مسألة: قال: كل شراب أسكر كثيره فقليله حرام.
اعلم أن الأصل في تحريم الخمر الكتاب والسنة والإجماع، أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ [البقرة: ٢١٩] وأيضًا قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ﴾ [الأعراف: ٣٣] والإثم الخمر، قال الشاعر:
شربت الإثم حتى ضل عقلي كذاك الإثم يذهب بالعقول
وأيضًا قوله تعالى ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ الآية إلى قوله تعالى: ﴿مُّنتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١ - ٩٢] وروي عن أبي ميسرة أنه قال: قال عمر ﵁: اللهم بين لنا في الخمر بيانًا شافيًا فنزل ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ إلى قوله ﴿مُّنتَهُونَ﴾ فحين سمعها عمر قال: انتهينا انتهينا. فهذه أربع آيات في تحريم الخمر، وأما السنة فما روى عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ أن النبي ﷺ قال: "الخمر أم الخبائث" وروى ابن عمر أن النبي ﷺ قال: لعن الله الخمر وشاربها" الخبر وأيضًا روى ابن عمر أن النبي ﷺ قال: "كل مسكر خمر [١٠٦/ب] وكل مسكر حرام ومن مات وهو يشرب الخمر يدمنها لم يشربها في الآخرة" ومدمن الخمر هو الذي يتخذها ويتعاهدها، وقال النضر بن شميل: من شرب الخمر إذا وجدها فهو مدمن للخمر، وإن لم يتخذها وقوله: "لم يشربها في الآخرة" قيل: معناه لم يدخل الجنة لأن الخمر شراب أهل الجنة إلا أنه لا غول فيها ولا نزف، وأيضًا روى أنس بن مالك ﵁ قال: كنت ساقي القوم يوم حرمت الخمر في بيت أبي طلحة وما شرابهم إلا الفضيخ البسر والتمر فإذا مناديًا ينادي، فقال: اخرج فانظر، فخرجت فإذا مناد ينادي ألا إن الخمر قد حرمت فقال: اخرج فاهرقها فهرقتها فجرت في سكك المدينة، وأيضًا روى وعلة
[ ١٣ / ١١٩ ]
المصري سأل ابن عباس عما يعصر من العنب فقال ابن عباس: أهدى رجل لرسول الله ﷺ راوية خمر فقال النبي ﷺ له: "علمت أن الله حرمها" فقال: لا فسار إنسانًا إلى جنبه فقال: بم ساررته؟ فقال: أمرته ببيعها فقال رسول الله ﷺ: "إن الذي حرم شربها حرم بيعها" ففتح المزادة حتى ذهب ما فيها، وأيضًا روى أنس ﵁ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ واليتامى في حجره وكان عنده خمر حين حرمت الخمر فقال يا رسول الله: أصنعها خلًا قال: لا وصبها حتى سالت في الوادي، [١٠٦/أ] وأيضًا روى ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: "من شرب الخمر في الدنيا لم يشربها في الآخرة إلا أن يتوب" وأيضًا روى جابر ﵁ أن رجلًا قدم من جيشان وجيشان من اليمن فسأل رسول الله ﷺ عن شراب يشربونه بأرضهم من الذرة فقال له: المزر فقال النبي ﷺ ومسكر هو؟ قال: نعم فقال: "كل مسكر حرام إن الله تعالى عهد لمن شرب المسكر أن يسقيه من طينة الخبال"، قالوا: يا رسول الله ما طينة الخبال قال: "عرق أهل النار وعصارة أهل النار"، وأيضًا روى عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ أن النبي ﷺ قال: "من ترك الصلاة سكرًا مرة واحدة فكأنما كانت له الدنيا وما عليها فسلبها ومن ترك الصلاة سكرًا أربع مرات كان حقًا على الله أن يسقيه من طينة الخبال" قيل: وما طينة الخبال قال: عصارة أهل جهنم.
وأيضًا روي عن سالم بن عبد الله عن أبيه أن أبا بكر وعمر ﵄ وناسًا من أصحاب رسول الله ﷺ جلسوا بعد وفاة رسول الله ﷺ فذكروا أعظم الكبائر فلم يكن عندهم علم ينتهون إليه فأرسلوني إلى عبد الله بن عمرو بن العاص أسأله عن ذلك فأخبرني أن أعظم الكبائر شرب الخمر فأتيتهم فأخبرتهم [١٠٦/ب] فأنكروا ذلك ووثبوا جميعًا حتى أتوه فأخبرهم أن رسول الله ﷺ قال: "إن ملكًا من بني إسرائيل أخذ رجلًا فخيره بين أن يشرب الخمر أو يقتل صبيًا أو يزني أو يأكل من لحم خنزير أو يقتلوه إن أبى فاختار شرب الخمر فإنه لما شرب الخمر لم يمنع من كل شيء أرادوه منه"، وأن رسول الله ﷺ قال لنا مجيبًا: "ما من رجل يشربها فتقبل له صلاة أربعين ليلة ولا يموت وفي مثانته منها شيء إلا حرمت عليه الجنة فإن مات في الأربعين ليلة مات ميتة جاهلية".
[ ١٣ / ١٢٠ ]
وأما الإجماع فلا خلاف بين المسلمين في تحريمها وكان بعض الصحابة يعتقد إباحتها في أول الإسلام منهم قدامة بن مظعون وعمرو بن معدي كرب وكانوا يتأولون قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوا وَّآمَنُوا﴾ [المائدة: ٩٣] الآية فأنكرت الصحابة عليهم وبينوا أن هذه الآية مخصوصة في الخمر فرجعوا عن القول وأجمعوا على تحريمها فمن استحلها اليوم كفر.
واعلم أن عندنا العصير يصير خمرًا بشرطين: الشدة، والسكر، وقال أبو حنيفة: يشترط شرط آخر وهو أن يقذف بزبده، وقيل: سمي خمرًا لأنه يخمر عصيره في الإناء أي: يغطى حتى يصير خمرًا ولو لم يغط لم يصر خمرًا والتخمير: التغطية، وقيل: [١٠٧/ أ] سمي خمرًا لأنه يخامر العقل بالسكر أي: يغطيه، واعلم أن المسلمين كانوا يشربونها في أول الإسلام، واختلف أصحابنا فيه، فمنهم من قال: كانوا يشربونها استصحابًا لحالهم في الجاهلية لأنه لم يتقدم منع منها ولا تحرم وهذا أشبه، وقال بعضهم: استباحوا شربها بشرع ورد فيه وهو قوله تعالى: ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ [النحل: ٦٧] فالسكر: ما أسكر من الخمر والنبيذ والرزق الحسن ما اتخذ من التمر والزبيب والرطب وهذا قول ابن عباس ﵁ ومجاهد وقتادة وسعيد بن جبير ثم نسخ هذا بتحريم الخمر، وقيل: السكر: الخل بلغة الحبشة، وقيل: بلغة أزد عمان، وقيل: السكر: الطعام والرزق الحسن والإيمان. ثم نزل تحريم الخمر، وقيل في سبب تحريمها: أن قبيلتين من الأنصار ثملوا من الشرب فعبث بعضهم ببعض حتى وقعت الضغائن في قلوبهم فأنزل الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلامُ﴾ [المائدة: ٩٠] الآية، وقيل: إن سعد بن أبي وقاص صنع طعامًا ودعا ناسًا من الصحابة وشوى لهم رأس بعير وفيهم رجل من الأنصار فعضب من شيء تكلم به سعد بن أبي وقاص فكسر أنفه بلحي جمل فأنزل الله تعالى تحريمها.
وقيل: إن رجلًا سكر من الخمر فجعل ينوح على قتلى بدر فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فغضب وأقبل الرجل [١٠٧/ب] فرفع رسول الله ﷺ شيئًا كان بيده ليضربه فقال: "أعوذ بالله من غضب الله وغضب رسول الله لا أطعمها أبدًا" فنزل تحريمها. وقيل: إن عبد الرحمن بن عوف صنع طعامًا وشرابًا ودعا نفرًا من الصحابة فأكلوا وشربوا حتى ثملوا فقدموا رجلًا منهم يصلي بهم المغرب فقرأ: قل يا أيها الكافرون أعبد ما تعبدون وأنت عابدون ما أعبد وأنا عابد ما عبدتم لكن دينكم ولي ديني، فنزل قوله تعالى: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء: ٤٣] الآية، وقيل: سبب تحريمها ما روى أبو ميسرة أن عمر ﵁ قال: اللهم بين لنا في الخمر على ما ذكرنا فهذه خمسة أقوال في سبب تحريهما، وقال الحسن البصري: تحريم الخمر بالآية التي في سورة البقرة وقرأ حمزة: ﴿قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ وما كثر إثمه لم تجز استباحته وكان ما بعدها
[ ١٣ / ١٢١ ]
مؤكدًا، وقال بعض أصحابنا المتأخرين: تحريمها بقوله تعالى في سورة الأعراف والإثم لما فيها من صريح التحريم، وقال قتادة وهو قول الأكثرين تحريمها بالآية التي في المائدة ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ [المائدة: ٩١] الآية.
وروي أنه لما نزل تحريم الخمر قالوا: يا رسول الله كيف بإخواننا الذين شربوها وماتوا؟ فأنزل الله تعالى ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ [المائدة: ٩٣] أراد من المباحات غير المحرمات. وقيل: من الخمر قبل التحريم [١٠٨/أ] إذا ما اتقوا في باقي أمر الله تعالى بالقول، وقيل في أداء الفرائض: وآمنوا يعني بالله ورسوله وعملوا الصالحات أي البر والمعروف ثم اتقوا وآمنوا فيه وجهان: أحدهما: المخاطب بها غير الذي خوطب بالتقوى الأولى وإن الأولى لمن شربها قبل التحريم، والثانية لمن شربها بعد التحريم، والثانية لمن شربها بعد التحريم فكرر ذكرها لاختلاف المخاطب، والثاني: المخاطب بهما واحد وكرر ذلك لاختلاف المراد بها وفيه وجهان: والثاني: المخاطب بهما واحد وكرر ذلك لاختلاف المراد بها وفيه وجهان: أحدهما: المراد بالأولى فعل الطاعات، وبالثانية اجتناب المعاصي، والثاني: المراد بالأولى جملة الفرائض، والثانية عمل النوافل ﴿ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا﴾ أي في هذه التقوى، وفي الثالثة ثلاثة أوجه: أحدهما: بالإقامة على التقوى، والثاني: توفي الشبهات. والثالث: إنابة المحسن والعفو عن المسيء، وحكي عن الحسن وطائفة المتكلمين: أنها تحرم إذا كانت صرفًا ولا تحرم إذا مزجت بغيرها وهذا غلط لأنه يؤدي إلى إبطال مقصود التحريمولجاز شربها إذا ألقي فيها عود ونحو ذلك، فإذا تقرر هذا فمن شرب الخمر يلزمه الحد بلا خلاف قليلًا كان أو كثيرًا، ويفسق شاربها لما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "إذا شربوا الخمر فاجلدوهم ثم إن شربوا فاجلدوهم ثم إن شربوا فاجلدوهم ثم إن شربوا فاقتلوهم" وقد صار القتل منسوخًا وروي قبيصة [١٠٨/ب] ابن ذؤيب أن النبي ﷺ أتي برجل شرب الخمر فجلده ثم أتي به ثانيًا فجلده، ثم أتى به ثالثًا فجلده، ثم أتي به رابعًا فجلده أربع مرات وقد قال الشافعي: لا أعلم في هذا خلافًا من أهل الفتيا، وإن أتي به خامسًا أو سادسًا فيجد أبدًا، ولا يقتل، ولو تكررت منه الشرب قبل إقامة الحد لم يحد إلا مرة لأن حدود الله تعالى تتداخل.
ثم اعلم أن الخمر المتفق على تحريمها هي: عصير العنب الذي اشتد وقذف زبده وهكذا إن أغلي واشتد حتى أسكر، وبه قال أبو يوسف ومحمد وقد ذكرنا عن أبي حنيفة أنه يشترط أن يزبد وأما ما عداها من الأشربة مطبوخًا كان أو نيئًا لا فرق بين شيء من ذلك هنا في الحكم وبه قال عمر وعلي وابن عباس وابن عمر وابن مسعود وأبو هريرة وسعد ابن أبي وقاص وعائشة ﵃ ومالك والأوزاعي وأحمد
[ ١٣ / ١٢٢ ]
وإسحاق، وقال أبو حنيفة: الأنبذة على أربعة أضرب: أحدها: الخمر يحرم قليلها وهي ما ذكرنا عنه، والثاني: المطبوخ من عصير العنب إن ذهب أقل من ثلثه فهو حرام أيضًا، وإن ذهب ثلثه فهو حلال إلا ما يسكر منه، وقيل عنه: إذا طبخ يسيرًا يكون حرامًا ولكن لا حد فيه ما لم يسكر وإن طبخه عنبًا فيه روايتان: أحدهما: يجري مجرى عصيره والمشهور أنه حلال وإن لم يذهب ثلثاه، والثالث: نقيع التمر والزبيب [١٠٩/أ] إذا اشتد يكون حرامًا ولا حد لأنه مختلف فيه كالوطء المختلف فيه وإذا طبخا حتى اشتدا كانا حلالين إلا السكر منهما ولا يعتبر أن يذهب ثلثاهما، والرابع: نبيذ الحنطة والذرة والشعير والأرز والعسل ونحو ذلك فإنه حلال سواء كان نقيعًا أو مطبوخًا. وروى الحسن بن زياد عنه أنه قال: لا يحد من سكر من ذلك والسكر محرم وجميع الأنبذة عنده طاهرة وإن حرم سوى الخمر، وروي مثل قول أبي حنيفة في المطبوخ عن عمر وعلي وابن مسعود في رواية والخلاف معه في خمسة فصول: أحدها: أن الكل سمي خمرًا حقيقة وهو قول المزني واختيار أكثر أصحابنا لأن الاشتراك في الصفة تقتضي الاشتراك في الاسم، وقال بعض أصحابنا: سمي خمرًا مجازًا لا حقيقة لأنهما يختلفان في بعض الصفات وتحريم الكل بالآية، وقال بعضهم: لا يسمى خمرًا بل هو محرم بالسنة وعند أبي حنيفة لا يسمى خمرًا، والثاني: أن قليل المطبوخ حرام عندنا خلافًا له، والثالث: في وجوب الحد في قليل نقيع التمر والزبيب النيئ، والرابع: في سائر الأنبذة من الحبوب وعندها لا يفسق شارب النبيذ إذا كان متأولًا ولكنه يحد، وقال مالك: يفسق كما يحد وهذا لا يصح لأنه بعد التوبة يحد وإن زال الفسق، والخامس: أن تحريم الخمر يعلل بعلة الشدة [١٠٩/ب] وعند أبي حنيفة حرمت الخمرة لعينها لا لعلة، وقيل: والسادس: في طهارتها ونجاستها، واحتجوا بما روي عن ابن عباس ﵁ أن النبي ﷺ قال: "حرمت الخمر لعينها والسكر من كل شراب" وروى أبو بردة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "اشربوا ولا تسكروا"، وروي أنه ﷺ كان في الطواف فدعا بشراب فشرب ثم قطب وجهه وقال: "إذا اغتلمت هذه الأشربة فاكسروا بالماء"، ودليلنا ما روى النعمان بن بشير ﵁ أن النبي ﷺ قال: "إن من العنب خمرًا، وإن من التمر خمرًا وإن من العسل خمرًا، وإن من البر خمرًا، وإن من الشعير خمرًا".
وروى ابن عمر عن عمر ﵄ قال: نزل تحريم الخمر يوم نزل وهي من
[ ١٣ / ١٢٣ ]
خمسة من العنب، والتمر، والعسل، والحنطة، والشعير، والخمر: ما خامر العقل وفيه إثبات القياس وإلحاق الشيء بنظيره وروى أبو هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "الخمر من هاتين الشجرتين النخلة والعنبة" ومعناه معظم ما يتخذ من الخمر منهما، وإن كانت الخمر تتخذ من غيرهما، وروى جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال: "ما أسكر كثيرة فقليله حرام" وروت عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: "كل مسكر حرام [١١٠/أ] وما أسكر منه الفرق فملء الكف منه حرام" والفرق: مكيلة تسع ستة عشر رطلًا، وروت: "فالمجة منه حرام"، وقيل: للعرب أربعة مكائيل: المد والقسط: وهو ضعف المد والصاع والفرق وهو: ثلاثة أضعاف الصاع، وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رجلًا من الأنصار أتى رسول الله ﷺ فقال: إنا نصنع شرابًا نشربه عند غدائنا وعشائنا فقال: "كل مسكر حرام" فقالوا: يا رسول الله أرأيت إن عمد أحدنا إلى الشربة فمذقها بالماء؟ فقال: "حرام قليل لما أسكر كثير"، وروي أن أبا موسى الأشعري ﵁ قال حين عاد من اليمن: يا رسول الله شرابان بأرضنا البتع من العسل نبيذ حتى يسكر، والمزر من الشعير نبيذ حتى يسكر فقال: حرام كل مسكر أسكر عن الصلاة.
وروى أنس ﵁ قال: كل مسكر حرام وإن كان القراح، وروى أبو مالك الأشعري ﵁ أن النبي ﷺ قال: "ليشربن أناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها"، وروى الحميدي بإسناده عن ديلم الحميري أنه قال: قلت: يا رسول الله إنا في أرض باردة نعمل فيها عملًا شديدًا، وإنا نتخذ شرابًا من هذا القمح فنتقوى به على أعمالنا وعلى برد بلادنا فقال: هل يسكر؟ قلت: نعم قال: فاجتنبوه قال: فإن الناس غير تاركيه قال: فإن لم يتركوه فاقتلوهم رواه أحمد في كتاب الأشربة.
وروى عبد الله بن عمر [١١٠/ب] أن النبي ﷺ نهى عن الخمر والميسر والكوبة والغبيراء وقال: "كل مسكر حرام" والكوبة قيل: الطبل، وقيل: النرد وروت أم سلمة أن النبي ﷺ نهى عن كل مسكر ومفتر، والمفتر: كل شراب يورث الفتور والخدر في
[ ١٣ / ١٢٤ ]
الأطراف وهي مقدمة السكر فنهى عن شربه لئلا يكون ذريعة إلى السكر، وقال أنس فيه: حرمت علينا الخمر حين حرمت وما نجد لخمور الأعناب إلا القليل وعامة خمورهم البسر والتمر وروي عن ابن عباس ﵁ أنه سئل عن الطلا وهو العنب يعصر ثم يطبخ ثم يجعل في الدنان قال: أيسكر؟ قالوا: إذا أكثر منه يسكر قال: فكر مسكر حرام، وقال أيضًا: إن النار لا تحل شيئًا ولا تحرمه، وأما الدليل على تحريم الخمر فعلل في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ﴾ [المائدة: ٩١] وهو صريح في التعليل وإن العصير قبل حدوث الشدة المطربة فيه حلال فإذا حدثت الشدة حرمت فإذا زالت الشدة؛ إن تحللت حل فدل على أن العلة هي الشدة المطربة.
وأما خبر ابن عباس قلنا: وقال أحمد بن حنبل: والسكر من كل شراب بفتح السين والكاف وأراد به المسكر فهو دليلنا في تحريم جنس المسكر ومعنى الخبر حرمت الخمر بالنص الظاهر والمسكر ملحق بها بالسنة اسمًا وحكمًا، وأما الخبر الثاني قال أصحاب الحديث: [١١١/ أ] وهم أبو الأحوص فيه والصحيح لا تشربوا مسكرًا، وأما الخبر الآخر قلنا: روينا عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: علمت أن رسول الله ﷺ كان يصوم فتحينت فطره بنبيذ صنعته في دباء ثم أتيته به فإذا هو هش فقال: اضرب بهذا الحائط فإن هذا شراب من لا يؤمن بالله واليوم الآخر وروي عن عبد الله بن الديلمي أنه قال: قلت: يا رسول الله إن لنا أعنابًا ما نصنع بها؟ فقال: زببوها قلنا: ما نصنع بالزبيب؟ قال: امذوه على غذائكم واشربوه على عشائكم وابنذوه في الشنان ولا تنبذوه في القلل فإنه إذا تأخر عن عصره صار خلًا، والشنان الأسقية من الأدم وغيرها وواحد شن، والقلل: الجرار الكبار واحدها قلة، وقالت عائشة ﵂: كان ينبذ لرسول الله ﷺ في سقاء فولي أعلاه وله عزلًا ينبذ غدوه فيشربه عشاء وينبذ عشاء فيشربه غدوة، والعزلاء: فم المزادة وقد يكون السقاء من أسفله، وقالت عائشة: كنت آخذ قبضة من تمر وقبضة من زبيب وألقيه في إناء فأمرسه ثم أسقيه النبي ﷺ، والمرس والمرت: بمعنى واحد وهو الدلك بالأصابع في الماء وهذا كله يدل على أنه لم يكن حرام والحرام شرب المسكر، وإنما يشرب الحلو لأن مياههم كانت مالحة ويؤكد ما ذكرنا أن الخمر [١١١/ب] اختلفت أسماؤها ولم يختلف حكمها فكذلك النبيذ اختلفت أسماءه، ولم يختلف حكمه، فمن أسمائه الخمر العقار سميت بذلك لأنها تعاقر الإناء أي: تقيم فيه، والقهوة لأنها تقهي عن الطعام أي: تقطع شهوته، والسلاف: وهو الذي يخرج من العنب بغير اعتصار.
[ ١٣ / ١٢٥ ]
ومن أسماء النبيذ السكر وهو الذي لم يطبخ، والباذق: وهو المطبوخ، والفضيخ: وهو البسر سمي به لافتضاح البسر فيه والبتع من العسل لأهل اليمن، والمزر من الذرة لأهل الحبشة والمزاء من أشربة أهل الشام والسكر: وهو نقيع التمر الذي لا تمسه النار، والسكركة من الأرز لأهل الحبشة والجعة من الشعير، وروي مرفوعًا أنه نهى عن الجعة والخلطتان ما جمع فيه من بسر وعنب أو بين تمر وزبيب والمصنف ما ذهبنصفه وبقي نصفه والمثلث ما ذهب ثلثه وبقي ثلثاه، والطلا ما بقي ثلثه وذهب ثلثاه ومنه الجمهوري وهو ما يجمد فإذا أريد شربه يحل بالماء والنار ويسميه أهل فارس البلنجيح فإذا كان كذلك جاز أن يختلف اسم الخمر والنبيذ وتتفق أحكامهما من أجل الشدة كما اتفقت أحكام الخمر وأحكام النبيذ مع اختلاف الاسم للاشتراك في الشدة وهذا دليل من سلم اختلاف الأسماء وهو قول طائفة من أصحابنا وتأثير ذلك في أن من أطلق النبيذ اسم الخمر حرمه بالنص ومن لم يطلق [١١٢/ أ] حرمه بالقياس، فإن قيل: ما معنى ما روى ابن عمر وابن عباس أن النبي ﷺ نهى عن الدباء والمزفت والحنتم والنقير وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال لوفد عبد القيس: أنهاكم عن النقيروالمقير والحنتم والدباء والمراد المجبوبة ولكن اشرب في سقائك وأوكه، قلنا: الدباء القرع، وقال أبو بكر الثقفي: إنا معشر ثقيف كنا بالطائف نأخذ الدباء يعني اليقطينة من القرع فنخرط فيها عناقيد العنب ثم ندفنها حتى تهدر ثم تموت، وأما المزفت فالوعاء الذي يطلى بالزفت، وأما الحنتم: فجرار خمر كانت تحمل إلينا فيها الخمر، وقال الأصمعي: هي الجرار الخضر خاصة، وقال آخرون: كل نوع من الجرار حنتم وإن اختلفت ألوانها وهذا أصح لما روى ابن أوفى أن النبي ﷺ نهى عن نبيذ الجر الأخضر والأبيض والأحمر، وأما النقير فإن أهل اليمامة كانوا ينقرون أصل النخلة ثم ينبذون الرطب البسر ويدعونه حتى يهدر ثم يموت والمزادة المجبوبة هي التي ليست بها عزلاء من أسفلها تتنفس منها والشراب قد يتغير فيها ولا يشعر به صاحبها، وفي نهيه عن الانتباذ في هذه الأواني تأويلان: أحدهما: أنه كان ذلك قبل تحريم الخمر فجعل النهي عن هذه الأواني مقدمة [١١٢/ب] يتوطئون بها على ما يرد بعدها من تحريم الخمر لأنهم قد كانوا ألفوها فوطأهم لتحريمها، والثاني: أنه كان بعد التحريم وإباحتهم غير المسكر وهذه الأواني يعجل إسكار شرابها فنهى عنها ليطول مكث ما لا يسكر في غيرها، وقال أبو سليمان الخطابي: إنما نهى عنها لأن لها ضراوة
[ ١٣ / ١٢٦ ]
يشتد فيها النبيذ فلا يشعر بذلك صاحبها فيكون على غرور من شرابها والصحيح أنه صار منسوخًا بحديث بريدة الأسلمي أن النبي ﷺ قال: كنت نهيتكم عن الأوعية فاشربوا في كل وعاء ولا تشربوا مسكرًا، وقال مالك وأحمد وإسحاق: الخطر باق ولا يحل الانتباذ في هذه الأوعية، وروي ذلك عن ابن عمر وابن عباس ﵃، فإن قيل: ما معنى ما روى جابر ﵁ أن النبي ﷺ نهى أن ينتبذ الزبيب والتمر معًا ونهى أن ينبذ البسر والرطب والتمر جميعًا؟ قلنا: قال بعض العلماء: يحرم الخليطان، وإن لم يكن مسكرًا لظاهر الحديث، وبه قال عطاء وطاوس ومالك وأحمد وإسحاق وعامة أهل الحديث، وقالوا: من شرب الخليطين قبل حدوث الشدة فيه فهو آثم من جهة واحدة، وإذا شرب بعد حدوث الشدة كان آثمًا من جهتين: أحدهما: شرب الخليطين [١١٣/ أ] والأخرى: شرب المسكر، وقال الليث بن سعد: إنما جاءت الكراهة أن ينبذا جميعًا لأن أحدهما يشد صاحبه وبه قال الثوري وأبو حنيفة وهو مذهب الشافعي ﵁، فإن قيل: ما معنى ما روى ابن عباس ﵁ أن النبي ﷺ "نهى عن الشرب في السقاء" وروى أبو سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ "نهى عن اختناث الأسقية ونهى عن الشرب من ثلمة القدم وأن ينفخ في الشراب" وروى أنس أن النبي ﷺ نهى أن يشرب الرجل قائمًا، وروى ابن عباس أن رسول الله ﷺ "نهى أن يتنفس في الإناء أو ينفخ فيه"، قلنا: إنما كره الشرب من السقاء من أجل ما يخاف من أذى عساه يكون فيه ولا يراه الشارب حتى يدخل جوفه فاستحب له أن يشربه في إناء ظاهر يبصره، وروي أن إنسانًا شرب من في سقاء فانساب جان فدخل جوفه، وأما اختناث الأسقية هو أن يثني رؤوسها ويعطفها ثم يشرب منها وسمي المخنث مخنثًا لتكسره وتثنيته، وقيل: إن النهي في ذلك لأن الشراب غذا دام فيه تخنث وتغيرت رائحته، فإن قيل: روى أبو داود بإسناده أن النبي ﷺ قال لرجل [١١٣/ب] أخنث فم الإداوة ثم اشرب من فيها فكيف الجمع بين الخبرين؟
قلنا: يحتمل أن النفي جاء في السقاء الكبير دون الأداوة ويحتمل أنه أباحه للضرورة والحاجة إليه في الوقت والنهي للعادة، وقيل: أمر به لسعة فم السقاء لئلا ينصب عليه الماء وأما النهي عن الشرب من ثلمه القدم فلأنه إذا شرب منها سال على وجهه ولحيته
[ ١٣ / ١٢٧ ]
ولوثه لأن الثلمة لا يتماسك عليها شفة الشارب كما يتماسك على الموضع الصحيح من الكوز والقدح، وقيل: إنه مقعد الشيطان والمعنى فيه أن موضع الثلمة لا يناله التنظيف التام إذا غسل الإناء فيكون شربه على غير نظافة وذلك من فعل الشيطان وتسويله، وكذلك إذا سال الماء من الثلمة على وجهه وثوبه فإنه من إيذاء الشيطان وتسويله، وكذلك إذا سال الماء من الثلمة على وجهه وثوبه فإنه من إيذاء الشيطان إياه.
وأما النهي عن الشرب قائمًا: فهو نهي تأديب وتنزيه لأنه أحسن وأرفق بالشارب، وروي أن النبي ﷺ شرب قائمًا وتأويله في حال الضرورة الداعية إليه وكان بمكة شرب من ماء زمزم قائمًا لازدحام الناس عليه، وأما النهي عن التنفس والنفخ من أجل ما يخاف أن يبرز من ريقة ورطوبة فمه فيقع في الماء وقد تكون النكهة في بعض من يشرب متغيرة [١١٤/أ] فتعلق الرائحة بالماء لرقته ولطافته فيكون الأحسن في الأدب أن يتنفس بعد إبانة الإناء عن فيه ولا حاجة إلى النفخ لأنه لأحد معنيين إن كان لحرارة الشراب فليصبر حتى يبرد، وإن كان من أجل قذى يبصره فيه فليمطه بإصبع أو بحلال أو نحو ذلك.
فرع
لو طبخ لحمًا بخمر وأكل مرقتها حد، وكذلك لو نثر فيها خبزًا لأن عين الخمر موجودة في المرقة والثريد، ولو أكل اللحم لم يحد لأن عين الخمر غير موجودة في اللحم وإنما فيه طعمه وإن عجن دقيقًا بخمر وخبزه فأكل الخبز لا يحد لأن عين الخمر أكلتها النار وبقي خبز نجس.
فرع آخر
لو استعط بالخمر أو احتقن لم يحد لأنه ليس بشرب ولا أكل.
فرع آخر
كل شراب مسكر لا يجوز بيعه وهو نجس، وقال أبو حنيفة: يجوز بيعها جميعًا إلا الخمر، وقال أبو يوسف ومحمد: لا يجوز بيع نقيع التمر والزبيب ويجوز بيع الباقي منها وبنوا ذلك على إباحتها عندهم، واحتج أبو حنيفة بالتمر ولو كان محرمًا مختلف في إباحته فجاز بيعه ودليلنا أنه شراب محرم أو شراب فيه شدة مطربة فلا يجوز بيعه كالخمر.
فرع آخر
إذا عجن الند بالخمر كان نجسًا لا يجوز بيعه ولو تبخر به هل ينجس؟ فيه وجهان ذكرهما القاضي الطبري.
مسألة: قال: ولا يحد إلا بأن يقول: شربت الخمر [١١٤/ب].
الفصل
واعلم أنه لا يجب الحد إلا أن يقر فيقول: شربت الخمر أو يقول شربت ما يسكر أو يشهد عليه شاهدان عدلان أو يشرب من إناء مع نفر فيسكر بعضهم فيعلم أن الشراب
[ ١٣ / ١٢٨ ]
مسكر وأنه يجب عليه الحد وليس مراد الشافعي ﵁، ولكنه أراد أن الشارب إذا شرب وهو عالم بأنه مسكر ونحن لا نعلم فسكر بعض من شرب معه وجب عليه الحد، فإذا لم يعلم الشارب صفة الشراب إلا بعد الشرب فلا حد عليه، فإن قيل: أليس قال الشافعي ﵁ في رواية الربيع: لو شرب شرابًا ولم يعلم أنه مسكر فسكر فعليه الحد؟ قلنا: هذه المسألة أيضًا من مشكلات الربيع وتأويلها عند مشايخنا الذين يرجعون إلى معرفة نصوص الشافعي ﵁ أن يشرب الشراب ولا يعلم أنه مسكر في جنسه، فأما إذا جهل الجنس فلا حد عليه، واختلف أصحابنا في مسألة الكتاب فمنهم من ذهب إلى إطلاق هذا فقال: إذا أقر بشرب الخمر أو المسكر أقيم عليه الحد ولم يستكشف إلا أن يدعي ما يدرأ به الحد فيقبل، ومنهم من قال: لا يجب الحد حتى يقر بأنه شربها مع علمه بها وعلمه بتحريمها مختارًا غير مكره به وقال القاضي أبو حامد، وهكذا لو شهد شاهدان أنه شرب من إناء شرب منه غيره وسكر منه فعلى هذا الاختلاف، والأول أصح [١١٥/ أ] لأن الظاهر من فعله الاختيار والعلم كما لو شهد أنه باع يحمل على الطوع والصحة، فإن قيل: أليس لو قال الشهود: إنه زنا لم يقبل حتى يفسرا الزنا فلم لا يحتاجون إلى تفسير المسكر؟ قلنا: إنه زنا لم يقبل حتى يفسرا الزنا فلم لا يحتاجون إلى تفسير المسكر؟ قلنا: إن الزنا يعبر به عن الصريح بدواعيه ولهذا قال النبي ﷺ: "اليدان تزنيان، والعينان تزنيان" وهما لا يسمى غير المسكر مسكرًا.
فرع
إذا وجده سكران أو شم منه رائحة المسكر أو تقيأ مسكرًا لا يجب الحد، وقال ابن أبي هريرة: أحده بالسكر إلا أن يدعي ما يسقط الحد، وروي عن ابن مسعود ﵁ أنه جلد بالرائحة، وروي أن رجلين شهدا عند عثمان ﵁ على الوليد بن عقبة فقال أحدهما: إنه شرب خمرًا، وقال الآخر: إنه تقيأها فقال عثمان: ما تقيأها حتى شربها، وقال لعلي: أقم عليه الحد، وقال ابن مسعود لرجل شم منه رائحة الخمر: لا أبرح حتى أقيم عليك الحد، والدليل على صحة قولنا؟ إنه يحتمل أنه شرب مكرهًا أو أكل تفاحًا أو شرب التفاح فإنه يكون منه كرائحة الخمر، وإذا احتمل ذلك لا يحد وقد روي عن عمر أنه شم من ابنه عبد الله رائحة الشراب فسأله فقال: شربت الطلا فقال: إني سائل عنه فإن كان مسكرًا حددتك ولم يحده بالرائحة، وقال عطاء: إن الريح [١١٥/ب] تكون من الشراب الذي ليس به بأس، ثم احتج الشافعي ﵁ في التسوية بين الخمر والنبيذ بما روي عن علي ﵁ أنه قال: لا أوتى بأحد شرب خمرًا أو نبيذًا مسكرًا إلا جلدته الحد.
[ ١٣ / ١٢٩ ]