، ولا يمكن إلحاقها بهما لتضادهما فكان إلحاقها بأكثرها شبهًا أولى.
وقال القاضي الطبري: هذا النوع من القياس ضعيف، لأنه مقيس على ما يلحق به من غير علة وذلك لا يجوز، ولا الوصف الذي أشبه الأصل فيه من أن تكون علة الأصل وليس بعلة، فإن علته فهو قياس العلة لا قياس الشبه، وإن لم تكن علته فلا يصح القياس عليه بغير علته. قال: ومعنى هذا [١٤٤/ أ] عندي إذا تردد فرع بين أصلين وقاس كل واحد من الخصمين على أصله فعله ظاهرها الصحة إلى الترجيح، فيغلب أحد الأوصاف بكثر الشبه، فيكون ذلك على سبيل الترجيح.
والثاني: أن يتردد الفرع بين أصلين مختلفي الصفتين والصفتان معدومتان في الفرع، وصفة الفرع تقارب إحدى الصفتين وإن خالفتها. مثاله في المعقول: أن يكون أحد الأصلين معلولا بالبياض والأصل الآخر معلولا بالسواد، والفرع أخضر لا أسود ولا
[ ١١ / ١٥٣ ]
أبيض، فيرد إلى أقرب الأصلين شبها بصفته، والخضرة أقرب إلى السواد فيلحق به.
ومثاله في الشرع: قوله تعالى: ﴿فجزاء مثل ما قتل من النعم﴾ [المائدة:٩٥]. وليس المثل من النعم مشبهًا للصيد في جميع أوصافه، ولا منافيًا له في جميع أوصافه، فاعتبر في الجزاء أقرب الشبه بالصيد. وقال أبو حنيفة: مثل هذا لا يكون قياسًا، لأن القياس ما وجدت أوصاف أصله في فرعه، وأوصاف الأصل في هذا غير موجودة في الفرع فصار قياسًا بغير علة، ولهذا لا يصح، لأن الحادثة لا بد من حكم، والحكم لا بد له من دليل، فإذا لم يكن في الكتاب ولا في السنة ولا في الإجماع دليل عليها لم يبق لها أصل غير القياس، فكان أقرب بها شبهًا بأصل القياس هو علة القياس له، وقد جعله بعض أصحابنا اجتهادًا محضًا ولم يجعله قياسًا، وهذا الاجتهاد لا بد له من أصل يعتبر فيه شبه الأصل فصار قياسًا.
والثالث: أن يتردد الفرع بين أصلين مختلفي الصفتين، والفرع جامع لصفتي الأصلين وأحد الأصلين [١٤٤/ ب] من جنس الفرع دون الآخر. مثاله: أن يكون الفرع من الطهارة وأحد الأصلين من الصلاة والثاني من الطهارة، فيكون رده إلى أصل الطهارة لمجانسته أولى من رده إلى أصل الصلاة.
واعلم أن هنا أصلًا رابعًا اختلف أصحابنا في جواز وجوده، وهو أن يتردد الفرع بين أصلين فيه شبه كل واحد من الأصلين، ولا يترجح أحدهما على الآخر بشيء، فمنع كثير من أصحابنا في وجوده، وأحال تكافئ الأدلة، لأنه لا يجوز أن يتعبد الله تعالى عبادة بما لم يجعل لهم طريقًا يوصلهم إلى عمله، ولكن ربما خفي على المستدل لقصوره في الاجتهاد، فإن أعوزه الترجيح بين الأصلين عدل إلى التماس حكمه من غير القياس. وذهب الأكثرون إلى جواز وجوده، لأنه لما جاز أن يكون من الأدلة غامضة لما علمه فيها من المصلحة جاز أن يكون فيها متكافئة لما يراه من المصلحة، وليس يخلو أن يكون لها حكم مع التكافيء. فعلى هذا اختلفوا في حكم ما تكافأت فيه الأدلة، وتردد بين أصلين حاظرا ومبيح على وجهين:
أحدهما: المجتهد بالخيار في رده إلى أي الأصلين شاء، لأن الله تعالى لو لم يرد كل واحد مهما لنصب على مراده منهما دليلًا.
والثاني: يرده إلى أغلظ الأصلين حكمًا، وهو الحظر دون الإباحة احتياطًا، لأن أصل التكليف موضوع على التغليظ.
فصارت أقسام القياس على ما شرحناه اثني عشر فسمًا، ستة منها مخنصة بقياس المعنى، منها ثلاثة أقسام في الجلي وثلاثة في الخفي، وستة أقسام مختصة بقياس الشبه، منها ثلاثة في قياس التحقيق، [١٤٥/ أ] وثلاثة في قياس التقريب. فإذا تقرر هذا فالذي ثبت بالقياس في الشرع هو الأحكام المستنبطة من النصوص. فأما الأسماء والحدود والمقادير، هل يجوز استخراجها بالقياس؟ فيه وجهان:
أحدهما: يجوز إذا تعلق بالأسماء أحكام كتسمية النبيذ خمرًا لوجود معنى الخمر
[ ١١ / ١٥٤ ]
فيه، ويجوز أن يثبت حد الخمر ثمانين قياسًا على حد القذف، كما قال على ﵁: إنه إذا شرب سكر، وإذا سكر هذي، وإذا هذي افترى، وحد المفتري ثمانون ويجوز أن تثبت المقادير قياسًا كما قدرنا أقل الحيض وأكثره وأقل السفر وأكثره، وهذا اختيار ابن أبي هريرة، لأن جميعها أحكام.
والثاني: لا يجوز، لأن الأسماء مأخوذة من اللغة دون الشرع، ومعاني الحدود غير معقولة، والمقادير مشروعة. وإنما صير إلى هذه الأمور المقدرة إلى القول والثاني النظر، الفكر بالقلب والعقل والجدل، وهو الاحتجاج باللسان، وفي الفرق بين الدليل والحجة وجهان؟ أحدهما: الدليل ما دلك على مطلوبك والحجة ما منعت منت ذلك.
والثاني: الدليل ما دلك على صوابك والحجة ما دفعت قول مخالفك.
وفي الفرق بين النص والظاهر وجهان: أحدهما: النص ما كان لفظ دليله، والظاهر ما سبق مراده إلى لفظ سامعيه.
والثاني: النص ما لم يتوجه إليه احتمال، والظاهر ما سبق إليه احتمال.
وفي الفرق بين الفحوى ولحن القول وجهان:
أحدهما: الفحوى ما نبه عليه اللفظ، ولحن القول ما لاح في أثناء اللفظ.
والثاني: الفحوى ما دل على ما هو أقوى منه، ولحن القول ما دل على مثله، والله أعلم بالصواب [١٤٥/ ب].
مسألة: قال: "وإن لم يكن في عقله ما إذا عقل القياس عقله، وإذا سمع الاختلاف ميزة، فلا ينبغي له أن يقضي ولا لأحد أن يستقضيه".
جملة هذا أن الشافعي - ﵁- ذكر الشرائط المعتبرة فيمن يلي القضاء، وهي ثلاث شرائط، إحداهما: أن يكون من أهل الاجتهاد.
والثانية: أن يكون عدلًا.
والثالثة: أن يكون كاملًا.
فأما كونه من أهل الاجتهاد فهو أن يكون عالمًا بكتاب الله تعالى، ولا نقول يجب عليه أن يحفظ القرآن، بل يجب أن يعرف الأحكام فيعرف العام والخاص، والمحكم والمتشابه، والمطلق والمقيد، والمجمل والمفسر، والناسخ والمنسوخ، ويعرف السنن التي تتعلق بالأحكام، ويعرف الإجماع والاختلاف على ذكرنا بالشرح فيمن يستشيره القاضي، ولا يجوز أن يكون القاضي عاميًا، وبه قال أحمد.
واختلف أصحاب أبو حنيفة، فقال بعضهم وهو الأظهر: يجوز أن يكون القاضي عاميًا يحكم بالتقليد، لأن الغرض فيه فصل الخصومات ورد المظالم، ويمكن ذلك بالتقليد كما تقلده المقوم ويحكم بالقيمة. وقال بعضهم: مذهبه نحو مذهبنا. والدليل على صحة ما ذكرنا أن الحكم أكد من الفتيات، فإذا لم يجز أن يفتي بالتقليد فلأنه لا
[ ١١ / ١٥٥ ]
يجوز الحكم أولى، وهذا لأن الحرية شرط في القضاء وإن لم تكن شرطًا في الفتيا.
فإن قيل: أليس يجوز أن يخبر بكل ما سمع؟ قيل: هذا خطأ، لأنه لا يجوز أن يكون مفتيًا بكل ما سمعه، وإنما يجوز أن يخبر عن رجل بعينه من أهل الاجتهاد، فيكون مقولًا بخبره لا بفتواه، ويخاف قول المقوم لأن ذلك لا يمكن الحاكم أن يعرف القيمة بنفسه بخلاف الحكم.
فإن قيل: هذا الذي ذكرتم من الشرائط يمنع القضاء والاستشارة، لأنه لا تكاد توجد [١٤٦/ أ] هذه الأوصاف. قيل: قيد بينا أنه يعتبر معرفة حمل هذه العلوم دون التبحر في كلها، ويعرف من لسان العرب ما يفهم به عن الله تعالى، وعن رسوله ﷺ، ويعرف في القياس ما يميز به بين القياس الصحيح وبين الفاسد، وبين الجلي والخفي، وقياس العلة وقياس الشبه، وهذا كله يجمعه فقهاءنا في هذا الزمان، وفيما قبله ولله الحمد.
ولهذا قال الشافعي ﵁: "وعمل الناس بخلافه فإنهم لا يولون إلا فقيهًا في الجملة"، إلا أن الناس اليوم تسمحوا بالعلم بالقضاء وجعلوه في العامة الذين لا يعرفون من ذلك شيئًا، وإنما أحسن أحوالهم أن يقلدوا من يعتقد مذهب السلف الذين ينتمون إليه ويعتقدون مذهبه، وإذا اختلف الفتاوى عليهم لم يقدروا على التمييز عنها، فدافعوا بالخصوم حتى يصطلحوا أو يقضوا بينهم بما وافق. هداهم الله ﷿ وهو المستعان، ومن كان هكذا فهو القاضي الذي توعده رسول الله ﷺ بالنار، فقال في الحديث الصحيح: "القضاة ثلاثة " الخبر، فجعل الجاهل بمنزلة العالم إذا جار وجعلهما جميعًا من أهل النار، فمن عرف هذا الحديث ثم ولى القضاء مع الجهل فما له حظ في الدين.
وقد ثبت عن رسول الله ﷺ أنه قال: "إذا حكم الحاكم فاجتهد فأخطأ فله أجر واحد" فدل على أن طريق الحكم هو الاجتهاد دون التقليد.
وأما العدالة: فما يعتبر في الشاهد يعتبر فيه. وقال الأصم: يجوز أن يكون الفاسق أميرًا، لقوله ﷺ: "سيكون بعدي أمراء يؤخرون الصلاة عن أوقاتها، فصلوها لوقتها، ثم صلوا معهم واجعلوا صلاتكم معهم سبحة".
ودليلنا قول الله تعالى: ﴿إن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات:٦]، ولأنه شرط في الشهادة [١٤٦/ ب] ففي القضاء أولى، لأنه أقوى منها.
وأما الخبر الذي ذكرنا قلنا: أراد يؤخرون الصلاة عن أول أوقاتها، أو نقول: سماهم أمراء على طريق المجاز.
وأما الكمال: فيحتاج أن يكون كاملًا في الخلق، فأن لا يكون أعمى ولا أخرس ولا أصم، لأن فقد هذه الحواس يمنع الحكم بين الخصوم بنفسه ولا يفرق الأعمى بين الطالب والمطلوب. وقال مالك: يجوز قضاء الأعمى كما تجوز شهادته. وقيل: فيه وجه آخر يجوز كما جاز أن يكون نبيًا وهو شعيب ويعقوب صلى الله عليهما. وقال ابن سريج: يجوز قضاء الأخرس كما تجوز شهادته إذا كان مفهوم الإشارة.
[ ١١ / ١٥٦ ]
وأما الأحكام: فهي أن يكون بالغًا، عاقلًا، حرًا ذكرًا. وقال ابن جرير: يجوز قضاء المرأة كالرجل. وقال أبو حنيفة: يجوز أن تكون قاضية إلا في الحدود قياسًا على شهادته تقبل في الأموال دون الحدود.
ودليلنا ما روى أبو بكر ﵁ أن النبي ﷺ قال: "لا يفلح قوم أسندوا أمرهم إلى امرأة". وروى: "ولوا أمرهم امرأة" وروى أنه قال: "لن يفلح قوم تملكهم امرأة".
وروت عائشة﵂- أن النبي ﷺ قال: "لا تكون المرأة حكمًا تقضي بين العامة"، ولأن من لا يصح قضاءه في الحدود لا يصح في الأموال كالصبي. فإن قيل: أليس قال عمر رصي الله عنه: لو كان سالم مولى أبي حذيفة حيًا لما تخالجني في تقليده شك. قيل: كان سالم مولى عتاقة ولم يكن رقيقًا.
فرع
لا يجوز تقليد الخنثى، فإن زال إشكاله وبان رجلًا يجوز أن يكون قاضيًا، ولو ولى في حال الجهل بحاله فحكم ثن بان رجلًا، المذهب أنه لا ينفذ حكمه، وقيل فيه وجهان.
فرع آخر
لو قلدت امرأة القضاء [١٤٧/ أ] على مذهب أبي حنيفة رحمه الله تعالى فحكمت، هل للشفعوي نقض حكمها؟ قال الإمام جدي ﵀: فيه وجهان: أحدهما: ينقض وهو اختيار الأصطخري.
والثاني: لا ينقص لأنه مجتهد فيه.
فرع آخر
لو رد إلى المرأة قاض لم يجز، لأنه لا يجوز أن تكون مولية وإن ولا ها اختيار قاض جاز، لأن الاختيار اجتهاد كالفتيا.
فرع آخر
لا يجوز قضاء الكافر للكافر، وقال أبو حنيفة: يجوز كالشهادة. واعلم أن العادة جارية من الأئمة بتقليد زعامة ورياسة لا تقليد حكم وقضاء.
فرع آخر
لا يكتفي فيه العقل الذي يتعلق به التكليف من علمه بالمدركات الضرورية، ويعتبر أن يكون صحيح التمييز، جيد الفطنة، بعيدًا من السهو والغفلة، يتوصل بذكائه إلى وضوح ما أشكل وفصل ما أعضل.
[ ١١ / ١٥٧ ]
فرع آخر
قال أصحابنا: ويستحب مع ذكرنا من الشرائط أن يكون حليمًا، مثبتًا، ذا فطنة وتيقظ، لا يؤتي من غفلة، ولا يخدع بغرة، عالمًا بلغات أهل قضائه، جامعًا للعفاف نزيهًا، بعيدًا من الطمع، صدوق اللهجة، ذا رأي ومشورة، وكلامه لين إذا قرب، وهيبة إذا أوعد، ووفاء إذا وعد، وعليه السكينة والوقار.
وقد حكي عن علي﵁- أنه ولى أبا الأسود الدؤلي القضاء ساعة من نهار ثم عزله، فقال: لم عزلتني، فو الله ما خنت، فقال بلغني أن كلامك يعلو كلام الخصمين إذا تحاكما إليك.
فرع آخر
لو كان يطرأ عليه في الأحيان جنون نظر، فإن امتد به حتى يتأخر عن أوقات النظر لم يصح تقليده، وإن قصر زمانه وكان كالساعة نظر، فإن أثر في زمان إفاقته كفتور حسه، ودهشة عقله لم يصح تقليده، وإن أفاق من ساعته وعاد إلى استقامته هل يجوز تقليده؟ [١٤٧/ ب] فيه وجهان: أحدهما: لا يجوز، لأنه يخرج في زمان ذلك عن حكم التكليف، وتبطل به فروض العبادات.
والثاني: يجوز ويجري مجرى فترات النوم وأوقات الاستراحة.
فرع آخر
لو أغمى عليه لم يؤثر في ولايته، لأنه مرض لا تمنع منه النبوة، وفيه وجه بعيد أنه يعزل به وليس بشئ.
فرع آخر
لو طرأ عليه الجنون بعد التقليد ولا يته ولا يعود بالإفاقة. وفيه وجه بعيد لا يبطل، لأنه أقوى من الوكالة وليس بشيء.
فرع آخر
لو كان فاسقًا بشيء يختص بالاعتقاد وله فيه شبهة يتأول بها خلاف الحق، هل يجوز تقليده؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يجوز، لأنه لما استوي حكم الكفر بتأويل وغير تأويل، كذلك الفسق.
والثاني: يجوز، لأنه لما كان تأويل الشبهة في الفروع لا يمنع التقليد فكذلك في الأصول.
فرع آخر
لو طرأ عليه فسق التعاطي بارتكاب المحظورات بطلت ولا يته كما تبطل شهادته، وهذا لأن القضاء أحوج إلى العدالة والأمانة لكونه أعظم منزلة وأجل محلًا. وحكي عن أبي حنيفة﵀- أنه قال: لا تبطل ولايته ولكن يستحق العزل. وقيل: لا يصح هذا عن أبي حنيفة، ذكره أهل العراق. وقيل: إنه وجه لبعض أصحابنا وليس
[ ١١ / ١٥٨ ]
بشيء. وقيل: الصحيح من مذهب الشافعي﵁- أن الإمامة العظمى تبطل بالفسق وهو إجماع. وقال الأصم وبعض أصحاب الحديث: لا ينعزل به ولا يعتد بخلافهم. وقيل: فيه وجه لبعض أصحابنا لا ينعزل ولكنه يجبر أن يعزل نفسه، أو تجتمع طائفة تنعقد بهم الإمامة فيقتلونه ويقلدون آخر للضرورة.
فرع آخر
لو طرأ عليه فسق الاعتقاد هل تبطل ولايته؟ فيه وجهان بناء على صحة التقليد. قال صاحب "الحاوي": الصحيح أنه لا ينعقد [١٤٨/ أ] تقليده، لأنه لا يقلد إلا بتعديل كامل، ولا ينعزل إلا بجرح كامل.
فرع آخر
لو كان في عينيه عشاء يبصر نهارًا ليلًا جاز تقليده القضاء، ولو كان في بصره ضعف فإن كان يرى الأشباح ولا يعرف الصور لم يجز تقليده، وإن كان يعرف الصور إذا قربت ولا يعرفها إذا بعدت جاز تقليده.
فرع آخر
لو طرأ عليه العمى بطلت ولايته خلافًا لمالك. وقال بعض أصحابنا بخراسان: يجوز له أن يقضي بالشهادة التي سمعها في سلامة البصر.
فرع آخر
لو طرأ عليه صمم بطلت ولايته، والصمم المانع أن لا يفهم الأصوات وإن علت، فأما ثقيل السمع الذي يفهم عالي الأصوات دون خافتها يصح تقليده، ولكن تقليد السميع أولى منه.
فرع آخر
إذا كان بلسانه تمتمة أو فأفأة أو عقدة صح تقليده، لأنه نقص لا يمنع فهم الكلام وإن غمض، وكان في لسان موسى﵊- عقدة ولم تمنع رسالته.
فرع آخر
لا يعتبر صحة أعضائه، ويجوز قضاؤه وإن كان مقعدًا، ولكن السلامة لذوي الولايات أهيب.
فرع آخر
لو كان لا يقول بخبر الواحد لا يجوز تقليده، لأن أكثر أحكام الشرع مأخوذة من
[ ١١ / ١٥٩ ]
أخبار الآحاد، وكذلك لا يجوز تقليد من لا يقول بحجة الإجماع.
فرع آخر
لو كان من نفاه القياس فهم ضربان، أحدهما: من نفي القياس وعمل بظاهر النصوص، وعدل عما لا نص فيه إلا أقاويل سلفهم، وجعلوا ذلك كالنص في العمل بها من غير دليل لا يجوز تقليده لتقليدهم في الأحكام، وتركهم أصلًا من أصول الشرع وهو القياس، وإن كان ممن يعدل عند عدم النصوص إلى فحوى الكلام، ودليل الخطاب، وسلك طريق الاجتهاد، ويعدل عن تعليل النصوص لمعانيها كأهل الظاهر، ففي جواز تقليده وجهان:
أحدهما: لا يجوز [١٤٨/ ب] لما ذكرنا.
والثاني: يجوز، لأنهم يعتبرون واضح المعاني وإن عدلوا عن خفي القياس.
فرع آخر
هل يشترط في القاضي أن يكون عارفًا بالحساب؟ قال بعض أصحابنا: فيه وجهان، والمذهب أنه لا يشترط.
فرع آخر
قال بعض أصحابنا بخراسان: لو عرف رجل مذهب إمام جدا ولم يبلغ مبلغ المجتهدين، هل له أن يفتي على مذهبه؟ وجهان: أحدهما: وهو اختيار القفال يجوز. والثاني: لا يجوز. وأصل الوجهين أن تقليد ذلك المستفتي هل هو لذلك المفتي أم لذلك الميت وهو صاحب المذهب؟ فيه وجهان، فإذا قلنا للميت فله أن يفتي، وإن قلنا للمفتي فليس له ذلك.
فرع آخر
هل يجوز تقليد الأمي الذي لا يقرأ ولا يكتب؟ قال بعض أصحابنا: فيه وجهان، والصحيح أنه يجوز، لأن النبي ﷺ كان أميًا، ووجه الأول أنه يحتاج أن يكتب أو يقف على ما يكتبه الكاتب، ويفارق الحالة الشريفة من النبي ﷺ، لأن ذلك كان من معجزاته، وكان أصحابه عدولًا يأمن خيانتهم.
فرع آخر
قال في "الحاوي": يعتبر في جواز ولايته ونفاذ حكمه سبعة شروط، أحدهما: أن يكون كاملًا في نفسه، وكمال نفسه ضربان، كمال حكم، وكمال خلقة. فأما كمال الحكم بالبلوغ والعقل، لأن التكليف يتعلق بهما. وأما كمال الخلقة فتعتبر سلامته فيها
[ ١١ / ١٦٠ ]
في ثلاثة أوصافٍ؛ صحة بصره، وصحة سمعه، وسلامة لسانه. فجملة الأوصاف المعتبرة في كمال نفسه؛ البلوغ، والعقل، والسمع، والبصر، والنطق.
والشرط الثاني: الذكورة.
والثالث: الحرية.
والرابع: الإسلام.
والخامس: العدالة، وهو أن يكون صادق اللهجة، ظاهر الأمانة، عفيفًا عن المحارم، متوقيًا للمآثم، بعيدًا [١٤٩/ أ] من الريب، مأمونًا في الرضا والغضب، مستعملًا لمرؤة مثله في دينه ودنياه.
والسادس: أن يكون عالمًا بالأحكام الشرعية، وعلمه بها يشتمل على أمرين؛ أن يكون عالمًا بما قدمناه من أصولها.
والثاني: أن يكون عالمًا بفروعها فيما انعقد عليه إجماع أو حصل فيه اختلاف، فيتبع الإجماع ويجتهد في الاختلاف، ليصير بذلك من أهل الاجتهاد في الدين.
والسابع: أن يكون عالمًا بما قدمناه من أصول الشرع الأربعة، فإن كان ممن يعدل في بعضها ويعتقد إبطال شيء منها، فقد ذكرنا الحكم إذا كان لا يقول بخبر الواحد أو الإجماع أو القياس حيث الحكم.
فرع آخر
يشترط في الإمام ما يشترط في القاضي، وزيادة وهي أن يكون قريشيًا، ويعرف تدبير الحروب ووجوه المغانم، ومصرف الصدقات، ولا يجوز أن يكون أعور بخلاف القاضي.
مسألة: قَالَ: وَلاَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَسْتَحْسِنَ بِغَيْرِ قِيَاسٍ، وَلَوْ جَازَ ذَلِكَ لَجَازَ أنْ يُشْرعَ فِي الدِّينِ.
اعلم أنه لا يجوز الحكم بالاستحسان، والاستحسان هو القول بالشيء من غير حجةٍ ودليل، ولكن بغالب الظن والحسن في العقل.
وحكي الشافعي﵁- عن أبي حنيفة﵀- أنه أجاز الحكم به، وهذا غلط ظاهر؛ لأن الله تعالى قال: [فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ ﴿[النساء: ٥٩] الآية، فجعل الأحسن ما كان مأخوذًا من أوامر الله تعالى ورسوله- صل الله عليه وسلم-، فإن في الظن والاستحسان اتباع الهوى، وقد قال تعالى:﴾ وَلا تَتَّبِعْ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴿[ص: ٢٦] الآية. وأيضًا فإنه لو كان الاستحسان بالعقل مغنيًا عن أحكام الشرع، وعن أصول الشرع، لاستغنى بعقله عن الأمر والنهي واجمعنا على خلافه. [١٤٩/ ب] وأيضًا قال الشافعي﵁-: لو جاز ذلك لجاز أن يشرع في الدين ومعناه:
[ ١١ / ١٦١ ]
أن يبعث من جهة نفسه شرعًا غير شرع محمد- صل الله عليه وسلم- ولأن القياس حجة شرعية فلا يجوز تركه بالاستحسان؛ لأنه يجوز تخصيص العموم به دون الاستحسان فلا يترك به.
واعلم أن أصحاب أبي حنيفة﵀- اختلفوا في بيان مذهبه، فقال بعضهم هو العمل بأقوى القياسين، وهذا فيما نوافقه عليه؛ لأنه الأحسن والاستحسان الذي أوجبه أصول الأصول واقترن بها استحسان العقول حجة يتفق عليها يلزم العمل بها.
وقال بعضهم: هو القول بتخصيص العلة كما خصَّ خروج الجص والنورة من علة الربا في البر وإن كان مكيلًا، وهذا أصل نخالفه فيه. وقال بعضهم: هو أن يترك أقوى القياسين بأضعفهما إذا كان حسنًا.
وقال في شهود الزوايا: القياس أن لا يحد ولكن آخذه استحسانًا، وهذا نخالفه فيه؛ لان أقوى القياسين عندنا أحسن من أضعفهما، ولان في مسألة شهود الزوايا لا قياس أصلًا ولا خبرًا، وأنكر أصحابه ما حكى الشافعي عنه.
فإن قال قائل: قال الشافعي بالاستحسان في مسائل، فإنه قال في المتعة: استحسن بقدر ثلاثين درهمًا، وقال في الأذان: وحسن أن يضع إصبعه في أذنه وقال: "وإرسال ابن المسيب عندنا حسن" قلنا: هذا كله استحسان بدليلٍ، وإنما أنكر الشافعي الاستحسان من غير دليلٍ.
فأما تقدير المتعة بثلاثين درهمًا فقد رواه عن عبد الله بن عمر﵄- فاستحسنه للأثر فيه، واستحسن التحليف على المصحف تغليظًا لليمين كما غلظت في الموضع الشريف والوقت الشريف، واستحسن في مدة المتعة بثلاثة أيامٍ؛ لأنها مدة مضروبة في خيار الشرط، [١٥٠/ أ] وفي مقام المسافر، وفي أكثر مدة المسح مع قوله: [تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ﴿بعد أن توعدهم بعذاب قريب، فدل أن الثلاث في حد القريب. واستحسن إرسال ابن المسيب؛ لأنه لا يرسل إلا عن صحابي، فصح ما ذكرنا والله أعلم.
واعلم أن الاستحسان بغير دليلٍ ما قاله أبو حنيفة: لو نذر أن يتصدق بماله يلزم أن يتصدق بالمال الذي تجب الزكاة في عينه دون سائر الأموال استحسانًا. وقال: استمساح الخف يجوز استحسانًا.
مسألة: قَالَ: "وَالْقِيَاسُ قِيَاسَانِ".
الفصل
جملة هذا أن القياس، عندنا حجة شرعية يجب العمل بها والمصير إليها. واختلف أصحابنا في ترتيب أنواع القياس، فمنهم من قال: القياس على ثلاثة أضرب؛ جلي،
[ ١١ / ١٦٢ ]
وواضح، وخفي. ومنهم من قال على أربعة أضرب، والرابع قياس علة الشبة. والجلي على أضربٍ منها: التنبيه.
والثاني: ما ثبت معناه في الأصل بالإجماع مثل قياس العمياء على العوراء في الأضحية.
والثالث: ما ثبت معناه في الأصل بالنص، مثل قوله تعالى:﴾ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا ﴿إلى قوله: [وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ ﴿[النساء: ٢٠،٢١]، فجعل العلة فيه الإفضاء، فإذا كان المهر أقل من القنطار أو أكثر لا يجوز لها أخذه إذا وجد الإفضاء. ومن جملة هذا قياس سائر الزناة على ماعز بن مالك، وسائر المفرطين بالجماع على الأعرابي المجامع، وسائر المستحاضات على فاطمة بنت أبي حبيش، وتخيير المعتقات على بريرة، وقياس الأمة على العبد إذا أعتق شركًا منها [١٥٠/ ب] وغير ذلك، فإن المعاني التي حكم النبي- صل الله عليه وسلم- فيهم لها بمنزلة المنصوص عليه، وذكر تلك المعاني يدل على أنها العلة.
والرابع: ما ثبت معناه بالتأثير، فيدل ذلك على تعلقه به، وهو مثل علة تحريم الخمر؛ فلأن العصير حلال إذا وجدت الشدة المطربة حُرم، فإذا زالت الشدة حل، فلو قدرنا عود الشدة قدرنا عود التحريم، فيدل ذلك على أن التحريم تابع للشدة المطربة. ومن أصحابنا من قال: هذه العلة ثابتة بالنص بقوله تعالى: [إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمْ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ ﴿[المائدة: ٩١] الآية، فاخبر عن النهي لما فيه من الصد عن الصلاة، وعن الذكر، وهذا يتعلق بما من الشدة المطربة.
والصحيح أن يقال: هذه العلة ثابتة بالنص والتأثير معًا ولا يمنع مثل ذلك، ومن جملة ذلك قياس العبد على الأمة في تضعيف الحد للرق، وهذا المعنى قد ثبت بالتأثير؛ لأنا وجدنا الأمة إذا زنت كان حدها ناقصًا، وإذا عتقت ثم زنت كان حدها كاملًا، ولو كانت كتابية فلحقت بدار الحرب بعد الحرية ثم استرقت كان حدها ناقصًا، فثبت أن نقصان الحد يتعلق بالرق، وقد وجد هذا المعنى في العبد وكان حده ناقصًا. فهذا الذي ذكرنا كله أقسام القياس الجلي، وبعضها أجلي من بعض، وهو مراد الشافعي- رضي الله- عنه بقوله: "أن يكون في معنى الأصل، وإذا حكم الحاكم بخلاف هذا وجب أن ينقض ويخص بكلها العموم". وعلى قول ابن أبي هريرة تفسخ كلها.
وأما القياس الواضح: فهو القياس في الأحكام [١٥١/ أ] بالعلل المستنبطة، مثل علة الربا وغيره؛ لان يحتمل الصحة في هذا القياس ويحتمل غيره، فلا ينتقض به الحكم؛ لأنه لا يجوز نقض الحكم بالمحتمل.
وذكر ابن أبي أحمد: أن قياس الأرز على الحنطة في الربا من النوع الأول، فينقض به الحكم. وقال القاضي الطبري: هذا أيضًا ما ثبت معناه بالتأثير، ولكنه أخفي مما تقدم، وذلك أنَّا نقول: إن العلة في الأربعة المنصوصة الطعم، وقيل: الكيل، وقيل:
[ ١١ / ١٦٣ ]
القوت، ونحن نقول: وجدنا أنه إذا بذر الحنطة فصار حشيشًا لا ربا فيه، فإذا انعقد حبًا جرى الربا فيه، فإذا أُحرق وصار رمادًا لا ربا فيه، فالتأثير للطعم، فكان هو العلة. وقد روى أن النبي- صل الله عليه وسلم- "نهى عن بيع الطعام بالطعام إلا مثلًا بمثلٍ" فذكر الطعام فيه يدل على تعلقه به؛ لأن ذكر الصفة في الحكم تعليلًا له به في مقتضى اللغة.
ومن أصحابنا من قال: هذا أيضًا من جملة الجلي، ولكن ما تقدم أجلي من هذا. وقيل: النوع الأول هو القياس الواضح، ذكره أبو إسحاق، والعبارة صحيحة لما ذكرناه.
وأما القياس الخفي: فهو قياس علة الشبه، وقد ذكرنا شرحه وقيل: صورته أن تتردد الحادثة بين أصلين، وكان الحكم ثابتًا في احد الأصلين بعلةٍ ذات خمسة أوصاف، وفي الأصل الآخر بعلة ذات خمسة أوصافٍ، والحادثة تشبه احد الأصلين بأربعة أوصافٍ وتشبه الأخرى بثلاثة أوصافٍ، فإلحاقها بأكثرهما شبهًا أولى، فهذه طريقة القائل الأول أن القياس على ثلاثة أضربٍ.
فأما من قال القياس على أضرب فإنه يقول: الجلي هو الأول من الأقسام [١٥١/ ب] التي ذكرناها وهو التنبيه. والواضح باقي الأقسام من القياس الجلي. والخفي هو القياس في الأحكام. والرابع قياس علة الشبه، وهذه الطريقة أصح؛ لأن الأول هو الجلي في الحقيقة يقع لكل أحدٍ معناه، والواضح يجوز أن يرد الشرع بخلاف معناه، ولا خلاف في نقص الحكم بهما على ما ذكرنا، وإنما الخلاف في التسمية. وقال بعض أصحابنا بخراسان: القياس قياسان.
أحدهما: جلي ويسمى قياسًا في معنى الأصل، وهو أن يكون للفرع والأصل واحد يشبهه، ولا عذر في ترك إلحاقه به.
والثاني: قياس خفي، وهو أن يتردد الفرع بين أصلين، فيشبه هذا من وجه وهذا من وجهٍ، فإن أشبه أحدهما بمعنى يخل الحكم فيجوز أن يكون علة لذلك الحكم، غير أنه يشبه أصلًا في وصفٍ وأصلًا في وصفين، فأكثر فإلحاقه بأكثرها شبهًا به أولى، مثل الأخ تردد بين أن يكون كالأب وبين أن يكون كابن العم، وهو يشبه الأب من وجهٍ، وهو أنه محرم بالقرابة، ويشبه ابن العم لوجوهٍ كثيرة من قبول الشهادة، وسقوط النفقة عند اختلاف الدين بالاتفاق، وجريان القصاص من الطرفين بينهما، وجريان حد القذف، وحل حليلة أحدهما لصاحبه بإلحاقه بابن العم حتى لا يعتق عليه إذا ملكه أولى. واعلم أن كثرة الشبه القوي أحد جانبي القياس إذا لم يكن إثبات الحكم بكل واحدٍ من الأوصاف، فأما إذا لم يقم الحكم إلا بجموع أوصافٍ حتى يرد بها إلى أصلٍ ويرد إلى أصلٍ آخر بوصف واحدٍ، فإن كان ذلك الوصف من جملة هذه الأوصاف فتعلق الحكم بالوصف [١٥٢/ أ] الواحد أولى، وإن وصفًا آخر سوى الأوصاف المجموعة فيما سواه، مثل علة الطعم في الربا أولى من علة القوت؛ لأنه ما من قوتٍ إلا وهو طعام، وكان من علل به علل بالطعام وزيادة وعلة الطعم والكيل يستويان فتقدم
[ ١١ / ١٦٤ ]
أحدهما على الآخر بالترجيح، وليس أحدهما داخلًا في جملة الآخر.
وكذلك إذا كان الأصل المردود إليه واحدًا غير أن القياسين ترد الفرع إليه بوصف الآخر يرد إليه بذلك الوصف وبغيره من الأوصاف التي يضمها إليه، فالوصف الواحد الآخر يرد إليه بذلك الوصف وبغيره من الأوصاف التي يضمها إليه، فالوصف الواحد الآخر يرد إليه بذلك الوصف وبغيره من الأوصاف التي يضمها إليه، فالوصف الواحد أولى. وقول الشافعي: "فَمَوْضِعُ الصَّوَابِ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا أَنْ يَنْظُرَ فَإِنْ أَشْبَهَهُ أحدهما فِي خَصْلَتَيْنِ والآخرُ في خَصْلَةٍ أَلْحَقَهُ بِالَّذي أّشبَهَهَ فِي خَصْلَتَيْنِ" أو إذا كان كل خصلة علة مستقلة بنفسها مستغنية عن صاحبتها، كما ذكرنا في قياس الأخ على ابن العم في مسألة العتق عليه بالملك.
وقال في" الحاوي": قول الشافعي: القياس قياسان ظاهره أنه أراد بالقياس الأول المعنى وبالثاني قياس الشبه، وقيل: أراد بالأول ما لا يجوز خلافه وهو بالقياس الجلي من قياس المعنى وقياس التحقيق من قياس الشبه؛ لان خلافهما لا يجوز، وأراد بالقياس الثاني ما لا يجوز فيه الاختلاف، وهو القياس الخفي من قياس المعنى، أو قياس التقريب من قياس الشبه.
مسألة: قَالَ: قَالَ اللهُ ﷿- فِي دَاوُد وَسُلَيْمَانَ- عَليهما الصلاة والسلام: [فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًاّ آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا ﴿[الأنبياء: ٧٩] قَالَ الْحَسَنُ: لَوْلاَ هَذِهِ الآيَةُ لَرَأَيْتَ أَنَّ الحُكَّامَ قَدْ هَلَكُوا.
الفصل
قصد الشافعي بهذا بيان مذهبه بيان في ثلاثة أحكامٍ:
أحدهما: أن عليه أن يتوصل بالاجتهاد إلى طلب العين وإصابة الحق في الحادثة.
والثاني: أن الحق في أحد أقاويل المجتهدين في الجملة معذور، سواء أصاب [١٥٢/ ب] أو أخطأ على ما ذكرنا، وأنه مأجور وإن أخطأ ولكن أجره أقل، وقد تقدم ما قيل فلا إعادة.
فإن قيل: كيف استجاز أن يحكمك في حادثةٍ بقولين مختلفين وثلاثة أقوال وأكثر، وهو يرى ما قلتم، وحكمه بالقولين خطأ من أربعة أوجهٍ:
أحدهما: أنه خالف بذلك أصول مذهبه في الاجتهاد؛ لان العمل يمنع من وجوب طلب العين، ويجعل الحق في جميع الأقاويل؛ ويجعل كل مجتهد مصيبًا وكفي بهذا التناقض فسادًا.
والثاني: ابتدع بهذا طريقة حَرَّف إجماع من تقدم من الصحابة وغيرهم إلى زمانه، فإنهم كانوا يذكرون جوابًا يستقر لهم أو يتوقفون، ولم يجب أحد منهم بقولين؛ لأن الجواب ما أبان، وليس في القولين بيان.
[ ١١ / ١٦٥ ]
والثالث: التناقض، فالحلال ليس بحرامٍ، والحرام ليس بحلالٍ، وهو بالقولين حلل في أحدهما وحرمه في الآخر.
والرابع: أنه إن كان ذلك لضعف اجتهاده أو لرأيه في تكافئ الأدلة فهو نقص، ولا يجوز أن يكون مع تكافؤ الأدلة أن يكون له فيها حكم، ولا يقول الأكثرون بتكافؤ الأدلة.
قلنا: ما ذكره الشافعي وضع من القولين ينقسم عشرة أقسام:
أحدهما: أن يقيد جوابه في موضع ويطلقه في موضع آخر، مثل قوله في أقل الحيض أنه يوم وليلة. وقال في موضع آخر: أقل الحيض يوم، وأراد به مع ليلته وهو معهود في كلام العرب. وجاء القرآن العظيم بحمل المطلق على ما قَيّدَ من جنسه كما في العدالة، قال الله تعالى: [وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ ﴿[البقرة: ٢٨٢]، ولم يذكر العدالة.
وقال في موضع آخر: [وَأَشْهِدُوا ذَوَى عَدْلٍ مِنْكُمْ ﴿[الطلاق: ٢]، وحمل ذلك المطلق على هذا المقيد، فلا اعتراض فيه عليه، وإن وهم بعض أصحابه فخرجه قولًا ثانيًا فلا يؤاخذ بوهمه الشافعي.
والثاني: ما اختلفت فيه ألفاظه [١٥٣/ أ] ومعانيها متفقة، مثل قوله في المظاهر: وإذا منع من الجماع أحببت أن يمنع القبلة، وقال في "القديم": رأيت أن يمنع، فأراد الاستحباب، فإن حمله بعض أصحابنا على قولين كان لاختلافهم في تأويل لفظه؛ لان قوله: رأيت، يحتمل أن يُحمل على الاستحباب والإيجاب، ولا يمتنع وجود مثله في كتاب الله تعالى، فلم يتوجه به على الشافعي اعتراض.
والثالث: ما اختلف فيه قوله لاختلاف حاله، كالصداق إذا ذكر في السر قدرًا وذكر في العلانية أكثر. قال في موضع: الصداق صداق السر، وقال في موضع: الصداق صداق العلانية، وليس ذلك لاختلاف القولين فيه، بل لاختلاف حال الصداق، فإن اقترن بصداق السر عقد فهو المستحق وصداق العلانية يهمل. وإن اقتران بصداق العلانية عقد فهو المستحق وكان صداق السر موعدًا، وقد أبان ذلك بما قرره من أصول مذهبه.
والرابع: ما اختلف قوليه فيه لاختلاف القراءة ولاختلاف الرواية، فالقراءة كقوله تعالى: [أَوْ لامَسْتُمْ النِّسَاءَ ﴿[المائدة: ٦]، فلمستم يوجب الوضوء على اللامس دون الملموس، ولامستم يوجب الوضوء على اللامس والملموس. واختلاف الرواية كالمروي في بيان المواقيت أنه- صل الله عليه وسلم - صل العشاء الآخرة في الوقت الثاني حين ذهب من الليل نصفه، وروى ثلثه. فمن أجل اختلاف القراءة واختلاف الرواية اختلف قوله.
ومثل هذا لا يتوجه عليه إنكار فيه؛ لان اختلاف الدليل يوجب اختلاف المدلول.
والخامس: ما اختلف فيه؛ لأنه عمل في أحد القولين على ظاهرٍ من كتاب الله تعالى، ثم بلغته سنة ثابتة نقله عن الظاهر إلى قولٍ آخر، كقوله تعالى: [فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ ﴿[البقرة:١٩٦]، فاوجب صيامها في أيام التشريق؛ لأنها الظاهر [١٥٣/ ب] من
[ ١١ / ١٦٦ ]
أيام الحج، ثم روي عن النبي- صل الله عليه وسلم- أنه نهى عن صيامها، فعدل بها عما عمل به من ظاهر الكتاب، وأوجب صيامها بعد إحرامه وقبل عرفة إتباعًا للسنة، ولا إنكار عليه في العدول بدليلٍ.
والسادس: ما اختلف قوليه فيه؛ لأنه أدى اجتهاده إلى أحدهما في حالٍ، ثم أدى اجتهاده إلى القول الآخر في حالٍ أخرى، ومثل هذا لا ينكر وقد فعله الصدر الأول، فإن عمر﵁- شرك في المسألة المشتركة بين الأخ من الأب والأم وبين الأخ من الأم في الثلث وأسقط الأخ من الأب والأم في حالٍ أخرى، وقال: هذه على ما قضينا، وهذه على ما قضينا، وحرَّم عليُّ﵁- بيع أم الولد ثم رجع إلى جوازه.
وقد اختلفت روايات أبي حنفيّة ويسميها أصحابه روايات، وسمى أصحاب الشافعي أقاويل، وهي طريقة لم يبتدعها الشافعي، وهي أدل على الورع، وأبعثُ على الاجتهاد.
والسابع: أن تبلغه سنة لم تثبت عنده وقد عمل بالقياس، فيجعل قوله من بعد موقوفًا على ثبوت السنة كما في الصيام عن الميت، والغسل عن غسل الميت، وقال: إن صح الحديث قلت به، وقال: كل قول قلته فثبت عن النبي- صل الله عليه وسلم- خلافه فانا أول راجع عنه، وهذا مما يجب أن يظهره، وأن يقف الحكم على السنة إن يثبت وعلى القياس إن لم يثبت.
والثامن: أن يقصد بذكر القولين إبطال ما توسطهما، فيكون مذهبه منهما ما فرَّغ عليه وحكم به، مثل قوله في وضع الجوائح وقد قدرها مالك بوضع الثلث: ليس إلا واحد من قولين، إما أن يوضع كلها أو لا يوضع شيء، وهذا تحقيق يبطل ما خالف القولين.
والتاسع: أن يذكر القولين إبطالًا لما عداهما، ويكون مذهبه موقوفًا [١٥٤/ أ] على ما يؤدي اجتهاده إليه من صحة أحدهما، وإن لم يكن فهمًا، ومثل هذا جاء به الشرع والعقل.
أما الشرع: قال رسول الله- صل الله عليه وسلم- في ليلة القدر: "التمسوها في العشر الأواخر" فنفي أن تكون في غير شهر رمضان، وفي غير العشر الأواخر منه، وجعلها موقوفةً على الاجتهاد في العشر الأواخر.
وأما العقل: فما فعله عمر -﵁- في أهل الشورى جعلها في ستة نفرٍ، فنفي بهم طلب الإمامة في غيرهم، ووقف الإمامة فيهم على من يؤدي اجتهادهم إليه منهم، وهذا عمل انعقد به إجماعهم.
والعاشر: أن يذكر القولين ليدل على أن لكل واحدٍ منهما في الاجتهاد وجهًا، ولا يقطع بأحدهما لاحتمال الأدلة، ولا يعمل بهما لاختلاف الحكم، ويفرع كل واحدٍ منهما إن صح، وليس ينكر من العلماء التوقف عند الاشتباه، ولهذا توقف رسول الله- صل الله عليه وسلم-
[ ١١ / ١٦٧ ]
في أشياء حتى ينزل الوحي عليه. وقال- صل الله عليه وسلم-: "المؤمن وقاف والمنافق وثاب"، ويكون مقصود الشافعي بذكر القولين أمرين: أحدهما: إبطال ما عداهما أن يكون له الاجتهاد وجه.
والثاني: إثبات أن لكل واحٍد منهما في الاجتهاد وجهًا، وليس يجيب بهما إذا استفتى فيخير السائل بينهما، بل يجتهد رأيه في الجواب بأحدهما، ولا يعتقد صحتهما لجواز أن يكون كل واحدٍ منهما هو الأصح وإن لم يقطع في الحال بالأصح، وهذا إنما قاله في عدد من المسائل، قيل: إنها سبعة عشر مسألة، وفي هذا كله انفصال عن اعتراضهم.
ثم ذكر الشافعي﵁- خبرًا وهو قوله- صل الله عليه وسلم-: "إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجرٌ " الخبر بتمامه.
وقد روى أحمد بن حنبل- رحمه الله تعالى- عن فرج بن فضالة، عن محمد بن عبد الأعلى، عن أبيه، [١٥٤/ ب] عن عبد الله بن عمرو بن العاص، عن أبيه﵁- قال: أختصم إلى النبي -صل الله عليه وسلم- رجلان وأنا جالسٌ، فقال: "يا عمرو أقض بينهما" قلت: يا رسول الله، وأنت شاهد، قال: "نعم" قلت: على ماذا؟ قال: "على أنك إن أصبت أجر فلك حسناتٍ، وإن اجتهدت فأخطأت فلك حسنة واحدة"، فاختلف أجر المصيب في الخبرين، فجعل للمصيب في الأول أجرين، وجعل له في الثاني عشرة، وفي هذا الاختلاف تأويلان:
أحدهما: أنه جعل له أجرين إذا وصل إلى الصواب بأول اجتهاده، وجعل له عشرًا إذا وصل بتكرار الاجتهاد، وليكن أجره بحسب قلة اجتهاده وكثرته.
والتأويل الثاني: أخبر بالعشرة لمضاعفة الحسنة بعشر أمثالها، وأخبر في الخبر الآخر باجرين من غير مضاعفةٍ؛ لأن في الأصل أجر وفي المضاعفة عشر.
مسألة: قَالَ: "مَنْ اجْتَهَدَ مِنَ الحُكَّامِ فَقَضَى بِاجْتِهَادِهِ ثُمَّ رَأَى أَنْ اجْتهَادِهِ خَطَأٌ".
الفصل
جملة هذا أن الحاكم إذا حكم في شيء باجتهاده ينظر، فإن كان ما لا يسوغ فيه الاجتهاد، بأن حكم بشيء يخالف نص الكتاب أو نص السنة أو الإجماع، أو القياس الذي لا يحتمل إلا معنى ينقض الحكم على نفسه سواء ترافع إليه الخصمان أو لم يترافعا، ولا ينقص عليه إلا بعد الترافع إليه، وهذا لقوله -صل الله عليه وسلم-:"ردوا الجهالات إلى السنن".
وروى أن عمر﵁- كتب إلى أبي موسى الأشعري ﵁: لا
[ ١١ / ١٦٨ ]
يمنعك قضاء قضيت اليوم ثم راجعت رأيك فهديت لرشدك أن ترجع إلى الحق، فإن الحق لا يبطله شيء، وأن الرجوع إلى الحق أولى من التمادي في الباطل.
وروى أن عمر﵁- كان يفاضل بين الأصابع حتى رُوي أن الخبر بخلافه [١٥٥/ أ] فرجع عن قوله الأول ونقض حكم نفسه.
ونقض عمر بن عبد العزيز﵁- حكم نفسه حين قضى على مخلد بن خفافٍ برد العيب مع غلته وأخبر عروة عن عائشة﵂- أن النبي- صل الله عليه وسلم-: "قضى أن الخراج بالضمان" فأمر برد الغلة إلى مخلد بن خفاف. وروى أن شريحًا قضى في امرأة ماتت وخلفت زوجًا وابني عم أحدهما أخ لأمٍ، أن للأخ النصف والباقي لابن العم الذي هو أخ لأمٍ، وأجراهما مجرى الأخوين أحدهما لأبٍ، والآخر لأبٍ وأمٍ، فأخبر علي بن أبي طالب﵁- بذلك فقال: عليَّ بالعبد الأبطر- يعني الغليظ الشفة- فأتى به، فقال: بما قضت؟ فقال: بكتاب الله تعالى. قال: وأين قال الله تعالى: [وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ ﴿[الأنفال: ٧٥]، فقال: هل في كتاب الله أن للزوج النصف والباقي للأخ الذي هو ابن عمٍ؟ قال: لا ينقض عليه حكمه.
فإن قيل: هذه المسألة مجتهد فيها ولا نص يخالفه، فلماذا نقضه؟ قلنا: إنما نقضه لأنه خالف فيه ظاهر النص، وهو قوله تعالى: [وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوْ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ ﴿[النساء: ١٢] وقيل: إنه لم ينقض عليه حكمه، وإنما رده عليه قبل نفوذ حكمه به. فإن قيل: أليس قلتم إذا اتفق الخطأ في القبلة لا يلزمه إعادة الصلاة في أحد القولين فما الفرق؟ قيل: الفرق من ثلاثة أوجهٍ:
أحدهما: أن فرض القبلة يسقط في حال العذر مع العلم بها في حال ولا يجوز ترك الحق إلى غيره في الحكم مع العلم بحاله.
والثاني: الصلاة من حقوق الله تعالى، وهي مبنية على المسامحة، والقضاء يقع في حقوق الآدميين وهي مبنية على المشاحة والمضايقة.
والثالث: في القبلة يتكرر الاشتباه [١٥٥/ ب] فيشق القضاء، وهنا إذا بان الخطأ بالنص لا يعود الاشتباه بعد ذلك.
وإن كان الخطأ مما يسوغ فيه الاجتهاد لا ينقض الحكم فيه على نفسه ولا على غيره، ولكن في المستقبل ليس له أن ينقض بالقضاء الأول؛ لما روي عن عمر ﵁ إن كان لا يشرك بين الأخ للأب والأم ثم شرّك وقال ذلك، وهذا على ما قضينا. وذكر بعض أصحابنا بخراسان: أنه لما قيل له: هب أن أبانا كان حمارًا نقض القضاء، وهذا غلط.
وروى أن عمر ﵁ قضى في الحد بسبعين قضية، وقيل: بمائة قضية مختلفة، يعني في مسائله، إذ لا يتصور لمسألة واحدة مائة قضية. وكان لا ينقض الأول
[ ١١ / ١٦٩ ]
بالآخر؛ لأنه تبين ذلك اجتهادًا، ولأنه يحتمل أن يكون مصيبًا في الأول مخطئًا في الثاني. ويحتمل أن يكون مخطئًا في الأول مصيبًا في الثاني، والحكم الأول قد نفذ على السلامة ظاهرًا، فلا ينقض بأمرٍ محتمل، ولأنه لو نقض الاجتهاد بمثله أدى إلى أنه لا يثبت حكم أصلًا، لأنه يجوز أن يتغير اجتهاده بعد ذلك إلى الحكم الأول ثم يتغير عنه، وفي نقض ذلك مشقة عظيمة للتكرار.
وإن تغير اجتهاده قبل الحكم لم يحكم بالأول بل يحكم بالثاني؛ لأنه يعتقده خطأ، ولو حكم به لكان حكمًا بما يعتقد أنه خطأ، وهذا لا يجوز، ويفارق هذا إذا كان قد حكم؛ لأن هناك بعد الحكم على السلامة في الظاهر فلا ينقض بأمرٍ محتملٍ، وهنا لم ينفذ الحكم، وهذا كما لو فسق الشهود قبل الحكم، ولو فسقوا بعد الحكم لم ينقض الحكم. [١٥٦/ أ] وحكي عن أبي حنيفة ومالك- رحمهما الله تعالى- أنهما قالا: إن خالف معنى نص الكتاب أو السنة أو القياس الجلي أو الخفي لم ينقض حكمه، وإن خالف إجماعًا نقض حكمه. وهذا قول مستبعد ولكنه محكي عنهما وناقصًا في ذلك؛ لان مالكًا قال: إن حكم بالشفعة للجار نقض حكمه، وقال أبو حنيفة: وإن حكم بجواز بيع لحم متروك التسمية عمدًا عند الذبيحة نقض حكمه. وكذلك إن حكم في القسامة بيمين المدعي ينقض حكمه.
وقال محمد بن الحسن: لو حكم بالشاهد واليمين ينقض حكمه. وهذه الأحكام لا تخالف الإجماع، والذي عنهما خطأ ظاهر؛ لأنه إذا نقض الحكم بمخالفة الإجماع فنقضه بمخالفة نص الكتاب والسنة أولى.
وقال القفال: عدّ أبو حنيفة مسائل وذكر أنه ينقض الحكم فيها، حكم من قال أكثر اللعان يقوم مقام الكل، وأن زوج الأمة لا يلاعن لنفي الولد، وأن لا قصاص بين الرجل والمرأة في الأطراف. وأن من تزوج بأمةٍ ووطئها مع العلم بتحريمها لا يحد، فإن النكاح بغير ولي جائز، والحكم بشهادة الفاسق، والحكم بجواز بيع أم الولد، والحكم بأن لا تقبل شهادة القاذف بعد التوبة؛ لأن الخطأ ظهر في هذه المسائل بدليلٍ قاطع. ونص الشافعي على نقض الحكم في مسألة واحدة، وهي أن المرأة إذا فقدت زوجها تربصت أربع سنين ثم اعتدت أربعة أشهر وعشرًا، ثم تزوجت وقضى القاضي بصحته نقض حكمه.
ومن أصحابنا من قال: لا ينقض حكمه في شيء من هذه المسائل؛ لان الخطأ ظهر منها بقياس الشبه، وهذا هو الصحيح. [١٥٦/ ب] والنص في مسألة المفقود غريب، ولعله ذكره تغليظًا للقول فيه لا اعتقادًا.
مسألة: ٌَقَالَ: "وَلَيْسَ عَلَى اَلْقَاضِي أَنْ يَتَعَقَّبَ حُكْمَ مَنْ قَبْلِهِ".
[ ١١ / ١٧٠ ]
الفصل
علم أنه لا يجوز للحاكم أن يتعقب حكم من قبله من الحكام، ويتفحص عنه؛ لأن الظاهر من فعله الصحة والسلامة لما ثبتت ثقتهم وأمانتهم، فلا يجوز تتبع ذلك، ولأنه لا يحتاج إليه حتى يتظلم منه ويطالب بالنظر فيه، فلا يجوز أن يشتغل بما لا حاجة إليه، ولأنه يشتغل بماضٍ لم يلزمه عن مستقبلٍ يجب عليه، ولأنه تتبع غير متوجه عليه مثله.
وقال في "الحاوي": لا يجب عليه هذا من غير متظلم، وهل يجوز إن لم يجب عليه؟ فيه وجهان: أحدهما: ما ذكرنا وهو قول جمهور البصريين.
والثاني: ذكره أبو حامدٍ، يجوز لما فيه من فضل الاحتياط.
فإن ثبتت فيها نظر، فإن وجد خللًا فإن كان يتعلق بحق الله تعالى كالطلاق والعتاق، ووجب نقضه وجب عليه نقضه؛ لأن النظر في حقوق الله تعالى من غير مطالبة أحدٍ، وإن كان يتعلق بحق الآدمي لا ينقصَه إلا بمطالبة؛ لان الحاكم لا يستوفي لمن لا ولاية له عليه بغير مطالبةٍ.
ولو تظلم متظلم وادعى على القاضي وسأل إحضاره لم يحضره بمجرد قوله حتى يسأله ما بينك وبينه؛ لأنه ربما يقصد ابتذاله من غير أن يكون له حق، وإن قال بيني وبينه من قرضٍ أو بيع أو غير ذلك أحضره وحكم بينهما؛ لأن القاضي والعامي في هذه الحقوق سواء.
وإن قال: ارتشى مني على الحكم وقال: لا أحدكم لك إلا أن تعطيني مالًا، فأخذ مني مالًا وحكم لي وجعل المال [١٥٧/ أ] معلومًا. فهو بمنزلة قوله: غصبني على مالٍ؛ لأن الارتشاء حرام كالغضب، فيحضره ويحكم بينهما باليمين والبينة.
إن قال: قضى عليَّ بشهادة فاسقين أو عبدين، ففيه وجهان:
أحدهما: لا يحضره إلا بعد أن يقيم البينة على ما يقول ثم يحضره؛ لأن الظاهر من حكمه نفوذه على الصحة فلم يجز أن يعدل فيها عن الظاهر إلا ببينةٍ، ولان القضاء يكون ظاهرًا فلا يتعذر إقامة البينة به ويفارق الارتشاء وغيره؛ لأن ذلك يكون باطنًا فيتعذر إقامة البينة.
والثاني: يحضره من غير مطالبة الخصم بالبينة؛ لأنه ربما يتعذر إقامة البينة على ذلك، وربما إذا أحضره أقرّ به فيلزمه إقراره، وهذا هو الصحيح.
وقال بعض أصحابنا: فيه وجه ثالث أنه إن اقترن بدعواه أمارة تدل على صحتها من كتاب تضمنه أو محضرٍ ظاهر احضره، وإن جردت الدعوى عن أمارة لم يحضره، فإذا قلنا لا يحتاج إلى بينة فاحضره، أو قلنا: لا بد من بينة فأقامها وأحضره، سأله عما
[ ١١ / ١٧١ ]
يدعيه عليه، فإن أقرّ أنه قضى بشهادة فاسقين أو عبدين ألزمه الحق؛ لأنه أقرّ أنه قضى عليه بغير حق، وإن أنكر ذلك فالقول قوله، وهل يحنث؟
قال الإصطخري وابن أبي أحمد: لا يحلف؛ لأن الحاكم لا يكون إلا أمينًا عفيفًا من أهل الاجتهاد، فالظاهر من فعله الصحة والصواب، ولأنه يؤدي إلى الامتهان، والسائل وأعداء القاضي كثير، ولا يؤمن أن يتقلدا القضاء خوفًا من هذه. وقال أصحابنا: يحلف وهو الصحيح؛ لان أكثر ما فيه أنه أمين، والأمين إذا ادعى عليه خيانة فالقول قوله مع اليمين كالمودع.
فرع
قال ابن أبي أحمد: إذا ادعى على الحاكم المعزول [١٥٧/ ب] أنه قتل ابنه ظلمًا يحضر ويُسأل، فإن اعترف به ثبت عليه ما ادعاه، وإن أنكره كان على المدعي البينة، فإن أقامها على إقراره أنه قتله ظلمَا قُبلت، إن لم يكن له بينة لم يحلف.
وإن قال: قتلت ابنك لفلانٍ بالحكم لقصاص وجب عليه ببينةٍ قامت عليه بالقتل، أو إقرار كان من ابنك، فقال المدعي: ما أقرَّ ابني ولا قامت عليه ببينة بالقتل، فالقول قول المعزول في ذلك، وهو مصدق ولا يمين عليه، ولا يسمع من المدعي بينة إلا أن يقيم بينة على إقراره على ما ذكرنا. وكذلك لو حضر الذي ذكر المعزول أنه حكم له بالقصاص، فقال: ما حكمت لي بشيء، ولا وجب لي على ابنه قصاص، ولا ترافعنا إليك في الخصومة.
وكذلك القاضي إذا حكم بشهادة شاهدين بطلاقٍ أو قتلٍ أو عتاقٍ، فادعى المحكوم عليه على الشاهد أنه شهد عليه في ذلك بزورٍ، فإن أقرّ الشاهد أخذ بإقراره وإن أنكر لم يكن عليه يمين.
وقال صاحب "الإفصاح": ويتهيأ أن يقال: لا تسمع هذه الدعوى؛ لأن الظاهر من حاله السلامة، فدعواه عليه طعن فيه، ولهذا لا يحلفه على دعواه هذه، فإذا لم يحلفه لم تسمع الدعوى، ويجيء فيه الوجه الآخر الذي ذكرنا أنه يحلف.
فرع آخر
قال: ولو قال المدعي: أخرج عقارًا أو عينًا من يدي ودفعها إلى فلانٍ بغير حق، فقال المعزول: فعلت هذا بحق وجب عليك ببينةٍ أو إقرارٍ، كان القول قول المعزول بلا يمين.
وأما الذي في يده فإن صدق القاضي أنه حكم له بذلك لم يقبل قوله ولا قول المعزول له إلا أن يقيم البينة أن المعزول كان حكم له بذلك وهو قاضٍ؛ لأن قول المعزول بعد عزله: كنت حكمت لفلان بكذا لا يقبل إلا أن يأتي المحكوم له ببينةٍ، [١٥٨/ أ] فإن لم يكن له بينة انتزع من يده ولو كان الذي يدعيه الطالب مستهلكًا فحكمه حكم العين على ما قدمناه. وحكي الخصاف عن أبي حنيفة أن القول قول (المدعى)
[ ١١ / ١٧٢ ]
عليه، وهذا غلط؛ لأنه مُقر بأنه أخذ منه عينًا وأتلفها وذلك يوجب الضمان، ودعواه الحكم بها لا يقبل، كما لا يقبل في العين الناقصة.
مسألة: قَالَ: "وَإِذَا تَحَاكَمَ إِلَيهِ أَعْجَمِيٌّ لاَ يَعْرِفُ لِسَانَهُ لَمْ تُقْبَلِ التَّرْجَمَةُ عَنْهُ إِلاَّ بِعَدْلَيْنِ".
اعلم أنه لا بد عندنا من ترجمانين عدلين سواء ترجما الدعوى أو الإقرار أو الإنكار أو الشهادة، ثم لا يحتاج في كل شاهدٍ إلى ترجمانين، إذ ليس هذا شهادة الفرع، وينبغي أن يعرفا ذلك اللسان لا يشكان فيه، لأن شكا لم يقبل ذلك عنهما، نص عليه في "الأم" وقال: يقبل فيه ما يقبل في الشهادة، ويرد فيه ما يرد في الشهادة.
قال أصحابنا: ولا يقبل لظاهر هذا الكلام إلا أن يشهد بلفظ الشهادة، ولا تقبل الترجمة من الصبي والعبد والمرأة، وهذا لأن الترجمة قول من غير جهة المحكوم عليه يتعلق به حكم الحاكم، فوجب أن يعتبر فيه الأوصاف التي ذكرناها كالشهادة. وقال بعض أصحابنا: إن كان هذا في المال قُبل فيه شاهدان، وشاهد وامرأتان كما يقبل في الإقرار بالمال، وإن كان فيهما لا يقبل إلا رجلان لم يقبل في الترجمة إلا رجلان، وإن كان في الزنا يحتمل قولين؛ أحدهما: لا يقبل أقل من أربعةٍ. والثاني: يقبل شاهدان، وأصلهما الشهادة على الإقرار بالزنا هل يعتبر أربعة أم يكفي اثنان؟ فيه قولان، وبه قال أحمد. وقال أبو حنيفة، يكفي ترجمان واحد كما في الخبر لا يعتبر العدد، وهذا لا يصح لما ذكرنا. وقال في "الحاوي": [١٥٨/ أ] ومن أصحابنا من قال: لا يفتقر إلى لفظ الشهادة، وهذا غلط؛ لأنه لما افتقر إلى العدد والشهادة وجب أن يفتقر إلى لفظها.
وقال في "الحاوي": لو كانا أعجمين فهل للمترجمين عن أحدهما أن يترجما عن الآخر؟ فيه وجهان مخرجان من الوجهين في الشهادة إذا تحملا عن احد شاهدي الأصل هل يتحملان عن الشاهد الآخر أم لا؟.
فرع
ترجمة ما قال القاضي للخصم الأعجمي خبر محض يجوز من الواحد وإن كان عبدًا؛ لان الشهادة لا تكون إلا عند الحكام الملزمين.
فرع آخر
لا يجوز أن يكون بين العجمي وبين المترجمين واسطة لفرق الشافعي بعرفان لسانه.
فرع آخر
قال القفال: إذا كان القاضي أصم لا بد من المستمع ويعتبر العدد في السمع، وفيه وجه آخر لا يحتاج إلى العدد؛ لأن الخصم حاضر يسمع وهذا ليس بشيء، ولا يتصور أن يكون الحاكم أعجميًا؛ لان من لم يعرف العربية لا يصلح للقضاء، وإن كان القاضي
[ ١١ / ١٧٣ ]
يسمع والخصم أصم كفي واحد يسمعه ما يقول القاضي ويقول خصمه.
فرع آخر
قال أصحابنا: تقبل شهادة الأعمى في الترجمة؛ لأنه لا يحتاج فيها إلى البصر.
مسألة: قَالَ: "وَإِذَا شَهِدَ الشُهُودُ عنْدَ القاضي كَتَبَ حِلْيَةَ كْلَّ رَجُلٍ وَرَفَعَ فٍي نَسَبِهٍ".
الفصل
الحلية عي ذكر أوصاف الرجل في نفسه، والرفع في النسب أن يكتب اسم أبيه وجده أو أجداده إن كان نسبه معروفًا، أو ولايته إن كان مولى.
وجملته أن الشهود إذا حضروا عند القاضي إن كانوا من العلماء المعروفين بالعدالة يصغى إلى شهادتهم، ولا يحتاج فيهم إلى السؤال عن عدالتهم، وإن كانوا غير هؤلاء يستحب للقاضي أن يعظ الشهود، فيقول: روي عن النبي- صل الله عليه وسلم- أنه قال: [١٥٩/ أ] "شاهد الزور لا تزول قدماه حتى يتبوأ مقعده من النار". فإن أقاموا على أمرٍ يكتب أسمائهم وكناهم ورفع أنسابهم بما يتميزون به عن غيرهم، ويثبت حُلاهم وأوصافهم وألوانهم وأبدانهم لئلا تشبه الأسماء والأنساب، فيكتب أقرع، أو أسمر، أو أبيض، أو أشهل أقنى ألأنف، أو أفطس رقيق الشفتين أو غليظهما، طويل أو قصير أو ربعة، أقط أو ملتحي، دقيق الساقين أو غليظهما، ويكتب صنائعهم وموضع مساكنهم ومعايشهم وصلواتهم، ليسأل عنهم جيرانهم وأهل سوقهم وأهل مساجدهم، والغرض بذلك أن يتميزوا، فلا يقع اسم على اسم، فإن الرجل ربما يعرف بكنيته دون اسمه، وباسمه دون كنيته، وتسهيل النظر في حاله والمسألة عنه، وقال ابن شبرمة: شيئان عمل أحدٌ بهما قبلي ولا يتركهما بعدي؛ أخذ تحلية الشهود، والسؤال عنهم سرًا.
مسألة قال: "وّأُحِبُّ إِنْ يَكُنْ لَهُمْ سِدَةُ عُقُولٍ أَنْ يُفَرِّقَهُمْ ثُمَّ يَسْأَلَ كُلَّ وّاحدٍ مِنْهُمْ عّلّى حِدَة".
الفصل
إذا شهد شاهدان بحقٍ ينظر، فإن عرف الحاكم فسقهما في الباطن والظاهر، أو في الباطن لم يحكم بشهادتهما، وغن عرف عدالتهما في الظاهر والباطن إن كان سأل عنهما قبل ذلك حكم بشهادتهما، وإن لم يعرف فسقهما ولا عدالتهما لا يجوز أن يحكم بظاهر الحال حتى يسأل عن العدالة في الباطن، سواء شهدا بمالٍ، أو حدِّ، أو قصاصٍ، أو نكاح أو غير ذلك. وبه قال مالك وأبو يوسف ومحمد وأحمد.
وقال أبو حنيفة: إذا شهدا بحدٍّ أو قصاصٍ فلا بد من معرفة العدالة في الباطن كما
[ ١١ / ١٧٤ ]
قلنا، وإن شهدا بمالٍ أو نكاحٍ اقتصر على الظاهر، ولا يحتاج إلى السؤال إلا أن يطعن الخصم ويقول: هما فاسقان، فحينئذ يلزمه السؤال، واحتج بأن أعرابيًا جاء إلى النبي- صل الله عليه وسلم-[١٦٠/ ب] فشهد برؤية هلال رمضان، فقال له: "أتشهد أن لا إله غلا الله؟ ". قال: نعم. فقال: "أتشهد أني رسول الله؟ " فقال: نعم. فصام وأمر الناس بالصيام.
ودليلنا أن ما وجب البحث عنه في شهود القصاص يجب في شهود الأموال، كالإسلام، والعدالة إذا طعن الخصم فيها. وأما الخبر الذي ذكره فنقول: صار إلى الإسلام وترك دين الكفر في زمان رسول الله- صل الله عليه وسلم- فقد أنثى الله تعالى عليه ووصفه بالعدالة فلم يحتج إلى البحث عن حاله. وقال مالك في روايةٍ: إن كان لهم سيما جميل وسمت حسنٍ حكم بشهادتهم من غير بحثٍ عن عدالتهم، وغن لم يكونوا كذلك يجب البحث.
فإذا تقرر هذا فلا يخلو حال الشهود من احد أمرين؛ إما أن يكونوا وافري العقول بحسن حالهم بحيث لا تسبق التهمة إليهم، أو كانوا من جملة الأغنياء والعوام الجهال بحيث تسبق التهمة إليهم، فإن كانوا وافري العقول وحسنت حالهم لم يتعرض لهم؛ لأن الاحتياط لا يفيد مع أمثالهم؛ وإن كانوا بخلاف ذلك يحتاج أن يفعل الحاكم معهم أمرين: أحدهما: أن يفرقهم ويسأل كل واحدٍ على الانفراد عن الشهادة وكيف تحملها، وفي أي وقتٍ كان، وفي أي موضعٍ، ومن حضره، وهل جرى ثم كلامٌ ونحو ذلك، فإن اختلف كلامهم ردهم، وإن اتفق كلامهم ورأى أن يعظهم وعظهم وخَوّفَهم، وحذّرهم من الكذب وشهادة الزور، وغن كان تم حال حسنة ولم يكن سدة العقل، يستحب أن يفعل هذا أيضًا ليستدل على عورةٍ إن كانت في شهادته. وإذا سال واحدًا لم يدعه يرجع إلى أصحابه؛ لأنه ربما يخبرهم بما قال فيقولون مثل قوله.
والدليل على هذه الجملة ما روي أن أربعة [١٦٠/ أ] من حواشي نبي الله داود﵇- هموا بإصابة امرأة، فامتنعت عليهم فشهدوا عليها عند داود﵇- بالزنا، وروي أنهم نسبوها إلى الكلب وقالوا: إن كلبًا أتاهم، فهم داود﵇- برجمها، فبلغ ذلك سليمان﵇- وهو يلعب مع الصبيان، فاستدعى بأربعةٍ من الصبيان فشهدوا بمثل ذلك، ففرقهم وسألهم، فاختلفوا فرد شهادتهم، فبلغ ذلك داود ﵇ ففرق الشهود وسألهم فاختلفوا فرد شهادتهم.
وروى انه سأل كل واحدٍ عن لون الكلب وصفته فاختلف كلامهم في لونه فردهم، وهذا قول على أن في شريعة داود﵇- كان الزنا بالكلب موجبًا للحد. وروى أن سبعة نفرٍ خرجوا في سفرٍ ففقد واحد منهم، فجاءت امرأته إلى على - ﵁ - تدعى عليهم بقتله، ففرقهم وأقام كل واحد منهم إلى ساريةٍ ووكل به رجلًا، واستدعى احدهم وسأله فأنكر، فقال علي ﵁: الله اكبر، فظنوا حين سمعوا تكبيره انه كبر على إقرار الأول، ثم استدعى واحدًا بعد واحدٍ فأقروا، فقال الأول: أنا ما أقررت علي ﵁: قد شهد عليك أصحابك وأنا قاتلك،
[ ١١ / ١٧٥ ]
فاعترف فقتلهم جميعًا. وروي أن أول من فرق الشهود دانيال النبي ﵇، شهد عنده شهود على امرأةٍ بالزنا ففرقهم، فقال واحدٌ: زنت برجل شابٍ تحت شجرة كمثرى. وقال الآخر: تحت شجرة تفاح، فعلم أنهم كذبوا، [١٦٠/ ب] فدعا الله تعالى عليهم، فنزلت نار من السماء فأحرقتهم.
والدليل على الوعظ ما روي أن رجلين شهدا عند علي﵁- فوعظهما على﵁- واجتمع الناس فذهبا في الزحام، فقال علي ﵁: لو صدقا لثبتا، ولم يقطع يد الرجل.
وروي عن أبي حنيفة أنه قال: كنت عند محارب بن دثار وهو قاضي الكوفة، فجاءه رجل ادعى على رجلٍ حقًا فأنكر، فأحضر المدعي شاهدين فشهدا له بما ادعاه، فقال المشهود عليه: والذي تقوم به السماء والأرض ما كذبن في الإنكار، ولقد كذبا عليَّ في الشهادة، ولو سألت عنهما لم يختلف فيهما اثنان، وكان محارب بن دثار متكئًا فاستوى جالسًا، وقال: قال رسول الله- صل الله عليه وسلم-: "إن الطير لتخفق بأجنحتهما وترمي بما في حواصلها من هول ذلك اليوم، وإن شاهد الزور لا تزول قدماه حتى يتبوّأ مقعده من النار" فإن صدقتما فاثبتا، وإن كذبتما فغطيا رؤوسكما وانصرفا، فغطيا رؤوسهما وانصرفا.
وروي عن محمد بن الفرات أنه قال: شهدت محارب بن دثارٍ وأتاه رجلان يختصمان، فجاء أحدهما بشيخ مخضوب له ضفيرتان، بين عينيه أثر السجود، فشهد له، فقال المشهود عليه: والله لقد شهد عليَّ بالباطل ولئن سألت عنه لرجع، فقال محارب للشيخ: قد سمعت، فإن كنت شهدت بباطلٍ فارجع، فإن رسول الله -صل الله عليه وسلم- قال: "إن شاهد الزور لا تزول قدماه حتى توجب له النار، وأن الطير تجيء يوم القيامة رافعة مناقيرها تحت العرش تضرب بأجنحتها [١٦١/ أ] تضع ما في بطونها من هول ذلك اليوم" فاتق الله، فإن كنت شهدت بباطلٍ فارجع، فقال الشيخ: لقد رجعت، ومضى. والدليل على أنه لا يفعل ذلك عند الضبط والمعرفة ما حكي أن رجلًا شهد عند أبي عمرو القاضي في بيع بستان، فقال أبو عمرو: كم في ذلك البستان، فقال: هو كما قلت، فقال: كم في دارك من جذع؟ قال: فأمسك عنه وعلم أنه ضابط. وحكي أن رجلًا شهد عند علي بن عيسى بشهادةٍ، فقال علي بن عيسى: في أي موضع شهدت عليه بذلك؟ فقال له: في فضاء وسعني ووسع الشهود والمشهود عليه. وحكي أن أم أبي عمرو بن العلاء شهدت عند سوار بن عبد الله مع امرأة أخرى، فجعلت أم أبي عمرو تلقنها وتذكرها، فزجرها سوار، فقالت: ألم تسمع قول الله تعالى: [أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى ﴿[البقرة: ٢٨٢]، فخجل سوار.
والمغربي وطائفة من أهل الظاهر قالوا: يجب على المشهود له إقامة البينة بعدالة الشهود، ولا يلزم الحاكم ذلك إلا أن يتطوع، وهذا فاسد؛ لأن التعديل والجرح
[ ١١ / ١٧٦ ]
مستحق على الحاكم، فوجب أن يكون الكشف عنهما مستحقًا عليه.
فرع
لو اعترف المشهود عليه بعد التهمة، فهل يجب الحكم عليه بشهادتهم؟ فيه وجهان: أحدهما: يحكم عليه؛ لأن البحث عن عدالته معتبر في حقه وهو قد اعترف.
والثاني: لا يحكم عليه؛ لأن في الحكم بشهادتهم حكمًا بعد التهم فلا يجوز أن يحكم بها بتزكية الخصم.
ولأن اعتبار التعديل في الشاهد [١٦١/ ب] حق الله تعالى فلا يترك بقول الخصم، كما لو رضي الخصم أن يحكم عليه بشهادة الفاسق لا يجوز له أن يحكم به.
مسألة: قال: "وَأُحِبُّ أَنْ يَكُونَ أَصْحَابُ مَسَائِلِهِ جَامِعِينَ لِلْعَفَافِ".
الفصل
أراد بأصحاب المسائل المزكين، وشرط الشافعي ﵁ فيهم ثلاث شرائط: العفة والأمانة لئلا يرتشوا.
والثاني: وفو العقل لئلا يخدعوا ولا يميلوا للعدو مع عدوه بتحرجه ويخفي جميله ويظهر قبحه، ولا صديقًا له فيظهر جميله ويخفي قبحه، وقلما يخلو المسلم عن قبيح وحسن.
والثالث: البراءة من الشحناء والبغضاء والعداوة بينهم بالعصبية، لئلا يجرح من لا يوافقه في مذهبه، ويعدل من يوافقه، ويسأل من يعدله بالموافقة ويجرحه بالمخالفة.
وأما قول المزني: وَأنْ يَكُونُوا جَامِعينَ للأَمَانَةِ فِي أَدْيَانِهِمْ لاَ يَتَعَطَّلُونَ بأَنْ يَسْأَلُوا الرَّجُلَ عَنْ عَدوِّهِ فَيُخْفِي حَسَنًا وَيَقُولَ قَبِيحًا شرحه الشافعي ﵁ في "الأم" فقال: وأن يكونوا جامعين للأمانة في أديانهم، وأن يكونوا أهل عقول لا يتغفلون بأن يسألوا الرجل عن عدوه فيخفي حسنه ويقول قبيحًا، فيكون ذلك جرحًا عنده. فأفسده المزني بالاختصار فقال: جامعين الأمانة في أديانهم لا يتعطلون بأن يسألوا، وهذا لا يشبه بعضه بعضًا، والصحيح ما قال في "الأم". ثم قال: ويحرص أن لا يعرف له صاحب مسألة، يعني المزني، لا ينبغي أن يكون معروفًا فيحتال إليه بالرشوة والإخداع.
قال: وإذا كتب لهم كتاب السؤال يكتب صفات الشهود [١٦٢/ أ] على ما وصفنا ويكتب اسم من شهدوا عليه واسم من شهدوا له، ومبلغ ما شهدوا به، وهذا ينسخ من المحضر الذي عقده بدعوى المدعي على المدعى عليه، وأقل ما يكتب أربعة أشياء: ذكر الشهود بأسمائهم وأنسابهم وصفاتهم ومساكنهم وأسواقهم على ما ذكرنا.
والثاني: ذكر المشهود له باسمه ونسبه لئلا يكون والدًا ونحوه.
والثالث: ذكر من شهدوا عليه لئلا يكون عدوًا يشهد على عدوه.
[ ١١ / ١٧٧ ]
والرابع: مبلغ الحق؛ لأن الإنسان طابت نفسه بتعديل اليسير، ولم تطلب نفسه بتعديل الكثير، فيكون ذكره للمزكي أولى.
ويأمرهم أن يسألوا عنه في جيرانه وسوقه وموضع مصلاه، وهو بالخيار أن يطلق فيقول: سلوا من شئتم، وبين أن يعين فيقول: سلوا فلانًا وفلانًا. ومن أصحابنا من قال: يعتبر في أصحاب مسائله سبعة أوصاف:
أحدهما: أن يكونوا جامعين في الطعمة والأنفس والعفاف في الطعمة، أن لا يأكلوا الحرام والشبهة، فيدعوهم إلى قبول الرشوة، والعفاف في الأنفس أن لا يقدموا على ارتكاب محظور.
والثاني: أن يكونوا وافري العقول ليصلوا إلى غوامض الأمور بلطف، ولا ينفذ عليهم خداع ولا صلة.
والثالث: أن يكونوا براء من الشحناء.
والرابع: أن لا يكونوا من أهل الأهواء والعصيبة في نسبٍ أو مذهب فيميل مع موافقة في تحسين قبيحه ويميل على مخالفة في تقبيح حسنه.
والخامس: أن يكون بعيدًا من مماطلة الناس وهي اللجاج؛ لأن اللجوج ينصر هواه ويرتكب ما يهواه، ولا يرجع عن الخطأ وإن ظهر له الصواب، فلم يوثق بلجاجه أن يعدل مجروحًا وأن يحرج معدلًا.
والسادس: أن يكون جامعًا للأمانة ليورد بأمانته ما عرف ويتأول فيه ما يصرفه [١٦٢/ ب] عن أقوى الأمرين إلى أضعفها وعن أظهر الحالين إلى أخفاهما.
والسابع: أن لا يسترسل فيسأل عدوًا منابذًا أو صديقًا مواصلًا؛ لأن العدو يظهر القبيح ويخفي الحسن، والصديق يظهر الحسن ويخفي القبيح.
قال: ويؤمر بأن لا يعرفوا عند أربعة أصنافٍ المشهود له حتى لا يحتال في تعديل شهوده وعند المشهود عليه حتى لا يجري في جرح شهوده، وعند الشهود حتى لا يحتالوا في تعديل أنفسهم، وعند المزكين عن المشهود حتى لا يحتال لهم الأعداء في الجرح والأصدقاء في التعديل. ذكره في "الحاوي".
ولو سأل عن صديقه المعافي فعدله فلا بأس؛ لان شهادته له مقبولة وقد بينا أن لا يفعل ذلك.
فرع
الحاكم مخير بين أمرين؛ أحدهما: وهو الأحوط، أن يكتب بذلك أربع رقاع يرفع منها أخرتين إلى مزكيين ليسألا عن الشاهد الآخر يزكيه كل واحد من الشاهدين مزكيين ويصير المزكون أربعة.
[ ١١ / ١٧٨ ]
والثاني: أن يقتصر على رقعتين فيهما ذكر الشاهدين، فيدفع إحداهما إلى أحد المزكين فتصير التزكية فيهما مسموعة من مزكيين.
فرع آخر
اعلم أنه قد يسمى أصحاب المسائل المزكين، وإذا توجه بها أصحاب المسائل المزكون كان أول ما سألوا عمن شهدوا له، فإن ذكروا أن بينهم وبينه ما يمنع من شهادتهم عليه لم يسألوا عما عداه، وإن ذكروا جواز شهادتهم له سألوا عمن شهدوا عليه، فإن ذكروا ما يمنع من شهادتهم عليه لم يسألوا عما عداه، وإن ذكروا جواز شهادتهم له ذكروا القدر الذي شهدوا به. ثم على أصحاب المسائل أن يشهدوا عند الحاكم [١٦٣/ أ] بما عرفوه من هذه الأحوال الأربع إن اجتمعت أو افترقت، فإن لكل واحدة منهن حكمًا في غير هذه القضية وأن اعتبار جميعها في هذه القضية.
مسألة: قَالَ: "وَلَا يَقْبَلُ المسألة عَنْهُ وَلاَ تجريحهَ إِلًا مِنَ اثْنَيْنِ".
اختلف أصحابنا في تأويل هذا،، فقال أبو إسحاق: أراد به المزكين دون أصحاب المسائل؛ لان الاعتماد على المزكين دون أصحاب المسائل، فيجوز أن يكون صاحب المسألة واحدًا فيبعثه ليسأل، فإن عاد وأخبر بالجرح توقف الحاكم ولا يستدعي الجارح؛ لأن في ذلك فضيحة الشاهدين، والقصد معرفة عدالتهم لا فضيحتهم ولكن يقول للخصم زد في شهودك، وإن عاد وعدل لم يعتمد على قوله ويستدعي المزكي ويسأله عن ذلك حتى يخبره مشافهةً ولا يقبل ذلك إلا من مزكي على ما قاله الشافعي ﵁.
وقال الإصطخري: المراد بذلك أصحاب المسائل، فيحتاج أن يكونوا اثنين كالمزكين، فإذا أخبرا بالجرح والتعديل عمل على ذلك ولا يحتاج إلى حضور المزكين، وإن كان كالشهادة على الشهود؛ لأنه موضع حاجة لأنه لا يلزم المزكي أن يحضر عند الحاكم لتزكية وليس للحاكم إجباره على ذلك، فصار ذلك كالمرض والغيبة في سائر الشهادات وهذا هو المنصوص، وذلك خلاف نص الشافعي؛ لأنه قال: ويمضي من كل واحدٍ منهما ما رفعه إلى الآخر، وهذا إنما يكون في أصحاب المسائل دون المزكين، ولان العدد لا يسقط في الشهادة على الشهادة فكذلك هنا؛ لأن ذلك شهادة على المزكي، وبهذا قال أحمد.
وقال أبو حنيفة ﵀: يجوز أن يكون المزكي [١٦٣/ أ] واحدًا؛ لأن التزكية ليس من شرطها لفظ الشهادة، فلم يفتقر إلى العدد كرواية الأخبار، وهذا لا يصح كما ذكرنا؛ لأنه وافقنا أنه لو جرح الشاهد بواحدٍ وعدل باثنين فالتعديل أولى، فدل أن قول
[ ١١ / ١٧٩ ]
الواحد لا يثبت به شيء، إذ لو ثبت عند خلوه عن معارض لثبت وإن عارضه ضده، كما لو جرحه اثنان وعدله عشرة كان الجروح أولى بالإجماع. وأما قوله: إنه لا يعتبر فيها لفظ الشهادة لا تسلم؛ لأنه لا يقبل الجرح والتعديل إلا بلفظ الشهادة.
ثم إذا بعت اثنين للمسألة يخفي عن كل واحد منهما ما دفعه إلى صاحبه، ويوصي كل واحد منهما بإخفائه لئلا يتواطئا على شيء واحدٍ بالرشوة، ثم ينظر فإن اتفقا على الجرج أو التعديل عمل عليه.
وإن اختلفا فجاء أحدهما بالتعديل والآخر بالجرح، قال الشافعي: "أعادهما مع غيرهما"، قال أصحابنا: أما إعادتهما فلأن أحدهما لا محالة مقصر في النظر؛ لأنا لا نعلم أن الرجل الواحد لا يكون عدلًا فاسقًا. وأما ضم غيرهما إليهما فلأنهما ربما يختلفان في المرة الثانية كما اختلفا في المرة الأولي، فلا يمكن تنفيذ الحكم مع اختلافهما، فإذا ضم إليهما غيرهما يرجى تزكية المزكيين فيردهما. ثم ينظر فإن عاد الآخران بالتعديل فقد ثبت التعديل بثلاثة أنفس فعمل عليه. وإن عاد أحدهما بالتعديل والأخر بالجرح فقد ثبت واحد منهما باثنين، فيكون الجرح أولى من التعديل، وإن عاد أحدهما بالتعديل والآخر توقف فيه، فإن التعديل قد ثبت. وإن عاد أحدهما بالجرح وتوقف الآخر" فإن [١٦٤/ أ] الجرح قد ثبت، ولو عدل رجل بشاهدين وجرحه آخران، قال الشافعي: "الجرح أولى"، لأن التعديل على الظاهر والجرح على الباطن لزيادة العلم مع الجارح.
فرع
لا يجوز أن يقبل تعديل الولد للوالد. وقال أبو جنيفة: يقبل، ودليلنا أنه إثبات حكم على خصم بقول غيره فلا يجوز من الوالد.
فرع آخر
لا يقبل التعديل من المرأة خلافا لأبي حنيفة حنيفة، لأن شهادتها لا تقبل فيما لا يقصد فيه المال ويطلع عليه الرجال.
فرع آخر
إذا ثبت أنها شهادة محضة اختلف أصحابنا في أن القاضي يحكم في تعديلهم وجرحهم بأصحاب مسائلة وبمن عدلهم وجرحهم من جيرانهم وأهل الخبرة بهم على وجهين:
أحدهما: أن أصحاب مسائلة هم الشهود عنده بالتعديل والجرح وهم المتحملون عن الجيران وأخل الخبرة ما ذكره من التعديل والجرح، وهذا ظاهر مذهب الشافعي ﵁ وقول الأكثرين من أصحابة، فعلى هذا يجوز أن يكون ما يسمعه أصحاب المسائل من الجيران بلفظ الخير؛ لأن الشهادة مختصة بالحكام، ولا يعتبر فيهم العدد ويعتبر أن يقع في نفوس أصحاب المسائل صدق المخبر فيما ذكره من تعديل وجرح،
[ ١١ / ١٨٠ ]
فربما وقع في نفسه صدق الواحد وربما ارتاب باثنين فيلزمه أن يستزيد، ويجوز لأصحاب المسائل أن يسألوا الجارح من أين علم تعديله وجرحه، ولا يجوز للحاكم أن يسأل أصحاب المسائل من أين علمتم الجرح والتعديل، وهذا اختيار الإصطخري. [١٦٤/ ب].
والثاني: وهو قول أبي إسحاق أن يشهد بالجرح والتعديل هم من عرفهم من الجيران وأهل الخبرة، ويكون أصحاب مسائلة فيها، لأن الشهادة سميت بذلك مسموعة من أهل المعرفة الباطنة وهو الجيران دون أصحاب المسائل، ولأن شهادة أصحاب المسائل كالشهادة على الشهادة، وهي لا تسمع مع القدرة على شهود الأصل.
فعلى هذا كان ما يذكره أصحاب المسائل خبرًا يجوز أن يقتصر فيه على قول الواحد بلفظ الخبر دون الشهادة، ويذكر الحاكم بالجرح والتعديل، ثم يسمع بالتعديل والجرح من الجيران وأهل الخبرة على شرط الشهادة.
فرع آخر
إذا شهد شاهدان من أصحاب مسائلة ومن الجيران على ما قدمناه من الوجهين بتعديل أحد شاهدي الأصل، جاز أن يشهد بتعديل الشاهد الآخر قولًا واحدًا وإن كان في الشهادة على الشهادة قولان. والفرق أن في الشهادة على الشهادة هما فرع الأصل في التزكية فهما شاهدان على الأصل.
فرع آخر
لو شهد اثنان بجرحه في سنة أو في بلد، ثم شهد اثنان بتعديله في سنة بعدها، أو في بلد آخر انتقل إليه حكم تعديله لأنه قد يتوب وينتقل عن الفسق إلى العدالة، والتوبة ترفع المعصية ولا يقدم التعديل على الجرح إلا في هذه المسألة.
فرع آخر
لو بعث بذلك إلى المزكي فعدلهم ى يقبل التعديل بالكتاب حتى يحضر المزكي فيشير إليه أن الذين عدلتهم هؤلاء، لأنه ربما يلبس عليه بالكتاب، والتزكية [١٦٥/ أ] نوع شهادة فلا تقبل بالكتاب، ذكره أصحابنا ﵏.
مسألة: قال: "ولا أقبل الجرح إلا بالمعاينة أو السماع".
أراد به صاحب المسألة إذا أخبر بالجرح لا يقبل إلا أن يضيف إلى نفسه رؤية ما يجرح، أو يستفيض ذلك في الناس، ويخبره كل من سأله بفسقه، وهذا لأنه لا يصير عالما بذلك إلا بالشهادة أو بالسماع أو بالمشاهدة يحصل العلم، وكذلك بالسماع المتواتر، فإن لم يكن متواترا ولكنه شاع في الناس، يجوز أن يؤدي الشهادة مطلقا كما يشهد بالموت والنسب بالاستفاضة، وإن كان خبر الواحد والعشرة لا يصير عالمًا به،
[ ١١ / ١٨١ ]
ولكنه يشهد بما يسمع ويكون شاهد الفرع، والذي يشهد عنه شاهد الأصل فيكون حكمه حكم شاهد الفرع، هكذا ذكره أبو حامد، وقد قيل: يعتبر بهذا الكلام الرد على أبي حنيفة حيث قال: يقبل الجرح مطلقا كما يقبل التعديل مطلقا، ونحن لا نقبله إلا مفسرا، بل يقول عاينته يفعل كذا، أو سمعته يقول كذا، وما ذكرناه أولًا أظهر.
مسألة: قال: "ولا نقبله إلا من فقيه دين عاقل إلا بأن يفقه على ما يجرحه به".
قد ذكرنا أنه لا يقبل الجرح إلا بعد بيان سببه خلافًا لأبي حنيفة ﵀، وهذا لأن الناس يتباينون في الأهواء، فيشهد بعضهم على بعض بالكفر أو الفسق بالتأويل، وهو بالجرح عندهم أولى. وقد قال مالك رحمه الله تعالى: يفسق الرجل بشرب النبيذ المطبوخ وإن اعتقد إباحته، ومن الناس من يقول: [١٦٥/ ب] يفسق بالوطء في نكاح المتعة ونحو ذلك، وقد يعدون ما ليس بجرح جرحًا، ولا فرق بين أن يكون الجارح فقيهًا أو غير فقيه.
وقال الشافعي ﵁: لقد حضرت رجلًا مستهلًا بجرحه فقال له السائل: بأي شئ تجرحه فقال: ما يخفي على من تكون الشهادة به مجروحة، فقال الذي يسأله: لا أقبل هذا منك إلا أن تبين، فقال: رأيته يبول قائمًا، فقال: وما في ذلك؟ فقال: ينتضج على ساقيه ورجليه وثيابه ثم يصلي قبل أن ينقيه، فقال: أفرأيته فعل ذلك فصلى قبل أن ينقيه وقد انتضج عليه؟ فقال: لا، ولكن أراه سيفعل. وهذا الضرب كثير في الناس والجرح خفي فلا يقبل لحفائه لما وصفت من الاختلاف إلا بتصريح الجرح، ومذهب الفقهاء أن لا يكفر أحد من أهل القبلة. قال الشافعي ﵁: "إلا واحدًا وهو من نفي علم الله تعالى الأشياء قبل كونها فهو كافر"، وقد ذهب جماعة إلى تكفير أهل الأهواء كلهم.
وحكي أن رجلًا جرح وقال: إنه طين سطحه بطين استخراجه من حوض البستان، ومثل هذا لا يكون جرحًا إلا بالإجماع، فلهذا يجب الاستفسار.
فإن قيل: كما أن الجرح يختلف فكذلك العدالة، ولو عدلوا لا يلزم بيان سبب العدالة. قلنا: هل يشترط ذكر سبب التعديل؟ فيه وجهان: فلا نسلم، وإن سلمنا فلأن أسباب العدالة تكثر ولا يمكن ضبطها بخلاف أسباب الجرح فافترقا.
فإن قيل: في كشف سبب الجرح هتك ستر الشاهد ويصير الجارح به قاذفًا. [١٦٦/ أ] قلنا: وإذ هو فاسق هتك ستره أيضًا، وربما هذا العار عند بيان السبب، وذكر ما لا يوجب الفسق، وأما القذف فيمكنه أن لا يصرح به، وإذا أتى به بلفظ الشهادة لا يكون قاذفًا.
[ ١١ / ١٨٢ ]
فرع
لو سأل الحاكم الشاهدين عن سبب الجرح فذكر له وكان زنا لم يكن قاذفًا، سواء كان بلفظ الشهادة أو بغير لفظ الشهادة، لأنه لا يقصد إدخال المعرة عليه بالقذف، بل قصد إثبات صفته عند الحاكم ليتبين الحاكم حكمه عليه، هكذا ذكره أبو حامد.
وقال في "الحاوي": لا يصير أصحاب المسائل إذا شهدوا بها قذفه وإن لم تكمل شهادتهم، لأن أصحاب المسائل ندبوا للإخبار فأسمعوه ولم يندب الجيران إليه.
ولا يفرق بين أن يذكر أصحاب المسائل هذا الجرح بلفظ الشهادة أو بلفظ الخبر، ولكن الحاكم يحكم به إن كان بلفظ الشهادة ولا يحكم به إن كان بلفظ الخبر.
فرع آخر
قال في "الحاوي": اعلم أن الفسق يكون من ثلاثة أوجه: بالأفعال كالزنا والغضب، وبالأقوال كالقذف والكذب، وبالاعتقاد كاستحلال المحظور والتدين بالبدع.
والأفعال تعلم بالمعاينة، والأقوال تعلم بالسماع وكذلك الاعتقاد، فلا يقبل من الجارح إذا شهد بأفعال الجرح إلا إذا شاهدها، ولا يقبل منه إذا شهد بأقوال الجرح إذا سمعه ولا يقبل إذا قال: بلغني، أو قيل لي، ولا يقبل شهادة الأعمى بالجرح في الأقوال والأفعال، فأما إذا شهد عن الإخبار بها، فإن كانت أخبار آحاد لم يكون للمخبر أن يشهد بها، وإن كانت من أخبار الاستفاضة أو التواتر التي لا يعترضها ارتياب جاز أن يشهد بها كما [١٦٦/ ب] بالأنساب وتقبل به شهادة الأعمى. فإن كان الشاهد عند الحاكم بهذا الجرح هم الجيران إن كانت هذه الشروط معتبرة في شهادتهم أن يعلمه إما يعلمه إما بالمعاينة للأفعال أو بالسماع للأقوال، أو بالخبر المستفيض للأفعال والأقوال، وأن الشاهد بها أصحاب مسائل يحملوها عند علمها من هذه الوجوه الثلاثة جاز لهم أن يشهدوا بها عنهم، لأن أصحاب مسائله ندبوا للبحث عنها، ولو تحملوهاٍ من هذه الوجوه لعلموا الشهادة بها، ولما احتاجوا إلى المسألة عنها.
مسألة: قال: "ولا يقبل التعديل إلا بأن يقول: عدل على ولي".
الفصل
اختلف أصحابنا في هذا، فقال بعضهم: هذا يدل على أن الحاكم لا يسأل عن أسباب التعديل، ويسأل عن أسباب الجرح، لأن الشهادة بالتعديل أن يجدوه سليمًا من الهفوات، ولا يحتاج في هذا إلى شرح السبب، وعلى هذا السؤال عن سبب العدالة استظهار لا واجب، وهذا الذي عليه القضاة في زماننا هذا. وعلى هذا قال الإصطخري: قول "قول عدل علي ولي" استحباب للتأكيد، لأن الشهادة بالتعديل تقتضي
[ ١١ / ١٨٣ ]
الحكم بها عليه وله، فيكفي أن يقول عدل. وبه قال أبو حنيفة، ومالك وأحمد ﵏، وهو اختيار صاحب: الإفصاح" والقفال. وقد قال في "حرملة": إذا قال هو عدل مرضي كفي في التعديل، وهذا لأن المقصود إثبات عدالته عند الحاكم، وذلك يثبت بهذا ولا يحتاج إلى زيادة.
وقال أبو إسحاق وجماعة: هو على الوجوب، وهو ظاهر كلام الشافعي هنا، ونص عليه في "الأم" أيضًا، واختلفوا في العلة، فقال أبو إسحاق: إنما شرط هذا لأنه قد يكون [١٦٧/ أ] عدلًا في شيء دون شيء، وفي القليل دون الكثير، فإذا قال ذلك عم ولو يخص.
وإذا قال عدل ولم يزد لم يثبت العدالة المطلقة، كما إذا قيل: فلان صادق، ولا يثبت بهذا القدر صدقة على الإطلاق. وقال غيره: العلة أنه قد يكون الشاهد بالتعديل من لا تقبل شهادته عليه، لأنه من أعدائه، فإذا قال عدل على ولي زال هذا الاحتمال، فقوله عدل علي نفي للعداوة، وإذا قال عدل لي نفي للقرابة وهذا أبلغ الألفاظ في التعديل وعلى هذا لا يلزم أن يقول هذا إذا علم أنه لا نسب بينهما ولا عداوة. وعلى تعليل أبي إسحاق يلزم ذلك وإن علم أنه لا نسب بينهما ولا عداوة.
فرع
الشهادة بأنه عدل رضا جرت العادة بالجمع بينهما في صحة التعديل، وقال جمهور أصحابنا: قوله"رضا" محمول على التأكيد، لأن العدل رضا. وقال بعض أصحابنا البصريين: هذا شرط في صحة التعديل، لأن التعديل سلامة والرضا كمال.
فرع آخر
استزاد بعض القضاة في التعديل أن يقول إنه مأمون في الرضا والغضب، وهذا تأكيد لا يكون شرطًا، لأنه من أحكام العدالة فلا يلزم ذكرها كالصدق والأمانة.
فرع آخر
قال بعض أصحابنا: سؤاله عن أسباب العدالة واجب لجواز الاحتمال في التعديل كجوازه في التفسيق، فعلى هذا يكون الشاهد مؤد بالأسباب، والقاضي هو الحاكم بالعدالة، وتكون استزادته من الشهود أن يشهدوا أنه عدل، ولي استخبار عن حكم العدالة وليس بشرط في قبول الشهادة على سببها، وهل يكون هذا الاستخبار لازمًا في حق الحاكم وأنه لم يكن في حق الشاهد؟ فيه وجهان: [١٦٧/ ب] أحدهما: يكون لازمًا في حقه ليكون حكمه بالتعديل على أحوط الأمور. والثاني: أنه ليس بلازم في حق الشاهد، لأن الشهادة بأسباب التعديل تغني عما سواه.
فرع آخر
إذا قلنا يشترط ذلك بسبب التعديل جاز أن يكون الشاهد بالتعديل من غير أهل الاجتهاد. وإن قلنا لا يشترط وجب أن يكون الشاهد بالتعديل من أهل الاجتهاد.
[ ١١ / ١٨٤ ]
فرع آخر
إذا قال المزكي لا أعلم إلا خيرًا لا يكفي، وقال الطحاوي: عن علي بن معبد، عن أبي يوسف أنه قال: تقبل شهادته، ولم يذكر خلافًا، وهذا لا يصح، لأنه لم يصرح بالعدالة فلا يكون تعديلًا كما لو قال: أعلم فيه خيرًا.
فإن قيل: إذا كان من أهل الخبرة ولم يعلم إلا خيرًا فهو عدل. قلنا: يجوز أن لا يعلم عدالته ولا فسقه لاشتباه حاله عليه فلا يدل على حقيقة العدالة.
مسألة: قال: "ثم لا يقبله حتى يسأله عن معرفته به، فإن كانت باطنة متقادمة وإلا لم يقبل ذلك منه".
وجملة هذا أنه لا يقبل التعديل إلا ممن له خبرة باطنة ومعرفة متقادمة بالشاهد، وهذا لأن الرجل لا يكاد يعرف الرجل إلا بمعاشرة متقادمة ومصاحبة، ولا يداوم الإنسان الفسق بل يفعله في بعض الأوقات دون بعض، فإذا لم يتقادم عهده ومعرفته به لم يقف عليه.
وقد روي حرشة بن الحر أن رجلًا شهد عند عمر - ﵁- بشهادة، فقال له: أعرفك ولا يضرك أن لا أعرفك ائتني بمن يعرفك، فقال رجل من القوم: أنا أعرفه، قال: بأي شئ تعرفه؟ قال: بالعدالة والفضل، فقال: هو جارك الأدنى الذي تعرفه ليله ونهاره، ومدخله ومخرجه؟ [١٦٨/ أ] قال: لا. قال: فعاملك بالدينار والدرهم اللذين يهما يستدل على الورع؟ قال: لا. قال: فرفيقك في السفر الذي يستدل به على مكارم الأخلاق؟ قال: لا. قال: لست تعرفه، ثم قال للرجل: ائت بمن يعرفك.
وقال مجاهد: دخل رجل المسجد ورسول الله ﷺ جالس، فقال: "من يعرف هذا؟ " فقال رجل: أنا أعرف وجهه ولا أدري ما اسمه، فقال: "ليست تلك بمعرفة".
وقيل: الشهادة بالتعديل تخالف الشهادة بالجرح من وجهين، ووجه ثالث مختلف فيه: أحدهما: أن الشهادة بالتعديل لا تقبل إلا ممن كان قديم المعرفة بخلاف الجرح. والثاني: لا تقبل إلا من أهل المعرفة الباطنة والجرح يقبل من أهل المعرفة الظاهرة والباطنة. والثالث: هل يشترط ذكر سبب التعديل فيه وجهان، ولا يحكم بالجرح إلا بعد سببه.
مسألة: قال: "ويسأل عمن جهل عدالته سرًا، فإذا عدل سأل عن تعديله علانية ليعلم أن المعدل سرًا هو هذا مخافة أن لا يوافق اسم أو نسب نسبًا".
[ ١١ / ١٨٥ ]
قال أصحابنا: فإن لم يكن إشكال وعلم أن المزكي لا يرتاب به ولا يحتاج على إظهار التعديل، وقيل: هل يحتاج إلى الإشارة إذا عدل؟ فيه ثلاثة أوجه: أحدهما: تلزم الإشارة إليه عند القاضي، فيقول: هذا هو الذي شهدنا عندك بتعديله ليزول الاشتباه ويحصل الاحتياط. والثاني: قال ابن أبي هريرة: لا يجب ذلك لكنه يستحب بكل حال. والثالث: إذا كان مشهورًا في الناس بما يتميز به عن غيره لا يحتاج إلى الإشارة وجوبًا لكنه يستحب، وتجب الإشارة في المجهول غير المشهور وهذا أصح.
فرع
إذا ثبتت عدالته عنده يعرف المشهود عليه أنه لزمه الحكم [١٦٨/ ب] فيما شهدوا به عليه، وعرفه ما عمل في أمر الشهود، فإن زعم أنه يمكنه جرحهم نظر في ذلك وتوقف في إنقاذ الحكم إن كان ما يزعم قريبًا، ولا يستعجل في إنقاذ الحكم.
روى أنس﵁- أن النبي ﷺ قال: "التأني من الله والعجلة من الشيطان". وروي ابن عباس﵄- أن النبي ﷺ قال: "إذا تأنيت - وروي إذا تثبت- أصبت أو كدت تصيب، وإذا استعجلت أخطأت أو كدت تخطئ".
فرع آخر
لو جرح الشهود في السر لم يسأل عنهم في العلانية لئلا يؤدي إلى هتك الستر، وإثبات العداوة بينهم وبين من جرحهم، وإذا عدل أعلن التعديل ليرغب الناس في حسن الذكر، وربما كان عند بعض الناس من جرحه ما يخفي على غيره، ولو ابتدأ أصحاب المسائل بالشهادة فيمن بحثوا عنه ولا يعلم الحاكم بما يشهدون به من جرح ولا تعديل فينبغي أن يمنعهم على الجهر حذرًا أن يشهدوا بالجرح المأمور بالستر، وإن علم أنهم لا يشهدون بالعدالة جاز أن يدعوهم إلى الشهادة سرًا وجهرًا.
فرع آخر
لو عدل الشهود اختلف أصحابنا فيه على وجهين: أحدهما: أن الحكم بعدالته قد استقر على التأييد ما لم يطرأ جرح من بعد بناءً على أصل العدالة.
والثاني: قال أبو إسحاق: يعيد البحث عن عدالته في كل مدة لجوا أن يتغير فيها حاله، ولا يلزمه البحث في كل شهادة، لأنه شاق وخارج عن العرف ولم يحد المدة بحد.
وحكي عن بعض الناس أنه قال: يسأل عنه كل ستة أشهر، وهذا ليس بمذهبنا، ونسه صاحب "الحاوي" إلى بعض أصحابنا والمذهب أنه تتوقف المدة على اجتهاده وما يراه. [١٦٩/ أ].
[ ١١ / ١٨٦ ]
فرع آخر
إذا أعاد البحث مرارًا واستقرت عدالته، فإن تجددت منه استرابة أعاد البحث والكشف وإن لم يتجرح ذلك لا يعيد البحث.
فرع آخر
قال الشافعي﵁-: وإذا نزلت قافلة الحاج أو الغزاة أو غيرهما في بلد يحضر رجلان من أهل القافلة من يعرفه الحاكم لم يحكم بشهادتهما وإن رأي عليهما سيما الخير وأثر الصلاح والعدالة. وقال مالك رحمه الله تعالى: إذا رأي فيهما سيما الخير حكم بشهادتهما، لأنه لا يمكن معرفة عدالتهما ولا يمكن التوقف عن الشهادة، فإن فيه تضييعًا للحق، فكان المرجع إلى السيما الجميل وهذا غلط، لأن عدالتهما مجهولة فلا يجوز الحكم بشهادتهما كشاهدي الحضر، وظاهر مذهبهم تسليم هذا الأصل. وأما ما ذكره فلا يصح، لأنه ربما يؤدي إلى إثبات ما لا يستحق وذلك لا يجوز.
فرع آخر
لا يقبل من الفاسق التعديل سرًا كان أو علانية، وقال أبو حنيفة: إذا قام [] من الناس في الحكم وغيره، فقال القاضي: إن هذا الشاهد عدل ولم ينكر أحد ذلك فقد ثبت عدالته، فجعل سكوتهم كإخبارهم بالعدالة وهذا لا يصح، لأن سكوتهم يحتمل معاني فلا يجوز أن يقطع بواحد منها.
فرع آخر
لا يجوز للحاكم أن يتخذ شهودًا راتبين فيقبل شهادتهم، ور يقبل شهادة غيرهم لأن في ذلك إضرارًا بالناس وتضييقًا عليهم، ولأن شرط قبول الشهادة العدالة، فكل من كان بهذه الصفة وجب قبول شهادته، وقد قال تعالى: [وأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ] [الطلاق:٢]، ولم يخص، وربما ثبتت الحقوق في مواضع لا يكون هناك شهود راتبون ويقال: إن أول من اتخذ ذلك إسماعيل بن إسحاق [١٦٩/ ب] وتابعه سائر القضاة في بعض البلاد في هذا، ليكون الشهود أعيانًا معدودين فلا يستشهد الخصوم بمجهول العدالة، ولا يطمع في الشهادة غير مستحق لها، وعندنا يكره ذلك، ولم يفعله الصدر الأول. فإذا تقرر هذا فيجب على الحاكم أن يسمع شهادة كل من يشهد عنده، فإن عرف فسقه رد شهادته، لأنه يجوز أن يحكم بالجرح والتعديل بعلمه.
مسألة: قال: "ولا ينبغي أن يتخذ كاتبًا حتى يجمع أن يكون عدلًا عاقلًا".
الفصل
اعلم أنه لا يستغنى قضاة الأمصار والولاة على الأعمال عن كاتب ينوب عنهم في
[ ١١ / ١٨٧ ]
ضبط الأمور، فيجوز لهم أن يتخذوا كاتبًا، وقيل: يستحب لهم ذلك. وهذا لأن على بن أبي طالب ﵁ كان كاتب رسول الله ﷺ، وهو الذي كتب القضية يوم الحديبية. وكان زيد بن ثابت﵁- كاتبه، فقال له النبي ﷺ: "تعرف السريانية؟ " فقال: لا، فقال: "إنهم يكتبون إلي ولا أحب أن يقرأ كتبي كل أحد، فتعلم السريانية" قال زيد: فتعلمها في نصف شهر. وروى ابن عباس - ﵄- أنه كان لرسول الله ﷺ كاتب يقال له: السجل. ولأنا لو كلفناه كتب السجلات والمحاضر بيده وينظر بين الناس أدى إلى المشقة والحرج، ويتعذر عليه الجمع بين الأمرين، فكان له أن يتخذ كاتبًا يستعين به.
ثم ذكر الشافعي أن يشترط فيه أربعة أوصاف، العدالة، والعقل، والعفة، والنزاهة من الطمع، وهذا لأن الكتابة موضع أمانة فلا توضع في غير العدل، ويستحب أن يكون فقيهًا ليعرف مواقع الألفاظ، ويفرق بين الواجب والجائز، وتعتبر النزاهة لئلا يستمال بالطمع. [١٧٠/ أ] وقوله: "عاقلًا": أردا سديد العقل، لأن وجود العقل شرط العدالة. قال أصحابنا: ويستحب أن يكون جيد الخط ويفصل بين الحروف ويميزها ويضبط ما يحتاج أن يكون مضبوطًا فلا يكتب سبعة مثل تسعة، ذكره صاحب "الإفصاح" وقيل: ينبغي أن يكون أدبيًا فلا يأتي بلفظ يلبس أو يوهم تضاعيف حروفه وأطراف سطوره كتبه شيء يتغير به الحكم، فلا ينبغي أن يفاوت الحروف في تباعدها وتدانيها، وأن يقارب السطور في كتابته وهذه كلها مستحبة، والمعتبر فيه أن يكون ممن يحسن الكتابة.
فرع
لا يجوز أن يكون عبدًا، لأن الحرية شرط في كمال العدالة. وقال في "الأم": ما ينبغي عندي للقاضي ولا لوال من ولاة المسلمين أن يتخذ كاتبًا ذميًا، وينبغي أن يعز المسلمين بأن لا يكون لهم حاجة إلى غير أهل الإسلام، والقاضي أول الخلق عذرًا بهذا. قال أصحابنا: لا يجوز أن يكون ذميًا، لأنه جرح نفسه في الدين عند قبول قوله فيه.
وقد قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [الممتحنة: ١] الآية، وقال أيضًا عز اسمه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا اليَهُودَ والنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ﴾ [المائدة:٥١]، وقال أيضًا ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ﴾ [آل عمران: ١١٨].
وروى أبو سعيد الخدري﵁- أن النبي ﷺ قال: "ما بعث من نبي ولا استخلف من خليفة إلا كانت له بطانتان، بطانة تدعوه إلى الخير وتحضه عليه، وبطانة تدعوه إلى الشر وتحضه عليه، والمعصوم من عصم الله". وهذا صحيح وقد جاء به
[ ١١ / ١٨٨ ]
القرآن العظيم وهو الآية التي ذكرناها.
وروي أن النبي ﷺ [١٧٠/ ب] قال: "لا تستضيئوا بنار المشركين" أي لا ترجعوا إلى أمانهم ولا تعولوا على مشاورتهم.
وروي أن أبا موسى الأشعري قدم على عمر﵄- ومعه كاتب نصراني فأعجب عمر بخطة وحسابه واستحسنه، فقال له عمر: أحضر كاتبك ليقرأه، فقال: إنه نصراني لا يدخل المسجد، فزبره عمر وقال: لا تأتمنوهم وقد خوفهم الله تعالى، ولا تقربوهم وقد أبعدهم الله تعالى ولا تعزوهم وقد أذلهم الله تعالى.
وروي: ولا تكرموهم إذ أهانهم الله تعالى، ولا تدنوهم إذ أقصاهم الله تعالى، ولا تأمنوهم إذ خوفهم الله تعالى، وأمر بعزله. وروي أنه قال عمر﵁ -: اتخذته كاتبًا؟ فقال: له دينه ولي كتابته، فقال عمر ﵁ ما ذكرنا. ومن أصحابنا من قال: فيه وجهان، أحدهما: مات ذكرنا. والثاني: أنه يجوز أن يكون كافرًا وفاسقًا، لأن ما يكتبه لا بد أن يقف عليه القاضي ثم يمضيه فيؤمن خيانته.
فرع آخر
إذا اتخذ القاضي كاتبًا فهو بالخيار، إن شاء أجلسه عنده وإن شاء أجلسه بالبعد منه. فإن أجلسه عنده فإذا مضى شئ يحتاج إلى إثبات أمره يكتبه وينظر في ذلك حتى لا يحرف ولا يغير، وإن أجلسه ناحية، فإذا أقر عنده رجل بحق وينكره أنفذ المقر إليه حتى يثبته.
قال الشافعي ﵁: ويستحب أن يكتب الحاكم اسم المقر عنده احتياطيًا لئلا يرجع عن الإقرار إلى أن يبلغ [١٧١/ أ] فربما يختلط ولا يعرف عينه.
وينبغي أن يقرأ القاضي بعد كتابته ويعلم فيه بخطه، ويشهد به على نفسه ليكون حجة للمتحاكمين وقيل: إنه يتخير بين أن يلقيه عليه حتى يكتبه في لفظه، أو يكتبه الكاتب بألفاظه والقاضي ينظر إليه أو يقرأه بعد الكتابة.
فرع آخر
لو رد القاضي المتخاصمين عند الاشتباه إلى وساطة متوسط بينهما لم يلومهما الرجوع إليه، وإن سألاه ردهما إليه لزمه الكف عن النظر بينهما ولا يلزمه ردهما إلى وسيط معين، لأن ردهما إليه تقييد له إلى النظر بينهما، ولا يلزمه أن يقلد لهما ناظرًا، فإن فعل كان تبرعًا منه وحملهما الوسيط على التراضي دون الإلزام، إلا أن يرد القاضي إليه الإلزام فيصير حاكمًا وملزمًا.
[ ١١ / ١٨٩ ]
فرع آخر
يجوز للكاتب أن يتخذ كاتبًا كما يجوز للقاسم أن يتخذ قاسمًا.
مسألة: قال: "والقاسم في صفة الكاتب".
يشترط في القاسم زيادة، وهو أن يكون عارفًا بالحساب، لأن مدار القسمة على الحساب، وينبغي أن يكون عارفًا بالقيم لئلا يحتاج في التقويم إلى غيره، فإنه لم يعرف القيم يجوز ويرجع إلى أقوال مقومين يقومون.
مسألة: قال: "ويتولى القاضي ضم الشهادات ورفعها لا يغيب ذلك عنه".
الفصل
قال أصحابنا: نذكر في هذا الفصل كيف يجتمع عنده الشهادات التي يحتاج إلى ضمها ورفعها، ثم يبين كيفية الضم والرفع، [١٧١/ ب] فإذا تقدم خصمان إلى القاضي، وادعى أحدهما على الآخر، فإن القاضي يسأل المدعى عليه عما ادعاه عليه، فإن اعترف به وسأله المدعي أن يكتب بذلك محضرًا كتب: بسم الله الرحمن الرحيم، حضر مجلس القاضي فلان ابن فلان الفلاني، وفلان ابن فلان كما يعرفه القاضي، وإن كان لا يعرفه القاضي كتب: رجل ذكر أنه فلان ابن فلان، ويجليه بالأوصاف التي ذكرنا، وأحضر معه رجلًا ذكر أنه فلان ابن فلان ويجليه، وادعى عليه بكذا وكذا، فسأله القاضي عما ادعاه عليه فأقر بجميعه، وذلك في يوم كذا من شهر كذا من سنة كذا، وأشهد فيه من حضر القاضي من الشهود، ويلزم القاضي ذلك إذا سأل المدعي، لأنه ربما ينسى القاضي أو يعزل. ومن أصحابنا من قال: الإشهاد يجب بأنه أقر بكذا وكذا، لأنه إن كان مذهبه أنه لا يجوز له الحكم بعلة وربما يجحد بعده فلا يمكنه الحكم بعلة عليه. وإن كان مذهبه جواز الحكم بعلة ربما ينسى أو يعزل فلا يمكنه الحكم به ولا يقبل قوله بعد عزله، وهل يلزمه أن يكتب له محضرًا؟ فيه وجهان: أحدهما: يلزمه، لأنه وثيقة له كالإشهاد. والثاني: لا يلزمه، لأن الشهادة يكفيه فلا حاجة إلى محضر.
وقال بعض أصحابنا: إن كان في دين يستوفي عاجلًا لا يلزمه الكتبة، وإن كان في دين مؤجل أو في ملك متأبد فهل يلزمه؟ وجهان. وإن أنكر ما ادعاه عليه فسأل القاضي فلان ابن فلان ابن فلان، وفلان ابن فلان ابن فلان المدعي بينة [١٧٢/ أ] إن كانت له فأحضر فلان ابن فلان، وفلان ابن فلان فشهدا عليه بجميع ما ادعى عليه، وإن لم يكن بينة لا يحلف القاضي المدعي عليه إلا بسؤال المدعي، فإذا سأل إحلافه كتب: فسأل فلان ابن فلان المدعي إحلافه فحلفه القاضي فلان ابن فلان بالله الذي لا إله إلا هو فحلف، ويكون هذا المحضر حجة للمدعي عليه فيكتب له بسؤال لئلا يدعي عليه الحق
[ ١١ / ١٩٠ ]
في مجلسٍ آخر، ويلزمه الإشهاد عليه، وهل يلزمه كتب المحضر؟ فيه وجهان. وإن نكل عن اليمين ردت اليمين على المدعي وكتب: فنكل المدعى عليه عن اليمين ورد اليمين على المدعى عليه فلان ابن فلان، فحلفه القاضي فلان ابن فلان بالله الذي لا إله إلا هو أنه يستحق عليه ما ادعاه وهو كذا وكذا، وذلك في يوم كذا من شهر كذا من سنة كذا. وإن سأله أن يحكم له بذلك ويشهد على نفسه يلزمه ذلك فإنه حجة.
وإن سأله أن يكتب بالإشهاد على نفسه محضرًا هل يلزمه؟ فالحكم على ما ذكرنا إذا ثبت بالإقرار، وهذا إذا كان عنده قرطاس من بيت المال، أو أحضر المحكوم له قرطاسًا، فإن لم يكن لا يلزمه أن يكتب وجهًا واحدًا.
وقال في "الحاوي": إذا ثبت الحق بالبينة فهل يلزمه الإشهاد على نفسه صاحب الحق؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يلزمه لأن له بالحق بينة فلم يلزم القاضي أن يجدد له بينةً، ويكون في ذلك مخيرًا.
الثاني: يلزمه كما في الإقرار؛ لأن الشهادة على نفسه مع البينة الموجودة تعديل بينته وثبوت حقه، وهذه ثلاثة أحكام لا تثبت إلا بإشهاده على نفسه.
وإن سأله أن يسجل له هل يلزمه ذلك؟ فيه وجهان؛ أحدهما لا يلزمه في المحضر.
واعلم أن المحضر حكاية الحال وما جرى بينهما من الدعوى والإقرار، [١٧٢/ ب] والإنكار، والبينة، واليمين، والنكول، ورد اليمين، والسجل تنفيذ ما ثبت عنده وإمضاء ما حكم به، فهذا فرق بين المحضر والسجل، فإن ذكر في المحضر تنفيذ الحكم جرى مجرى السجل في المعنى وإن خالف لفظه في الابتداء واستغنى به عن السجل، وإن ذكر له في السجل حكاية الحال جرى مجرى المحضر في المعنى وإن خالف لفظه في الابتداء واستغنى به عن المحضر، وإن كان الأولى أن لا يعدل بواحدٍ منهما عن موضوعه؛ لأن المقصود بالمحضر أن يتذكر أحكام ما جرى بين المتنازعين ليحكم به بموجب الشرع، والمقصود بالسجل أن يكون حجة لما نفذ به الحكم، وقد ذكرنا صفة المحضر.
وقال في "الحاوي": صفة المحضر أن يكتب: حضر القاضي فلان ابن فلان وهو يومئذ قاضي عبد الله الإمام فلان على بلد كذا في مجلس حكمه وقضائه في موضع كذا.
وقد ذكر أبو حامد أنه كان على إقرارٍ لم يذكر مجلس حكمه؛ لأنه ليس في الإقرار حكم بخلاف سماع البينة، وليس لهذا الفرق بينهما وجهٌ؛ لأن الدعوى لا يسمعها القاضي إلا في مجلس حكمه؛ لأنه يتعلق بالإقرار إلزام والإلزام حكم. ثم يذكر اسم المدعي واسم المدعى عليه وما جرى بينهما على ما ذكرنا، وفي السجل يبدأ
[ ١١ / ١٩١ ]
بالشهادة كما يبدأ في المحضر بالحضور، فيكتب: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا أشهد عليه القاضي فلان ابن فلان، فإن كان خليفة القاضي كتب خليفة القاضي فلان ابن فلان، وإن كان من جهة الإمام كتب في مدينة كذا وهو يومئذ قاضي عبد الله فلان أمير المؤمنين عليها وعلى نواحيها، ويذكر ما في يده من الأعمال، وأرضه وقال: في يوم كذا من شهر كذا من سنة كذا أنه قد ثبت عنده [٧٣/ أ] بإقرارٍ أو شهادة فلان ابن فلان، وفلان ابن فلانٍ وثبتت عدالتهما عنده فسأل فلان ابن فلان أن يحكم له فحكم له به وأنفذه وأمضاه، وأشهد على نفسه بذلك من حضره من الشهود. وإن كان الحاكم لا يعرف من يحكم عليه به فإنه يحكم على يمينه وكتب السجل على ما ذكرنا من اسمه ونسبه وحليته، ويكون الاعتماد على حكمه.
وقال ابن جرير الطبري: إذا لم يعرف اسمه ونسبه لا يكتب ذلك، وهكذا في المحضر لا يقول: ذكر أنه فلان ابن فلان؛ لأنه ربما يزور في ذلك وهذا غلط؛ لأن الاعتماد على الحلية، ولا يمكن أن يزور في الحلية ويغيرها. ثم إذا قلنا يلزمه كتب السجل له، أو قلنا لا يلزمه فكتب له ينبغي أن يكتب نسختين ويدفع إليه إحداهما تكون حجةً في يده وتكون الأخرى عند القاضي، ولا يختم النسخة التي يتركها عند نفسه ويكتب على ظهرها: خصومه فلان ابن فلان ويدعها في القمطر، والقمطر في اللغة دفتر الحساب وغيره يُصَيَّرُ ويجمع في مكانٍ واحدٍ ويعين ويشد، يقال: قمطرت الحساب قمطرةً إذا عينته وشددته، وتسمي العامة السفط الذي يجمع فيه المحاضر والسجلات قمطر، فإذا جمعها فيه ختمها بنفسه، أو قال لأمينه حتى يختمه وهو ينظر إليه، ولا يدعه يدخل يده فيه لئلا يطرح فيه شيئًا، فإذا ختمه أخذه منه ونظر فيه لئلا يختم بغير ختمه، ثم يأمر حتى يحمل إلى موضعه، فإذا كان اليوم الثاني دعا بالقمطر وأبصر الختم ثم فكه بنفسه، أو أمر أمينه به، ولا يزال يفعل ذلك حتى يتم الأسبوع، فإذا كان العمل كثيرًا أو قد استجمعت كتب كثيرة شدها [١٧٣/ ب] وعزلها وكتب عليها: كتبت أسبوع كذا، أو خصومة أسبوع كذا في شهر كذا من سنة كذا، فإذا مضت السنة جمعها كلها في موضع واحدٍ وشدها وكتب عليها: كتبت سنة كذا، أو خصومة سنة كذا، لتكون كتب كل سنةٍ وكل شهرٍ مفردة، فإذا احتاج إليه سهل طلبه والوصول إليه، فلا يذهب وقته ولا يتقاعد عن الاجتهاد في الأحكام.
وقال بعض أصحابنا: إذا كان السجل في الإقرار فلا يكتب فأقر به في مجلس حكمي؛ لأن الإقرار يصح من غير مجلس الحكم، وإذا كان بالبينة يكتب: وذلك في مجلس حكمه وقضائه؛ لأن البينة لا تُسمع إلا في مجلس الحكم، ويكتب الحاكم في محضر الإقرار علامته على رأسه الحمد لله رب العالمين ونحو ذلك، ويكتب في آخر المحضر عند سماع الشهادة: شهدا عندي بذلك، وفي أعلى المحضر علامته على ما ذكرنا.
[ ١١ / ١٩٢ ]
وفي محضر التحليف يكتب: وذلك في مجلس الحكم؛ لأن الاستحلاف لا يكون إلا في مجلس الحكم، وكذلك في الحكم بالنكول ورد اليمين، وفي السجل بالحكم بالحق لا يحتاج أن يذكر محضرًا من المدعى عليه؛ لأن القضاء على الغائب جائز، فإذا أراد أن يذكره احتياطيًا قال بعد أن حضره فأساغ له الدعوى عليه.
وقال في "الحاوي" في هذا الفصل: اعلم أن القضاء هو الفصل لانقضاء التنازع، قال الله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣] الآية، والذي يجب على القاضي في نظره ثلاثة أمورٍ: أحدها: فصل التنازع بين الخصوم.
والثاني: التوثقة فيما ثبت عنده من الحقوق. والثالث: حفظ ما حصل عنده من الحجج والوثائق. أما الأول فله حالتان: إحداهما: أن يكون الحكم فيه واضحًا فيعجل فصله في الوقت المألوف من زمان نظره، ولا يلزمه في الليل وأوقات [١٧٤/ أ] الاستراحة، ولا يجوز له مع المكنة أن يؤخره، فإن أخره أثم إلا أن يحلله الخصوم، فإن اتفق الخصمان على تأخيره لم يكن له تعجيله، وإن دعا أحدهما إلى التعجيل عجل.
والثانية: أن يكون الحكم فيه مشتبهًا فهو على ضربين: أحدهما: أن يكون الاشتباه لاختلاط الدعوى فينبغي أن يأخذها بكشف المشتبه ولا يعجل في الفصل والأمر في كشفه موقوف عليهما، فإذا كشفاه فصل.
والثاني: أن يكون الاشتباك لإشكال الحكم على القاضي لاحتماله عنده، فينبغي أن يقف الحكم على اجتهاده فيه ومشاورته الفقهاء في وجه صوابه، ولا يعجل بفصله مع الاشتباه، وإذا بان اجتهاده لا يؤخره.
وأما الثاني: وهو التوثقة فلا يخلو ثبوت الحق عنده من أحد ثلاثة أضربٍ:
أحدها: أن يثبت بإقرار المدعى عليه، فإذا سأله أن يشهد على نفسه بما ثبت عنده يلزمه. والثاني: أن يثبت باليمين مع النكول فيلزمه الإشهاد أيضًا، وإن سأل كتب المحضر فقد ذكرناه. والثالث: أن يثبت بالبينة، فإن سأل الإشهاد فقد ذكرنا وجهين.
وأما الثالث: فقد ذكرنا كيف يحفظ المحاضر والسجلات.
مسألة: قَالَ: "وَلَا يَقْبَلُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا مِمَّا وَجَدَ فِي دِيوَانِهِ إِلَّا مَا حَفِظَهُ".
الفصل
جملة هذا: أنه إذا تقدم اثنان إلى الحاكم وادعى أحدهما على الآخر حقًا فأنكر فادعى المدعي أن له حجة في ديوان القاضي، فالقاضي يخرج ذلك، فإن لم يذكره ولا شهد عنده به شهود ولكنه وجد عليه خطه وختمه لا يجوز له أن يحكم به، وبه قال أبو حنيفة، ومحمد، وأحمد في رواية.
وقال ابن أبي ليلى وأبو يوسف: يجوز له أن يحكم به وهو رواية أخرى عن أحمد،
[ ١١ / ١٩٣ ]
وهذا لا يصح؛ لأن الحكم أقوى من الشهادة؛ [١٧٤/ ب] لأن الشاهد يخبر والحاكم يلزم، ثم لا يجوز للشاهد أن يشهد لوجود خطة إذا لم يكن ذاكرًا له فالحاكم أولى.
قالوا: إذا كان في قمطرة وتحت ختمه لا يحتمل إلا أن يكون صحيحًا، قلنا: يجوز أن يزور على خطه وختمه، والخط يشبه الخط. وذكر القفال عن أبي يوسف: أن له أن يشهد على الخط أيضًا وفيه نظر. فإن قيل: أليس قلتم إذا وجد بخط أبيه دينًا على رجل في دفتر حسابه له أن يدعيه ويحلف عليه فما الفرق؟ قلنا: قال أصحابنا: يراعى الاحتياط في الحكم والشهادة، فلا يحكم فيهما إلا بالعلم، وفي المعاملة يكفي عليه الظن، ولهذا يقبل خبر الواحد فيها وهذا ضعيف؛ لأن الحاكم يحكم بشهادة شاهدين ويمين المدعي عند الرد، وإن كان قبلنا ذلك. والأولى أن يقال: إذا أمكنه الرجوع فيما حكم به إلى ذكر نفسه؛ لأنه فعل نفسه فروعي فيه ذلك، وأما ما كتبه أبوه فلا يمكن الرجوع فيه إلى اليقين، فيكفي فيه غلبة الظن، وكذلك إذا وجد الإنسان بخط نفسه حقًا على الرجل فلا يطالب به ولا يحلف عليه إلا أن ينفيه.
مسألة: قَال: "وَلَوْ شَهِدَ عِنْدَهُ شُهُودٌ أَنَّهُ حَكَمَ بِحُكْمٍ فَلَا يُبْطِلُهُ وَلَا يُحقُّهُ إِذَا لَمْ يَذْكُرْهُ".
اعلم أنه إذا ادعى رجل على رجلٍ حقًا عند الحاكم وادعى أنه أقر به عنده نظر، فإن كان له بينة تشهد أنه أقر له عنده حكم به عليه وإن لم يذكره؛ لأن البينة لو شهدت بإقراره مطلقًا في غير مجلس الحكم حكم بها فههنا أولى أن يحكم بها، وإن لم يكن له بينة فذكر الحاكم أنه أقر له به عنده فهل يحكم بعلمه؟ قولان على ما سنذكره، وإن ذكر المدعي أنه حكم له بالحق عليه حاكم غيره، فإن أقام بينةً [٧٥/ أ] على ذلك ألزمه الحاكم الحق وأنفذ الحكم، وإن لم يكن له بينة وادعى على الحاكم والحاكم لا يعلم ذلك هل يحكم بعلمه؟ فعلى ما ذكرنا من القولين، وإن ادعى أنك أيها الحاكم حكمت لي عليه بهذا الحق نظر، فإن تذكره ألزمه إياه وإلا يكون هذا حكمًا بالعلم، وإنما هو إمضاء ما حكم به، وإن لم يذكره القاضي فشهد عنده شاهدان على حكمه لم تقبل الشهادة على فعل نفسه، وبه قال أبو حنيفة وأبو يوسف.
وقال ابن أبي ليلى، ومحمد، وأحمد؛ يقبل؛ لأنهما لو شهدا عنده أن غيره حكم به يقبل، فكذلك إذا شهدا عنده بحكمه وجب أن يحكم لأنهما شهدا بحكم حاكم وهذا لا يصح؛ لأنه يمكنه الرجوع إلى الاحتياط والعلم في نفسه فلا يرجع إلى الظن، كالشاهد إذا نسي شهادته فشهد عنده شاهدان أنه شهد بذلك لم يكن له أن يشهد، ويخالف حكم غيره؛ لأنه لا يمكنه أن يرجع إلى العلم واليقين فيه، ولهذا نقول: من شك في صلاته فلم يدر أثلاثًا صلى أم أربعًا يبني على الأقل؛ لأنه اليقين، ولا يعمل على قول المأمومين. فإن قيل: أليس النبي ﷺ قبل قول أبي بكر وعمر ﵄ في خبر ذي اليدين حين سلم
[ ١١ / ١٩٤ ]
في صلاته من ركعتين؟ قلنا: عمل على يقينه ولكنه تذكر عند قولهما.
فإذا تقرر هذا قال الشافعي ﵁: إلا أن الحاكم إذا لم يتذكر لا يجوز له أن يبطله، ولا يجوز له أن يحقه، ولكنه يتوقف عنه حتى لو رفع إلى حاكم آخر يمضيه وجوبًا. فإن علم حاكم آخر أنه أنكره فلا ينبغي له أن يقبله، وأراد به أن الحاكم إذا لم يعلم وأنكر أن يكون حكم به ثم رفع إلى غيره لا يجوز له أن أن يمضيه؛ لأنه بالإنكار قد كذب الشاهدين اللذين يشهدان [١٧٥/ ب] بحكمه.
ومن أصحابنا من قال: إذا شهد عند الثاني شاهدان أن الأول توقف على الحكم لم يجز للثاني أن يحكم به؛ لأنه يمضي حكمه على حكم الأول، فهو فرع له، فإذا ثبت أن الأصل توقف فيه لم يجز للفرع أن ينفذ، كما لو شهد شهود الفرع عند الحاكم ثم قامت البينة أن شاهدي الأصل توقفا عن الشهادة لا يحكم بشهادة شهود الفرع، فأما إذا توقف نفذه الثاني، ولهذا قال الشافعي -﵁-: الأول لا يبطله ولا يحقه حتى يجوز له من بعده تنفيذه، وهكذا ذكر القفال ﵀ من غير شبهةٍ، وقيل: فيه وجهان.
وقال أبو بكر الأزدي: لا يحكم به الثاني؛ لأن توقفه أورث تهمةً وشبهةً، وهذا أيضًا غلط لما ذكرنا من النص. وقال بعض أصحابنا: وهكذا رواية الإخبار لا تجوز عندنا بأن يرى سماعه في كتابٍ من كتب الحديث ما لم يحفظه على وجهه من يوم سمعه إلى يوم رواه. وإن كان نسي فالآن يتذكر بالحديث على وجهٍ فيروى. ومعنى قولنا: "يحفظ على الوجه" أي الألفاظ التي يختلف الحكم باختلافها، فأما إذا روى له إنك رويت لنا كذا عن فلانٍ، فإن له أن يروي ذلك، كما كان سهيل بن أبي صالح يقول: حدثني ربيعة بن أبي عبد الرحمن عني عن أبي هريرة؛ لأنه كان يروي لربيعه حديثًا ثم نسيه، فرواه له ربيعة عن نفسه.
وفي الحقيقة لا فرق بين المسألتين لأن وزان هذا أن يقول الحاكم: قد شهد فلان عندي أني حكمت بكذا فلا يضر أن يقبل ويكتب السجل هكذا، وإنما لا يجوز أن يسمع مثل هذه الشهادة، ثم يقول: حكمت على فلان بكذا، أو يمضي الحكم الأول فيأخذ به الحق.
وقال بعض أصحابنا في [١٧٦/ أ] الأخبار: إن غاب عنه كتاب الحديث لا يجوز له أن يروي بحفظه لاحتمال أنه زيد فيه، وإن لم يغب عنه ذلك جاز أن يوريه بخطه وإن كان لا يتذكر بخلاف الشهادة؛ لأنه يشترط في الشهادة ويشدد فيها ما لا يشترط في الرواية ولا يشدد، ألا ترى أنه يقول: حدثنا فلان عن فلانٍ، ولو قال: حدثني فلان عن فلانٍ أنه يشهد لم يقبل.
[ ١١ / ١٩٥ ]
[ق ٢ أ]