مسألة: قال: رجم رسول الله ﷺ يهوديين زنيا.
قيل: سميت حدودًا لأن الله تعالى حدها وقدرها فلا يجوز لأحد أن يتجاوزها قاله أبو محمد بن قتيبة، وقيل لأنها تمنع من الإقدام على ما يوجبها مأخوذ من حد الدار لأنه يمنع من مشاركة غيرها فيها، وسمي الحديد حديدًا لأنه يمتنع به. واعلم أن الشافعي ﵁ بدأ في الحدود بحد الزنا لأنه أغلظ الحدود وأشدها، والحدود نوعان أحدهما: بالجلدات المعدودة، والثاني: بغيرها فما ليس بالجلدات فهو بالقطع في السرقة، والرجم في الزنا، والقتل بالردة، والقطع في قطع الطريق. وما هو بالجلد فثلاثة حدود حد الزنا مائة جلدةٍ، وحد القذف ثمانون جلدةً، وحد الخمر أربعون جلدة، وهذه الحدود الثلاثة تنتصف للرق وفي القسم الأول يستوي العبد والحر إلا الرجم فإنه لا يرجم العبد بحال لأنه بني على الكمال ولا كمال مع الرق.
واعلم أن في ابتداء الإسلام كان الحكم في الزاني أن يحبس في بيت إلي الممات إن كان ثيبًا لقوله تعالى: ﴿واللاَّتِي يَاتِينَ الفَاحِشَةَ مِن نِّسَائِكُمْ﴾ [النساء:١٥] إلى قوله ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي البُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ المَوْتُ﴾ [النساء: ١٥] وإن كان بكرًا كان الحكم الأذى وهو التعزير والسب والتوبيخ لقوله تعالى [١/أ] ﴿والَّلذَانِ يَاتِيَانِهَا مِنكُمْ فَآذُوهُمَا﴾ [النساء:١٦] الآية. وإنما حملنا الآية الأولى على الثيب، والثانية على البكر لأنه قال: (من نسائكم) وهذه إضافة زوجية، كقوله تعالى ﴿يُؤْلُونَ مِن نِّسَائِهِمْ﴾ [البقرة:٢٢٦] ولا فائدة في إضافة ذلك إلي الزوجات إلا اعتبار الشابة ولأنه ذكر عقوبتين إحداهما أغلظ وهو الحبس إلي الموت، والثانية: الأذى والأذى أخف فكانت الأغلظ للثيب، وحكي عن أبي الطيب بن سلمة أنه قال: أراد بالنساء الأبكار وأراد بالإضافة الجنس حدهن وجعل الأذى عقوبة للرجال لأن قوله: (بينكم) يقتضي الرجال، وقيل أراد بالأذى الذكور في قوله تعالى: ﴿فَآذُوهُمَا﴾ [النساء:١٦] الحبس المذكور أولًا وإنما أعاده ليتبين حكم التوبة كما بين في الآية الأولى تأبيد الحبس إلي الوفاة (وإلى) أن
[ ١٣ / ٣ ]
ينسخه الله تعالى ثم نسخ ذلك بقوله تعالى ﴿الزَّانِيَةُ والزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور:٢]، ولم يفصل بين البكر والثيب. وروى عبادة بن الصامت ﵁ أن النبي ﷺ قال: "خذوا عني خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلًا البكر بالبكر جلد مائةٍ وتغريب عام والثيب بالثيب جلد مائةٍ والرجم". واعلم أنه ثبت بهذه السنة وبما روي عن عمر ﵁ أنه قال: لولا أن يقول الناس زاد عمر في كتاب الله تعالى لكتبت على حاشية المصحف "الشيخ والشيخة إذا زنيا فاجلدوهما البتة نكالًا من الله [١/ب] إن الله عزيز حكيم وكنا نقرأها على عهد رسول الله ﷺ وقيل: إن هذا من جملة ما نسخت تلاوته وبقي حكمه وقد ثبت فعل الرجم عن رسول الله ﷺ في خبر ماعز والغامدية واليهوديين. ورجم عمر وعلي ﵄. فإن قال قائل: لا يجوز نسخ القرآن بالسنة وأنتم قلتم: نسخ حكم الزاني في كتاب الله تعالى بالرجم ولم يثبت الرجم إلا بالسنة وأخبار الآحاد. قيل: أما على قول أبي الطيب ابن سلمة فالآية وردت في الأبكار وورد الرجم في الثيب.
وأما على طريقة غيره فقول السنة الواردة في الرجم مبينةٌ للقرآن وليست بناسخةٍ، لأن النسخ إنما يكون في حكم ظاهر الإطلاق. أما إذا كان مشروطًا وزال الشرط لا يكون نسخًا وقد قال تعالى: ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ [النساء:١٥] وقد وردت السنة مبينة للسبيل وهذا كما لو قال: احبسوهن عشر سنين فانقضت لا يكون انقضاؤها نسخًا، وقيل: لم يجعل الله تعالى الحبس حدهن بقوله: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي البُيُوتِ﴾ [النساء:١٥] وإنما أمر بحبسهن ليتبين حدهن ثم تعين بالسنة، وقيل: الرجم ثبت بالقرآن الذي نسخت تلاوته على ما ذكرنا ولهذا قال ﷺ في خبر العسيف: "لأقضين بينكما بكتاب الله تعالى واغد يا أنيس على امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها" وقيل ما ذكرنا من الأخبار والإجماع عن الصحابة كالتواتر ويجوز نسخ القرآن بمثله. [٢/أ] واعلم أنه لا يخالف في ثبوت رجم الزاني إلا الخوارج فإنهم لا يقولون به بناءًا على أصلهم الفاسد: إن الأحكام لا تثبت إلا بنص الكتاب أو بأخبار التواتر.
ثم اعلم أن الثيب إذا زنا يرجم ولا يجلد ونريد بالثيب المحصن، وقال داود وأهل الظاهر: يجلد مائة ثم يرجم وبه قال أحمد وإسحاق وابن المنذر. وروي عن البصري كخبر عبادة بن الصامت. ودليلنا "أن رسول الله ﷺ رجم يهوديين زنيا" ولم ينقل أنه جلدهما ورجم ماعزًا حين اعترف بالزنا ولم يجلده وأما خبرهم فصار منسوخًا بفعل
[ ١٣ / ٤ ]
النبي ﷺ على ما ذكرنا أو بحمله على ما لو زنا بكرًا ثم زنا ثيبًا يجلد ويرجم في أحد الوجهين لأنهما حدان مختلفان ذكره أصحابنا. فإن قيل: روي عن علي ﵁ أنه جلد شراحة الغمدانية يوم الخميس ورجمها يوم الجمعة، وقال: جلدتها بكتاب الله تعالى ورجمتها بسنة رسول الله ﷺ قيل: رواه الشعبي مرسلًا وقد خالفه عمر ﵁، أو يحمل على ما ذكرنا.
مسألة: قال: وجلد النبي ﷺ بكرًا مائة وغربه عامًا.
إذا زنا البكر من الرجال أو النساء جلد مائة جلدةٍ ويغرب عن بلده سنةً وكلاهما يحبان على طريق الحق، وروي ذلك عن الخلفاء الأربعة الراشدين ﵃ والأوزاعي والثوري وابن أبي ليلى وأحمد، وقال أبو حنيفة: الجلد هو الحد والتغريب ليس بجد بل هو موكول إلي اجتهاد الإمام فيغربه تعزيرًا ولا يتقدر بمقدار والمعروف أنه يغرب من بيته إلي الحبس ومنهم من قال: يغرب عن بلده وهو المشهور وبه قال حماد واحتجوا بأن الله تعالى قال: ﴿فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور:٢] ولم يذكر التغريب، وقال مالك: يحد الرجل ويغرب، والمرأة تجلد ولا تغرب واحتج بأن المرأة عورةٌ تحتاج إلي حفظ وصيانة والتغريب يمنع ذلك وهذا خطأ لما روى أبو هريرة وزيد الجهني أن رجلين اختصما إلي رسول ﷺ فقال أحدهما: يا رسول الله اقض بيننا بكتاب الله وأذن لي أن أتكلم قال: تكلم قال: إن ابني كان عسيفًا على هذا فزنا بامرأته فأخبروني أن على ابني الرجم فافتديت منه بمائة شاةٍ وبجاريةٍ لي، ثم إني سألت أهل العلم فأخبروني أن على ابني جلد مائة وتغريب عام وإنما الرجم على المرأة فقال رسول الله ﷺ: "أما والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله، أما غنمك وجاريتك فرد عليك وجلد ابنه مائة جلدة وغربه عامًا. وأمر أنيسًا الأسلمي أن يأتي امرأة الآخر فإن اعترفت رجمها فاعترفت فرجمها" وهذا نص في وجوب التغريب. والعسيف الأجير.
وقوله ﷺ: "لأقضين بينكما بكتاب الله" معناه لأقضين بينكما بما فرضه الله ﷿ وأوحاه إذ ليس في كتاب الله تعالى ذكر الرجم منصوصًا، وقيل: الرجم، إن لم يكن منصوصًا باسمه الخاص فهو مذكور في الكتاب على سبيل الإجمال فإن الله تعالى قال: ﴿فَآذُوهُمَا﴾ [النساء:١٥] واسم الأذى عام في الرجم وغيره، وقيل: الأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ [النساء:١٥] فضمن الكتاب أن يكون لهن سبيل فيما بعد ثم جاء بيانه في الخبر وهو ما ذكرنا من خبر عبادة: "خذوا عني قد
[ ١٣ / ٥ ]
جعل الله لهن سبيلًا" الخبر، وقيل: كان في كتاب الله متلوًا فنسخت التلاوة على ما ذكرنا من خبر عمر، وفيه دليل أن الرجم لا يجب إلا على المحصن. وفيه دليل أن للحاكم أن يبدأ بسماع كلام أي الخصمين شاء، وفيه أن الصلح الفاسد منقوص وما يؤخذ يرد إلي صاحبه، وفيه: أنه لم ينكر عليه قوله: فسألت رجالًا من أهل العلم ولم يعب الفتوى عليهم في زمانه. وفيه: أنه لا يجمع بين الجلد والرجم، وفيه دليل أن لما جاء مستفتيًا من ابنه أنه زنا بامرأته لم يجعله قاذفًا لها. وفيه: أنه لم يوقع الفرقة بينهما وبين زوجها بالزنا. وفيه: أنه لا يعتبر التكرار في الاعتراف بالزنا وفيه جواز الوكالة في إقامة الحدود. وفيه: أنه لا يجب على الإمام حضور المرجوم بنفسه وفيه جواز الإجازة وفيه وجوب قبول خبر الواحد وأيضًا خبر عبادة بن الصامت. وأيضًا روي عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال فيمن زنا ولم يحصن: "ينفى عامًا من المدينة مع إقامة الحد عليه" [٣/ب] قال ابن شهاب: وكان عمر ﵁ ينفي من المدينة إلي البصرة وإلي خيبر، وروي عن أبي بكر الصديق ﵁ أنه أتى برجل وقع على جاريةٍ فأحبلها ثم اعترف على نفسه أنه زنا ولم يكن أحصن فأمر به أبو بكر فجلد الحد، ثم نفي إلي فدك وروي أنه جلده ونفاه عامًا وروى نافع عن ابن عمر ﵁ أن النبي ﷺ ضرب وغرب، وأن أبا بكر ضرب وغرب وأن عمر ضرب وغرب، وقال الشعبي: جلد علي ﵁ الزاني ونفى من البصرة إلي الكوفة أو قال: من الكوفة إلي البصرة، وأما الآية فليس فيها نفي التغريب فأثبتناه بخبرنا، وأما ما قال مالك فلا يصح لأن ما كان حدًا للرجل كان حدًا للمرأة كالجلد وكونها عورة لا يمنع ذلك كما يلزمها الحج وسفر الهجرة.
فرع
حد التغريب أن يخرجه من بلده أو قريته التي زنا فيها إلي مسافةٍ تقصر إلي مثلها الصلاة حتى يصير في حكم المسافرين نص عليه لأن ما دون ذلك في حكم الإقامة في الموضع الذي كان فيه ومن أصحابنا من قال: يغربه إلي حيث ينطلق عليه اسم الغربة ويلحقه في المقام به مشقة ووحشة، وإن كان في جوار البلد لأنه المقصود وهو اختيار ابن أبي هريرة.
[ ١٣ / ٦ ]
فرع آخر
لو رأى الإمام أن يريد في مسافة التغريب على مسافة القصر جاز لأن عمر ﵁ غرب إلي الشام وغرب عثمان ﵁ [٤/أ] إلي مصر. وإن رأى أن يزيد على سنة لم يكن له ذلك لأن السنة منصوص عليها والمسافة مجتهد.
فرع آخر
في أول السنة وجهان أحدهما: من وقت إخراجه من بلده لأنه أول سفره، والثاني: بعد حصوله في مكان التغريب فوجهان من وقت مفارقته لأبنية الوطن واعتزال الأهل أنه حد التغريب، والثاني: أنه من مسافة القصر إذا قلنا إنه حد التغريب.
فرع آخر
الإمام بالخيار بين أن يعين البلد الذي يغرب إليه فيلزمه المقام فيه وتصير تلك البلدة كالحبس له، وبين أن لا يعين البلد فيجوز له إذا تجاوز مسافة التغريب أن يقيم في أي بلد شاء وينتقل إلي أي بلد شاء سوى البلد الذي زنا فيه، ومن أصحابنا من قال: يعين له البلد حتى يكون فيه إلي انقضاء السنة حتى تكون كالحبس ولا يأذن له في الانتقال في هذه المدة.
فرع آخر
قال أصحابنا: إذا انقضت المدة فهو بالخيار بين الإقامة، وبين العود إلي موضعه، وقال في "الحاوي": إن كان البلد الذي غرب إليه معينًا لم يعد إلا بإذن الإمام، فإن عاد من دون إذنه غرب كما لو خرج من الحبس من دون إذنه، وإن كان البلد غير معين جاز أن يعود بإذن وغير إذن، وإن كان الأولى أن لا يعود إلا بإذن.
فرع آخر
لو عاد إلي وطنه قبل السنة عزر وأخرج ويبنى على ما تقدم ولا يحتسب [٤/ب] مدة مقامه في بلده.
فرع آخر
لا يجوز أن يحبس في تغربه إلا أن يتعرض للنساء وإفسادهن فيحبس كفًا عن الفساد.
فرع آخر
مؤونة تغريبه في بيت المال، فإن لم يكن ببيت المال مال ففي ماله ومؤنته في مدة تغريبه على نفسه ولا يمنع أن يحمل ماله مع نفسه ويتجر.
[ ١٣ / ٧ ]
فرع آخر
لو غرب نفسه جاز، ولو جلد نفسه لم يجز، والفرق أن الحد يستوفى منه فلا يجوز أن يكون مستوفيه والتغريب انتقال إلي مكان ويحصل منه ذلك.
فرع آخر
ينبغي للإمام أن يثبت في ديوانه أول زمان تغريبه، فإن لم يثبت فادعى انقضاء السنة ولا بينة فالقول قوله لأنه من حقوق الله تعالى ويحلف استظهارًا.
فرع آخر
لو كان الزاني غريبًا نقله إلي بلدٍ آخر غير البلد الذي هو وطنه لأن القصد منه الإيحاش والإضرار به، فإذا رددناه إلي بلده لم يستضر ولم يستوحش ويستوحش بمفارقته البلد الذي أنس فيه ثم زنا.
فرع آخر
يغرب الرجل وحده، وأما المرأة فلا تغرب إلي في صحبة ذي رحم محرم أو امرأةٍ ثقةٍ في صحبة مأمونةٍ، فإن لم يوجد ذو رحم محرم ولا امرأةٌ ثقةٌ تتطوع بالخروج معها استؤجر من يخرج معها، ومن أين يستأجر؟ فيه وجهان: أحدهما: يستأجر من مالها لأنه حقٌ عليها وكانت مؤنته عليها، وإن لم يكن لها مالٌ استؤجر من بيت المال، ومن أصحابنا [٥/أ] من قال: يستأجر من بيت المال لأنه حق الله تعالى وكانت مؤنته من بيت المال، فإن لم يكن في بيت المال مالٌ استؤجر من مالها، ومن أصحابنا من قال: وجهًا واحدًا يجب في مالها لأنه من مؤنة سفرها الواجب عليها فإن كان في بيت المال سعة يستحب للإمام أن يدفع منه، وإن لم يكن لها مال يدفع الإمام من بيت المال واجبًا، ومن أصحابنا من قال: يجوز التغريب في غير محرمٍ ولا في صحبة امرأةٍ ثقةٍ إذا كان الطريق آمنًا لأنه سفر واجب.
فرع آخر
لو لم يجب محرمها إلي الخروج معها من أصحابنا من قال: يجبره الإمام على ذلك، ومن أصحابنا من قال: لا يجبره ويغربها وحدها ويحتاط في ذلك.
فرع آخر
العبد إذا زنا هل يلزم تغريبه مع الجلد؟ قولان وكذلك الأمة أحدهما: لا يلزم قال القاضي أبو حامد: هذا أظهر قوليه. وبه قال مالك وأحمد ووجهه ما روى أبو هريرة وزيد بن خالد الجهني ﵄ أن النبي ﷺ سئل عن الأمة إذا زنت ولم تحصن فقال: "إن زنت فاجلدوها، ثم إن زنت فاجلدوها ثم إن زنت فاجلدوها ثم إن زنت فبيعوها ولو بضفيرٍ". والضفير الحبل المفتول ولم يذكر التغريب وقوله: ولم تحصن
[ ١٣ / ٨ ]
أي: لم تتزوج. وأيضًا فإن التغريب يراد للإيحاش والضجر والاستضرار ولا يحصل في العبيد ذلك. والثاني: يلزم التغريب نص عليه [٥/ب] في القديم وهو اختيار عامة أصحابنا قوله تعالى: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى المُحْصَنَاتِ مِنَ العَذَابِ﴾ [النساء:٢٥] وهذا يقتضي أن عليهن نصف ما على الأحرار. وروي عن عمر ﵁ أنه جلد أمة له زنت ونفاها إلي فدك ولأنه حدٌ يتبعض فيلزم العبد كالجلد.
فرع آخر
إذا قلنا: يغرب كما يغرب الحر قال الشافعي: استخبر الله تعالى في نفيه نصف سنة وقطع في موضع آخر بأن ينفى نصف سنةٍ، وقيل: لم ينص في القديم على هذا ولكنه قولٌ مخرج خرجه ابن أبي هريرة، والمشهور أن المسألة على قولين أحدهما: يغرب نصف سنة وهو اختيار المزني وعامة أصحابنا لأنه حد يتبعض فكان العبد فيه على النصف من الحر كالجلد. والثاني: يغرب سنة كما أن مدة مهلة العبد العنين سنة مثل مهلة الحر العنين لأن كليهما يرجع إلي معنى في الطباع أما هاهنا العار والوحشة وهناك الاختيار ليعلم أنه علة أو عنةٌ وهذا ضعيف لأن مدة العنة بظهور العيب وهذا يجب حدًا فلا يجوز أن يساوى الحر فيه إذا احتمل التنصيف.
فرع آخر
ظاهر المذهب أن السيد إذا حده وغربه أيضًا ومؤنة تغريبه في بيت المال على ما ذكرنا، فإن لم يكن في بيت المال مال فعلى السيد ونفقته في زمان التغريب على السيد وقد ذكرنا فيه وجهًا آخر أن نفقته في بيت المال في زمان التغريب والمذهب الأول.
قال بعض أصحابنا: إن حده الإمام يغربه، وإن حده السيد لا يغرب [٦/أ] لأن النبي ﷺ أمره بالجلد دون التغريب في خبر أبي هريرة ولأنه يلزمه فيه غرامة في ماله وإذا غربه الإمام ينفق عليه من بيت المال فافترقا وهذا لا يصح لأنه حق الله تعالى فلا يختلف فيه باختلاف مستوفيه.
مسألة: قال: "إذا أصاب الحر أو أصيبت الحرة بعد البلوغ بنكاح صحيح فقد أحصنا".
وذكر الشافعي ﵁ الإحصان الذي هو شرط في وجوب الرجم على الزاني. وجملته أن شرائط الإحصان أربعة: البلوغ، والعقل، والحرية، والوطء في نكاح صحيح لا يختلف أصحابنا فيها. وقال بعض أصحابنا: والإحصان هو الوطء في النكاح وهو عبد ثم أعتق ثم زنا يجب عليه الرجم وعلى ظاهر المذهب لا يجب.
وقال أبو حنيفة: الإسلام شرط أيضًا مع هذه الشرائط الأربعة فلا رجم على الكافر
[ ١٣ / ٩ ]
بحال وبه قال مالك واحتجوا بقوله ﷺ: "لا إحصان مع الشرك" وروى ابن عمر ﵁ أن النبي ﷺ قال: "من أشرك بالله فليس بمحصن" وروي عن كعب بن مالك ﵁ أنه أراد أن يتزوج يهودية أو نصرانية فسأل رسول الله ﷺ فنهاه عنها وقال: "إنها لا تحصنك". ودليلنا ما روى أبو داود في سننه بإسناده عن ابن عمر ﵁ أنه قال: "إن اليهود جاؤوا" إلي رسول الله ﷺ فذكروا أن رجلًا منهم زنا فقال لهم رسول الله [٦/ب] ﷺ: "ما تجدون في التوراة في شأن الزنا فقالوا: نفضحهم ويجلدون فقال عبد الله بن سلام: "كذبتم إن فيها الرجم فأتوا بالتوراة ونشروها فجعل أحدهم يده على آية الرجم ثم جعل يقرأ ما قبلها وما بعدها فقال له عبد الله بن سلام: ارفع يدك فرفعها فإذا فيها آية الرجم فقالوا: صدق يا محمد فيها آية الرجم فأمر بهما رسول الله ﷺ فرجما" قال ابن عمر: فرأيت الرجل يجنأ على المرأة يقيها الحجارة.
قال الإمام أبو سليمان الخطابي: هكذا في الخبر يجنأ والمحفوظ أنه يجنأ إذا أكب عليها يقال: حنا الرجل يحنا حنوًا إذا أكب على الشيء، وقال الإمام أحمد البيهقي: الصواب يجنأ بمعنى يكب، وروي أنهم لما صدقوا عبد الله بن سلام قالوا: ولكنه كثر الزنا في أشرافنا فكنا إذا أخذنا الشريف تركناه، وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد فجعلنا التحميم والجلد مكان الرجم فقال رسول الله ﷺ: "اللهم إني أول من أحيا أمرك إذا أماتوه" فأمر به فرجم وروى أبو هريرة ﵁ قال: زنا رجلٌ من اليهود وامرأة فقال بعضهم لبعض: اذهبوا بنا إلي هذا النبي فإنه نبي بعث بالتخفيف فإن أفتانا بالفتوى دون الرجم قبلناها واحتججنا بها عند الله تعالى قلنا: فتيا نبي من أنبيائك فأتوا النبي ﷺ وهو جالسٌ في المسجد فقالوا: يا أبا القاسم ما ترى في رجل وامرأة منهم زنيا فلم يكلمهم كلمة حتى أتى بيت مدارسهم فقام على الباب فقال: "أنشدكم بالله الذي أنزل التوراة على موسى ما تجدون في التوراة على من زنا إذا أحصن؟ قالوا: يحمم ويجبه ويجلد" والتجبية أن يحمل الزانيان على حمار يقابل أنفسهما ويطاف بهما قال: وسكت شاب منهم فلما رآه النبي ﷺ سكت ألظ به النشدة.
[ ١٣ / ١٠ ]
فقال: اللهم إذ نشدتنا فإنا نجد في التوراة الرجم فقال النبي ﷺ: "فما أول ما ارتخصتم في أمر الله ﷿ قال: زنا ذو قرابة ملك من ملوكنا فلم يرجم ثم زنا رجل في أسرة من الناس فأرادوا رجمه فحال قومه دونه، وقالوا: ألا ترجموا صاحبنا حتى يحيى بصاحبكم فنرجمه فأصلحوا عنده بينهم فقال النبي ﷺ: فإني أحكم بما في التوراة ثم أمر بهما فرجما". والتحميم تسويد الوجه بالحمم والتجبية: مفسر في الخبر ويشبه أن يكون أصله الهمز وهو يجيء من التجبية وهو الردع والردع يقال: جبأته فجبأ أي ارتدع فقلبت الهمزة هاء، والتجبية أيضًا أن ينكس رأسه فسمي بذلك الفعل تجبية، ويحتمل أن يكون من الجبة وهو الاستقبال بالمكروه وأصل الجبة إصابة الجبهة. وقوله: ألظ في النشدة أي: ألزمه القسم وألح عليه ومنه قوله ﷺ: "ألظوا بيا ذا الجلال والإكرام" أي: اسألوا الله بهذه الكلمة [٧/ب] وواظبوا على المسألة بها. والأسرة عشيرة الرجل وأهل بيته وقوله: واحكم بما في التوراة: أراد به احتجاجًا عليهم ولا يحكم إلا بما في دينه وشريعته لأنه بعث ناسخًا لشريعتهم فلا يحكم بالمنسوخ. وروى ابن عمر ﵁ "أن النبي ﷺ رجم يهوديين وكانا محصنين"، وأما الخبر الأخير فقلنا: رواه أبو بكر بن أبي مريم وهو ضعيف عند أهل الحديث.
فرع
اختلف أصحابنا في هذه الشرائط كيف تعتبر؟ فمنهم من قال: من شرط الوطء في النكاح الصحيح أن يصادف الرجل الكمال في البلوغ والعقل والحرية فإن وطئ وهو صحيح يجامع مثله في نكاح صحيح ثم بلغ لم يصر محصنًا حتى يطأ بعد البلوغ، وكذلك إذا وطء وهو مجنون لا يصير محصنًا حتى يطأ بعد العقل. وكذلك الموطوءة لا تصير محصنة حتى تكون في حال الوطء بالغةً عاقلةً حرة وهو ظاهر قول الشافعي ﵁، وإذا أصاب الحر أو أصيبت الحرة بعد البلوغ فشرط أن تكون الإصابة بعد البلوغ والحرية وهذا نص، ومن أصحابنا من قال: الاعتبار بالوطئ في النكاح الصحيح سواء صادف حالة النقصان، أو حالة الكمال لأن العقد شرط في هذا الوطء، ولا فرق بين أن يكون العقد حاصلًا في حالة النقص أو في حالة الكمال، فكذلك الوطء [٨/أ] لا فرق فيه بين الحالين وهذا لأن وطء تقع به الإباحة للزوج الأول فيثبت به الإحصان كالوطء في حال الكمال، والصحيح الأول وهو المنصوص وبه قال أبو حنيفة ووجه قوله ﷺ: "أو زنا بعد إحصان" فأوجب القتل على من زنا بعد الإحصان، وعلى القول
[ ١٣ / ١١ ]
الآخر يزني قبل: إن يثبت له الإحصان فيلزمه الرجم، ولأن الإحصان موضع كمال فأشرط فيه وطء يوجد في حالة الكمال وهو بعد وجود هذه الشرائط.
فرع آخر
إذا قلنا بالقول الصحيح فهل يعتبر الكمال في الطرفين أم يعتبر في كل واحد منهما كمال نفسه دون صاحبه؟ اختلف فيه قول الشافعي ﵁ قال القاضي أبو حامد: قال الشافعي في "الإملاء": وطء الصبي الذي يجامع مثله كوطء الكبير في الحرمة إلا في شيئين في أن لا يحلها الزوج، ولا يحصنا قال: وجعل الشافعي في القديم المرأة محصنة بوطء الصبي الذي يجامع مثله وجعل الرجل محصنًا إذا وطئ صبية يجامع مثلها محللًا للزوج إن كان طلقها وقال فيه: وكل وطء قام بنكاح حلال أحصن البالغ من الزوجين كما يقع به الحدود على المجامع أو المجامعة، ألا ترى أن المرأة يجامعها العبد أو المعتوه فترجم، وإن لم يكن على الواطئ رجم؟ قال: ويجامع الأمة المعتوهة فيرجم، وإن لم يكن عليها رجم، فجعل قولان: أحدهما: الكمال يعتبر في الطرفين وهذا أضعف القولين [٨/ب] وبه قال أبو حنيفة. والثاني: لا يعتبر كمال صاحبه وإنما يعتبر كمال نفسه وهو الصحيح المشهور وهو قول الزهري ووجهه أن حر بالغ عاقل وطئ في نكاح صحيح فصار محصنًا كما لو كانا كاملين. واحتج أبو حنيفة أن أحدهما إذا كان ناقصًا فالوطء غير كامل فأشبه إذا كانا ناقصين، قلنا: في الأصل لم يوجد الكمال في واحد منهما وهاهنا بخلافه فيعتبر كل واحد منهما بنفسه لا بصاحبه كما لو كان أحدهما بكرًا والآخر محصنًا. وقال أبو حامد: إذا كانت الموطوءة أمته والواطئ حرًا عاقلًا بالغًا محصنًا قولًا واحدًا، وكذلك العبد إذا وطئ حرة بالنكاح صارت محصنة، وإذا كان غير بالغ ففيه قولان قال في "الأم": يصير الكامل محصنًا دون الآخر، وقال في "الإملاء": لا يكون أحدهما محصنًا، وسائر أصحابنا ذكروا القولين في الكل ولم يميزوا الرق من الصغير. وما حكاه القاضي أبو حامد على ما ذكرنا يدل على اختلاف قوله في الصبي دون الرقيق، وقال القاضي الطبري: سوى الشافعي ﵁ بين الإحلال وبين الإحصان في اعتبار الكمال في الطرفين على ما ذكرنا في "الإملاء" فيجب على هذا إذا اعتبرنا كمال الوطء في نفسه أن يسوي فيه بين الإحلال والإحصان، فإذا وطئ رجل صبية يجامع مثلها فلا تحل لزوجها الأول وهذا غريب لم يذكره سائر أصحابنا. [٩/أ] وقال مالك: إذا كان أحدهما كاملًا صار محصنًا إلا الصبي يطأ الكبيرة فإنها لا تصير محصنة، ولو وطئ الكبير صغيرة يجامع مثلها صار محصنًا ودليله أن ما لا يمنع الإحصان إذا كان في الموطوءة لا يمنع إذا كان في الواطئ كالرق.
واعلم أن الشافعي اقتصر على ذكر الحرية والإصابة والبلوغ ولم يذكر العقل علمًا منه بأنه لا يفي اشتراط العقل في إيجاب العقوبات.
[ ١٣ / ١٢ ]
فرع آخر
لو زنا بكرٌ بامرأةٍ فجلد مائة ونفي سنةً، ثم زنا بها أو بأخرى مرة ثانية جلد مائة وغرب سنة. وكذا الحكم إذا زنت وكانت بكرًا فجلدت ونفيت ثم زنت يقام عليها الحد بالجلد والنفي وأيهما زنا مرارًا كثيرةً ثم اعترف بالزنا، أو قامت عليه البينة لم يكن عليه إلا حد واحد. وسمي الحد حدا لوصوله إلي الجلد.
فرع آخر
قال: والزاني أن يطأ الرجل المرأة من غير عقد ولا شبيه عقد، ولا ملك ولا شبيه ملك مع العلم بتحريم ذلك عليه، ويجب الحد بتغييب الحشفة في الفرج ويقع عليه اسم الزنا إذا كان على ما وصفنا، وكذلك المرأة إذا طاوعت رجلًا حتى يغيب حشفته في فرجها، فإن زنا حر بمجنونة كان عليه الحد دونها، وكذلك إن زنا بصبية يجامع مثلها كان عليه الحد دونها ولها المهر، وكذلك النائمة إذا وطئت في حال نومها فإن استكرهها رجل فزنا بها كان عليه الحد دونها [٩/ب] ولها مهر مثلها حرة كانت أو أمةً ونقصت الإصابة من ثمنها شيئًا فعليه ما نقص من ثمنها مع المهر. وكذلك إن كانت حرة فجرحها جرحًا له أرش قضي عليه بأرش الجرح مع المهر. فإن ماتت من وطئه كان عليه المهر ودية الحرة، ولو زنت المرأة بمعتوهٍ كان عليها المهر دونه وبه قال مالك، وقال أبو حنيفة: لا حد عليها لأنها لم تمكن من الزاني لأن فعل المعتوه ليس بزنا وهذا لا يصح لأنها لم تعتمد في هذا التمكين ملكًا ولا شبهة ملك فيلزمها الحد إذا كانت من أهله كما لو زنا المستأمن بمسلمة، وأما ما قاله فلا يصح لأن وطء المجنون زنا ولكن لا حد عليه لعدم التكليف ولهذا لا يلحق به الولد، وهكذا الخلاف فيمن جاءت إلي نائم فأدخلت ذكره في فرجها يلزمها الحد عندنا خلافًا لأبي حنيفة، وكذلك لو حملت على نفسها صبيًا يجامع مثله يجب عليها الحد خلافًا لأبي حنيفة.
فرع آخر
المحصن إذا ارتد ثم أسلم لم يبطل إحصانه، وقال أبو حنيفة: يبطل إحصانه فإذا عاد إلي الإسلام وقد زال نكاحه ثم عاد وتزوج ووطئ عاد إحصانه، وإن ارتدا معًا وبقيا على النكاح ثم أسلما ثم وطيء عاد إحصانه وبناه على أصله أن الإحصان شرط في الإسلام ودليلنا أن هذا محصن فإذا ارتد ثم عاد إلي الإسلام [١٠/أ] كان محصنًا كما في إحصان القذف.
مسألة: قال: "فمن زنا منهما فحده الرجم حتى يموت".
الفصل:
الرجم لا يتكامل إلا بموت المرجوم ولا يجوز أن ترجم بأحجار ثم يترك، وإن كان
[ ١٣ / ١٣ ]
اسم الرجم ينطلق على هذا القدر ولكن يوالي رجمه بالأحجار حتى يموت لأن رسول الله ﷺ رجم ماعزًا فلم يزل يضرب حتى مات، ورجم الغامدية فما زالت تضرب حتى ماتت وروى جابر ﵁ أن رجلًا زنا فأمر به رسول الله ﷺ فجلد الحد ثم أخبر أنه كان أحصن فأمر به فرجم. فإن أشرف المرجوم على التلف بحيث يعلم أنه لا يعيش لا يجوز الإقلاع عنه حتى يتم الإزهاق لأن القتل تمام الحد ثم إذا مات يغسل ويصلى عليه ويدفن لأن الرجم إقامة الحد فلا يمنع من سنة الموتى كما لو قتل قصاصًا، ولأنه لو مات حتف أنفه يغسل ويصلى عليه، فإذا قتل حدًا أولى لأن الكفارة حد وتطهير.
فرع
لا يكره للإمام الحاكم برجمه أن يصلي عليه بعد رجمه، وقال مالك: يكره وهذا خطأ لما روى عمران بن الحصين ﵁: أن النبي ﷺ صلى على التي رجمها من جهينة وأحسبها الغامدية، وقال له عمر: ترجمها ثم تصلي عليها فقال: "لقد تابت توبة لو قسمت على سبعين من أهل المدينة لوسعتهم هل وجدت أفضل من أن جادت بنفسها" ورجم علي ﵁ [١٠/ب] الهمدانية يوم الجمعة وصلى عليها.
فرع
تعرض عليه التوبة قبل رجمه لتكون خاتمة أمره، وإن حضر وقت صلاة أمر بها، وإن تطوع بصلاة مكن من ركعتين، وإن استسقى ماء سقي وإن استطعم طعامًا لم يطعم والفرق أن الماء لعطش متقدمٍ والأكل لشبعٍ مستقبلٍ.
فرع آخر
لا يربط ويخلى والاتقاء بيده لما روي في خبر اليهودي المرجوم أنه كان يجنأ عليها يقيها الحجارة، ولو كان مربوطًا لم يمكنه ذلك. ولا يحفر للرجل بحال سواء ثبت عليه الزنا بالبينة أو بالاعتراف لأن النبي ﷺ لم يحفر لماعز بن مالك، وأما المرأة إن ثبت عليها الزنا بالبينة حفر لها لصيانتها وسترها. وإن ثبت عليها بالإقرار فهل يحفر؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يحفر لها عونًا على هربها إن رجعت عن إقرارها. والثاني: يحفر تغليبًا لصيانتها وقد أمر رسول الله ﷺ أن يحفر للغامدية إلي الصدر وكانت مقرة بالزنا
[ ١٣ / ١٤ ]
والأول اختيار أبي حامد. وقال القاضي أبو حامد: إن ثبت بالإقرار لا يحفر لها، وإن ثبت بالبينة كان بالخيار بين أن يحفر لها ومن أن لا يحفر، وقال القاضي الطبري: السنة تقتضي أنه بالخيار سواء ثبت بالبينة أو بالإقرار لأن النبي ﷺ حفر للغامدية إلي الثندوة ولم يحفر للجهنية وكان الزنا ثبت بإقرارها، وقال قتادة: يحفر للرجل أيضًا كالمرأة [١١/أ] وقال أبو يوسف وأبو ثور: يحفر للمرأة دون الرجل.
فرع آخر
قال أصحابنا: صفة الرجم أن يضرب بالحجارة، أو بالمدر أو بما في معنى ذلك إلي أن يموت على ما ذكرنا. وقال في "الحاوي": الاختيار أن يكون الحجر مثل الكف، ولا يكون أكبر كالصخرة فيوجبه، ولا يكون أصغر منه كالحصاة فيطول عليه ويكون موقف الرامي منه بحيث لا يبعد فيخطئه ولا يدنو منه فيؤلمه. وقال الإمام والدي ﵀: في الأول ثلاثة أوجه: أحدهما: أن الرجم بالحجارة الصغار. والثاني: بالكبار. والثالث: بهما جميعًا وهما سواء.
فرع آخر
فإن كان ثبت الزنا عليه بالبينة اتبع حتى يقتل، وإن كان ثبت بالإقرار قال الشافعي ﵁: إذا هرب خلى بينه وبين هربه ولم يتبع فإن عاد إلينا مقيمًا على إقراره حددناه. وهذا لما روي أن ماعزًا لما مسه حر الحجارة أخذ يشتد فلقيه عبد الله بن أنيس وقد عجز أصحابه فرماه فقتله فذكر ذلك لرسول الله ﷺ فقال: "هلا تركتموه لعله يتوب فيتوب الله تعالى عليه" وروي أنه قال لما مسته الحجارة وهرب: ردوني إلي محمد فإن قومي عزوني، وقالوا: إن محمدًا غير قاتلي فلما أخبر الرسول ﷺ [١١/ب] قال: "هلا رددتموه إلي لعله يتوب" وروي أنه لما مر يشتد لقيه رجل معه لحي بعير فضربه فقتله. وروي: فلما أذلقته الحجارة فر أي أصابته بحدها وذلق كل شيء حده يقال لسان ذلق طرق، وقيل: الإذلاق سرعة الرمي ومعناه أنه لما تتابع عليه وقع الحجارة من كل وجه فر.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: إذا هرب أو امتنع من إقامة الحد عليه ولم يصرح بالرجوع فيه وجهان ذكرهما صاحب "التقريب": أحدهما: أنه كالرجوع لقوله ﷺ في ماعز: "هلا تركتموه". وعلى هذا يضمن وهو اختيار أبي إسحاق. والثاني: يقام عليه الحد ولا يكون رجوعًا ويسأل عن هربه حتى يفسره استحبابًا وإنما أمرهم برد ماعز استحبابًا رجاء أن يرجع ومعنى التوبة في قوله: "لعله يتوب" الرجوع عن الإقرار إذا
[ ١٣ / ١٥ ]
قلنا: لا يسقط حد الزنا بالتوبة وهو أحد القولين.
فرع آخر
الأولى لمن حضر رجمه أن يكون عونًا إن رجم بالبينة، وممسكًا عنه إن رجم بالإقرار لما ذكرنا.
فرع آخر
يختار أن يتوقى الوجه لأمر رسول الله ﷺ باتقاء الوجه.
مسألة: قال: ويجوز للإمام أن يحضر رجمه ويترك. [١٢/أ]
اعلم أنه إذا أراد الإمام رجم المحصن فإن شاء حضر رجمه، وإن شاء لم يحضره وكذلك الشهود لا يلزمهم الحضور وبه قال مالك. وقال أبو حنيفة: إن ثبت عليه الزنا بالبينة وجب على الشهود أن يبدؤوا بالرمي ثم الإمام ثم الناس، وإن ثبت باعترافه بدأ الإمام ثم الناس. واحتجوا بما روى القاسم بن عبد الرحمن عن أبيه قال: رأيت عليًا ﵁ حين رجم شراحة الهمدانية لفها في عباءةٍ وحفر لها حفيرة ثم قام فحمد الله تعالى، وقال: أيها الناس إنما الرجم رجمان رجم سر، ورجم علانيةٍ ورجم السر أن يشهد عليه الشهود فيبدأ الشهود فيرجمون ثم يرجم الإمام ثم يرجم الناس ورجم العلانية أن يشهد على المرأة ما في بطنها فيبدأ الإمام فيرجم ثم يرجم الناس. إلا وإني راجم فارجموا. ودليلنا ما روي أن النبي ﷺ أمر برجم الغامدية وماعز ولم يحضر رجمهما ولأنه إقامة حد فلا يجب هذا كسائر الحدود، وأما أثر علي فنحمله على الأولى.
فرع
قال: ويحضر حد الزاني في الجلد والرجم طائفة من الأحرار المسلمين لقوله تعالى: ﴿ولْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [النور:٢] قال الشافعي ومالك: وأقلهم أربعة، وقال عكرمة وعطاء وإسحاق: اثنان، وقال الزهري: ثلاثة، وقال الحسن: عشرة، وقال ربيعة: خمسة وما قاله الشافعي [١٢/ب] أولى لأنه العدد الذي يثبت به حد الزنا.
مسألة: قال: وإن أقر مرةً حد.
الزنا يثبت بالإقرار مرة واحدة وبه قال حماد بن أبي سليمان والحسن وعثمان البتي ومالك وأبو ثور وابن المنذر، وروي ذلك عن أبي بكر وعمر ﵄، وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا يثبت إلا بالإقرار أربع مرات في أربع مجالس متفرقة وبه قال إسحاق، وقال ابن أبي ليلى وأحمد: يثبت بالإقرار أربع مرات في مجلسٍ واحدٍ أو
[ ١٣ / ١٦ ]
مجالس، واحتجوا بما روي عن ابن عباس ﵁ قال: جاء ماعز بن مالك إلي النبي ﷺ فاعترف مرتين فطرده ثم جاء فاعترف مرتين فقال: "أتشهد على نفسك أربع مرات اذهبوا به فارجموه" وروي أنه قال له: "الآن أقررت أربعًا فبمن" وروي أنه قيل له: لو أقررت أربعًا لرجمك رسول الله ﷺ. ودليلنا ما روي من خبر العسيف أن النبي ﷺ قال لأنيس: "فإن اعترفت فارجمها" ولم يعتبر العدد وأيضًا روى عبد الله بن بريدة عن أبيه أن امرأة من غامدٍ أتت النبي ﷺ فقالت: إني قد فجرت فقال: "ارجعي" فرجعت فلما كان الغد أتته فقالت: "لعلك أن ترددني كما رددت ماعز بن مالك" قالت: والله إني لحبلى فقال لها: "ارجعي" فرجعت فلما كان الغد [١٣/أ] أتته فقال لها: "ارجعي حتى تلدي" فلما ولدت أتته فقالت: هذا قد ولدته قال: "ارجعي فارضعيه حتى تفطميه" فجاءت به وقد فطمته وفي يده شيء يأكله فأمر بالصبي فدفع إلي رجل من المسلمين وأمر بها فحفر لها فرجمت". وروي أنها قالت: طهرني فقال: "ويحك ارجعي فاستغفري الله وتوبي إليه" فقالت: لعلك تريد أن ترددني كما رددت ماعز بن مالك قال: وما ذاك قالت: إني حبلى من الزنا قال: أثيبٌ أنت؟ قالت: نعم قال: إذًا لا نرجمك حتى تضعي ما في بطنك فكفلها رجل من الأنصار حتى وضعت ثم أتي النبي ﷺ قال: قد وضعت الغامدية قال: إذًا لا نرجمها وندع ولدها صغيرًا ليس له من يرضعه فقام رجل من الأنصار فقال: إلي رضاعه يا رسول الله فرجمها" وروي عن عمران بن الحصين أن النبي ﷺ دعا وليًا لها وقال له: "أحسن إليها فإذا وضعت فجيء بها" فلما وضعت أتى بها فأمر النبي ﷺ فشكت عليها ثيابها ثم أمر بها فرجمت.
وقوله: فشكت ثيابها أي شدت عليها لئلا تتجرد فتبدو عورتها. وفيه إثبات الكفالة بالنفس وفيه دليل أنه لا يعتبر العدد في الإقرار لأنه لم ينكر عليها قولها: لعلك تريد أن ترددني كما رددت ماعز بن مالك وفي هذا الخبر الأخير دليل على أنه أمر برجمها يوم وضعت وبه قال مالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابه [١٣/ب] إذا لم يستضر به الولد بأن يقوم بكفايته آخر، وقال أحمد وإسحاق: يترك حولين حتى يفطم الولد للخبر الأول، قال أصحاب الحديث: إسناد الخبر الثاني أجود وعمران بن الحصين أولى في الرواية، وأما خبر ماعز قلنا: إنما رده للشك في عقله وكان مشكك الحال والمقال وتمام الخبر ما روى نعيم بن هزال عن أبيه قال: كان ماعز بن مالك يتيمًا في حجر أبي فأصاب جارية من الحي فقال له: ائت النبي ﷺ فأخبره بما صنعت لعله يستغفر لك فأتاه فقال: يا رسول الله إني زنيت فأقم علي كتاب الله حتى قالها أربع مرات فقال النبي ﷺ: "قد قلتها أربع مرات فيمن" قال: بفلانة قال: هل ضاجعتها؟ قال: نعم قال: باشرتها قال: نعم قال: هل جامعتها؟ قال: نعم فأمر به فأخرج إلي الحرة فلما رجم ووجد مس الحجارة خرج فخرج يشتد فلقيه عبد الله بن أنيس وقد عجز أصحابه
[ ١٣ / ١٧ ]
فشرع له بوظيف بعير فرماه فقتله ثم أتى النبي ﷺ فذكر ذلك له فقال: "هلا تركتموه" وروى سليمان بن بريدة عن أبيه أن ماعزًا جاء فقال: يا رسول الله طهرني فقال: "ويحك ارجع فاستغفر الله وتب إليه" فرجع غير بعيد ثم جاء فقال: يا رسول الله طهرني فقال مثل ذلك حتى إذا كانت الرابعة قال: مم أطهرك فقال: من الزنا فسأل رسول الله ﷺ أبه جنون؟ فأخبر أنه ليس به جنون [١٤/أ] فقال: أشربت خمرًا؟ فقام رجل فاستنكهه فلم يجد منه ريح خمر فقال النبي ﷺ: أثيبٌ أنت قال: نعم فأمر به فرجم وكان الناس فيه فريقين تقول فرقة: هلك ماعز على أسوأ عمله لقد أحاطت به خطيئته وقائل يقول: أتوبةٌ أفضل من توبة ماعز إن جاء إلي رسول الله ﷺ فوضع يده على يده فقال: اقتلني بالحجارة فلبثوا في ذلك يومين أو ثلاثة ثم جاء النبي ﷺ وهم جلوس فسلم ثم جلس ثم قال: "استغفروا لماعز بن مالك" فقالوا: لماعز بن مالك. فقال النبي ﷺ: "لقد تاب توبة لو قسمت على أمةٍ لوسعتها"
وروى أبو هريرة ﵁ أنه قال له في الخامسة: أنكتها؟ قال: نعم قال: حين غاب ذلك منك في ذلك منها؟ قال: نعم قال: كما يغيب المرود في المكحلة والرشا في البئر؟ قال: نعم قال: هل تدري ما الزنا؟ قال: أتيت منها حرامًا ما يأتي الرجل من امرأته حلالًا قال: فما تريد بهذا القول؟ قال: أريد أن تطهرني فأمر به فرجم وروي أنه قال: "والذي نفسي بيده: إنه الآن لفي أنهار الجنة ينقمس فيها" معناه ينغمس والقاموس: معظم الماء ومنه قاموس البحر وروي فرميناه بجلاميد الصخر حتى سكت يعني مات. وروي أنه قال لهزالٍ: "يا هزال لو كنت سترت عليه بثوبك لكان خيرًا لك مما صنعت" وروي عن أبي سعيد الخدري ﵁ في هذا الخبر أتينا به مكانًا قليل الحجارة [١٤/ ب] فلما رميناه اشتد من بين أيدينا فسعى فتبعاه فأتى ناحيةً كثيرة الحجارة فقام ونصب نفسه فرميناه حتى قتلناه ثم اجتمعنا عند النبي ﷺ فأخبرناه فقال: "سبحان الله فهلا خليتم عنه حتى يسعى من بين أيديكم" هذا كله يدل على أن الإقرار الأول لم يكن تامًا والبيان كان بعد التكرار وارتفعت الشبهة عن فعاله وحاله بعد الإقرار أربع مرات، ولا يدل ذلك على أن التكرار الأربع فيه شرطٌ وأيضًا فهذا حق يبعث الاعتراف فلا يشترط فيه التكرار كسائر الحدود والحقوق، وقال أبو يوسف وزفر: لا بد من إقرارين في سائر الحدود إلا في حد القذف فإنه يكفي الإقرار به مرة.
مسألة: قال: ومتى رجع ترك وقع به بعض الحد أو لم يقع.
إذا اعترف الرجل بالزنا فلزمه الحد ثم رجع، وقال: ما كنت زنيت سقط عنه الحد، وكذلك كل حد لله تعالى خالص إذا أقر به ثم رجع كحد الخمر والقتل بالردة، والقطع بالسرقة وبه قال أبو حنيفة والثوري وأحمد وإسحاق، وقال سعيد بن جبير والحسن وابن
[ ١٣ / ١٨ ]
أبي ليلى وعثمان البتي وأبو ثور وداود: لا يقبل رجوعه، وعن مالك روايتان كالمذهبين. ودليلنا ما روي أن النبي ﷺ عرض لماعز بن مالكٍ [١٥/أ] بعد إقراره بالرجوع فقال: "لعلك قبلت، لعلك لمست" وروي عن أبي بكر الصديق ﵁ أن سارقًا اعترف عنده بالسرقة فقال: أسرقت؟ قال: لا وروي عن عمر وعلي ﵄ نحو ذلك ولأنه حد لله تعالى خالص ثبت بقوله فسقط برجوعه كالقتل بالردة، وقيل: جملة ما يقر به الإنسان على أربعة أضرب أحدها: ما يوجب حقًا لله تعالى محضًا على ما ذكرنا. والثاني: ما يوجب حقًا للآدمي محضًا فإذا أقر به ثم رجع لا يقبل. والثالث: ما يوجب حقًا يتعلق بحق الله تعالى وحق الآدمي كمال المسجد والزكاة فإذا أقر ثم رجع لا يقبل رجوعه. والرابع: ما يوجب حقين أحدهما: لله تعالى. والثاني: للآدمي مثل الإقرار بالسرقة التي توجب القطع لله والغرم للآدمي فإذا أقر بها ثم رجع يقبل رجوعه في القطع دون الغرم وقد ذكرنا فيما تقدم عن بعض أصحابنا في سقوط القطع قولين أو وجهين لاقترانه بما لا يؤثر الرجوع فيه.
فرع
لا فرق بين أن يرجع بعد وقوع بعض الحد، أو قبل انتهاء الحد فيترك عقوبته إذا رجع، وقال بعض العراقيين: لا يقبل رجوعه بعد الشروع في حده، وحكي عن مالك أنه قال: يقبل الرجوع إن بين علة أو عذرًا بأن يقول: ظننت أن الوطء دون الفرج زنا، أو إتيان البهيمة زنا، وإن قال: كذبت ولم يبين لكلامه وجهًا [١٥/ب] لم يقبل.
فرع آخر
قال في "الحاوي": الرجوع أن يقول: كذبت في إقراري ولم أزن، أو رجعت عن إقراري فإن قال: لا تحدوني لم يكن رجوعًا صريحًا فإن بين مراده قبل، وكذلك لو قال: لا حد علي وهذا أقرب إلي صريح الرجوع ولكنه يسأل عنه، ولو ندب فهل يقوم مقام رجوعه باللفظ، فيه وجهان وذكرنا خلاف هذا عن بعض أصحابنا بخراسان وهذا الذي قاله أوضح.
فرع آخر
لو اجتمع في حدود الله تعالى الإقرار والشهادة فهل يختص إقامتها بالإقرار أو بالشهادة؟ فيه وجهان: أحدهما: يختص بالشهادة لأنها أغلظ فعلى هذا لو رجع لم يسقط. والثاني: يختص بالإقرار فعلى هذا إن رجع سقط، وقال صاحب "الحاوي": الأصح عندي أن ينظر في اجتماعهما فإن تقدم الإقرار على الشهادة كان وجوبه بالإقرار ويسقط بالرجوع، وإن تقدمت الشهادة على الإقرار كان وجوبه بالشهادة ولم يسقط بالرجوع لأن وجوبه بأسبقهما فلم يؤثر فيه ما يعقبه وعلى الوجوه كلها لا يسقط أحدهما بالآخر.
[ ١٣ / ١٩ ]
مسألة: قال: ولا يقام حد الجلد على حبلى، ولا على المريض المدنف ولا في يوم حر أو برد شديد.
الكلام في هذا في الأعذار التي توجب تأخير إقامة الحدود [١٦/أ] والحكم في هذا أن من وجب عليه حد الزنا فلا يخلو من أن يكون بكرًا أو محصنًا، فإن كان بكرًا فإن كان سليمًا لا مرض به ولا خلقه نظر، فإن كان الهواء معتدلًا لا حر ولا برد شديد فإنه يجلد رجلًا كان أو امرأة للآية، وإن كان الهواء غير معتدل إما شدة حر أو برد أخّر الجلد إلي اعتدال هواء لأن القصد منه الردع والزجر والتأديب دون القتل والإتلاف، فإذا أقيم عليه الحد في هذه الحالة أعان الزمان على نفسه فيتلف، وإن كان عليلًا لم يخل إما أن تكون العلة مما يرجى زوالها، أو لا يرجى زوالها، فإن كان يرجى زوالها لم يقم عليه الحد حتى يبرأ من مرضه لأنه إن أقيم عليه الحد وهو مريض أعان المرض عليه فيفضي إلي تلفه، وإن كان مرضه مما لا يرجى زواله كالسل والزمانة والعضب أو كان نضو الخلق.
يضرب بأطراف الثياب وعثكال النخل، وقال مالكٌ: لا يجوز إلا أن يضرب بالسياط مائة جلدة، فإن لم يكن يؤخر، وقال أبو حنيفة: تجمع الأسواط ويضرب بها دفعة واحدة. ودليلنا ما روى أبو أمامة بن سهل بن حنيف عن بعض أصحاب النبي ﷺ من الأنصار: أنه اشتكى رجل منهم حتى أضنى فعاد جلده على عظم فدخلت عليه جارية لبعضهم فمشى لها وقع عليها فلما دخل عليه رجال من قومه [١٦/ب] يعودونه أخبرهم بذلك، وقال: استفتوا لي رسول الله ﷺ فإني وقعت على جارية دخلت عليّ فذكروا ذلك لرسول الله ﷺ وقالوا: ما رأينا بأحدٍ من الناس من الضنا مثل الذي به لو حملناه إليك لتفسخت عظامه ما هو إلا جلد على عظم فأمر رسول الله ﷺ أن يأخذوا له مائة شمراخ فيضربوه بها ضربةً واحدةً. وقوله: أضنى أي: أصابه الضنا وهو شدة المرض وسوء الحال حتى ينحل بدنه ويهزله، وقيل: الضنا انتكاس العلة. وفي رواية عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف قال: أتت امرأة النبي ﷺ وهي حبلى فقالت: إن فلانًا أحبلها فأرسل إليه فأتي به يحمل وهو ضريرٌ مقعد فاعترف على نفسه فضربه رسول الله ﷺ بعثكالٍ فيه مائة شمراخ الحد ضربة واحدة وكان بكرًا. ولأن في الضرب بالسياط تلفه ولا وجه للترك أصلًا والأولى ما ذكرنا. وروي أن رسول الله ﷺ أتى بنغاشي وجد على ظهر امرأة يخبث بها فقال: "اجلدوه مائة جلدة" فقالوا: لو ضربناه مائة جلدة لتفتت فقال: "خذوا عثكالًا عليه مائة شمراخ فاضربوه بها". فإذا تقرر هذا [١٧/أ]
[ ١٣ / ٢٠ ]
فإن كانت عليه مائة فرع يضرب بذلك ضربةً، وإن كان خمسون فرعًا يضرب ضربتين ولا بد أن يصيبه من الفروع المائة، فإن وقع بعض الفروع على البعض كفي لأن أذى الكل قد أصابه ولا يشدد في ذلك الضرب بل يكفي قدر ما يفارق اسم الوضع وينطلق عليه اسم الضرب، ثم من حدّ هكذا فبرأ من بعد لا يقام عليه الحد بل قد وقع الأول موقعه. وإن كان المحدود في بلدةٍ لا يسكن حرها أو لا يقل بردها لم يؤخر حده ولم ينقل إلي البلاد المعتدلة لما فيه من تأخير الحد ولحوق المشقة وقوبل إفراط الحر والبرد تخفيف الضرب حتى يسلم من القتل كما نقول في المرض الملازم.
وإن وجب على امرأةٍ حامل الجلد لا يقام عليها حتى تضع لأنه لا يؤمن من إذا جلدت وهي حامل أن يسقط الولد من الأم، وإذا وضعت نظر، فإن لم يكن بها ضعف أقيم عليها الحد من نفاسها، وإن كانت ضعيفة لم يقم عليها حتى تبرأ لأنها كالزمنة وكل موضع، قلنا: لا يقام عليها الحد لعذر من شدة حرٍّ أو بردٍ أو عذر في بدنها فأقيم عليها وتلفت فهل عليه الضمان؟ قال في الجنايات: إذا أقام في شدة حرٍّ أو بردٍ فهلك فلا ضمان، وإن كانت حاملًا فعليه ضمان الحمل. وقال في موضع آخر: لو كان أغلفة فخثنه الإمام في شدة حرٍّ أو بردٍ فعلى عاقلته الدية، واختلف الأصحاب فيه على طريقين: أحدهما: لا ضمان لأنه أقام [١٧/ب] حدًا واجبًا. والثاني: يلزم الضمان لأنه مفرّط. والتأمة المسألتان على ظاهرهما، والفرق أن الحد ثابت نصًا بغير اجتهاد فلا يضمن والختان بالاجتهاد فيضمن وأيضًا فإن استيفاء الحد إلي الإمام لا يقيمه غيره فقد أدى فرضًا عليه بعينه. والختان يتولاه الرجل من نفسه أو أبوه منه في حال صغره والإمام قائمٌ مقامه فيجب النظر له ولا يقيمه في أسباب التلف، فإذا أقام فتلف ضمن فإذا قلنا: يضمن فكم يضمن؟ فيه وجهان: أحدهما: يضمن جميع الدية لأنه فرط. والثاني يضمن نصف الدية لأنه مات من واجبٍ محظورٍ. وأما المحصن إذا وجب عليه الرجم فلا يخلو إما أن يكون رجلًا أو امرأة، فإن كانت امرأة حاملًا أو كان رجلًا صحيحًا والزمان معتدل رجم في الحال لأنه لا عذر يقتضي تأخيره، وإن كان هناك مرض أو كان الزمان غير معتدلٍ نظر، فإن كان الرجم ثبت بالبينة أقيم في الحال ولم يؤخر لأن القصد قتله فلا يعتبر حال الزمان، وإن كان ثبت بالإقرار فالمنصوص أنه يؤخر إلي اعتدال الزمان والبرد لأنه ربما يمسه حر الحجارة فيرجع فيعين الزمان على قتله، ومن أصحابنا من قال: يقام عليه الحد لأن القصد منه القتل وقد وجب كما وجب بالبينة وهذا اختيار أبي إسحاق.
وقال بعض أصحابنا: فيه ثلاثة أوجه قالها ابن أبي هريرة؛ أحدها: وهو المنصوص لا يؤخر. والثاني: يؤخر لأنه يجوز [١٨/أ] أن يرجع الشهود أيضًا كما يرجع عن الاعتراف. والثالث: يفصل بين أن يكون بالبينة أو بالإقرار على ما ذكرنا. ولو سرق نضو الخلف وعلم أن القطع قاتله ذكرنا وجهين ولا خلاف في القصاص أنه يستوفى وفي حد القذف يحد كما يحد في الزنا.
[ ١٣ / ٢١ ]
وإن كانت امرأة حبلى قال الشافعي ﵁: تترك حتى تضع ويكفل ولدها، وقد روي أن عمر ﵁ هم برجم حبلى من الزنا فقال له معاذٌ ﵁: إن كان لك عليها سبيل فلا سبيل لك على ما في بطنها، فصبر حتى وضعت فلما وضعت سقط الحد عنها إما باعتراف الزوج بذلك، وإما بإلحاق القائف أو غير ذلك ففرح به عمر ﵁ ومدح معاذًا. وقال بعض أصحابنا بخراسان: لم يذكر الشافعي الفطام، وقد روي الفطام في خبر الغامدية وأنه لما كفل رجلٌ ولدها رئيت الكراهة في وجه رسول الله ﷺ فلو كفل ولدها كافل للرضاع أقيم الحد عليها. وقيل: قال الشافعي: ظاهر الخبر التأخير إلي الفطام والكفالة والصحيح أن يقال: لا ترجم حتى تضع ولدها اللباء، ثم إن وجدت المرضعة يسلم إليها وترجم وإن لم توجد يؤخر رجمها حتى ترضعه حولين كاملين لأنا لما حفظنا حياته حملًا فأولى أن نحفظه وليدًا، وإن علم وجود المرضعة ولكنها لم تتعين ففي جواز رجمها قبل تعينها ودفعها إلي المرضع وجهان: أحدهما [١٨/ب] يجوز لأن المرضع موجودٌ، والثاني: لا ترجم حتى تدفع إلي المرضع.
فرع
إذا أقر أنه زنا بامرأة فأنكرت وجب الحد عليه دونها، وقال أبو حنيفة: لا يجب الحد عليهما لأنا صدقناها في إنكارها فصار محكومًا بكذبه فلا حدَّ عليه وهذا لا يصح لأن عدم إقرارها لا يبطل إقراره، كما لو سكت، وروى سهل بن سعدٍ الساعدي: أن رجلًا أقر أنه زنا بامرأة فبعث النبي ﷺ إلي المرأة فسألها عن ذلك فجحدت فحد الرجل.
فرع آخر
إذا شهد أربعة عدولٍ على رجلٍ بالزنا فإن كذبهم أو صدقهم رجمناه، وقال أبو حنيفة: إن كذبهم رجمناه، وإن صدقهم لم نجرمه بناء على أصله أنه لا حكم له مع الإقرار ولم يقر أربع مراتٍ وهذا لا يصح لأنه لو كذب الشهود لزمه الحق فكذا إذا صدقهم كسائر الحقوق.
فرع آخر
لو وجد امرأة على فراشه فوطئها على ظن أنها امرأته، أو أمته، لا يلزمه الحد، وقال أبو حنيفة: يلزمه الحد وهذا لا يصح لأنه وطئ من ظنها زوجته فلا حد عليه، كما لو زفت إليه غير زوجته فوطئها، وأما الموطوءة فإن كانت تعتقد أنه زوجها فلا حد عليها وإن علمت أنه أجنبي وسكتت يلزمها الحد.
[ ١٣ / ٢٢ ]
فرع آخر
لو أقر الأخرس بالزنا وله إشارةٌ مفهمة أو كتابة معلومة يلزمه الحد، وقال أبو حنيفة: لا يلزمه الحد لأن في [١٩/أ] الإشارة المفهمة شبهة وهذا لا يصح لأن من صح إقراره بغير الزنا صح إقراره بالزنا كالناطق.
فرع آخر
لو غيب بعض الحشفة عزّر وتعزيره به أغلظ من تعزيره بالاستمتاع دون الفرج، وتعزيزه بهذا أغلظ من تعزيره بالمضاجعة والقبلة، وقال عمر وعليّ ﵄: إذا اضطجعا في فراشٍ واحدٍ يقبلها وتقبله متعانقين يحد كل واحدٍ منهما مائة جلدة، وقال عمر بن الخطاب ﵁: خمسين جلدة.
فرع آخر
لو شهدوا بالزنا ثم غابوا، أو ماتوا يجوز للحاكم إقامة الحد خلافًا لأبي حنيفة رحمة الله تعالى عليه.
فرع آخر
إذا وجد رجلٌ مع امرأة في لحافٍ واحدٍ لا يجب عليهما الحد، وقال إسحاق: يجب عليهما الحد وهذا غلط لما روى ابن مسعود ﵁ أن رجلًا جاء إلي النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إني نلت من امرأة حرامًا ما ينال الرجل من امرأته إلا الجماع فقال: "استغفر الله وتوضأ" ولم يوجب عليه الحد.
فرع آخر
إذا وجدت امرأة حاملًا ولا زوج لها سئلت فإن اعترفت بالزنا وجب عليها الحد، وإن أنكرت الزنا لم يجب الحد عليها، وقال مالك: يجب عليها الحد لأن الظاهر أنه من زنا وهذا لا يصح لأنه يحتمل أن يكون من وطئ بشبهةٍ أو إكراهٍ والحد يسقط بالشبهة، وروى عمر ﵁ أنه أتى بامرأة حامل فسألها فقالت: لم أحس حين ركبني رجلٌ فقال عمر: دعوها [١٩/ب].
فرع آخر
من لم يعلم بتحريم الزنا لا حد عليه كالذي لم تبلغه دعوة الإسلام، أو مجنون أفاق بعد بلوغه فزنا لوقته، أو حديث عهد الإسلام، أو قادمٌ من باديةٍ. ولا يلزم إحلافه إلا استظهارًا، وإن لم يكن من هؤلاء الجملة لا يقبل قوله. وروي عن سعيد بن المسيب أنه قال: ذكر الزنا بالشام فقال رجل: زنيت البارحة فقالوا: ما تقول؟ فقال: ما علمت أن الله حرمه فكتبوا إلي عمر ﵁ فكتب عمر: إن كان علم أن الله حرمه فخذوه، وإن لم يكن علم فعلموه، وإن عاد فارجموه.
[ ١٣ / ٢٣ ]
وروي أن جارية سوداء رفعت إلي عمر فخفقها بالدرة خفقات وقال: أي لكعاء زنيت؟ فقالت: عرّس بي فلان بدرهمين فجيء بصاحبها الذي زنا بها ومهرها الذي أعطاها فقال عمر: ما ترون؟ وعنده عليٌّ وعثمان وعبد الرحمن بن عوف فقال عليّ: أرى أن ترجموا، وقال عبد الرحمن: أرى مثل ما رأى عليّ فقال لعثمان: ما تقول؟ قال: أرى أنها لم تر بأسًا بالذي صنعت وإنما حد الله على من علم من أمر الله تعالى قال: صدقت.
مسألة: قال: لا يجوز على الزنا واللواط وإتيان البهائم إلا أربعةٌ من الشهود.
جملة هذا أن الزنا واللواط وإتيان البهائم لا يثبت بأقل من أربعة من الشهود العدول الذكور لأن الله تعالى قال في الزنا: ﴿ثُمَّ لَمْ يَاتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ﴾ [النور:٤] فجعل المخلص [٢٠/أ] من حد القذف إن شهد أربعة شهود بالزنا واللواط وإتيان البهائم فقيس على هذا، ولأنه مندوبٌ إلى الستر على الزنا فاستظهر في عدد الشهود بالتقدير بالأربعة توصلًا إلى ستره، ولا تقبل فيه شهادة النساء مع الرجال، ولا تقبل فيه الشهادة على الشهادة في أحد القولين، وقال الحسن: تقبل فيه شهادة ثلاثة مع امرأتين قال الشافعي: ثم يتفهم الحاكم حتى يتبينوا أنهم رأوا ذلك منه يدخل في ذلك منها دخول المرود في المكحلة وهذا تحسين العبارة من جهة السلف فأما رسول الله ﷺ فما قنع إلا بتصريح العبارة قال أصحابنا: ولو قالوا: رأينا ذكره وغاب في فرجها أجزاهم ولا يحتاجون إلي قولهم: مثل المرود في المكحلة لأنه صريح بهذا المعنى، فإن ذكروه كان تأكيدًا والدليل على وجوب التفسير على المشاهد أن النبي ﷺ استفسر ماعزًا حتى أقر بالزنا على ما ذكرنا فإذا لزم التفسير في الإقرار ففي الشهادة أولى وروي أنه لما شهد أبو بكرة وصاحباه على المغيرة بالزنا جاء زياد ليشهد فقال عمر ﵁: جاء رجلٌ لا يشهد إلا بالحق إن شاء الله فقال زياد: رأيت ابتهارًا ومجلسًا سيئًا فقال عمر: أهل رأيت المرود دخل المكحلة؟ فقال: لا فأمر بالثلاثة فجلدوا، وروي أنه قال: رأيت نفسًا يعلو وإستًا تنبو ورأيت رجليها على عنقه كأنها أذنا حمار [٢٠/ب] ولا أدري ما وراء ذلك فأسقط شهادته.
قال: ويجوز للشهود أن ينظروا إلي ذلك منها لإقامة الشهادة عليها ليحصل الردع بالحد.
ثم اعلم أن اللواط وهو إتيان الذكور محرَّمٌ وهو من كبائر الذنوب قال الله تعالى في قوم لوط ﵇: ﴿أَتَاتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ العَالَمِينَ (١٦٥) وتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ﴾ [الشعراء:١٦٥ - ١٦٦] وعن النبي ﷺ أنه قال: "أول من لاط إبليس أهبط من الجنة فردًا لا زوجة له فلاط بنفسه فكانت ذريته منه" فإذا أتى ذلك اختلف قول
[ ١٣ / ٢٤ ]
الشافعي ﵁ فيه فقال: في كتاب عليّ وعبد الله ﵄: يرجم بكرًا كان أو ثيبًا، وبه قال ربيعة ومالك وإسحاق وروي ذلك عن الشعبي ووجه هذا ما روى ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: "من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به" وروي عن ابن عباس أنه قال في البكر يوجد في اللوطية يرجم، وقال أيضًا: ينظر أعلى بناءٍ في القرية فيرمى به منكسًا ثم يتبع بالحجارة لأنه أغلظ لأنه لا يستباح بحالٍ فلزم القتل به، وقال الشافعي في أكثر كتبه: هو كالزنا إن كان بكرًا يجلد، وإن كان ثيبًا يرجم وبه قال الحسن والنخعي وعطاء وقتادة والأوزاعي وابن المسيب وأبو يوسف ومحمد والثوري والزهري. ووجه هذا أن الله تعالى سماه فاحشة [٢١/أ] فقال: ﴿أَتَاتُونَ الفَاحِشَةَ﴾ [النمل:٥٤] وجعل حد الفاحشة الحبس إلي الممات ثم نسخ بخبر عبادة بن الصامت الذي ذكرناه، وقال أبو حنيفة: لا حد فيه ويعزر، وفيه عنه أنه قال: يحبس بعد التعزير حتى يموت، وعلى هذا تثبت اللواطة عنده بشاهدين وهذا لا يصح لما ذكرنا.
وروي عن صفوان بن سليم عن خالد بن الوليد ﵁ أنه وجد في بعض نواحي العرب رجلًا ينكح كما تنكح المرأة فكتب إلي أبي بكر ﵁ فاستشار أبو بكرٍ الصحابة فكان عليّ أشدهم قولًا فقال: ما فعل هذا إلا أمة من الأمم وقد علمتم ما فعل الله بهم أرى أن يحرق بالنار فكتب أبو بكر بذلك فحرَّقه وروى أبو موسى الأشعري ﵁ أن النبي ﷺ قال: "إذا أتى الرجلُ الرجلَ فهما زانيان، وإذا أتت المرأةُ المرأةَ فهما زانيتان" وروي عن عليّ ﵁ أنه قال: يرجم اللوطي وكان ابن الزبير يحرّق اللوطي، وروي عن عليّ أنه رجم لوطيًا، وروى الربيع أن الشافعي رجع عن القول الأول إلى هذا القول الثاني. وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه قول ثالث إنه يعزر كما في إتيان البهائم وهذا غلط ظاهر، ولا فرق أن يلوط بغلامٍ كبيرٍ أو صغير، ولو تلوط بغلام يملكه كما لو تلوط بغلام الأجنبي، وقيل: إن فيه وجهان إن ملكه فيه يصير شبهة في سقوط الحد وهذا ليس بشيء. [٢١/ب] ولو تلوط بامرأة أجنبية فالحكم كما تلوط بالغلام، وقيل: قولًا واحدًا كما لو زنا في قبلها
[ ١٣ / ٢٥ ]
يختلف بالبكارة والثيابة، ولو تلوط بزوجة نفسه فالمذهب أنه لا حد وقد ذكرنا. وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه وجهٌ أنه كوطء أخته من الرضاع في ملكه يلزمه الحد في أحد القولين وليس بشيء.
وأما إتيان البهيمة ففيه ثلاثة أقوالٍ. أحدها: يقتل بكل حالٍ وهو ظاهر ما قاله هنا لأنه قرنه باللواط وبه قال أبو سلمة بن عبد الرحمن، ووجهه ما روى عكرمة عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: "من أتى بهيمةً فاقتلوه واقتلوها معه" وقال عكرمة قلت له: ما شأن البهيمة؟ ما أراه قال ذلك إلا أنه كره أن يؤكل لحمها. وقد عمل بها ذلك العمل. والثاني: حكمه حكم الزنا وبه قال الحسن وروي عن إسحاق بن راهويه أنه قال: يقتل إذا تعمد ذلك وعلم ما جاء من الخبر فيه. فإن درأ عنه إمامٌ القتل لا ينبغي أن يدرأ عنه جلد مائةٍ تشبيهًا بالزنا ولأنه فرج يجب بالإيلاج فيه الغسل فيجب الحد بالإيلاج فيه كفرج الآدمية. والثالث: يعزَّر لأن الشافعي قال في كتاب الشهادات: وإذا شهدوا على رجل بالزنا سألهم الإمام: أزنا بامرأةٍ؟ لأنهم قد يعدون الزنا وقوعًا على بهيمة لعلهم يعدون الاستمناء زنا وهذا نص على أن إتيان البهيمة ليس بزنا، وبه قال [٢٢/أ] أكثر الفقهاء عطاء والنخعي ومالك والثوري وأحمد أبو حنيفة وأصحابه: وجهه أن الحد يجب للردع والزجر، والنفس لا تدعو إلي مواقعة البهيمة فلا يحتاج إلي المبالغة في الردع عنها، ومن أصحابنا من قال: قولًا واحدًا إتيان البهيمة زنا وفي حده قولان كما في اللواط. وتأويل ما قال في الشهادات إنه ربما تعد الشهود إتيان البهيمة زنا والقاضي لا يعده زنا ولهذا يستفسرهم لأن الشافعي ﵁ لا يعده زنا، ومن أصحابنا من قال: قولًا واحدًا إنه ليس بزنا كما صرح في الشهادات وهو اختيار المزني.
وإشراط أربعة من الشهود في هذا لا يدل على أنه زنا لأنه شرط في التعزير الذي هو جنس الحد الذي لا يثبت إلا بأربعة من عدد الشهود الذي شرط في ذلك الحد بخلاف التعزير في الأجناس الأخر لأن حد ذلك الجنس يثبت باثنين. وأما خبر ابن عباس ﵄ قد قال أبو داود: روى عاصم عن أبي رُزين عن ابن عباس أنه قال: لا حد على الذي أتى بهيمةً وهذا يضعف الرواية المرفوعة، وقال يحيى بن معين: روى المرفوع عمرو بن أبي عمرو وليس بالقوي.
فرع
إذا قلنا: يجب التعزير به فظاهر مذهب الشافعي أنه لا يقبل فيه أقل من أربعة شهود
[ ١٣ / ٢٦ ]
لما ذكرنا أنه [٢٢/ب] من جنس تغلظت فيه الشهادة وهذا اختيار ابن أبي هريرة.
واستدل بأن هذه شهادة على إيلاج فرجين فلا بد من أربعة كالشهادة على إيلاج فرج الآدمية ووكده أن الجلد والرجم يختلفان وكلاهما في عدد الشهود سواء، فكذلك الجلد والتعزير بسبب الإيلاج في الفرج، ومن أصحابنا من قال: يثبت بشاهدين وهذا اختيار المزني وابن خيران، وقال صاحب "الحاوي": وهكذا الخلاف على من أتى امرأة دون الفرج، وقيل: فيه وجهان والصحيح ما ذكرنا من النصوص وخلاف بعض أصحابنا وهو اختيار أبي حامد.
فرع آخر
قال صاحب "الحاوي": لا حد فيه فهل يلزم الغسل بإيلاجها؟ وجهان: أحدهما: يجب وهو المذهب. والثاني: لا يجب لأنه في حكم المباشرة في غير الفرج.
فرع آخر
في قتل البهيمة. قال القاضي أبو حامد: قال الشافعي ﵁: إن ثبت عن النبي ﷺ في قلتها وإلا لم تقتل وإنما علق الشافعي القوم فيه لأن الخبر الذي روي فيه ضعيف على ما ذكرنا، ومن أصحابنا من قال: فيه وجهان بناءً على حده هل هو مأخوذ من الخبر أو من الاستدلال؟ فإن قلنا: مأخوذ من الخبر تقتل البهيمة، وإن قلنا: مأخوذ من الاستدلال [٢٣/ أ] فلا تقتل.
فرع آخر
إذا قلنا: تقتل ففيه ثلاثة أوجه: أحدها: تقتل جميع البهائم للخبر. والثاني: لا تقتل. والثالث: إن كانت مما يؤكل لحمها ذبحت، وإن كان مما لا يؤكل لحمها لم تقتل لأن النبي ﷺ نهى عن ذبح الحيوان لغير مأكلةٍ، وقال الطحاوي في مختصره: تقتل إن كانت له، ولا تقتل إن كانت لغيره ولا وجه له لعموم الخبر، ومن أصحابنا من قال: إن كانت مما لا يؤكل لحمها لا تقتل وجهًا واحدًا، وإن كانت مأكولة اللحم وجهان، وقيل: إن كانت مأكولة اللحم تقتل وجهًا واحدًا، وإن كانت لا تؤكل فيه وجهان: أحدهما: لا تقتل لأن الأمر بقتلها لئلا يؤكل لحمها على ما ذكر في الخبر وهذا يخص المأكولة. والثاني: تقتل لعموم الخبر.
فرع آخر
إذا قلنا: تقتل فذبح المأكولة فهل يحل أكلها؟ وجهان: أحدهما: يحل وهذا أصح لأنه حيوان يحل ذبحه ممن هو من أهل الذكاة فيحمل على أكله. والثاني: لا يحل لأنها ذبحت لغير الأكل ولأنه أمر بقتلها وذلك يقتضي تحريم أكلها.
[ ١٣ / ٢٧ ]
فرع آخر
اختلف أصحابنا في المعنى الذي لأجله أمر بقتلها فقيل: لئلا يؤكل لحمها، وقيل: لئلا يرى فيقذفه الناس بإتيانها، وقيل: لئلا يعير بها ويذكر بها وهذا أقرب من الأول، وقيل: لئلا تأتي بولد مشوه الخلق.
فرع آخر
إذا قتلت وكانت [٢٣/ب] للغير هل تجب قيمتها على الزاني؟ قال صاحب "الإفصاح": قد قيل: قيمتها على الزاني، وقيل: في بيت المال، قيل: لا شيء عليه، وقال غيره من أصحابنا: إنها على الزاني لأن فعله سبب قتلها فصار كما لو قتلها فإن كانت مما تؤكل وقلنا: يحل الأكل يلزمه ما نقص من قيمتها بالذبح.
فرع آخر
إذا قلنا: يقتل بكل حالٍ به وباللواط فكيف يقتل؟ فيه وجهان أحدهما: بالسيف، والثاني: يرجم لما روي عن عليّ ﵁ أنه سئل عن ذلك فقال: يرمى به من شاهقٍ ويعلى بالحجارة ثم تلا قوله تعالى: ﴿فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا﴾ [هود:٨٢] الآية.
فرع آخر
إتيان المرأة المرأةَ مُحرّم لما ذكرنا من الخبر وقد قال ﷺ: "السحاق زنا النساء بينهن ويجب فيه التعزير دون الحد".
فرع آخر
قد ذكرنا أن الاستمناء مُحرّم قال أصحابنا: ويعزَّر إذا فعل، ولا يحد لأنه مباشرة محرمة من غير إيلاج فأشبه الاستمناء دون الفرج.
فرع آخر
إذا وجب الحد على الزاني وأراد الإمام الإقامة يفرقه على بدنه ويجعل لكل موضع من بدنه قسطًا منه إلا الوجه والفرج ذكره أصحابنا، وقال أبو حنيفة: إلا الفرج والوجه والرأس. وهذا لا يصح لما روي عن عمر ﵁ أنه قال: اجعلوا لكل موضع من البدن حظًا [٢٤/أ] من الضرب واتقوا الوجه والفرج، وروي مثل ذلك عن عليّ ﵁ وروي أنه قال: واتق وجهه ومذاكيره، وروي عن عمر أنه أمر بجارية قد فجرت فقال: أدباها واضرباها ولا تجرها بها جلدًا، وقال أبو بكرٍ ﵁: اضرب الرأس فإن الشيطان في الرأس، ولأن في الفرج يخاف التلف وفي الوجه الأعضاء الشريفة فلا يؤمن التلف إذا ضرب عليها وهذا المعنى لا يوجد في سائر الأعضاء غيرها. وقال القاضي الطبري: قال الماسرجسي: يُتقى الرأس. كما قال أبو
[ ١٣ / ٢٨ ]
حنيفة وهذا لا يصح لأن في الرأس مقلًا ويخاف العمى وزوال العقل ولا يجرد ولا يمد لما روي عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: ليس في هذه الأمة مدٌّ ولا تجريد ولا غل ولا حقد.
فرع آخر
إذا شهد شاهدان أنه أكرهها وآخران أنه طاوعته فلا حد عليها، لأن الشهادة لم تكمل على فعلٍ واحدٍ، وأما الرجل فالمذهب المنصوص أنه لا حد عليه أيضًا وبه قال أبو حنيفة لما ذكرنا، وقال ابن سريج والقاضي أبو حامد: من أصحابنا من قال: يلزمه الحد، وقيل: قولان: أحدهما: ما ذكرنا. والثاني: يلزمه الحد وبه قال أبو يوسف ومحمد لأن الشهادة كملت في حقه على الزنا لأنه زانٍ في الحالين معًا، وهذا غلط لأن الزاني الذي تكون المرأة فيه مطاوعةً غير الزاني الذي تكون المرأة فيه مكرهةً [٢٤/ب] فلا تتم الشهادة في الفعل الواحد.
فرع آخر
إذا قلنا: إنه لا حد عليهما هل يجب حد القذف على الشهود وهو مبني على القولين في الشهود إذا نقص عددهم فإن قلنا: لا حد عليهم لا يحد ها هنا، وإن قلنا: عليهم الحد فهنا وجهان فإن قلنا: يلزم فإن شاهدي الإكراه يحدان للرجل، وأما إذا قلنا: يحد الرجل فإن شاهدي الإكراه لا حد عليهما وأما شاهدا المطاوعة فهل يحدان للمرأة؟ قال القاضي الطبري: الذي عندي أنه يجب عليهما حد القذف، وقال بعض أصحابنا بخراسان: قال المزني: لا يحد الرجل ولا المرأة ولا على شاهدي الطواعية الحد وللشافعي ما يدل على هذا.
فرع آخر
لو شهد أربعةٌ وفيهم عبدٌ أو فاسق وقلنا: بنقصان العدد يوجب الحد على الشهود ففيه ثلاثة أوجه: أحدها: وهو الأصح لا حد على جميعهم لقوة الشهادة بالعدد ولكمال صفة الأكثرين. والثاني: يحد الكل. والثالث: يحد من نقصت صفته بالرق والفسق دون الباقين.
فرع آخر
لو كمل عددهم وصفتهم إلا أنه التكاذب فيها يعارض بأن شهد اثنان أنه زنا بها يوم الجمعة ببغداد وشهد آخران أنه زنا بها يوم الجمعة بالبصرة فإن قلنا: رد الشهود [٢٥/أ] من غير التكاذب يوجب الحد فمع التكاذب أولى، وإن قلنا: رد الشهود في غير التكاذب لا يوجب الحد ففيه ثلاثة أوجه: أحدها: يحدون للقطع بالكذب في شهادتهم. والثاني: لا يحدون لأن الكذب لم يتعين في إحدى الجهتين وبه قال أبو حنيفة. والثالث: يحد الأخيران لتقدم إكذاب الأولين لهما قبل شهادتهما، ولا يحد الأولان لحدوث الأخيرين لهما بعد شهادتهما وهذا أصح.
[ ١٣ / ٢٩ ]
فرع آخر
لو ردت شهادتهم لاختلاف الزنا مع الاتفاق على وجوده منهما بأن شهد اثنان أنه زنا بها يوم الجمعة، والآخران أنه زنا بها يوم السبت أو اثنان أنه زنا بها في الدار، وآخران أنه زنا بها في البيت فليس في هذا تكاذب لأنهما فعلان. فإذا قلنا: نقصان العدد لا يوجب الحد فهذا أولى وإن قلنا: يوجبه (فهنا) وجهان: أحدهما: يحد لأن الشهادة لم تكمل بهم. والثاني: لا يلزم الحد لكمال الشهادة بالزنا فكملت في سقوط العفة.
فرع آخر
إذا قلنا: يحد الشهود لا تسمع شهادتهم في شيء لأنه لا يحد للقذف إلا قاذف ولا تقبل شهادته حتى يتوب ولهذا قال عمر ﵁ لأبي بكرة: تُب أقبل شهادتك. وهل يقبل الإخبار عن الرسول ﷺ: فيه وجهان:
أحدهما: يقبل وهو اختيار أبي حامد [٢٥/ب] لأن المسلمين قبلوا روايات أبي بكرة ومن حد معه لم يقبلوا شهادتهم.
والثاني: لا يقبل وهو الأقيس لأن العدالة في الخبر المتعلق بالدين أولى.
فرع آخر
لو ملك الرجل ذا محرمٍ له مثل أمه من الرضاع أو النسب أو عمته أو خالته لا يجوز له وطؤها فإن وطئها قال في "الإملاء": في قولان أحدهما: لا يحد لشبهة الملك فيه وهو الصحيح وبه قال أبو حنيفة. والثاني: يحد لأنه وطء محرم لا يستباح بحالٍ فهو بمنزلة اللواط.
فرع آخر
لو نكح ذات محرم له ثم وطئها مع العلم بتحريمها يلزمه الحد بلا خلاف على المذهب وكذلك لو نكح المطلقة ثلاثًا، أو البائنة باللعان، أو المرأة الخامسة مع العلم بالتحريم ووطئها يلزمه الحد وبه قال مالك والحسن وأبو يوسف ومحمد، وقال أحمد وإسحاق: يقتل ويؤخذ ماله للخبر في ذلك، وقال سفيان: يدرأ عنه الحد إذا كان التزويج بشهود. وقال أبو حنيفة: يعزر ولا يحد ودليلنا ما روي عن البراء بن عازب ﵁ أنه قال: (بينما) أنا أطوف على إبلٍ لي ضلت إذ أقبل ركب أو فوارس معهم لواء فجعل الأعراب يطيفون بي لمنزلتي من رسول الله [٢٦/أ] ﷺ إذ أتوا قبةً فاستخرجوا منها رجلًا فضربوا عنقه فسألت عنه فذكروا أنه أعرس بامرأة أبيه، فإن قيل: لعله لم ينكحها قلنا: قوله: أعرس كناية عن النكاح والبناء بالأهل، وقد روى يزيد بن البراء عن أبيه قال: لقيت عمي ومعه لواء فقلت: أين تريد؟ فقال: بعثني رسول
[ ١٣ / ٣٠ ]
الله (صلى) الله عليه وسلم إلي رجل نكح امرأة أبيه فأمرني أن أضرب عنقه وآخذ ماله وهذا صريح في النكاح، وروى الإمام أبو سليمان الخطابي بإسناده عن البراء بن عازب قال: مر بي خالي ومعه لواء فقلت: أين تذهب؟ قال: بعثني رسول الله صلي الله عليه وسلم إلي رجل تزوج بامرأة أبيه آتيه برأسه وهذا يرفع الإشكال وروى ابن عباس ﵁ أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: "من وقع علي ذات محرم فاقتلوه" ولأنه وطء مجمع علي تحريمه لم يصادف ملكًا ولا شبهة ملك، فإذا أقدم عليه مع العلم بحاله يلزمه الحد إذا كان من أهله كما لو وطئها من غير عقد.
فرع آخر
إذا استأجر امرأة للزنا بها فزنا بها يلزمه الحد. وبه قال أبو يوسف ومحمد وجماعة العلماء، وقال أبو حنيفة: لا يلزمه الحد لشبهة العقد وهذا لا يصح لما ذكرنا وقياسًا علي ما لو استأجرها للخدمة ثم زنا بها يلزمه [٢٦/ب] الحد بالإجماع ويؤكده أن ما قاله يؤدي إلي فساد عظيم لأن كل زان لا يعجز عن مثل هذا العقد.
فرع آخر
لو وطئ جارية مشتركة بينه وبين غيره لا يلزمه الحد، وقال أبو ثور: يلزمه الحد لأن ملك البعض لا يبيح الوطء وهذا غلط لأنه اجتمع في الوطء ما يوجب الحد وما يسقطه فغلب الإسقاط لأن مبنى الحد علي الإسقاط بالشبهة وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: "ادرؤوا الحدود بالشبهات" وروت عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: "ادرؤوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم فإن وجدتم للمسلم مخرجًا فخلوا سبيله فإن الإمام إن يخطئ في العفو خيرٌ له من أن يخطئ في العقوبة".
فرع آخر
لو تزوج مجوسية فوطئها عالمًا بحالها لا يلزمه الحد لأن في إباحتها خلافا، كما لو نكحها بمتعةٍ ووطئها لا يلزمه الحد. ذكره القاضي الطبري، وفيه وجد آخر أنه يلزمه الحد وهو ضعيف. ولو تزوج معتدة فوطئها يلزمه الحد لأنه إجماع.
فرع آخر
لو ادعي الجهالة بأن لها زوجًا أو أنها معتدة في عدة من زوج أُحلف ودرء عنه الحد
[ ١٣ / ٣١ ]
نص عليه قال القاضي أبو حامد: قد قيل: إن اليمين استظهار ولو قالت المرأة: علمت أني ذات زوج ولا يحل لي النكاح أقيم عليها الحد ولو قالت: بلغني موت زوجي واعتدت ثم نكحت درأ عنها الحد [٢٧/أ] وكلما درأنا الحد لزم المهر بالوطء.
فرع آخر
لو أباح جاريةً لغيره فوطئها يلزمه الحد، وقال أبو حنيفة: إن كانت لامرأته جارية فأباحتها فوطئها لا يلزمه الحد إذا قال: ظننت أنها تحل لي، وروي عن عمر وعليّ وعطاء بن أبي رباح وقتادة ومالك وإسحاق مثل قولنا، وقال الزهري والأوزاعي: يجلد ولا يرجم، وقال الثوري: إن كان يعرف بالجهالة يعزر ولا يحد، وقد روى أبو داود عن حبيب بن سالم أن رجلًا يقال له: عبد الرحمن بن حنين وقع علي جارية امرأته فرفع إلي النعمان بن بشير وهو أمير علي الكوفة فقال: لأقضين فيك بقضية رسول الله صلي الله عليه وسلم إن كانت أحلتها لك جلدتك مائة، وإن لم تك أحلتها لك رجمتك بالحجارة فوجده قد أحلتها له فجلده مائه وهذا خبر منقطع لا يعول عليه، وقال محمد بن إسماعيل البخاري: أنا أنفي هذا الحديث، وقيل: في تأويله: إذا أحلتها له أوقع شبهة في الوطء فدرأ عنه الرجم ويجب عليه التعزير لأنه لا يعذر بجهله من نشأ في الإسلام وزيد في عدد التعزير حتى أبلغ به حد الزنا للبكر وللإمام أن يبلغ بالتعزير الحد عند مالكٍ ومذهب الشافعي ﵁ بخلاف هذا ولو زنا بجارية أبيه يلزمه الحد، وقال أبو حنيفة: إن ظنت الجارية أنها تحل له لا تحد [٢٧/ب] وهذا لا يصح كما لو كانت عاقلة فكذبته.
فرع آخر
لو زنا بأمة له عليها قصاص يحد، وقال أبو حنيفة: لا يحد لأن له عليها حقًا يتوهم ملكه إياها بذلك السبب.
فرع آخر
لو زنا في دار الحرب يلزمه الحد خلافًا لأبي حنيفة وظاهر المذهب أنه يقيم الإمام الحد عليه هناك إذا لم يخف الفتنة، وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه قولان: أحدهما: هذا. والثاني: لا يقام عليه الحد لخوف الفتنة وانكسار قلوب المسلمين.
مسألة: قال: وإِنْ شَهِدُوا مُتَفَرِقِيْنَ قَبِلْتُهُمْ إِذَا كَانَ الزِّنَا وَاحِدًا.
إذا شهدوا بالزنا قبلت شهادتهم سواء شهدوا متفرقين أو مجتمعين في مجلس أو مجالس، وقال أبو حنيفة: إن شهدوا متفرقين في مجالس لا تقبل شهادتهم وكانوا قذفة يحدون. وحد المجلس عنده ما دام الحاكم جالسًا، وإن جلس إلي آخر النهار ودليلنا
[ ١٣ / ٣٢ ]
أنه حق ثبت بشهادة الشهود فلا يصير فيه الاجتماع في مجلس واحد كسائر الحقوق.
فرع
إذا شهدوا بالزنا بعد تقادم العهد تقبل شهادتهم، وقال أبو حنيفة: لا تقبل، وقال أبو يوسف: جهدت بأبي حنيفة أن يؤقت لتقادم العهد في شهادة الزنا وقتًا فأبي، وقال الحسن بن زياد: ووقته أبو حنيفة بسنة وروي عن أبي يوسف أنه قال: [٢٨/ب] حده شهر. واحتجوا بما روى عن عمر ﵁ أنه قال: أيما شهود شهدوا بحد لم يشهدوا بحضرته فإنما هم شهود ضغنٍ ودليلنا أنه حق ثبت بالشهادة علي الفور فوجب أن يثبت بها بعد تطاول الزمان كسائر الحقوق، وأما الأثر رواه الحسن وهو مرسل ولأن عندهم الضغن لا يمنع الشهادة ويحتمل أنه أراد إذا لم يشاهدوه.
فرع آخر
إذا شهد عليه بالزنا أربعة شهود فشهد أحدهم أنه زنا بها في زاوية البيت اليسرى، وشهد الآخر أنه زنا بها في اليمنى لم يجب الحد علي المشهود عليه، وهل يحد الشهود؟ قولان، وقال أبو حنيفة: القياس هذا ولكن رجم المشهود عليه استحسانًا قال الشافعي ﵁: أي استحسان في سفك دم المسلم؟ واحتجوا بأنهم اتفقوا علي الزنا ويحتمل أنه رآه أحدهم في زاوية ثم زحف في حال الفعل إلي زاوية أخري فرآه الآخر واعتقد أحدهما أنه قريب إلي زاوية والآخر أنه مائل إلي زاوية أخري وهذا خطأ لأنه لم تتم الشهادة علي فعل واحد كما لو شهد أحدهم أنه زنا بالغداة والآخر بالعشي. [٢٨/ب]
مسألة: قال: وَمَتى رَجَعَ بَعْدَ تَمَامِ الشَّهَادَةِ لَمْ يُحَدَّ غَيْرُهُ.
في هذا الفصل مسألتان: إحداهما: إذا شهد الشهود علي الزنا ثم رجع أحدهم. والثانية: إذا لم يكمل العدد في الأصل وذكرها المزني بعد هذه المسألة وهذه الثانية مقدمة علي الأولي فنبدأ بها، فإذا شهد شاهد أو اثنان أو ثلاثة علي رجل بالزنا ولم تتم الشهادة أربعة لا خلاف أنه لا يجب الحد علي المشهود عليه لأنه لم تكمل البينة، وهل يجب الحد من الشهود؟ قولان أحدهما: يجب نص عليه في القديم والجديد أيضًا وتكلم عليه، وقال: لا أعلم فيه خلافًا وهو الأصح وبه قال أبو حنيفة ومالك لما ذكرنا من خبر عمر ﵁ أنه حد الثلاثة الذين شهدوا علي المغيرة بالزنا وهم أبو بكرة ونافع وشبل بن معبد. وروى أن أبا بكرة قال بعد أن حده عمر: والله إن المغيرة زنا فهم عمر بجلده فقال له عليّ: إن حددته فارجم صاحبك يعني المغيرة، وأراد أن هذا القول إن كان شهادة أخري فقد تم العدد، وإن كان هو الأول فقد جلدته عليه ومثل هذه القصة تنتشر لأن المغيرة والشهود كانوا بالبصرة واستدعاهم عمر (إلى) المدينة،
[ ١٣ / ٣٣ ]
والثاني: لا يجب أومأ إليه في الجديد لأنهم جاؤوا مجيء الشهود.
فرع
لو كان في الأربعة عبد أو فاسق [٢٩/أ] فقد ذكرنا ولو كانت الأربعة كلهم فساقًا ففيه طريقان:
أحدهما: أن نقص العدالة كنقص العدد ففي حدهم قولان.
والثاني: لا يحدون قولًا واحدًا وهذا اختيار القاضي أبي حامد وبه قال أبو حنيفة لأن نقص العدد يدرك يقينًا، ونقص العدالة يدرك اجتهادًا والحدود تدرء بالشبهة.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: إن كان الفسق مجتهدًا فيه لا يحدون، وإن كان فسقًا ظاهرًا فيه وجهان، قال هذا القائل: وإن كانوا أعداءً للمشهود عليه لا يحدون لأنه كالفاسق المجتهد في فسقه، وقال القاضي أبو حامد: هذا إذا كان أحدهم عبدًا أو محدودًا في القذف هو بمنزلة الفسق لأنه يدرك اجتهادًا، وقيل: إنه بمنزلة نقص العدد قولًا واحدًا لأنه أمر ظاهر يستسر به بخلاف الفسق. وقيل: إن كانوا عبيدًا أو كفارًا يحدون قولًا واحدًا لأنهم تيقنوا أنا لا نقبل بشهادتهم فمجيئهم مجيء القذفة، وكذلك لو كن نسوة، وإن كان أحدهم عبدًا أو كافرًا فإن قلنا: لا يجب الحد عليه لا يجب علي أصحابه، وإن قلنا: يجب الحد عليه ففي أصحابه قولان نقص العدد، وإن كان أحدهم صبيًا أو امرأة، قال أصحابنا: هذا بمنزلة نقصان العدد.
وأما المسألة الثانية إذا شهد أربعة بالزنا فقبل أن يحكم بشهادتهم رجع واحد منهم لا يجب الحد علي المشهود عليه، ويجب الحد علي الراجع لأنه قذفه لأنه إن قال: تعمدت [٢٩/ب] فهو قاذف وإن قال: أخطأت فهو مفرط كاذب، وقال القاضي الطبري: عندي علي لزومه الحد قولان لأنه أضاف الزنا إليه بلفظ الشهادة عند الحاكم فأشبه إذا شهد واحد وحده والأول أولى لأنه اعترف بالكذب فبطل حكم لفظ الشهادة بخلاف الواحد، وأما الثلاثة الآخرون نص الشافعي علي أنهم لا يحدون. والفرق بين هذه المسألة والمسألة التي قبلها أن هنا تكامل العدد فانتفي عنهم وصف القاذفين بكمال عددهم فلما رجع واحدٌ منهم صار هذا الراجع موصوفًا بوصف القاذفين، وهناك لم ينف وصف القاذفين عن الثلاثة لأن عددهم لم يتكامل حتى يتم وصف البينة فلهذا يحدون ويؤكده أن هناك ما وجب الحد في الظاهر علي المشهود عليه وإنما سقط الحد لمعنًى طرأ بعد وجوبه فافترقا، وقال القاضي أبو حامد: من جلد الأربعة إذا كانوا فساقًا فقياسه أن يحد هؤلاء أيضًا، ومن أصحابنا من أطلق وقال: فيه قولان أيضًا وهذا ضعيف لأنه نص أنهم يحدون في هذه المسألة مع نصه علي حدهم عند نقصان العدد، وقال أبو حنيفة: يحدون لأنه انتقص العدد فصار كما لو كان ناقصًا في الابتداء وهو الأصح والفرق ظاهرة.
[ ١٣ / ٣٤ ]
وقيل: [٣٠/أ] إن المغيرة في قصة عمر ﵁ علي ما ذكرنا كان نكحها سرًا فلم يذكره لعمر لأنه كان لا يري نكاح السر ويحد فيه وكان يتبسم عن الشهادة عليه فقيل له في ذلك فقال: لأني أعجب كما أريد أن أفعله بعد كمال شهادتهم فقيل له: وما تفعل؟ قال: أقيم البينة أنها زوجتي. ولو رجع واحد بعد الحكم بشهادتهم فالحكم عندنا كما لو رجع قبل الحكم، وحكي عن أبي حنيفة أنه قال هنا: لا يحد الحد علي غيره.
مسألة: قال: فَإِنْ رُجِمَ بِشَهَادَةِ أربعةٍ ثُمَّ رَجَعَ أَحَدُهُمْ.
الفصل
إذا شهد أربعة علي رجلٍ بالزنا فرجم ثم قالوا: أخطأنا في الشهادة عليه ولم يكن زنا يجب عليهم حد القذف لأنهم اعترفوا بالقذف ويلزمهم الدية للمقتول أرباعًا لأنهم سبب قتله إلا أنهم أخطؤوا فتجب دية مخففة، وإن قالوا: لم نعلم أنه يقتل بشهادتنا أو ظننا أنه بكر وكانوا ممن يجوز أن يخفى عليهم هذا لقرب عهدهم بالإسلام فالقول قولهم ويجب الحد عليهم وتجب دية مغلظة لأن هذا عمد خطأ، وإن لم يصدقهم الولي علي ذلك يلزمهم اليمين، وإن قالوا: تعمدنا وقصدنا قتله يلزمهم الحد والقصاص وعند أبي حنيفة لا حد ولا قود لأن حد القذف عنده لا يورث، وحكي عن القاضي أبي الطيب أنه قال: الحد علي القولين في هذه المسألة أيضًا من أجل [٣٠/ب] لفظ الشهادة وقد بينا هذه المسألة قبلها. وإن رجع أحدهم فإن قال: عمدت وقصدت ليقتل وكذلك أصحابي يلزمه الحد والقصاص لأنه عامد شارك العامدين، وإن قال: عمدت وأخطأ أصحابي، أو قال أخطأت وعمد أصحابي أو أخطأنا كلنا أو لم أعلم حالهم فلا قود وعليه الحد وربع الدية مخففًا في الخطأ، ومغلظًا في العمد لأنه إما أن يكون مخطئًا، أو مشاركًا للخاطئ وكلاهما يسقط القصاص.
فرع
قال أصحابنا بخراسان: لو قال كل واحدٍ منهم عمدت وأخطأ أصحابي فيه وجهان أحدهما: العمد حصل من جميعهم فمقتولون. والثاني لا قصاص عليهم لأن موجب إقرار كل واحدٍ منهم أن لا قود عليه يجعل أصحابه مخطئين وهذا ظاهر المذهب ولا معني للوجه الأول عندي.
فرع آخر
قال ابن سريج: إذا شهد ثمانية علي رجلٍ بالزنا فرجم بشهادتهم ثم رجعوا كلهم وقالوا: أخطأنا تلزمهم الدية أثمانًا علي كل واحدٍ منهم الثمن، ولو رجع واحدٌ من الثمانية أو اثنان أو ثلاثة أو أربعة فهل يجب علي الراجعين الضمان؟ قال ابن سريج:
[ ١٣ / ٣٥ ]
لا ضمان وبه قال عامة أصحابنا وهو قول أبي حنيفة قد بقي بعد رجوعهم من يستوفي الحد بشهادتهم فلا ضمان علي من رجع كما لو شهد أربعة ثم رجعوا أو قالوا: أخطأنا [٣١/أ] وهناك أربعة يشهدون عليه بالزنا وشهدوا لا يجب علي الراجعين شيء، كذلك هنا فعلى هذا إن رجع الخامس انحل من الوثيقة الربع فيجب ربع الدية ويكون الربع علي الخمسة بالسوية، وإن رجع ستة وجب نصف الدية عليهم، وإن رجع سبعة وجب ثلاثة أرباع الدية عليهم، وإن رجع الكل فقد ذكرنا الحكم. وقال أبو إسحاق: إذا رجع واحدٌ منهم يلزمه ثُمن الدية لأن الحكم بالرجم ثبت بشهادة الكل فمن رجع منهم فقد أقر بأنه أتلف ثمن نفسه بغير حق فلزمه ضمانه وبه قال المزني، وقال القفال: هذا القول الثاني. رواه البويطي ففي المسألة قولان والمذهب الأول، وعلي القول الثاني إن رجع اثنان يلزم الربع عليهما، وإن رجع ثلاثة يلزمهم ثلاثة أثمان الدية.
فرع
لا يثبت الإحصان إلا بشاهدين ذكرين، وقال أبو حنيفة: يثبت بشاهد وامرأتين، دليلنا أنه لا يقصد منه المال ولا تقبل فيه شهادة النساء علي الانفراد فلا مدخل للنساء فيه أصلًا.
فرع آخر
لو شهد أربعة علي رجلٍ بالزنا وهو منكر الإحصان فشهد عليه رجلان بالإحصان رجم فإن رجع شهود الإحصان عن الشهادة روى المزني عن الشافعي في أربعة شهود شهدوا علي رجلٍ بالزنا وشهد آخران بالإحصان ثم رجعوا أن الدية تجب عليهم علي شهود الزنا ثلثا الدية، وعلي شهود الإحصان ثلثها وهذا [٣١/ب] لأن الرجم لم يستوف إلا بقولهم فيجب الضمان عليهم عند الرجوع وعلي هذا يلزمهم القود إن تعمدوا.
وقال القاضي أبو حامد: وقيل: فيه قول آخر يجب الغرم علي شهود الزنا دون شهود الإحصان. وبه قال أبو حنيفة لأن شهود الإحصان لم يثبتوا الجناية وإنما أثبتوا صفة الكمال ومدحوا المشهود عليه فهو كما لو شهد أربعة بالزنا، وآخران أنه كان عاقلًا ثم رجعوا لا غرامة علي شاهدي العقل، وبه قال صاحب "الإفصاح". قال بعض أصحابنا: يُنظر فإن كان شهود الإحصان شهدوا قبل الزنا من أجل حكم الزنا فرجعوا لم يكن عليهم شيء، وإن كانت شهادتهم بالإحصان من أجل الزنا فرجعوا ففيه وجهان: أحدهما: لا شيء عليهم، والثاني: الغرامة. ثم في الغرامة وجهان: أحدهما: يقسم علي عدد الرؤوس. والثاني: نصفها علي شهود الإحصان ونصفها علي شهود الزنا لأنه قد ثبت بهم نصف الشرط فكان عليهم نصف الدية وهكذا ذكره ابن أبي
[ ١٣ / ٣٦ ]
هريرة، وقال بعض أصحابنا بخراسان: هل يغرم شهود الإحصان؟ فيه قولان وكم يغرمون؟ فيه قولان، وقال أبو ثور: لا ضمان علي شهود الزنا وإنما الضمان علي شهود الإحصان فلا يجب علي شهود الزنا أولى.
فرع آخر
لو شهد ثمانية بالزنا واثنان [٣٢/أ] بالإحصان فالحكم في الضمان علي ذكرنا فإن قلنا: يضمن الكل ففيه وجهان. أحدهما: الثلثان علي شهود الزنا، والثلث علي شهود الإحصان. والثاني: النصف علي شهود الزنا والنصف علي شهود الإحصان ولا فرق بين أن يكون أقل العدد من هؤلاء أربعة وهؤلاء اثنان أم كانوا زائدين علي ذلك أم إحدى البينتين زائدة في العدد دون الأخرى فالحكم واحد.
فرع آخر
لو شهد أربعة بالزنا، واثنان سواهم بالإحصان ثم رجع أحد شاهدي الإحصان فإن قلنا: لا يغرم شهود الإحصان فيغرم الذي رجع عن الزنا ربع الدية ثم هكذا كل من رجع منهم وإن قلنا: يغرم شهود الإحصان النصف والراجع عن شهادة الإحصان يغرم الربع، والراجع عن شهادة الزنا يغرم الثمن وإن قلنا: علي شهود الإحصان الثلث يغرم الراجع عنه السدس، والراجع عن شهادة الزنا يلزمه السدس أيضًا.
فرع آخر
لو شهد أربعة بالزنا، وشهد اثنان من الأربعة بالإحصان ثبت الزنا والإحصان جميعًا وشهادة الإحصان لا تتضمن تصديقها في شهادة الزنا فتقبل ويخالف هذه إذا شهد أربعة علي رجلٍ بالزنا وعرف الحاكم عدالة اثنين منهم وجهل عدالة الآخرين فشهد العدلان عنده على الشاهدين الآخرين لم تقبل شهادتهما لأنهما يجران بشهادتهما صدقهما فيما شهدا به.
فرع آخر
إذا رجمناه [٣٢/ب] بشهادة هؤلاء الأربعة ثم رجع الكل عن الشهادة فإن قلنا: في المسألة التي قبلها لا ضمان علي شاهدي الإحصان فهنا تكررت الدية عليهم بالسوية فيجب علي كل واحدٍ منهم الربع من الديه وإن قلنا هناك: يجب الضمان علي شاهدي الإحصان فهل يجب هنا؟ وجهان: أحدهما: لا يجب علي شاهدي الإحصان شيء إلا ما يجب علي الشاهدين الآخرين لأن القتل حصل بشهادة الأربعة، ومن شهد منهم بالإحصان فإنما زادت شهادته وذلك لا يوجب زيادة في الشخص الواحد، ألا تري أن من جرح جرحًا واحدًا ومن جرح عشرة في مقدار الديه سواء. والثاني: يجب علي شاهدي الإحصان ويكونان بمنزله أربعة فإنما شهدوا بالزنا والإحصان فكأن الشهود ستة فإذا قسطنا في المسألة الأولى علي الثلث والثلثين وجب علي شاهدي الإحصان ثلثا الدية وعلي الآخرين ثلث الدية، وإذا قسطناها علي النصف والنصف يجب (على)
[ ١٣ / ٣٧ ]
شاهدي الإحصان ثلاثة أرباع الدية وعلي الآخرين ربعها.
فرع آخر
لو شهد أربعة علي رجلٍ بالزنا فأنكر الإحصان وله امرأة له منها ولد فأنكر أن يكون جامعها لم يرجم قيل: إن الولد يلحق بالإمكان والإحصان لا يثبت إلا بالإقرار أو بالبينة.
فرع آخر
لو شهد أربعة بالزنا فزكاهم نفرٌ [٣٣/أ] زعموا أنهم أحرارٌ مسلمون فإذا هم مجوسٌ أو عبيد وقد رجمهم الإمام حين زكاهم قال القاضي أبو حامدٍ: غرم الإمام الدية ورجع بها علي المزكين، وإن غرم المزكون لم يرجعوا علي الإمام بها وإنما أوجبنا الضمان علي الإمام لأنه مفرّط بالحكم بشهادتهم، وإنما قلنا: إنه يرجع علي المزكين لأن شهادتهم هي السبب في الضمان لأنه لما شهدوا بالعدالة وثبت صدقهم ظاهرًا وجب علي الحاكم الحكم بشهادتهم فوجب أن يستقر الضمان عليهم، فأما شهود الزنا فلا ضمان عليهم لأنهم مقيمون علي ما شهدوا به ولم يثبت عند الحاكم الحكم بخلاف ما شهدوا به وإنما ثبت عنده خلاف ما شهد به المزكون قال أصحابنا: وكذلك إذا زكاهم ثم شهد شاهدان عنده بفسقهم كان الحكم علي ما ذكرنا، وحكي عن أبي ثور أنه قال: سألت أبا عبد الله عن هذه المسألة فقال: الدية علي عاقلة الإمام وعلي المركزين التعزير وهذا غير مشهور.
فرع آخر
قال ابن سريج: ولو شهد رجلٌ وامرأتان فقضى القاضي به ثم رجعوا فعليهم الضمان نصفين علي الرجل النصف وعلي المرأتين النصف لأنهما قائمتان مقام رجلٍ واحدٍ.
فرع آخر
لو شهد رجلٌ وعشرة نسوةٍ بمالٍ ثم رجعوا فعلى الرجل سدس الضمان [٣٣/ب] وعلي النسوة خمسة الأسداس لأن الرجل في المال بمنزلة المرأتين وكل امرأتين بمنزلة رجل، فإذا شهد عشر نسوةٍ ورجل يصير بمنزلة ستة رجال. وبه قال أبو حنيفة ومالك والمزني، وقال أبو يوسف ومحمد: علي الرجل نصف الضمان وعلي النسوة النصف، وقال بعض أصحابنا بخراسان: هذا قول الشافعي ﵁ دون الأول لأن النساء وإن كثرن يقمن مقام رجل واحد، لأنهن لو انفردن لم يحكم بشهادتهن وما ذكرناه أصح.
فرع آخر
لو رجعت واحدةٌ أو ثمان في هذه المسألة فلا شيء عليهن بناءً علي ما ذكرناه أنه لا ضمان ما دام هناك من يثبت الحق بقوله. فإن رجعت التاسعة فعليهن ربع الضمان لأنه انتقص ربع البينة. فإن رجعت العاشرة فعليهن نصف الضمان، فإن رجع
[ ١٣ / ٣٨ ]
الرجل فعليهن كل الضمان علي الرجل نصفه وعلي النساء نصفه.
فرع آخر
لو شهد رجلان وامرأة فرجعت المرأة فلا شيء عليها لأنه بقي من يثبت الحق به، ولو شهد رجلان وامرأتان ثم رجع الكل فعليهم الضمان أثلاثًا علي كل رجل الثلث وعلي المرأتين الثلث. ولو شهد رجلٌ وثلاث نسوةٍ فرجعت امرأة واحدة والرجل فعلى الرجل نصف الضمان ولا شيء علي المرأة وعلي هذا قياس هذا الباب.
مسألة: قال: وَلَوْ شَهِدَ عَلَيْهَا بِالزِّنَا [٣٤/أ] أربعة، وَشَهِدَ أربعة نِسْوَةٍ أَنَّهَا عَذْرَاءُ فَلاَ حَدَّ عَلَيْهَا.
وقال مالك: يلزمها الحد لأن شهادة النساء لا تسمع في الحدود فلا يسقط الحد بشهادتهن وهذا غلط لأن البكارة تثبت بشهادة النساء، وثبوت البكارة يورث شبهة لأن الظاهر عدم الوطء مع بقاء البكارة والحد يسقط بالشبهة، وأما الشهود فلا يحدون لأن العذرة قد تعود بعد زوالها، وإن كان نادرًا فلا تبطل شهادتهم مع تجويز صدقهم ويسقط الحد عن قاذفها ويسقط إحصانها حتى لو قذفها قاذفٌ بذلك الزنا لم يحد، ومن أصحابنا من قال: هل يسقط الحد عن قاذفها؟ فيه وجهان وهو غريبٌ.
فرع
لو شهد أربعة أن فلانًا زنا بهذه المرأة وهي مكرهةٌ، وشهد أربع نسوةٍ أنها عذراء درء عنه الحد ولزمه المهر لأن بقاء العذرة شبهة في درء الحد دون سقوط المهر، وصورة المسألة أنها إن كانت تدعي أنه فعل ذلك لتستحق المهر بدعواها ذكره أصحابنا بخراسان.
فرع آخر
لو بان بعد الشهادة بالزنا أنها وتقاء أو قرناء ننظر فإن كان يمنع إيلاج الحشفة لم يحد كما لو شهدت النسوة أنها عذراء، وإن كان لا يمنع إيلاجها حدت ثم هذه الشهادة، وإن سقط الحد عنها فسقطه لعفتها [٣٤/ب] حتى أنها لو قذفت لا تحد لكمال الشهادة بالزنا وسقوط الحد بالشبهة.
مسألة: قال: وَلَوْ أَكْرَهَهَا عَلَي الزَّنَا فَعَلَيْهِ الحَدَّ وَمَهْرُ مِثْلِهَا.
وقد ذكرنا هذه المسألة في كتاب الغصب.
فرع
لو أكره الرجل علي الزنا لا يلزمه الحد، وقال أبو حنيفة. إن أكرهه السلطان أو الحاكم لا يجب الحد، وإن أكرهه واحدٌ من الرعية يجب الحد استحسانًا ودليلنا أنه مكرهٌ على الوطء فلا يلزمه الحد كما لو أكرهه السلطان، ومن أصحابنا من قال: فيه
[ ١٣ / ٣٩ ]
وجهان أحدهما: ما ذكرنا. والثاني يحد لأن الوطء لا يكون إلا بالانتشار وهو الاختيار.
مسألة قال: وحَدَّ العَبْدِ وَالأَمَةِ أُحْصِنَا بِالتَّزْوِيْجِ أَوْ لَمْ يُحْصَنَا نِصْفُ حَدَّ الحُرَّ.
عندنا حد العبد والأمة في الزنا خمسون جلدة وبه قال مالكٌ وأبو حنيفة وأكثر الفقهاء، وقال ابن عباس ﵄: إن تزوجا فعلى كل واحدٍ منهما نصف الحد، وإن لم يتزوجا فلا حد عليهما. وبه قال طاوس وأبو عبيد القاسم بن سلام، وقال داود: أما العبد فيجلد مائةً وأما الأمة فإن تزوجت يلزمها نصف الحد، وإن لم تكن تزوجت ففيه روايتان: إحداهما: حد كامل وهو مائة. والثانية: لا حد عليها لأنه قال في قوله تعالي: ﴿فَإذَآ أُحْصِنَّ﴾ [النساء:٢٥] أي تزوجن ﴿فَإنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ [٣٥/أ] فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى المُحْصَنَاتِ مِنَ العَذَابِ﴾ وأمسك عن ذكرهن إذا لم يتزوجن فاحتمل كمال الحد واحتمل أن لا حد والعبد داخلٌ في قوله تعالى: ﴿؟لزَّانِيَةُ و؟لزاَّنِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور:٢] واحتج ابن عباس ﵄ بهذه الآية وقرأها صلي الله عليه وسلم (فإذا أحصن) بضم الهمزة أي: تزوجن فإذا لم تتزوج فلا حد عليها بدليل الخطاب.
وقال أبو ثور: إذا لم يحصنا بالتزويج فعليها نصف الحد وإن أحصنا بالتزويج فعليها الرجم وهو قول بعض أهل الظاهر، ودليلنا ما روى أبو هريرة ﵁ أن النبي صلي الله عليه وسلم سئل عن الأمة إذا زنت ولم تحصن فقال: "إن زنت فاجلدوها" إلي أن قال في الرابعة: "ثم إن زنت فبيعوها ولو بضفير" وهذا نصٌ في وجوب الحد قبل التزويج. وقال أبو ثور: يلزم بيعها في الرابعة لهذا الخبر، وروي عن أبي الرحمن السلمي أنه قال: خطب عليّ ﵁ فقال: أيها الناس أقيموا الحدود علي أرقائكم من أحصن منهن ومن لم يحصن فإن أمةً لرسول الله صلي الله عليه وسلم زنت فأمرني أن أجلدها فأتيتها فإذا هي حديثة عهدٍ بنفاسها فخشيت إن أنا جلدتها أن تموت فأتيت النبي صلي الله عليه وسلم فأخبرته فقال: أحسنت.
وروى نافع [٣٥/ب] أن عبدًا كان يقوم علي رقيق الخمس استكره جاريةً من ذلك الرقيق فوقع بها فجلده عمر ونفاه ولم يجلد الوليدة لأنه استكرهها. أما الآية قلنا: قرأ ابن مسعود وعاصم والأعمش والكسائي (أحصن) بفتح الهمزة يعني أسلمن فلا صحة فيما قالوا، وفائدة هذا أنها كانت حربيةً لا يقام عليها الحد لأنه لا يجري حكمنا علي أهل الحرب ثم إن أراد به التزويج فهو بينة علي ما قبل التزويج فإنها أخف حالًا في تلك الحالة فلا يجوز أن يغلظ حدها فتجلد مائةً. وفيه بينة علي أنه لا رجم عليها فإنها لا تجلد كاملًا فالرجم أولي أن لا يجب عليها، واحتج أبو ثور بأنه حدٌ لا يتبعض
[ ١٣ / ٤٠ ]
فيستوي فيه العبد والحر كالقطع في السرقة قلنا: الفرق أن لا قطع فيها دونه، فلو لم يجب أدى إلى إسقاط ما يوجب الردع عن الجناية وهنا حدٌ دونه وهو الجلد فلا يجب الرجم والردع بالجلد يحصل، وأما التغريب فقد ذكرنا حكمه في الرقيق.
مسألة: قال: ويحد الرجل أمته إذا زنت.
إذا كان له عبدٌ أو أمة فزنيا فله إقامة الحد عليهما. وبه قال عليٌّ وفاطمة وعبد الله بن مسعود وابن عمر وزيد بن ثابت وأنس ﵃ والحسن وعلقمة والزهري والأسود [٣٦/أ] والأوزاعي والثوري وإسحاق، وقال أبو حنيفة: ليس للسيد إقامة الحد عليهما وإنما هو للإمام، وحكي عن مالك: أنه يقيم الحد على عبده والأمة التي لم تتزوج فإن كانت مزوجة لا يملك السيد إقامة الحد عليها وإنما هو إلى الإمام والصحيح عنه مثل: مذهبنا وهذا خطأ للخبر الذي ذكرنا. وأيضًا روى أبو هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "إذا زنت أمة أحدكم فليضربها كتاب الله تعالى ولا يثرب عليها" ومعنى التثريب التعيير والتبكيت ومعناه: لا يقتصر على ذلك ويعطل الحد الواجب عليها وروي أن النبي ﷺ قال: "أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم" وروى الحسن بن محمد بن علي أن فاطمة بنت رسول الله ﷺ جلدت جارية لها زنت، وكان أنس بن مالك ﵁ يضرب إماءه الحد تزوجن أو لم يكن تزوجن، وقال عبد الرحمن بن أبي ليلى: أدركت بقايا الأنصار وهم يضربون الوليدة في مجالسهم إذا زنت، وقال علي ﵁ في أم ولدٍ بغت: تضرب ولا نفي عليها. وروي عنه أنه قال: تضرب وتنفى وبه قال ابن مسعود.
فرع
قال ابن أبي أحمد في "المفتاح": هل يملك السيد إقامة على عبده؟ فيه قولان وهذا غلط لم يساعده أصحابنا عليه، وذكر القاضي أبو حامدٍ [٣٦/ب] في "الجامع": ويحد الرجل أمته وعبده في الزنا فإذا أحدهما لم يكن أن يثني عليهما.
فرع
قال القاضي أبو حامد: ولا يحدهما إلا باعترافهما أو ببينة تقوم عليهما فإن شاهدهما على الزنا لم يحدهما على أظهر قوليه، ويحدهما على القول الثاني إذا قلنا: يقضي القاضي بعلمه في الحدود، ومن أصحابنا من قال: لا يقضي القاضي بعلمه في
[ ١٣ / ٤١ ]
الحدود قولًا واحدًا وهذا غلط لأن الشافعي نص في هذا الموضع على ما يدل على القولين في الحدود أيضًا، وقال بعض أصحابنا: هل يقضي القاضي بعلمه في الأموال؟ فيه قولان فإذا قلنا: يقضي به ففي الحدود هل يقضي بعلمه؟ وجهان فإذا قلنا: لا يقضي به القاضي فالسيد أولى وإذا قلنا: يقضي القاضي به ففي السيد وجهان كالوجهين في جواز حده بالبينة على ما سنذكره.
فرع آخر
ظاهر نص الشافعي ﵁ أنه يملك سماع البينة فيه ويجتهد في التعديل والتزكية لأن كل من ملك إقامة الحد بالإقرار ملك إقامة الحد بسماع البينة كالقاضي، وقال ابن أبي هريرة: من أصحابنا من قال: لا تسمع البينة في ذلك ضعيف لأنه يمكن ذلك إذا أراد وله معرفة بذلك والإقرار وإقامة الحد يحتاجان إلى الاجتهاد أيضًا وللسيد ذلك كذلك إقامة الحد بالبينة. وقال بعض أصحابنا بخراسان: إن قلنا: للسيد إقامته للولاية فله سماع البينة [٣٧/أ] وإن قلنا: إن له ذلك لاستصلاح الملك فليس له ذلك.
فرع آخر
قال القفال: إذا قلنا سماع البينة لا تحتاج إلى أن يكون السيد عالمًا مجتهدًا إذ يكفي أن يعلم قدرًا يمكن الحكم به، ومن أصحابنا من قال: لابد وأن يكون مجتهدًا عالمًا بالحدود وهذا أقيس وإذا قلنا: لا يسمع البينة فمتى حكم الحاكم بثبوت الزنا ملك السيد إقامة الحد عليه من دون إذنه لأن استيفاءه إليه بعد الثبوت.
فرع آخر
للسيد أن يقيم على عبده حد الشرب وحد القذف لأنهما أضعف من حد الزنا، وأما القطع في السرقة والقتل بالردة ففيهما وجهان والمذهب أن له ذلك وقد نص الشافعي ﵁ في البويطي على القطع من السرقة، وروي عن ابن عمر ﵁ أنه قطع يد عبدٍ له سرق، وروى ابن عمر ﵄ أن جارية لحفصة سحرتها فاعترفت بذلك فأمرت بها عبد الرحمن بن زيد فقتلها فأنكر ذلك عثمان ﵁ فقال ابن عمر: ما ينكر علي أمير المؤمنين من امرأة سحرت واعترفت فسكت عثمان. ومن أصحابنا من قال: لا يقيم عليهما بل هما إلى الإمام لأنه جوز له إقامة الحد لئلا يبقيه الإمام فيظهر أمره وتنقص قيمته. والقتل القطع أمرٌ ظاهرٌ لا يخفى فكان إلى الإمام ذكره ابن أبي هريرة وصاحب "الإفصاح" وهذا لا يصح [٣٧/ب] لأنه ملك إقامة الحد لقوة ولايته بسبب الملك، ولأنه أقوى ولاية فيه من الحاكم لما ذكروه من المعنى وهذه العلة توجب جواز إقامة كل الحدود ومن أصحابنا من قال: قولًا
[ ١٣ / ٤٢ ]
واحدًا له ذلك للنص في "البويطي". ورواه فيه عن ابن عمر وعائشة، وقال القفال: الأظهر من الوجهين أنه لا يقطعه في السرقة لأنه لا يؤدب أحد بجنس القطع ولا يعزر به بخلاف الجلد وهذا غير صحيح على ما ذكرت، وقيل: لا يملك القتل بالردة قولًا واحدًا، وإن كان بالقطع في السرقة وجهان لأنه ليس فيه استصلاح الملك بوجهٍ وهذا أيضًا غير صحيح وهكذا الخلاف في قطع يده قصاصًا إذا قطع يد عبد الغير من غير فرق.
فرع آخر
إذا كان السيد ثقة عدلًا من أهل العلم والمعرفة قويًا يستوفيه بنفسه وإن لم يكن قويًا أمر قويًا باستيفائه ولا يستوفيه بنفسه.
فرع آخر
لو كان السيد فاسقًا أو مكاتبًا قال في القديم: له أن يجلده سواء كان عدلًا أو غير عدلٍ لأن هذه ولاية مستفادة بالملك فاستوى فيها الفاسق والعدل كالتزويج والمكاتب لما هلك سائر التصرفات فيه بحق الملك ملك إقامة الحد عليه أيضًا، وقال أبو إسحاق وجماعة: لا يملكان إقامة الحد لأن هذه ولاية وليسا من أهل الولاية.
فرع آخر
الكافر هل يملك [٣٨/أ] إقامة الحد عليه؟ وجهان أيضًا، وقال بعض أصحابنا: هما ينبنيان على أنه للولاية أو لاستصلاح الملك. وهكذا الوجهان في الفاسق والمكاتب على هذين المعنيين.
فرع آخر
لو كان السيد امرأة هل لها أن تقيم الحد على عبدها أو أمتها؟ قال أبو إسحاق: إن أمكنها القيام بذلك قامت به، وإلا جعلت ذلك إلى غيرها ليتولى لها القيام به وللمرأة إقامة الحد على عبدها وأمتها، وقال ابن أبي هريرة في التعليق: وليس للمرأة أن تقيم حدًا، ولا أن تقطع، ولا أن تقتل لأنها ليست من الجنس الذي يكون منه الحاكم بخلاف الرجل فإنه يكون منه الحاكم والأول ظاهر المذهب لخبر فاطمة وحفصة، وقال القفال: فيه وجهان بناءً على المعنيين على ما ذكرنا.
فرع آخر
لو قلنا: لا تملك هي إقامة الحد بنفسها فيه وجهان، أحدهما: يتولى الحاكم إقامته، والثاني: يتولى من يلي تزويجها، وقيل: في المرأة ثلاثة أوجهٍ الثالث يتولاه وليها نيابة عنها كما في تزويج أمتها.
فرع آخر
لو كان السيد صبيًا فهل للوصي إقامة الحد على عبده؟ فيه وجهان بناءً على المعنيين ذكره أصحابنا بخراسان، وقيل: هما ينبنيان على أنه له أن يزوج أمته وعبده وفيه وجهان.
[ ١٣ / ٤٣ ]
فرع آخر
لو كان السيد عالمًا مجتهدًا وكان الحد مختلفًا فيه ورأى الإمام وجوبه ورأى السيد إسقاطه [٣٨/ب] فالإمام يستوفيه دون السيد وإن رأى السيد وجوبه دون الإمام فللسيد أن يستوفيه ما لم يحكم الحاكم بإسقاطه فإن حكم بإسقاطه منع لأن حكم الحاكم أعم وأنفذ.
فرع آخر
لو لم يكن السيد عالمًا بالحدود منع من إقامتها من يرجع فيها إلى من يجوز له العمل بقوله، فإن رجع إلى حاكم عمل على قوله فيما حكم به ويقوم باستيفائه وليس للإمام نقضه، وإن رجع ففيه وجهان:
أحدهما: لا يجوز استيفاءه بفتواه لأن المختلف فيه لا يتعين إلا بحكم الحاكم.
والثاني: يجوز لأن تصرف السيد في عبده أقوى من تصرف الحاكم إلا أن يحكم الحاكم بسقوطه فيمنع. ومن أصحابنا من قال: العامي لا يقيم الحد وليس بشيءٍ لأنه نص في الجديد عليه وقال: لا يجهل أحد يعقل أن يضرب خمسين جلدةً غير مبرحةٍ. وقال في القديم: يجلده عاميًا كان أو جاهلًا، وقيل: يحتاج فيه إلى أربع شرائط جواز الأمر بالبلوغ والعقل والرشد فالسفيه لا يملك ولو أقام لا يحتسب. والثانية: أن يكون رجلًا. والثالثة: أن يكون تام الملك في كامل الرق. والرابعة: أن يكون من أهل العلم بالحدود ومن المجتهدين فيها وفي هذا نظر على ما فصلناه وشرحناه. [٣٩/أ].
فرع آخر
لا يملك إقامة الحد على مكاتبه لأنه ليس في تصرفه وله إقامة الحد على أم ولده ومدبره والمعتق بالصفة.