مسألة: قال: "من نذر أن يمشي إلى بيت الله تعالى لزمه إن قدر على المشي".
الفصل
الأصل في النذور ثبوت حكمها في الشرع الكتاب والسنة والإجماع.
أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ [الإنسان: ٧] الآية، فمدحهم على الوفاء بالنذر، والمدح إنما يكون على فعل واجب أو مندوب.
وأما السنة ما ورت عائشة﵂- أن النبي ﷺ قال: " من نذر أن يطيع الله فليطيعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه".
وأيضًا روى أن المشركين أغاروا على سرح المدينة، فذهبوا بعضباء رسول الله ﷺ، وأسروا امرأة من المسلمين، وهي امرأة أبي ذر، فقامت فجعلت لا تضع يدها على بعير إلا رغا، حتى أتت على العبضاء فقالت: فأتيت على ناقة ذلول فلم ترغ فركبتها، ثم جعلت لله عليها إن نجاها الله لتنحرنها، فلما قدمت المدينة عرفت الناقة، فأخبر النبي ﷺ فأرسل إليها، فجئ بها وأخبر بنذرها، فقال: "بئس ما جزتها- أو جزيتها- إن الله أنجانا عليها لتنحرنها، لا وفاء لنذر في معصية [٣٤/ ب] ولا فيما لا يملك ابن آدم". وقولها: مجرسة: معناه الوطئة المذللة، يقال: جرسته الأمور إذا راضته وذللته، فدل من طريق دليل الخطاب على أن النذر يلزم في الطاعة.
وأيضًا روى ابن عباس﵄- قال: بينما النبي ﷺ يخطب إذ هو برجل قائم في الشمس، فسأل عنه فقال: هذا أبو إسرائيل نذر أن يقوم ولا يقعد ولا يستظل ولا يتكلم ويصوم، فقال: "مروه فليتكلم وليقعد وليستظل وليتم صومه" وهذا النذر
[ ١١ / ٣ ]
يتضمن نوعين من طاعة ومعصية، فأمره رسول الله ﷺ بالوفاء بالطاعة وهو الصوم، وأن يترك ما ليس بطاعة وهو القيام في الشمس ونحوه.
وروى عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده، أن رسول الله ﷺ قام فخطب الناس في يوم شديد الحر، فقام رجل من الأعراب في الشمس فقال رسول الله ﷺ: "مالك؟ " فقال: نذرت أن لا أجلس حتى تفرغ، فقال: "اجلس فليس هذا بنذر، إنما النذر ما ابتغى به وجه الله تعالى".
وأيضًا روت ميمونة بنت كروم قالت: خرجت مع أبي في حجة، فرأيت رسول الله ﷺ وسمعت الناس يقولون رسول الله، فجعلت أبده بصري، فدنا إليه أبي وهو على ناقة له معه درة كدرة الكتاب، فسمعت الأعراب والناس يقولون: الطبطبية الطبطبية يا رسول الله، إن ولد لي ولدان أنحر على رأس برانة في عقبة من الثنايا عدة من الغنم، فقال رسول الله: "هل بها من هذه الأوثان؟ " قال: لا. قال: "فأوف بما نذرت به لله".
[٣٥/ أ] وقولها: "أبده بصري" معناه أتبعه بصري وألزمه إياه لا أقطعه عنه. والطبطبية حكاية وقع الإقدام.
وأيضًا روى ابن عباس﵄- أن النبي ﷺ قال: [من نذر لم يسمه فكفارته كفارة يمين، ومن نذر في معصية الله فكفارته كفارة يمين، ومن نذر نذرًا فأطاقه فليف به". وأيضًا روى بن شعيب عن أبيه، عن جده، أن امرأة أتت النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله، إني نذرت أن أضرب على رأسي بالدف، فقال: "أوف بنذرك". قال الإمام الخطابي: ضرب الدف ليس مما يعد من أبواب الطاعات التي تتعلق بها النذور، وأحسن حاله أن يكون من باب المباح، غير أنه لما اتصل بإظهار الفرح سلامة مقدم رسول الله ﷺ حين قدم المدينة في بعض غزواته، وكانت مساءة الكفار وإرغام المنافقين صار فعلها كبعض القرب التي هي نوافل الطاعات، ولهذا أبيح ضرب الدف واستحب في النكاح لما فيه من الإشادة بذكره والخروج به عن معنى السفاح. وأما الإجماع فلا خوف بين المسلمين فيه.
واعلم أن النذر في اللغة الوعد بخير أو شر، وفي الشرع: الوعد بالخير دون الشر، قال رسول الله ﷺ: "لا نذر في معصية الله".
واعلم أن الله تعالى حمد من وفي بعهده فقال تعالى: [يُوفُونَ بِالنَّذْرِ] [الإنسان:٧]، وقال: ﴿والْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إذَا عَاهَدُوا﴾ [البقرة: ١٧٧]، ثم ذم من لم يف بنذره على ما ذكرنا.
وقد ذكرنا أقسام النذر، والآن رجعنا إلى مسألة الكتاب، فإذا نذر المشي إلى بيت الله الحرام، إما على طريق المجازاة، أو على شرط طريق المجازاة، وأوجبنا على المذهب الصحيح ينعقد نذره، [٣٥/ ب] ويلزمه المشي إليه بنكسة إما بحج أو عمرة لما
[ ١١ / ٤ ]
روى ابن عباس﵄- أن أخت عقبة بين عامر نذرت أن تمشي إلى بيت الله الحرام فأمرها النبي ﷺ أن تمشي بحج أو عمرة. وفي رواية: أنها نذرت أن تحج ماشية، وأنها لا تطيق ذلك، فقال ﷺ: "إن الله لغني عن مشي أختك فلتركب ولتهد بدنة".
وفي رواية أن عقبة بن عامر سأل رسول الله ﷺ عن أخت له نذرت أن تحج حافية غير مختمرة، فقال: "مروها فلتختمر ولتركب ولتصم ثلاثة أيام". وقيل: هذا الصيام بدل من الهدى خيرت فيه كما خير قاتل الصيد بين الفدية بمثل وبين التقويم بالطعام وبين الصوم بدل كل مد يومًا.
فإذا ثبت هذا فلا يخلو الناذر إما أن يكون قادرًا على المشي أو عاجزًا عنه، فإن كان قادرًا لزمه المشي، لأنه طاعة، ومن نذر طاعة وقدر عليها يلزمه الإتيان بها.
وقد روى أن إبراهيم وإسماعيل-صلى الله عليهما- حجا ماشيين. وقال ابن عباس - ﵄-: ما آسى علي شيء كما آسى علي أن لو حججت في شبابي ما شيًا، وقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: [وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَاتُوكَ رِجَالًا] [الحج:٢٧]، فبدأ بالرجال.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: هل يلزمه المشي؟ قولان: أحدهما: يلزمه وهو المنصوص هاهنا، كالمتابعة في الصوم.
والثاني: لا يلزمه، لأنه لا قربة في المشي ولا يجب بالشرع.
قال: وأصل القولين أن الحج ماشيًا أفضل أو راكبًا؟ فيه قولان؛ أحدهما: سواء.
والثاني: ماشيًا أفضل.
وقال ابن سريج: المشي والركوب سواء مالم يحرم، فإذا أحرم فالمشي أفضل حتى يفرغ من الحج، وهذا غريب لم يذكره أهل العراق. وقال في "الحاوي": إذا قال: أمشي أو أركب إلى بيت الله الحرام فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: لا يلزمه الركوب ولا المشي، لأن واحدًا منهما [٣٦/ أ] لا يجب بالشرع فلم يجب بالنذر.
والثاني: يجبان به، يلزم المشي إذا شرط المشي، والركوب إذا شرط الركوب، لأن في المشي زيادة عمل، وفي الركوب زيادة نفقة وكلاهما قربة.
والثالث: وهو الأشبه المشي يلزم بالشرط دون الركوب، لأن في المشي مشقة وفي الركوب ترفيهًا. فإذا تقرر هذا فأن مشى فقد أتى بما لزمه ولا كلام، وإن ركب مع قدرته على المشي فقد أساء وأجزأه، ويريق دمًا واجبًا لقوله ﷺ: [من ترك نسكًا فعليه دم]، ولأنه ترفه بالركوب فأشبه إذا ترفه بالطيب واللباس.
[ ١١ / ٥ ]
وقال بعض أصحابنا بخراسان: هل يصح حجة؟ فيه قولان، أحدهما: ما ذكرنا.
والثاني: لا يصح حجة. فيقضي الحج ويمشي ما ركب ولا يركب ما مشى جاز، وهذا غريب. وإن عجز عن المشي فله أن يركب ويصح حجة بلا إشكال لما ذكرنا من خبر أخت عقبة بن عامر، ولأنه لو عجز عن القيام في الصلاة يجوز له القعود كذلك ها هنا.
وإذا ركب قال الشافعي﵁-: أراق دمًا احتياطيًا من قبل أنه لم يطق شيئًا سقط عنه. قال أبو إسحاق: ولأن ما لا يطيق لا يدخ في نذره، لأن إيجابه يتضمن الإمكان، فظاهر هذا انه لا يلزمه الدم وهو المذهب، وقيل: إنه نص على قولين، أحدهما: هذا.
والثاني: يلزمه الدم للخبر الذي ذكرنا، ولا يجوز أن يأمرنا رسول الله ﷺ بالركوب إلا مع العجز وأوجب عليها الدم، ولأنه نسك لو تركه لغير عذر يلزمه الدم فكذلك إذا تركه لعذر كالرمي ونحوه، وأيضًا فرق الشافعي﵁- فقال: لأن الناس أصلحوا أمر الحج بالصيام والصدقة والنسك ولم يعلموا أمر الصلاة إلا بالصلاة، فكأنه أراد أن الحج يدخله الجيران بالمال بخلاف الصلاة.
إذا أوجبنا المشي عليه فمن أي موضع لا يخلو من ثلاثة أحوال:
أحدها: [٣٦/ ب] أن يقول: لله علي أن أحج ماشيًا، يلزمه المشي من حين يحرم من الميقات أو قبله إذا أحرم، وله أن يركب فيما قبل، لأنه أوجب المشي في حل الحج دون غيره.
والثاني: أن يقول: علي أن أمشي إلى مكة. قال أبو إسحاق: يلزمه أن يمشي من دويرة أهله، لأن نذره يقتضي هذا ويحرم من الميقات،. وقال صاحب "الإفصاح": يمشي من دويرة أهله ويحرم من دويرة أهله أيضًا، لأنه لا قربة في المشي دون الإحرام، فلا يختلف أصحابنا في وجوب المشي من دويرة أهله، واختلفوا في وجوب الإحرام منها على وجهين:
أحدهما: يلزمه من دويرة أهله لأن الأصل في الإحرام الوجوب من دويرة أهله، ولكن رخص للحاج تركه إلى الميقات، فإذا نذر حمل مطلق النذر على ذلك الأصل.
والثاني: وبه قال عامة أصحابنا وهو الصحيح: يلزم الإحرام من الميقات وبه قال أحمد، لأن مطلق النذر محمول على المعهود في الشرع، والإحرام في الشرع يجب من الميقات، هكذا ذكره القاضي الطبري، وقال بعض أصحابنا ذكره صاحب "الإفصاح" قول أبي إسحاق.
وفي أول ما يجب عليه المشي وجهان: أحدهما: يجب عليه المشي من بلده إذا توجه منه لحجه اعتبارًا بالعرف في حج الماشي، فعلى هذا يلزمه الإحرام من بلده.
والثاني: يلزمه المشي من ميقاته اعتبارًا بأول أفعال الحج وأركانه، لأن المشي من غير إحرام لا قربة فيه، فعلى هذا يحرم من ميقاته.
[ ١١ / ٦ ]
والثالث: أن يقول: لله علي أن آتي مكة ماشيًا، فحكمه ما ذكرنا إذا قال: لله علي أن أمشي إلى مكة.
فرع
إذا أوجبنا عليه الفدية عند ترك المشي فيه وجهان:
أحدهما: أنها فدية ترك المشي المشروط وتارك لما ركبه من نفقة الركوب، فصار كالمتمتع الذي وجبت عليه الفدية بترك الإحرام من ميقات بلده [٣٧/ أ] في آخر نسكه، فعلى هذا تكون الفدية دم شاة، فإن أعسر بها صام عشرة أيام.
والثاني: أنها فدية ترفيه، لأنه ترفه في ترك المشي أو في مؤنه الركوب، فصار كفدية الحلق الذي ترفه به يكون مخيرًا بين دم شاة، أو إطعام ثلاثة آصع، أو صيام ثلاثة أيام لما ذكرنا من خبر أخت عقبة بن عامر: "ولتصم ثلاثة أيام".
فرع آخر
إذا قال: لله علي أن أمشي إلى بيت الله تعالى، ولم يقل الحرام، ظاهر ما نقله المزني ينعقد النذر ويلزمه المشي إليها بنسك كالمسألة قبلها، لأن مطلق بيت الله يرجع إلى الكعبة.
وقال عامة أصحابنا: لا ينعقد نذره إلا أن ينوي بيت الله الحرام، لأن المساجد كلها بيوت الله تعالى، قال الله تعالى: [فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ] [النور: ٣٦]، فإذا أطلق البيت احتمل البيت الحرام، واحتمل غيره من المساجد وهذا هو الصحيح، لأن الشافعي﵁- نص في "الأم" فقال: "إذا نذر أن يمشي إلى بيت الله ولا نية له، فالاختيار أن يمشي إلى بيت الله الحرام، ولا يجب عليه ذلك إلا أن ينويه، لأن المساجد بيوت الله"، فأسقط المزني ذكر الحرام وأخل بالنقل، فحصل قولان، والمسألة مشهورة بالوجهين. وقال في "الحاوي": إذا قال: علي المشي إلى بيت الله الحرام وأطلق ولم يقترن به إرادة، قال ابن أبي هريرة: هو مبني على اختلاف القولين فيمن أراد دخول مكة هل يلزمه الإحرام لدخوله؟ فيه قولان، فإذا قلنا: يلزمه فهنا ينعقد النذر على حج أو عمرة. وإذا قلنا: لا يلزمه ففي هذا وجهان تخريجًا من القولين فيمن نذر أن يمشي إلى مسجد المدينة. فإذا قلنا هناك يلزمه فهو قصد لا يجب به الإحرام، فكذلك قصد المسجد الحرام لا يلزمه فيه إحرام، ويكون النذر في جميعها مقصورًا على مجرد القصد لاشتراكهما في معنى الوجوب. وإذا قلنا [٣٧/ ب] هناك لا يلزم، فإن لزمه النذر إلى المسجد الحرام لوجوب قصد المسجد الحرام شرعًا، فوجب نذرًا بخلاف ذلك اقتضى افتراقهما في هذا التعليل أن يجب بقصد المسجد الحرام في النذر ما أوجب قصده بالشرع، وهذا التخريج وإن كان محتملًا فإنما يستعمل مع عدم النص،
[ ١١ / ٧ ]
ونص الشافعي﵁- على أن يلزمه الحج أو العمرة، لأنه معهودا النذر عرفًا فلا يجوز العدول عنه إلى التخريج.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: إذا أطلق هكذا هل يصح نذره؟ قولان بناء على أصل، وهو أن النذر يحمل على أقل ما ورد الشرع به، أو على مجرد الاسم. فإذا قلنا: على أقل ما ورد الشرع يلزمه، وإن قلنا: علة مجرد الاسم فهنا أصل آخر، وهو أن الإحرام هل يجب على من يدخل مكة لغير الحج؟ وفيه قولان، فإذا قلنا يجب صح النذر ويلزمه المشي حاجًا أو معتمرًا، وقيل إتيان مكة لا يلزمه النسك في وقته. وإن قلنا لا يجب فهاهنا أصل آخر ينبني عليه، وهو إذا نذر إتيان مسجد المدينة هل يصح نذره؟ قولان. وإن قلنا: يصح النذر في مسجد المدينة يأتي هناك قربة من صفة أو اعتكاف، فهاهنا أيضا يأتي مكة ويفعل شيئًا من هذا، وهذا كله تخطيط والاعتماد على ما سبق.
فرع آخر
لو نذر المشي إلى بيت الله الحرام، ونوى أن يأتي الحج ولا يعتمر ولا عزم أو صرح به لفظًا، قال أبو إسحاق: يحتمل وجهين:
أحدهما: ينعقد نذره بالمشي إليه متنسكًا ولا يلتفت إلى كلام ونية، لأن الشريعة قد أوجبت على من قصد الإحرام بأحدهما.
والثاني: لا ينعقد نذره، لأن الكلام إذا اتصل يبنى بعضه على بعض، فإذا قال: لا حاجًا ولا معتمرًا صار كأنه لم ينذر النسك أصلًا فلا يلزمه شيء.
قال أبو حامد: ويشبه أن يكون الوجهان مبنيين على أن من نذر المشي إلى مسجد المدينة هل ينعقد نذره؟ [٣٨/ أ] فيه قولان، لأن المشي هناك لا يتضمن نسكًا، فإن قلنا هناك لا يلزم، لا يلزم هنا، وإن قلنا هناك يلزم، يلزم هنا، وقيل: لا يستقيم هذا البناء، لان من يقول هنا: ينعقد نذره يقول يلغو قوله: لا حاجًا ولا معتمرًا، فلا يكون نذره خاليًا عن النسك.
وقال في "الحاوي": هل يصح نذره؟ وجهان: أحدهما: لا يصح لاستثناء مقصوده ولا شئ عليه.
والثاني: لعود الاستثناء إلى الحكم دون القصد، فعلى هذا في الشرط وجهان:
أحدهما: باطل وعليه أن يحرم بحج أو عمرة.
والثاني: الشرط صحيح لاتصاله بالنذر. فعلى هذا فيه وجهان:
أحدهما: يلزم أن يضم إلى قصد البيت عبادة من طواف، أو صلاة، أو صيام، أو اعتكاف ليصير القصد طاعة إذا اقترن بطاعة.
[ ١١ / ٨ ]
والثاني: لا يلزم ذلك، لأن قصد البيت طاعة، ومشاهدته قربة.
فحصل أربعة أوجه، أحدهما: النذر باطل.
والثاني: النذر صحصح والشرط باطل.
والثالث: النذر والشرط صحيحان وعليه فعل عبادة.
والرابع: أنهما صحيحان ولا شيء عليه غير القصد. وقال بعض أصاحبنا بخراسان: إذا قلنا يصح النذر يبنى على أنه نذر الخروج إلى مسجد المدينة هل يلزم أن يصلي ركعتين فيه قولان مخرجان، فإن قلنا هناك يلزم فهنا يلزمه أن يصلي ركعتين، وإن قلنا لا يلزم الصلاة هناك لا يلزم هنا غير القصد.
فرع آخر
إذا نذر أن يحج راكبًا أو يمضي إلى بيت الله تعالى راكبًا لزمه ذلك اتفاقًا في الحج، فإن ترك الركوب ومشى يلزمه دم، لأنه ترفه بترك النفقة، وقد ذكرنا وجهًا أنه لا تلزمه الفدية، لأنه لم يترفه بترك الركوب، بخلاف ما لو نذر ركب بدل المشي.
وقال في "الحاوي": إذا ترك المشي والركوب [٣٨/ ب] فيه ثلاثة أوجه، لا جبران أصلًا لاختصاص الجبران بالمناسك الشرعية وليس المشي والركوب بنسك شرعي.
والثاني: يلزم جبرانهما بدم.
والثالث: وهو الأشبه تلزم الفدية إذا ركب، ولا يلزم إذا مشي بدل الركوب.
ولو عجز عن الركوب بالعسرة فيه وجهان، أحدهما: يسقط بالعجز.
والثاني: تجب الفدية مع العجز لتوجه العجز إلى الفعل دون الفدية، كالفدية في الحلق عند العذر. وعلى هذا فيه وجهان، أحدهما: فدية وترك.
والثاني: فدية ترفه على ما ذكرنا. وإذا قلنا لا يلزم الركوب يحرم في ميقاته. وإذا قلنا يلزمه الركوب ابتدأ بالركوب من دويرة أهله ولزمه الإحرام من بلده، لأنه لما صار الركوب من حقوق هذا الحج المنذور، وإن لم يكن من حقوق حج الإسلام وجب أن يقترن به الإحرام ليصير به داخلًا في لوازم النذر.
فرع آخر
لو قال: لله علي أن أذهب إلى بيت الله الحرام، أو أمضي، يلزمه كما لو قال: أمشي. وقال أبو حنيفة: لا يلزمه بلفظ الذهاب والمضي، لأنه ليس بمعهود، وهذا لا يصح، لأنه نذر القصد إلى الخروج إلى البيت، فهو كما لو قال: أمشي.
فرع آخر
لو لم يشترط ركوبًا ولا مشيًا فقال: أقصد، أو أذهب، أو أمضي، أو أتوجه إليه تخير بين الركوب والمشي.
[ ١١ / ٩ ]
مسألة: قال: "وإذا فاته الحج ماشيًا مشي حتى تحل له النساء".
الفصل
الكلام في هذا بيان انتهاء المشي، والحكم في ذلك أنه يحتاج حتى يتحلل من الحج والعمرة، إلا أن للحج تحللين، فيمشي حتى يحل التحللين جميعًا، وفي ذلك الوقت تحل له النساء، وللعمرة تحلل واحد وهو بالطواف والسعي في أحد القولين. والقول الثاني بالحج معها فيمشي حتى يأتي بجميع ذلك، [٣٩/ أ] لأن تمام الخروج من الحج إنما يحصل في هذه الغاية، ثم له أن يركب وإن بقي عليه بقية من الحج، وهي الرمي في أيام منى أيام التشريق خارج من الحج، كالسلام الثاني في الصلاة.
وقال في "الحاوي": إذا نذر أن يحج ماشيًا ففي أول ما يجب عليه من المشي وجهان على ما ذكرنا، وآخر مشيه إذا حل إحلاله الثاني على ما ذكرنا.
ولو نذر أن يحج إلى بيت الله كان أول مشيه من بلده إذا توجه وفي آخره ثلاثة أوجه:
أحدهما: إذا وصل إلى البيت اعتبارًا بلفظ.
والثاني: إذا طاف بالبيت طواف القدوم اعتبارًا بأول قربة.
والثالث: إذا حل إحلاله الثاني اعتبارًا بكمال نسكه. وإذا نذر أن يعتمر ماشيًا كان في أول مشية وجهان كما ذكرنا في الحج، وآخر مشية إذا حل من عمرته.
فرع
لو قال: لله علي الحج ولم ينو وعليه حجة الإسلام لم ينعقد النذر، لأنه لا ينعقد نسك مجمل.
مسألة: قال: "وإذا فاته الحج حل ماشيًا وعليه الحج من قابل ماشيًا".
اعلم أنه إذا نذر أن يحج ماشيًا فشرع فيه ثم فاته، فعليه المضي في الفائت والتحلل بعمل عمرة والطواف والسعي والحلق وعليه القضاء من قابل، ويلزمه المشي والقضاء بلا فدية، لأن فرض الحج لا يسقط به عنه، فصار كأنه هو الحج المنذور، وأما ما مضى فيه من الفائت فهل يلزمه المشي؟ فيه قولان، أحدهما: وهو الصحيح وعليه نص في "الأم"، ونقله المزني في "المختصر": يلزمه، لأن الفائت يلزمه أن يتحلل بعمل عمرة على الصفة التي دخل فيه الحج المنذور، إذ لا يسقط الفرض به فلم يجب المشي فيه، وهذا اختيار صاحب "الإفصاح"، قال: وقوله: "حل ماشيًا" أراد به على طريق الاستحباب. وقال بعض أصحابنا بخراسان: لا يلزمه أن يحل ماشيًا إلا على أصل المزني، فإنه يقول: يأتي بجميع أعمال الحج كمن أفسد حجه، [٣٩/ ب] وعندنا يتحلل بعمل العمرة ويحتاج إلى القضاء، فلا يلزمه المشي فيه قولًا واحدًا.
[ ١١ / ١٠ ]
وقال في "الحاوي": وفي زمان قضائه وجهان؛ أحدهما: على التراخي كأصل النذر. والثاني: على الفور في الآتي، وعليه في القضاء أن يحج ماشيًا، ولكن هل يعتد بمشيه الذي كان فيه؟ وجهان:
أحدهما: لا يعتد به كما لا يعتد بغيره من أركانه، ويلزمه العود إلى بلده لإحرامه بالقضاء منه ومشيه.
والثاني: يعتد بمشيه في الفائت وإن لم يعتد بشيء من أركانه لاختصاص المشي بالنذر دون الشرع، فيجوز أن يركب في حجة القضاء حتى ينتهي إلى محل الفوات ثم يركب في بقية حجه حتى يتحلل منه، حكاه ابن أبي هريرة مع ضعفه.
فرع آخر
لو قال: لله عليَّ أن أحج العام القابل، هل يجوز تقديمه؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يجوز؛ لأن عبادات الأبدان لا يجوز تقديمها على وقتها.
والثاني: يجوز إذا وجد شرط نذره كما يجوز تقديم حجة الإسلام قبل وجوبها.
فرع آخر
الأولى به أن يحرم في عام نذره، فإذا أحرم به ففاته هل يلزمه؟ فيه قولان؛ أحدهما: يلزمه كغير المعين.
والثاني: لا يلزمه إلا أن المعين لا يتماثل في القضاء، فإذا قلنا لا يلزمه وجب أن يمشي فيما يتحلل به من فواته؛ لأنه في الباقي مؤدٍ لحقوق نذره، وإذا قلنا يلزمه قضاءهُ لزمه في قضائه المشي، وفي لزوم المشي فيما يتحلل به قولان.
فرع آخر
لو أخر الحج عن عامه المعين، فإن كان لغير عذرٍ يلزمه قضاءه، وإن كان لغير عذرٍ ففي وجوب قضائه قولان كالفوات.
مسألة: قَالَ: "وَلَوْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَي أَنْ أَمْشِي لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْء حَتَى يَكُونَ برًّا".
الفصل
جملة هذا أنه لا يخلو إما أن ينذر مشيًا مطلقًا، أو إلى موضعٍ بعينه، فإن نذر مشيًا مطلقًا لم ينعقد نذره ولا شيء عليه؛ [٤٠/ أ] لأن المشي إلي غير موضع البر ليس بقربةٍ فلا يجب النذر، كما لو نذر أن ينام أو يأكل، وحكي عن أحمد أنه قال: إذا نذر فعل المباح انعقد نذره وكان مخيرًا بين الوفاء به وبين الكفارة للخبر الذي ذكرنا في المرأة التي نذرت أن تضرب الدف على رأس رسول الله ﷺ.
ودليلنا خبر الأعرابي أنه نذر أن يقوم ولا يقعد ولا يستظل ولا يتكلم، فأسقط رسول الله ﷺ من نذره ما ليس بطاعةٍ، وقد ذكرنا تأويل ما ذكروا من الخبر، وإن أطلق
[ ١١ / ١١ ]
ذلك ونوى بقلبه أن يمشي إلى بيت الله الحرام لزمه على ما نواه.
وإن نذر أن يمشي إلى موضع معين ففيه مسائل: أحدها: أن ينذر المشي إلى بيت الله الحرام، وقد ذكرنا ذلك، وكذلك لو نذر الصلاة فيه يلزمه أن يأتيه ويصلي فيه؛ لأن بقعة الحرم تختص بالنسك.
الثانية: أن ينذر المشي إلى مسجد المدينة والمسجد الأقصى، فهل ينعقد نذره؟ فيه قولان: أحدهما: ينعقد ويلزم إتيانه، نص عليه في البويطي، وهو اختيار أبي إسحاق، وبه قال مالك، وأحمد لقوله ﷺ: "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد؛ المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى" ولم يرد به الجواز؛ لأنه يجوز شد الرحال إلى سائر المساجد، فثبت أنه أراد به الوجوب، ولا وجوب إلا في هذا الموضع. وفي رواية: "تشد الرحال إلى ثلاثة مساجد" الخبر.
والثاني: لا ينعقد نذره، وهو ظاهر النص هاهنا، ونص عليه في "الأم" لأنه قال: "واجب".
ثم قال: "وَلَا يَبِينُ لِي أَنْ يَجِبَ كَمَا يَبِينُ لِي أَنَّ أَوْجِبِ المَشْيُ إِلَى بَيْتِ الَّلهِ تَعَالَى، وَذَلِكَ أَنَّ البِرَّ بِإِتْيَانِ بَيْتِ اللَّهِ تَعَالَى فَرْضٌ، وَالبِرُّ بِإِتْيَانِ هَذَين نَافِلَةٌ".
وهذا اختيار عامة أصحابنا، وبه قال أبو حنيفة - رحمه الله تعالى -[٤٠/ ب] لما روى جابر - ﵁ - أن رجلًا قال يوم الفتح: يا رسول الله، إني نذرت إن فتح الله عليك مكة أن أصلي في بيت المقدس ركعتين، فقال رسول الله ﷺ: "صل هنا"، قال ذلك مرتين أو ثلاثًا، فقال رسول الله ﷺ: "شأنك إذًا".
ومن قال بالأول أجاب عن هذا بأن قوله: "هنا" أراد في المسجد الحرام وهو أفضل فلا حجة فيه، وهذا التأويل خطأ؛ لأنه روي أن رجلًا قال لرسول الله ﷺ: "إني نذرت أن أصلي في مسجد إيلياء، وهو المسجد الأقصى ركعتين" فقال ﷺ: "صل في بيتك"، فأعاد السؤال، فقال: "أنت أعلم".
فرع
لو نذر أن يصلي ركعتين في أحد هذين المسجدين انعقد نذره، وهل تجب الصلاة فيه؟ فعلى القولين اللذين ذكرناهما. وقال بعض أصحابنا بخراسان: هذان القولان ينبنيان على ما ذكرنا أن النذر يحمل على ما له وجوبٌ بأصل الشرع، أو على ما يتناوله اسم القربة في الجملة وفيه قولان، وهذا ضعيف؛ لأن الاعتكاف يلزم بالنذر ولا أصل له في الوجوب.
[ ١١ / ١٢ ]
فرع آخر
إذا قلنا انعقد نذره بالمشي إليهما، قال أصحابنا: يلزمه إذا وصل إليهما أن يصلي ركعتين؛ لأن القصد بالسعي إليهما القُربة بالصلاة فيهما، فتضمن ذلك نذره؛ لأن القصد به القربة، وهكذا ذكره القفال.
ومن أصحابنا من قال: يُصلي ركعتين أو يعتكف ساعةً فيهما حتى تكون قربة.
وقال صاحب "الحاوي: هل يلزمه فعل عبادةٍ فيه؟ وجهان:
أحدهما: لا يلزمه ويكون النذر مقصورًا على التبرر بقصده، ومجرد النظر إليهما قربةٌ وطاعةٌ. والثاني: يلزمه [٤١/ أ] فعل عبادة.
وإذا قلنا بهذا ففيه وجهان؛ أحدهما: أنه مخير فيما شاء من صلاةٍ أو صوم أو اعتكاف. والثاني: يلزمه الصلاة خاصة لاختصاص المساجد بالصلاة عرفًا فاقتضت بها نذرًا.
فرع آخر
لو عين في نذره ما يفعله فيه من صلاة أو صوم أو اعتكاف تعين فيه وهل يلزمه المشي فيه؟ وجهان؛ أحدهما: لا يلزمه المشي ويكون محمولًا على القصد، فإن ركب جاز، وإن كان المشي الذي صرح به أفضل يلزمه لأنه صرح به.
فرع آخر
إذا قلنا بالوجه الثاني فركب هل يجوز؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يجزيه إذا قلنا نذره مقصور على الوصول إليه؛ لأنه يصير المشي هو العبادة المقصودة وعليه إعادة قصده إليه ماشيًا.
والثاني: يجزيه إذا قلنا إنه يلتزم بقصده فعل عبادة فيه؛ لأنه يصير المقصود بالنذر هو فعل العبادة منه، ولا يلزمه الجبر بفدية كما قلنا في المشي إلى الحرم لاختصاص القربة بجبران الحج دون غيره.
فرع آخر
إذا قال أمشي إليه وأصلي فيه ركعتين، وقلنا ينعقد النذر قد ذكرنا الحكم. وقال في "الحاوي": في استحقاق فعلها وجهان:
أحدهما: يستحق إذا قلنا يلتزم بقصده فعل عبادة فيه.
والثاني: لا يستحق، فإن صلاها في غيره أجزأه، لأنه لا يلتزم بقصده فعل غيره، والأظهر لزوم صلاته فيه وأنها لا تجزئه في غيره.
وقد روى حبة العرني أن رجلًا قام إلى علي - ﵁ - فقال: يا أمير
[ ١١ / ١٣ ]
المؤمنين، إني اشتريت بعيرين وتجهزت أريد بيت المقدس، فقال: بع بعيرك وجهازك وصل في مسجد الكوفة.
وقال بعض أصحابنا بخرسان: إذا نذر أن يصلي في مسجد المدينة لا يقوم غيره من المساجد غيره إلا مسجد مكة. ولو نذر أن يصلي في مسجد بيت المقدس قام المسجد الحرام ومسجد المدينة مقامه فقط. ولو نذر في مسجد آخر لم يتعين بحالٍ. [٤١/ ب] ولو نذر صلاة الفرض فر المساجد الثلاثة ذكرنا حكمه، ولو نذر في مسجدٍ آخر، فإن انتقل إلى مسجدٍ آخر يكون الجماعة فيه أكثر وأعظم جاز وإلا فلا يجوز.
فرع آخر
قال في "الحاوي": لو نذر أن يصلي ركعتين في مسجد الحنيف بمنى، فإن كان من أهل مكة لم يلزمه بهذا النذر أكثر من صلاة ركعتين؛ لأنه في الحرم التي حرمته مشتركة، وإن كان من أهل الحل يلزمه هذا النذر، وفيما ينعقد به نذره وجهان: أحدهما: ينعقد بما نذره من الصلاة في الحرم إذا قلنا يجوز له دخول الحرم بغير إحرام. وفي تعيين الصلاة في مسجد الخيف وجهان:
أحدهما: لا يتعين ويجوز له أن يصليها في أي موضعٍ من الحرم شاء؛ لأن حرمة جميع الحرم واحدة، ولأن مشاهدة الكعبة في صلاته أفضل من أن لا يشاهدها.
والثاني: يتعين في مسجد الخيف ولا يجزئه في غيره، لما روى أبو هريرة - ﵁ - أن النبي ﷺ قال: "لو كنت امرءًا من أهل مكة ما أتى عليَّ سبت حتى آتي مسجد الخيف وأصلي فيه".
والثاني: يلزمه بنذره هذا الإحرام بحجٍ أو عمرةٍ إذا قلنا لا يجوز له دخول الحرم إلا بالإحرام.
فعلى هذا في التزامه ما عقد نذره عليه من الصلاة وجهان:
أحدهما: لا يلزمه فعل الصلاة؛ لأن الشرع قد نقل نذره إلى ما هو أعظم منه، فلم يجمع عليه بين بدلٍ ومبدلٍ.
والثاني: لا يسقط عنه فعل الصلاة؛ لأنه ملتزم لها بنذره، وملتزم للإحرام بدخول الحرم، فصارت الصلاة واجبة عليه بالنذر، والإحرام بالشرع فلم يجتمع قيه بدلٌ ومبدلٌ. وقال أبو حنيفة: لا تتعين الصلاة عليه بالنذر في موضعٍ؛ لأن ما لا أصل له في الوجوب في الشرع لا يجب بالنذر كعيادة المريض، وهذا لا يصح؛ لما روى عن عمر - ﵁ - أنه قال: إني نذرت أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام، فقال: "أوف بنذرك". [٤٢/ أ]، ولأن النبي ﷺ قال: "صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف
[ ١١ / ١٤ ]
صلاةٍ فيما سواه، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة صلاةٍ في مسجدي". وأما عيادة المريض لا نسلم، بل نلزم بالنذر لأنها قربة.
والثالثة: لو نذر أن يمشي إلى العراق، أو إلى بغداد، أو إلى مسجد البصرة، أو الكوفة ونحو ذلك سوى المساجد الثلاثة لا ينعقد نذره ولا يلزمه إتيانه؛ لأنه ليس له طاعة في المشي إلى شيء من البلدان ولا إلى مساجدها، نص عليه في "الأم" ويفارق المشي إلى بيت الله الحرام فإنه طاعة على ما ذكرنا.
وقد روي أن ابن عباس - ﵄ - مرضٍ، فدعا ولده فجمعهم ثم قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من حج من مكة ماشيًا حتى يرجع إلى مكة كتب الله له بكل خطوةٍ سبعمائة حسنةٍ من حسنات الحرم"، قيل: وما حسنات الحرم؟ قال: "كل حسنةٍ مائة ألف حسنةٍ". وسُئل ابن عباس - ﵄ - عمن نذر أن يمشي إلى الكعبة، فمشى نصف الطريق ثم ركب، فقال: إذا كان عام قابل فليركب ما مشى وليمش ما ركب وينحر بدنة.
وقال أنس - ﵁ -: مر رسول الله ﷺ بشيخ كبير يهادي بين ابنيه، فقال "ما بال هذا؟ " قالوا: نذر يا رسول الله أن يمشي، فقال: "إن الله - ﷿ - غني عن تعذيب هذا نفسه" فأمره أن يركب فركب. ولم يذكر الفدية، وهذا يدل على أنه يجوز الركوب عند العجز ولا فدية.
فرع آخر
لو نذر أن يأتي إلى موضع من الحرام، لزمه حج أو عمرة سواء ذكر مزدلفة أو منى أو مكة، أو الحرم أو المسجد الحرام، حتى لو قال: عليَّ أن آتي دار أبي جهل، أو دار الخيزران التي كانت دارًا لزوجة خليفةٍ من الحرم يلزمه ذلك بحجٍ أو عمرةٍ؛ لأن كلها سواء في قربة الحرم، وبه قال أحمد.
وقال أبو حنيفة: لا يلزمه مشي، [٤٢/ ب] وإنما يلزمه إذا قال: أمشي إلى بيت الله الحرام، أو إلى مكة، أو إلى الكعبة استحسانًا؛ لأن الناس يعبرون بذلك عن إيجاب الإحرام. وقال أبو يوسف، ومحمد، وزفر: إذا قال: إلى الحرم، أو إلى المسجد الحرام يلزمه، وإن قال: إلى مزدلفة أو منى لم يلزمه. ومن أصحابنا من قال: هذا إذا قلنا لا يجوز له دخول الحرم إلا بالإحرام. وإذا قلنا يجوز ذلك لا يلزمه شيء.
[ ١١ / ١٥ ]
فرع آخر
لو نذر أن يأتي عرفة أو أمرًا أو قريبًا من الحرم، قال الشافعي - ﵁ -: لا يلزمه شيء؛ لأن هذه مواضع من الحل لا يلزم الإحرام بقصدها، وقد صحف في بعض النسخ فقيل: منى بدل أمرًا، وهو غلط؛ لأن منى من الحرم، وأراد بالمر مر الظهران وهو من الحل.
وقال في "الحاوي": لو قيل: ينعقد النذر ونذر المشي إلى عرفة كان مذهبًا، ويكون المنعقد بنذره الحج دون العمرة لاختصاص عرفة بالحج، وهذا لأن قصد عرفة يجب بالشرع فوجب بالنذر بخلاف الميقات؛ لأنه لا يلزم قصده شرعًا لانعقاده بالإحرام قبلها وبعدها.
مسألة: قَالَ: "وَلَوْ نَذَرَ أَنْ يَنْحَرَ بِمَكَّةَ لَمْ يُجْزِئْهُ بِغَيْرِهَا".
الفصل
اعلم أنه إذا نذر أن ينحر بمكة ويفرق اللحم فيها يلزمه ذلك؛ لأنه طاعة وقربة، ولا يجوز ذلك في غيرها كالنحر الواجب في الإحرام لا يجزئه في غيرها. ولو نذر أن ينحر في مكة فقط ولم يذكر تفرقة اللحم ولا نوى ذلك، يلزمه ذلك وتفرقة اللحم هناك أيضًا؛ لأن النحر يتضمن تفرقة اللحم كما في الهدي الشرعي، نص عليه. ومن أصحابنا من قال: يلزمه النحر بها ويفرق اللحم حيث شاء؛ لأن النحر فيها قربة فيلزم بالنذر، ولا يلزمه شيء آخر لم يسمه في نذره.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: لا يلزمه تفرقة اللحم إلا أن ينوي ذلك ويلزمه النحر فقط؛ لأنه قربة وقد بذله وعده. ولو نذر أن ينحر بغير مكة من البلدان [٤٣/ أ] نقل المزني أنه يجب عليه النحر وتفرقة اللحم على مساكين ذلك الموضع. واختلف أصحابنا في هذا، فذهب أبو إسحاق إلى ظاهر هذا النقل، وأوجب النحر وتفرقة اللحم على مساكين البلد الذي نذر قياسًا على النذر بمكة.
وقال سائر أصحابنا: لا يجب النحر هناك إلا أن يشترط مع النحر التصدق بلحمه على مساكينه، أو ينوي ذلك بقلبه، فأما إذا عرى عن ذلك الشرط والنية لم يجب، ويفارق النذر بمكة؛ لأن النحر تفرقة اللحم على مساكين الحرم واجبٌ في الشرع، فحل مطلق نذره مقتضاه، وهذا هو الصحيح، وقد نص في "الأم" على هذا، فقال: "وإذا نذر أن ينحر بمكة لزمه أن ينحر بها" لن النحر بمكة بر.
ولو نذر أن ينحر في غيرها لم يلزمه؛ لأنه لا برَّ فيه إلا أن يريد التصدق بلحمها فلا يجوز أن يفرق إلا حيث نحر، هكذا ذكر القاضي أبو حامد صاحب "الإفصاح".
وقيل: إن المزني أخل بالنقل، وإنما ذكر الشافعي - ﵁ - لو نذر أن ينحر
[ ١١ / ١٦ ]
في بلدةٍ من البلدان ويتصدق باللحم لزمه. وقيل: مراد المزني فيما نقل هذا، وهو أن يقسم اللحم على مساكين ذلك البلد غضًا طريًّا؛ لأنه علل فقال: لأنه وجب لمساكين الحرم وليس مراده تقييد النحر بالبلد الذي نذر النحر به؛ لأن النحر لا يتقيد إلا بالحرم، فعلى هذا لو نذر النحر هناك وتفرقة اللحم ببلدةٍ أخرى وحمل اللحم إلى تلك البلدة وتصدق به، هل يجوز؟ فيه وجهان.
وقال في "الحاوي": إذا نحر بالبصرة وأطلق تفرقة لحمه فيه ثلاثة أوجه: أحدها: يلزمه نحره وتفرقة لحمه فيها اعتبارًا بالنذر والعرف.
والثاني: يلزمه نحره بالبصرة ويجوز له تفرقة لحمه في غير البصرة اعتبارًا بالنذر دون العرف.
والثالث: يجوز نحره في غير البصرة ويلزمه تفرقة لحمه في البصرة اعتبارًا بالعرف دون النذر؛ لأنه لا فضيلة في تعينها بالنذر.
فرع
[٤٣/ ب] لو نذر النحر لنفسه لا يلزمه؛ لأنه تجرد عن قربةٍ، ولو نذر نحره للمساكين يلزمه نحره قبل دفعه إليهم، ولو دفعه حيًا لم يجز لما في إراقة الدم من القربة وأنه جعل حقهم في لحمه.
فرع آخر
لا يجوز أن يطبخ لحمه قبل دفعه، ولو طبخ متقدمًا فيضمن بما بين قيمته مطبوخًا ونيًا إن نقص به.
فرع آخر
لو نذره للأغنياء فإن اقترن به نوع من القربة ليأنس به الأغنياء في التوسع لزمه، وإن تجرد عن القربة وقصد به المباهاة والتطاول لم يلزمه، ولو أطلق النذر لم يجعل لنفسه ولا لغيره يحمل على العرف المقصود بالنذر ويصح.
فرع آخر
لو نذر نحره بالبصرة وتفرقة لحمه في غير البصرة لا يلزمه نحره بالبصرة؛ لأنه لا فضل لنحره فيها على نحره في غيرها بخلاف نحره في الحرم الذي هو أفضل منه في غير الحرم ولا يلزمه نحره في الموضع الذي يستحق فيه تفرقته؛ لأنه غير مسمى في نذره، وإن كانت البصرة من أجل التسمية أولى إذا وصل لحمه إلى مستحقه طريًا.
فرع آخر
لو أطلق محل نحره فيه قولان من القولين نقل الصدقة، فإن قلنا يجوز نقل الصدقة يكون نحر نذره وتفرقة لحمه مستحقًا في بلده، ويجوز أن يعدل بها إلى غيره فينحر في
[ ١١ / ١٧ ]
بلده ويفرق في مساكين غير بلده. وإن قلنا لا يجوز فعلى هذا يكون تفرقة لحمه في مساكين بلده مستحقًا، وفي وجوب نحره في بلده وجهان؛
أحدهما: يجب.
والثاني: يستحب.
فرع آخر
لو نذر أن ينحر في بلده يلزمه ولا يحتاج إلى شرط الصدقة، وذكره في "الإفصاح".
فرع آخر
لو نذر الصلاة في الجامع له أن يصلي في بيته على ما ذكرنا، وفيه وجه آخر لابد أن يصلي في مسجدٍ ما وإن لم يكن جامعًا.
فرع آخر
[٤٤/ أ] إذا نذر أن يجاهد في جهةٍ لم يجزئه في غيرها.
مسألة: قَالَ: "وَلَوْ نَذَرَ أَنْ يَهْدِي مَتَاعًَا لَمْ يُجْزِئْهُ إِلَّا أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهِ".
الفصل
اعلم أنه إذا نذر شيئًا لا يخلو إما أن يطلق ذلك أو يعينه، فإن عينه بأن يقول: لله عليَّ أن أهدي هذا، لا يخلو إما أن يكون ذلك مما ينقل أو مما لا ينقل، كالثياب والعبيد ونحو ذلك فإنه ينقله ويفرقه على مساكين الحرم، وإنما حملنا مطلق الهدي على الحرم؛ لأن الله تعالى قال: ﴿والْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ [الفتح: ٢٥]، وقال تعالى: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إلَى البَيْتِ العَتِيقِ﴾ [الحج: ٣٣]، وإنما وجب إيصاله إلى مساكين الحرم؛ لأن المقصود من حمله إلى الحرم منفعة أهله، ومعنى الهدي المطلق في الشرع ما يصل إليهم، ولا يجوز أن يجعله في طيب البيت وتعليقه سترًا على البيت، وإن نوى شيئًا قال الشافعي ﵁: "فإن نوى أن يكون من طيب البيت أو سترًا يعلقه على البيت جعله حيث نوى؛ لأن لفظ الإهداء صالح للإهداء إلى البيت والإهداء إلى المساكين".
وقال أصحابنا بخراسان: إذا أطلق إن شاء جعله سترًا للبيت أو شري به الطيب وطيَّب به الكعبة، وهذا غلط ظاهر.
وإن كان الشيء مما لا ينقل كالدور والعقار ونحوها باع ذلك ثم أهدى ثمنه؛ لأنه إذا تعذر نقله وجب أن يحمل بدله، ألا ترى أنه إذا أهدى شيئًا بعينه فأتلفه لزمه بدله، ووجب حمل بدله لتعذر المبدل، ولأنه لما نذر ذلك مع عمله بأنه لا ينقل علينا أنه قصد بدله. وقد روي أن رجلًا سأل ابن عمر - ﵄ - في امرأة نذرت أن تهدي دارًا فقال: تبيعها وتتصدق بثمنها على مساكين الحرم.
[ ١١ / ١٨ ]
فرع
إذا نقل المنقول إلى الحرم، فمؤنة النقل على من تكون؟ قال القفال: يُنظر، فإن قال: جعلت هذا هديًا [٤٤/ ب] بالمؤنة فقد يباع بعضه وينفق على الباقي ليصل إليهم، وإن قال: عليَّ أن أهدي بهذا فالمؤنة عليه في ماله.
فرع آخر
لو كان منقولًا ولكن لم تجر العادة بنقله مثل حجر الرحا والعارض الكبير، فحكمه حكم الأراضي والعقار، وإلى هذا أشار القفال - ﵀ -.
فرع آخر
لو نذر حيوانًا غير النعم من طائر أو دابة يلزمه أن يتصدق بها حيًّا، ولا يجوز أن يذبح إذ لا قربة في ذبحه، فإن ذبح وهو مأكول تصدق باللحم وغرم ما نقص الذبح، ولو نذر النعم يذبحه ويتصدق به، ولا يجوز أن يتصدق به حيًا؛ لأن الذبح فيه قربة ذكره القفال.
فرع آخر
لو أطلق نذر الهدي فقال: لله عليَّ أن أهدي الهدي يحمل على الهدي الشرعي، وهو الثني من الإبل، والبقر، والمعز، والجذع من الضأن؛ لأنه لما أدخل الألف واللام في قوله الهدي اقتضى ذلك الهدي المعروف في الشرع. وقال في "الحاوي": هكذا ذكره أبو حامد، وقال سائر أصحابنا: يستوي الحكم بين دخول الألف واللام وإذا لم تدخل الألف واللام يجيء كله.
فرع آخر
لو قال: عليَّ أن أهدي هديًا إن لم يقل هديًا فيه قولان:
أحدهما: أنه يلزمه الهدي الشرعي الذي ذكرنا ولا يجزئه إلا في الحرم. قال الشافعي ﵁ هنا: إلا أن يُحصر فينحر حيث أحصر، وهذا لأن المطلق من كلام الآدميين محمول على المعهود في الشرع، وبه قال أبو حنيفة وأحمد، وهو المشهور الصحيح.
والثاني: قاله في "الإملاء": أي شيء أهدي مما يُتَمَوَّل في العادة جاز؛ لأن اسم الهدي يقع عليه لغةً وشرعًا.
أما اللغة: يقال أهدى فلان إلى فلان كذا، وأهدى له ما يُتَمَوَّل. وأما الشرع: روي في خبر الجمعة أن النبي ﷺ [قال:] "ومن راح في الساعة [٤٥/ أ] الخامسة فكأنما قرب بيضة".
فإن قيل: يجوز أن يجب عليه عُشر شاةٍ وأقل في أجزاء الصيد، فيجوز ذلك على
[ ١١ / ١٩ ]
القول الأول. قلنا: ذلك على طريق البدل والمقابلة، ولا يجوز ذلك العُشر في نفسه هديًا، بل هو جزء من هدي فلا يجوز ذلك.
فإن قيل: إذا نذر أن يتصدق لا يلزمه أن يتصدق بخمسة دراهم، وأقل التصدق في الشرع هذا، وكذلك إذا نذر الصوم يلزمه يوم، وأقل ما ورد الشرع بالصيام ثلاثون يومًا. قيل: الدراهم تتبعض فصح التصدق بدرهم واحدٍ بخلاف الهدي. وأيضًا الدرهم الواحد قد يجب في الزكاة، وهو إذا كان خليطًا مع آخر في الدراهم، وأما صيام ثلاثين يومًا فثلاثون عبادة لخمس صلواتٍ في اليوم والليلة، وقد يبلغ صبي أو يسلم كافر في رمضان، فلا يلزمه إلا صوم يوم واحدٍ.
فرع آخر
لو قال: عليَّ أن أهدي بدنةً، أو بقرةً، أو شاةً هل تعتبر السلامة من العيوب منها أم لا؟ فيه قولان مخرجان بناء على القولين السابقين، وكذلك هل يعتبر فيها السن من الثنية من الإبل والبقر والمعز والجذع من الضأن على هذين.
فرع آخر
قال في "الحاوي": لو قال: لله عليَّ أن أجعل هذا المتاع هديًا توجه مطلق هذا النذر إلى وجوب نقله إلى الحرم؛ لأنه محل الهدي في الشرع على ما ذكرنا. ولو قال: لله عليَّ أن أهدي المتاع ولم يقل هديًا فقد نفي، يلزمه عرفان؛ عرف اللفظ أن يكون هدية، وعرف الشرع أن يكون هديًا، فإن أراد عرف اللفظ أن يكون هدية بين المتواصلين لم ينعقد به النذر، إلا إن تقرب بقربة تختص بثوابٍ، وإن أراد عرف الشرع وجب إيصاله إلى الحرم، وإن أطلق ففيه وجهان:
أحدهما: يحمل على عرف الشرع وينعقد النذر.
والثاني: يحمل على عرف اللفظ؛ لأنه قد اقترن به عرف الاستعمال، فيكون هدية ولا يكون، [٤٥/ ب] فلا ينعقد به النذر.
فرع آخر
لو جعله للكعبة خص به الكعبة في الستر، أو الطيب، أو الشمع، أو الدهن. وإن جعله لأهل الحرم يلزمه صرفة إلى الفقراء منهم دون الأغنياء، وهل يجوز صرفه إلى ذوي القربى؟ فيه وجهان؛ أحدهما: لا يجوز كالزكاة والكفارات. والثاني: لا؛ لأنه تطوع بنذره.
فرع آخر
لو كان المتاع ما لا يمكن تفريقه فيهم كاللؤلؤ والجوهر كان حقهم في قيمته، وهل يلزم الناذر بيعه أو قيمته؟ فيه وجهان مخرجان من اختلاف قول الشافعي في العبد
[ ١١ / ٢٠ ]
الجاني، هل يفديه السيد بقيمته أم بثمنه؟ فيه قولان:
أحدهما: بقيمته، فعلى هذا يجوز للناذر أن يصرف قيمته إليهم وإن لم يبعه.
والثاني: عليه بيع الجاني لجواز ابتياعه بأكثر من قيمته فعلى هذا يلزمه بيع هذا المتاع لجواز أن يرغب فيه من يشتريه بأكثر من ثمنه، فإن أراد أن يأخذه بالثمن المبذول فيه جاز.
فرع آخر
إذا ألزمناه قيمته، فإن كانت قيمته في موضع النذر أكثر جاز، وإن كانت أقل لم يجز. فإن استهلكه وجبت عليه قيمته في أكثر حالتيه من موضع الاستهلاك، أو من الحرم لما وجب عليه من إيصاله إلى الحرم.
فرع آخر
لو كان الهدي مما لم يجز لأن إخراج البدل فيما استحقت أعيانه لا يجوز كالزكوات.
فرع آخر
لو نذر هدي بقرةٍ بعينها ثم أتلفها هو، فعليه أكثر الأمرين من قيمتها أو مثلها؛ لأن أكثرهما حق المساكين، وغن أتلفها غيره يجب على المتلف قيمتها ويلزمه صرفها في مثلها، فإن فضل شيء ففيه وجهان:
أحدهما: يصرف في مثل آخر أو جزءٍ من مثل آخر.
والثاني: يصرفها ورقًا.
وإن كانت القيمة أقل فهل يلزم الناذر تمام ثمن مثلها؟ وجهان؛ أحدهما: يلزمه لاستحقاق المساكين له [٤٦/ أ] بالنذر.
والثاني: لا يلزمه وهو الأشبه؛ لأنه قد مات ما نذر. فإن قلنا بهذا يجيء فيه الوجهان اللذان ذكرناهما في زيادة القيمة.
فرع آخر
لو تلفت بنفسها هل يلزمه ضمانه؟ فيه وجهان، والأصح أن لا ضمان؛ لأنها بعد النذر كالأمانة. والوجه الثاني يضمنها لتعلق نذرها بذمته، فالجهة باقية بخلاف ما لو نذر إعتاق عبدٍ فمات لم يضمنه.
فرع آخر
إذا قلنا بالوجه الثاني أنه يضمنها ففي ضمانها ثلاثة أوجه؛ أحدها: مثلها.
والثاني: يضمن قيمتها.
والثالث: يضمن أكثر الأمرين من المثل أو القيمة.
فرع آخر
إذا أطلق الهدي، قال الشافعي - ﵁ -: "فعليه أن يهدي ما كان ولو بيضة
[ ١١ / ٢١ ]
أو تمرة". واختلف أصحابنا في هذا على وجهين:
أحدهما: قال على وجه المبالغة، ويعتبر أن يهدي أقل ما يكون ثمنًا لمبيع أو مبيعًا بثمن، ولا تكون التمرة الواحدة ثمنًا ولا مبيعًا كما قلنا في أقل الصدقات.
والوجه الثاني: أنه قال حقيقيًا؛ لأن التمرة ذرة في جزء جرادةٍ.
وقال الشافعي - ﵁-: "وأستحب أن لا ينقص من "المد"؛ لأنه أقل ما يواسى به وأجزل ما دونه.
فرع آخر
قال في "الأم": لو قال: أنا أهدي هذه الشاة نذرًا، أو أمشي إلى بيت الله نذرًا، فعليه أن يهديهما ويلزمه المشي إلى بيت الله تعالى، إلا أن تكون نيته أني سأحدث نذرًا أو سأهديها فلا يلزمه.
فرع آخر
قال في "الأم": "ولو نذر أنه يهدي هديًا ونوى بهيمة أو جديًا أو رضيعًا أجزأه، ولو نذر أن يهدي شاةً عوراء أو عرجاء أو عمياء أو ما لا يجوز أضحية أهداها، ولو أهدى تامًا كان أحب إليَّ". قال الشافعي - ﵁ -: وكل هذا هديٌ، ألا ترى إلى قول الله تعالى: ﴿ومَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥] [٤٦/ ب] إلى الحرم أهدى".
مسألة: قَالَ: "وَمَنْ نَذَرَ بَدَنَةً لَا يُجْزِئْهُ إِلَّا ثَنِيٌّ أَوْ ثَنِيَّةٌ".
جملته إذا نذر بدنة فلا يخلو إما أن يطلق أو يقيد ببدنةٍ من الإبل، فإن أطلق فالإطلاق يقتضي بدنةً من الإبل، فإن كان واجدًا أهداها. قال الشافعي - ﵁ -: "وَإِذَا لَمْ يَجِدْ بَدَنَةً فَبَقَرَةٌ"، كما نقول في البدنة الواجبة في الإحرام متى لم يجد نزل إلى البقرة ثنية، فإن لم يجد بقرة فتبيع من الغنم يجزئ ضحايا.
واختلف أصحابنا في هذا، فمنهم من قال: هو على الترتيب وهو المذهب، وبه قال عامة أصحابنا. ومنهم من قال: هو على التخيير؛ لأن الشريعة أقامت البقرة مقام البدنة فجاز أن يتخير، وأصل هذين الوجهين البدنة على المفسد حجة، هل هو على التخيير أم الترتيب؟ فيه قولان. ومن قال بالتخيير قال: قول الشافعي - ﵁ -: "فَإِنْ لَمْ يَجِدْ" أي فإن لم يكن، أو لم يتفق له ذلك، ولا يجوز أن يعدل عنها إلى الإطعام عند عدم الكل، وإن كان في الشرع بدلًا منه لانتفاء اسم الهدي عنه. وإن كان قيَّد النذر وقال: بدنة من الإبل يتعين في الإبل بلا خلافٍ، ولا يجوز أن يعدل عنها مع القدرة عليها؛ لأنه أزال الاحتمال بالتقييد. وقيل: هذا إذا كان مراده أن لا يتقرب إلا بالبدنة؛ لأنه علق نذره بعينها، فينظر كم قيمة البدنة، فما كان قيمتها يشتري به بقرًا،
[ ١١ / ٢٢ ]
فإن فضل منها شيء صرفه فيما أمكن من البقر ولو في عشر بقرات. وإن كان لا يقدر على شراء بقرٍ كاملٍ بالفضل هل يشتري سهمًا من البقر أم يتصدق به على مساكين الحرم؟ فيه وجهان. ويخالف هذا إذا لم يقصد جنسًا من الأجناس الثلاثة، [٤٧/ أ] فالأجناس الثلاثة متساوية في الجواز، إما على التخيير أو على الترتيب، وإذا قصد الإبل والنذر تعلق بجنس البدنة، ولا يجوز أن ينتقل إلى البقرة إلا بقيمتها، وإن لم يجد بقرةً بقيمتها يلزمه إتمامها وعليه أكثر الأمرين من البقرة أو قيمة البدنة.
ومن أصحابنا من قال: إذا لم يجد الإبل فلا بدل له، وتكون الإبل في ذمته حتى يجدها؛ لأنه عيَّنها بنذره، والمذهب الأول؛ لأنه يجوز الانتقال إلى بدل الشيء عند العجز، كما يجوز الانتقال إلى التيمم عند عدم الماء، ولأن المقصود نفع المساكين، وهم ينتفعون بلحوم البقر أيضًا بخلاف ما لو نذر إعتاق عبدٍ لا يجوز العدول عنه بحالٍ. ومن أصحابنا من قال: يجوز البقرة قل ثمنها أو كثر، ذكره في "الحاوي".
وقال بعض أصحابنا بخرسان: أراد الشافعي - ﵁ - بما ذكر إذا عين بعيرًا، أو قال: لله عليَّ أن أهدي هذا، أو في هذه المسألة التي ذكرنا هل يتخير؟ وجهان أيضًا، وهو غلط ظاهر، وليس مراد الشافعي هذا. وحكي عن القفال أنه قال: لا يجوز غير الإبل سواء قال مطلقًا بدنة أو قال: بدنة من الإبل، أو كانت الإبل موجودة أو غير موجودة، ولعل هذا اختياره وهو القياس، ولكنه خلاف النص على ما بيناه.
فرع
قال أصحابنا: إذا انتقل إلى البدل في هذه المسائل التي ذكرناها يتخير بين البقر والغنم، ولا يراعي الترتيب بين البقر؛ لأن الواجب البدنة أو بدلها.
وقال في "الحاوي": إذا وجد البقر لا يعدل إلى الغنم، فإن لم يجد البقرة عدل إلى سبع من الغنم، وهل يراعي القيمة؟ فيه وجهان؛ فإذا راعينا القيمة ففي قيمتها ثلاثة أوجه:
أحدها: عليه أكثر الأمرين من قيمة البدنة أو سبع من الغنم؛ لأن البدنة هي الأصل [٤٧/ ب] المنذور.
والثاني: يلزمه أكثر الأمرين من قيمة البقرة، أو سبعٍ من الغنم.
والثالث: يعتبر أكثر الأمور الثلاثة من قيمة البدنة أو البقرة، أو سبع من الغنم؛ لأنه أصل في البدنة في البقرة، والبقرة أصل في الغنم فاعتبر أغلظها.
ثم قال الشافعي - ﵁ -: "وَالخَصِيُّ يُجْزِئُ". وقد ذكرنا هذا في الأضحية، وذلك أن الخصي أطيب لحمًا من الفحل وأوفر وأرطب وذكر بعض أصحابنا
[ ١١ / ٢٣ ]
إذا نذر أضحية وأطلق لا يجزئه الحامل، وهذا غريب.
مسألة: قَالَ: "وَلَوْ نَذَرَ عَشْرًا صَامَهُ مُتَتَابِعًا أو مُتَفَرَّقًا".
جملة هذا إذا نذر صوم عشرة أيامٍ وأطلق يجوز متتابعًا ومتفرقًا، وقال داود: يلزمه التتابع، وهذا غلط، لأن الاسم يقع عليهما. وإن نذر أن يصوم شهرًا بعينه فإنه متتابع من حيث الوقت كصوم رمضان، ولكن صفة التتابع لا تلزمه حتى لو أفطر يومًا لم يلزمه استيفاؤه، وكذلك لو قال: لله عليَّ أن أصوم شهرًا من الآن. ولو قال: أصوم شهرًا له أن يصوم شهرًا بين الهلالين تامًا كان أو ناقصًا، وله أن يفرق. وإذا فرّق لا يجوز أقل من ثلاثين يومًا. وكذلك لو تابع إلا أنه لم يبتدأ من أول الشهر بل كسره ولو بيوم.
مسألة: قَالَ: "وَلَوْ نَذَرَ صِيَامَ سَنَةٍ بِعَيْنِهَا صَامَهَا إِلاَّ رَمَضَانَ".
اعلم أنه إذا نذر صوم سنةٍ فلا يخلو إما أن يقول: السنة الفلانية، أو يقول: سنة من وقتي هذا، أو يقول: سنةً مطلقًا. فإن قال: من وقتي هذا يلزمه صوم سنةٍ هلاليةٍ اثني عشر شهرًا؛ لأن السنة في الشرع هذه، ويصوم جميع السنة إلا يوم الفطر ويوم الأضحى وأيام التشريق؛ لأنه لا ينعقد نذره فيها ولا يلزمه قضاءها، وهكذا يصوم [٤٨/ أ] شهر رمضان عن رمضان لا عن النذر، ولا يلزمه قضاؤه؛ لأنه مستحق بصومه ولا ينعقد فيه غيره فلم يتناوله النذر، فلو أفطر فيها بعضها فلا يخلو إما أن يكون بعذرٍ أو بغير عذرٍ، فإن كان أطلق النذر ولم يشترط فيه التتابع يمضي على بقية صومه ويقضي ما أفطره، وإن كان شرط فيه التتابع انقطع حكم الصوم وعليه الاستئناف. وإن أفطر لعذر، فإن كان الناذر امرأة فأفطرت أيام حيضها، منعت في صومها ولا تستأنف؛ لأنه لا يمكن الاحتراز عنه، وهل يجب عليها قضاء ما أفطرته؟ قولان:
أحدهما: لا يلزمها؛ لأنه لا يدخل في نذرها إلا ما يمكنها وتقدر عليه.
والثاني: يلزمها القضاء؛ لأن الزمان محل للصوم، وإنما منعت فيها من الصوم لمعنًى يمنعها وهو الحيض فلزمها القضاء، ولأن النذر محمول على المشروع ابتداءً، والحائض تقضي الصوم الواجب بالشرع، فكذلك الواجب بالنذر.
فإن قيل: أليس قلتم: لو نذرت الصوم في أيام الحيض لا ينعقد نذرها ولا يجب القضاء قولًا واحدًا، فهلا قلتم هاهنا مثله؟ قيل: الفرق أن النذر إذا اختص بزمان الحيض كان نذر معصية، وهنا إذا تعلق بالسنة لم يكن معصيةً فافترقا. وإن أفطر بمرض فحكم الرجل والمرأة فيه سواء، فهل ينقطع التتابع به؟ قولان؛ فإذا قلنا لا ينقطع أو كانت الموالاة من حيث الوقت لا من حيث الشرط هل يلزمه قضاء ما أفطر بالمرض؟ فيه وجهان بناءً على القولين في الحائض؛ لأنه غير متمكن من صومه كالحائض، وإن كان لسفر ففيه طريقان؛ أحدهما: أنه كالمفطر بالمرض فيه وجهان. [٤٨/ ب].
والثاني: أنه كالمفطر بغير عذر لقدرته على الصوم، وقد ذكرنا في كتاب "الظهار":
[ ١١ / ٢٤ ]
ويلزمه القضاء بلا خلافٍ؛ لأنه يفطر باختياره.
ولو قال: لله عليَّ أن أصوم سنة كذا يصومها إلا رمضان، فإنه يصومه لرمضان ويفطر في الأيام التي ذكرنا ولا قضاء لما ذكرنا، فإن أفطر يومًا سوى هذه الأيام أو صام عن غيره يقضيه ولايبطل ما مضى؛ لأن التتابع للوقت على ما ذكرنا، ولو كان الناذر امرأة فأطرت بالحيض، أو أفطرت هي والرجل بالمرض هل تقضي؟ فعلى ما ذكرنا. قال صاحب "الإفصاح": والصحيح أن لا قضاء، لا في هذه المسألة ولا في المسألة السابقة.
ولو قيد بالتتابع فقال: سنة كذا متتابعًا فأفطر يومًا متعمدًا بطل التتابع، ويبطل ما مضى من صومه ويستأنف على ما ذكرنا. وحكي عن القفال أنه لا يبطل ما مضى من صومه، ولا تأثير لقوله: "متتابعًا" وهو غلط عليه عندي.
ولو قال: لله عليَّ أن أصوم هذه السنة يتناول السنة الشرعية من المحرم إلى المحرم، فإن كان قد مضى نصف الحول لا يلزمه الباقي، ثم إذا كان في ذلك الباقي رمضان والأعياد لا يلزمه قضاءها. وأما إذا قال: أصوم سنة ولم يعين وأطلق ينعقد نذره ويثبت الصوم في ذمته، ويلزمه أن يصوم سنةً اثني عشر شهرًا، ويجوز متواليًا ومتفرقًا. ثم إذا اختار الصوم فهو على ما ذكرنا في تمام الشهر ونقصانه، وإذا أفطر الأعياد وصام لرمضان يلزمه قضاء الكل؛ لأن السنة إذا كانت في الذمة تقدرت بتمام اثني عشر شهرًا ولفظ القضاء عن الشافعي - ﵁ - عبارة مجازٍ لا عبارة [٤٩/ أ] حقيقة؛ لأن السنة إذا كانت بغير عينها فقضاء هذه الأيام على معنى الأداء لا على معنى القضاء، ثم إذا قضى شهر رمضان قضى مكانه شهرًا تامًا كان أو ناقصًا؛ لأنه قضاء شهرٍ بأداء شهرٍ. وأما إذا قضى زمان الأعياد فقد أفطر في خمسة أيام فيسقط اعتبار الهلال في هذين الشهرين ويكون الاعتبار بالعدد، فإن كان الشهران تامين قضى خمسة أيام، وإن كانا ناقصين قضى سبعة أيام، وإن كان أحدهما ناقصًا والآخر تامًا قضى ستة أيامٍ.
وقال بعض أصحابنا: لو ابتدأ في هذه السنة التي ذكرناها من المحرم إلى المحرم، يقال: صام سنة، وإن كان صومه لسنةٍ منكرةٍ فالقياس أنه لا يلزمه صيام هذه الأيام، وإن كان ظاهر المذهب بخلافه. وإن شرط التتابع وقال: سنةً متتابعًا يلزمه ذلك، ولا يمكنه أن لا يتخللها رمضان وأيام العيد وأيام الحيض، وذلك كله لا يقطع التتابع ولكن يلزمه قضاءها على ما ذكرنا.
وقال في "الحاوي": لو نذرت صيام شهرين متتابعين فحاضت لم ينقطع التتابع بها، وفي وجوب قضائها قولان؛ أحدهما: تقضي كما تقضي في الكفارة.
والثاني: لا يلزمها القضاء؛ لأن وجوبه بالشرط بخلاف الكفارة، وهذا غريب.
[ ١١ / ٢٥ ]
فرع
لو نذر صوم يوم الخميس فصام يومًا قبله لا يجوز، هذا هو المذهب المشهور. وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه وجهان؛ أحدهما: لا يصح وهو الأصح، وبه قال محمد. والثاني: يجوز وبه قال أبو يوسف. قال أصحابنا: وهكذا لو قيد الصلاة بوقتٍ هل يجوز تقديمها على الوقت؟ فعلى هذا الخلاف.
وقال في "الحاوي": إذا نذر وقال: لله عليَّ أن أصلي في يوم الخميس، فإن قصد به تفضيل ذلك الزمان يجوز أن يصلي [٤٩/ ب] يوم الأربعاء ويوم الجمعة. لأنه لا فضيلة ليوم الخميس، وإن قصد به أن يجعله وقتًا للنذر لا يجوز قبله ولو كان له فضيلة على غيره، فإن قال: لله عليَّ أن أصلي ليلة القدر فهي أفضل من غيرها فلا تجزئ الصلاة في غيرها، وليلة القدر في العشر الأواخر وهي لا تتعين قطعًا في إحدى ليالي العشر فيلزمه أن يصليها في كل ليلة من ليالي العشر ليصادفها في إحدى لياليه، كمن نسي صلاة من خمس صلواتٍ لا يعرفها قضى جميعها، فإن لم يصليها في العشر كلها لم يقضها إلا في مثله، وهذا حسن صحيح. ولو عير الصدقة لوقتٍ يجوز تقدمها عليه.
فرع آخر
لو نذر صوم يوم العيد لا ينعقد نذره، وقد ذكرنا عن أبي حنيفة أنه قال: ينعقد نذره ويلزمه أن يصوم يومًا آخر، فإن صام فيه هل يسقط عنه موجب نذره؟ فيه وجهان؛ أحدهما: لأنه نذر معصية.
والثاني: ينعقد ويصليها في وقت آخر وهو الأظهر. ومن أصحابنا من قال: فيه ثلاثة أوجهٍ:
أحدها: النذر باطل فلا ينعقد بوفاء ولا قضاء.
والثاني: ينعقد بالوفاء بالصلاة، فيصلي في الوقت ولا يقضي؛ لأنه ظهر سببها والصلاة التي لها سبب تجوز في الوقت المنهي عنه. والثالث: ينعقد النذر بالقضاء دون الوفاء فيصليها في غير وقتها ليفي بالنذر ويسلم من المعصية.
والفرق بينها وبين نذر صوم يوم العيد أن الوقت المنهي عنه يصلح لشيء من الصلوات التي لها أسبابٌ، فينعقد النذر بالصلاة فيه لحقه بحكم النهي، ويوم العيد لا يقبل الصوم في حق الناس كافةً على العموم فلا ينعقد نذر الصوم فيه.
فرع آخر
لو نذر صوم يوم الشك هل ينعقد نذره؟ فيه وجهان، والأظهر أنه ينعقد.
فرع آخر
لو نذر أن يقرأ القرآن جنبًا هل ينعقد نذره؟ وجهان. [٥٠/ أ] والأظهر أنه ينعقد.
[ ١١ / ٢٦ ]
فرع آخر
لو نذر أن يقرأ القرآن جنبًا هل ينعقد نذره؟ وجهان، والظاهر عندي أنه ينعقد نذره. وإذا قلنا ينعقد فإنما يقرأ القرآن بعد اغتساله لا في حال الجنابة.
فرع آخر
لو نذر صوم نصف يوم لا ينعقد نذره وهو المذهب. وقال بعض أصحابنا بخراسان: هل ينعقد نذره؟ فيه قولان؛ أحدهما: ما ذكرنا.
والثاني: ينعقد ويلزمه صوم يومٍ تامٍ. قال: هذا إذا لم يكن أكل في ذلك اليوم، فإن كان قد أكل ثم نذر يترتب على ما تقدم. فإن قلنا هناك: لا يلزمه شيء، فهاهنا أولى. وإن قلنا هناك: يلزمه صوم يوم فهاهنا وجهان. قال: وعلى هذا لو قال: عليَّ الركوع، فيه وجهان؛ أحدهما: لا يلزمه شيء. والثاني: يلزمه ركعة تامة.
فرع آخر
لو نذر أن يذبح نفسه أو ابنه أو أباه لا ينعقد، وبه قال أبو يوسف؛ لأنه تقرب بمعصية. وقال أبو حنيفة: إذا نذر ذبح نفسه أو ابنه ينعقد نذره ويلزمه ذبح شاةٍ، وبه قال محمد، وزاد على أبي حنيفة وقال: إذا نذر ذبح عبده ينعقد نذره ويلزمه شاةٌ أيضًا، وعند أبي حنيفة لا ينعقد، وعن أحمد روايتان؛ إحداهما: يلزمه ذبح شاة.
والثاني: يلزمه كفارة يمين، وروي هذا عن سعيد بن المسيب واحتجوا بما روى القاسم بن محمد أن امرأةً جاءت إلى ابن عباس - ﵄ - فقالت: يا ابن عباس، إني قد نذرت أن أنحر ابني، فقال لها: لا تنحري ابنك وكفري عن يمينك، فقال له شيخ: وكيف تكون كفارة في طاعة شيطان؟ فقال: بلى، أليس الله تعالى يقول ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنكُم﴾ [المجادلة: ٢] إلى آخر الآية، ثم ذكر من الكفارة ما رأيت.
وروى عن عطاء بن أبي رباح أن رجلًا أتى ابن عباس - ﵄ - فقال: إني نذرت لأنحرن نفسي [٥٠/ ب] فقال ابن عباس: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ ثم تلا قوله تعالى: ﴿وفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠٧]، وروي في هذا الخبر أنه قال: إني نذرت أن أنحر ابني، فقال هذا.
وروي عن عكرمة عن ابن عباس - ﵄ - أنه قال في رجل نذر أن ينحر نفسه، قال: ينحر مائة من الإبل في كل عام ثلاثًا.
قلنا: قول ابن عباس لا يكون حجة، والقياس مقدم عليه واختلفت الرواية عنه، فروي أنه قال: عليه مائة بدنة ثم قال لمسروق: ما ترى؟ قال: عليه شاة، فرجع إلى
[ ١١ / ٢٧ ]
قوله، وقال: إنَّ عليه شاة. ثم هو استجاب، أي أشكر الله تعالى إذا لم يوجب ذلك.
ثم روينا عن ابن عوف، عن رجل، أن رجلًا سأل ابن عمر - ﵄ - عن رجل نذر أن لا يكلم أخاه، فإن كلمه فهو ينحر نفسه بين المقام والركن في أيام التشريق، فقال: يا ابن أخي، أبلغ من وراءك أنه لا نذر في معصية الله ﷿، لو نذر أن لا يصلي فصلى كان خيرًا له، ولو نذر أن لا يصوم رمضان فصامه كان خيرًا له، مُر صاحبك فليكفر عن يمينه وليكلم أخاه.
مسألة: قَالَ: "وَلَوْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَحُجَّ عَمِي هَذَا فَحَالَ بَيْنَهُ وبَيْنَهُ عدُوٌّ".
الفصل
إذا نذر أن يحج في عامه ذلك النذر ينعقد؛ لأنه طاعة، ثم إن وجد شرائط الحج يلزمه أن يحج في عامه ذلك ويسقط عنه موجب النذر إذا فعل، وإن لم يحج نُظر، فإن مضى من الزمان قدر ما يمكنه أن يحج فلم يفعل استقر الفرض في ذمته، ولا تسقط نفقة تلك الشرائط أو بعضها. وإن مات قضي عنه، وإن نفذ هذه الشرائط أو بعضها قبل مضي زمان يمكنه الحج فيه سقط عنه حكم الحج؛ لأن فرض الحج إنما يستقر بالتمكن من أدائه، ولم يمكن هنا الأداء. ويفارق هذا [٥١/ أ] حجة الإسلام؛ لأنه متى أمكن وجب لأنها تختص بسنةٍ واحدةٍ، وهذا اختص بسنةٍ واحدةٍ فسقط عنه الفرض بالعجز عن أدائه فيها، وإن حُصِر ومنع فهذا مبني على أن من حُصِر عن حجة الإسلام ما حكمه؟ وقد ذكرنا في كتاب "الحج" أنه ينظر، فإن كان الحصر عامًا لم يستقر الفرض عليه في هذه السنة، فإن عاش إلى العام القابل أو كان واجدًا للشرائط أو صُدَّ عن الطريق لم يلزمه، وإن مات لم يقض عنه، وإن أحصر حصرًا خاصًا بأن يمنعه صاحب الدين أو سلطان بلده، قال الشافعي - ﵁ - في كتاب "الحج": "يستقر الفرض عليه"، وقال هنا: "إِذَا حَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ عَدُوٌّ أَوْ سُلْطَانٌ فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ".
واختلف أصحابنا فيه على طريقين: أحدهما: قولًا واحدًا يستقر عليه، والذي قال هنا أراد به إذا حصره سلطان بلده حصرًا عامًا ومنعه وغيره من الحج، وهو اختيار القاضي الطبري.
والطريقة الثانية: فيه قولان؛ أحدهما: لا يستقر عليه كالحصر العام.
والثاني: يستقر عليه؛ لأن الطريق مُخلَّى، وإنما تعذر عليه أداء الحج بمعنى يختص به، فهذا حكم حجة الإسلام.
فأما المنذورة فحكمها مبني عليها، فكل موضع قلنا يستقر ذلك فكذلك المنذورة، وكل موضع قلنا لا يستقر ذلك لا تستقر المنذورة، ولا يختلفان إلا في شيء واحد، وهو ما ذكرنا أن حجة الإسلام إذا لم تجب في هذه السنة تجب في سنة أخرى عند
[ ١١ / ٢٨ ]
وجود الشرائط بخلاف المنذورة في هذه السنة. وقال المزني وابن سريج: يلزمه القضاء بكل حالٍ كما لو قال: أصوم غدًا فأغمي عليه حتى مضى الغد يلزمه قضاء يومٍ آخر.
وقال صاحب "التقريب": ولهذا وجه [٥١/ ب] وهو قول أبي حنيفة، وهذا لا يصح؛ لأن النذر المطلق محمول على الشرع، والحج الشرعي لا يستقر مع الحصر بخلاف الصوم، فإن الصوم الشرعي يجب عليه مع الإغماء أيضًا.
ومن أصحابنا من قال: في حجة النذر طريقان؛ أحدهما: أنها كحجة الإسلام، فإن كان الإحصار خاصًا يجب به قضاء الحج المنذور، وإن كان الحصر عامًا فهل يجب قضاءه؟ قولان؛ لأن حجة النذر أغلظ. قال صاحب "الحاوي": وهذه الطريقة أشبه بالمذهب، وإن أخَّرَه لعذرٍ يختص به من مرضٍ أو ضل الطريق أو أخطأ العدد، أو نسي الوقت فقد استقر في ذمته ولزمه فعله، فإن مات قضي عنه، وهذا لأن حصر العدو يخالف هذه الأعذار في جواز التحلل من الحج الشرعي والمنذور محمول على المشروع.
واعلم أن هذا مشكل، وموضع إشكاله لأن القضاء إذا لزمه مع عذر المرض وخطأ العدد وجد أن يلزمه مع حصر العدو ومنع السلطان، فإذا لم يلزمه في منع العدو وجب أن لا يلزمه في المرض، ولا تخلو هذه السنة من أن تكون متعينة لنذره أولًا، وكيفما كان فالواجب أن يستوي منع العدو ومنع المرض، وهذا مذهب المزني في المرض، وادعاه قولًا للشافعي - ﵁ - أنه فصل بين المرض وحصر العدو في التحلل فألحق المرض بسائر المعاذير التي هي معاذير تقصيره مثل خطأ العدد أو النسيان والتواني، وهذه المعاذير التي حصلت بتقصيره فالقضاء معها واجب قولًا واحدًا، ولا خلاف فيه وإنما الإشكال في المرض.
فرع
لو قال: إن شفي الله مريضي فلله عليَّ أن أحج، فشفاه الله تعالى وجب الحج عليه، ولا يعتبر في وجوبه وجود الزاد والراحلة، [٥٢/ أ] وهل يعتبر وجودهما في وجوب أدائه؟ ظاهر المذهب أنه يعتبر.
وقال صاحب "الحاوي": فيه وجهان حكاهما ابن أبي هريرة: أحدهما: لا يعتبر؛ لأنه كان قادرًا على استثنائه في نذره، وهو قول من لا يطرح الغلبة في الإيمان فلم يطرحها في النذر. والثاني: يعتبر كما قلنا في المشروع.
فرع آخر
هل يجب تعجيله على الفور؟ فيه وجهان يخالف المشروع.
[ ١١ / ٢٩ ]
فرع آخر
لو قال: إن قدم غائبي فلله عليَّ أن أحج في عامي هذا، فإن قدم عامه سقط نذره ولا يجب عليه الحج، وإن قدم قبل حج عامٍ والوقت متسع لحجة لزمه وتعين في عامه، وإن تضيق الوقت عن إمكان الأداء ففي لزوم نذره وجوب الحج عليه وجهان؛ أحدهما: يلزمه كحجة الإسلام.
والثاني: يلزمه ويقضيه بعد عامه؛ لأنه قد كان قادرًا على استثنائه في نذره، وهو قول من لا يطرح الغلبة، ذكره صاحب "الحاوي".
فرع آخر
لو قال: لله عليَّ أن أحج سنة ولم يقل في عامي هذا، لم يحج في عامه وحج في عامٍ آخر إن أمكن. وإن مات قبل الإمكان فلا شيء عليه. وحكي عن أبي حنيفة - ﵀ - أنه قال: يلقى الله تعالى وعليه حجٌّ ولا يصح عندي عنه.
مسألة: قَالَ: "وَلَوْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَصُومَ اليَوْمَ الَّذِي يَقْدِمُ فِيهِ فُلَانٌ، فَقَدِمَ لَيْلًا فَلَا صَوْمَ عَلَيْهِ".
الفصل
اعلم أنه إذا نذر أن يصوم يوم يقدم فيه فلان هل ينعقد نذره؟ فيه قولان: أحدهما: لا ينعقد؛ لأنه لا يمكن الوفاء به؛ لأنه إن قدم ليلًا لم يلزمه أن يصوم من الغد؛ لأن الصفة لم توجد، وغن قدم بالنهار وهو مفطر أو صائم عن غيره لم يمكنه أن يصوم عن نذره، وإن نوى من الليل قبل القدوم أن يصوم غدًا فقد أتى ببعضه تطوعًا، وقد نذر صوم جميعه واجبًا وهذا اختيار أبي حامد، [٥٢/ ب] وقاسه على ما لو قال: لله عليَّ أن أصوم أمسَ اليومِ الذي يقدم فيه فلان.
والثاني: ينعقد نذره وهو الصحيح، وهو اختيار المزني والقاضي الطبري؛ لأنه يمكن أن يقف على قدومه قبله فينوي بالليل أن يصوم من الغد لقدومه، فإذا أمكن ذلك انعقد نذره.
واحتج المزني فقال: قد يجب عليه الصوم في زمان لا يمكنه فعله فيه، ألا ترى أن الصبي الذي يبلغ في أثناء اليوم فيلزمه قضاءه، وكذلك المغمى عليه والحائض يلزمها قضاء الصوم وإن لم يمكنهما.
وأما قياسه على ما قال: أصوم أمس اليوم الذي يقدم فيه فلان، فيحتمل أن يقال هنا: ينعقد النذر أيضًا.
فإذا تقرر هذا فإذا قلنا لا ينعقد نذره فلا كلام، وإذا قلنا ينعقد نذره فإن قدم ليلًا لم يجب عليه شيء؛ لأنه نذر صوم يوم يقدم فيه ولم يوجب ذلك اليوم. قال الشافعي -
[ ١١ / ٣٠ ]
﵁-: "وأحب أن يصوم من الغد من أجل أنه قصد ذلك بنذره" وإن قدمها بالنهار وكان قد علمه بالليل ونوى يصوم لقدومه، ويجوز أن بكون أوله تطوعًا وآخره واجبًا، وإنما يعلم بأن أعلم أنه سيدخل فيه لقربه منه، وغنما صح صومه هكذا؛ لأنه قد نواه عن علم به، وهذا اختيار أبي إسحاق وجماعة.
ومن أصحابنا من قال: لا يجوز أن يصوم هكذا؛ لأنه قد صام أوله قبل مقدمه، ولأنه يجوز أن يتأخر عنه مع الإخبار به، فلا يصير عالمًا بما يفعله، ولا يمكن قطع النية به، وهذا اختيار القفال. وإن قدم ولم يعلم وهو مفطر أو صائم عن التطوع أو واجب آخر يلزمه قضاءه؛ لأنه لم ينوه في أوله واجبًا.
ومن أصحابنا من قال: [٥٣ أ] إذا كان مفطرًا يستحب له الإمساك في بقيته ولا يجب. وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه طريقان: أحدهما: يجب الإمساك فيه؟ قولان بناءً على أنه يجب عليه قضاء يوم آخر، وفيه قولان.
والثاني: لا يجب قولًا واحدً وإن أوجبنا القضاء؛ لأن المسافر إذا قدم في خلال النهار لا يلزمه التشبه وإن لزمه القضاء.
وإن كان صائمًا تطوعًا لا يجزئه عن نذره، وهل يتحتم صومه عليه؟ فيه وجهان:
أحدهما: يتحتم؛ لأنه قد كان عند الله تعالى مستحقًا في نذره. والثاني: لا يتحتم، ويكون على خياره فيه إن شاء أفطر فيه وغن شاء أتمه وهو الأظهر اعتبارًا بما انعقدت نيته عليه من تطوعه.
وإن كان صائمًا عن فرض لم يتعين فيه كقضاء رمضان، أو صوم كفارة يلزم إتمامه عن فرضه الذي نواه، وهل يلزمه قضاءه عن ذلك الفرض؟ وجهان: أحدهما: يلزمه وهو اختيار أبي إسحاق؛ لان فرض صيامه صار مشتركًا. وقال ابن أبي هريرة: يستحب قضاؤه؛ ولا يجب لدخوله فيه عن نية انعقدت به، ثم عليه أن يقضي صوم نذره في المستقبل فيصوم على قول أبي إسحاق ثلاثة أيام، يومين عن فرضه ويومًا عن نذره. وعلى قول ابن أبي هريرة ثلاثة أيام؛ يومًا عن فرضه، ويومًا عن نذره، ويومًا يكون مستحقًا.
مسألة: قَالَ: "وَلَوْ أَصْبَحَ فِيهِ صَائِمًا عَنْ نَذْرٍ غَيْرِ هَذَا أَحْبَبْتُ أَنْ يعُودَ لِصَوْمِهِ لِنَذْرِهِ وَيَعُودَ لِصَوْمِهِ لِقُدُومِ فُلاَنٍ".
الفصل
صورة هذه المسألة أنه نذر أن يصوم يوم الخميس ثم قال بعده: لله عليَّ أن أصوم يوم يقدم في فلان فقدم يوم الخميس، وهذا صائم عن نذره الأول.
قال الشافعي ﵁: "مضى في نذره وأتمه، [٥٣/ ب] فإذا فرغ منه أحببت
[ ١١ / ٣١ ]
أن يعيده، فإن لم يعد أجزأه ثم قضى يومًا آخر لمقدم فلانٍ" وهو النذر الثاني؛ لأن هذا الزمان قد كان يصح صومه عن ذلك النذر ولكن صامه عن غيره فيلزمه القضاء عن نذره. فإن قيل: لم استحب الشافعي ﵁ أن يعيد ما صامه عن نذره؟ قلنا: لأنه صام يوم الخميس وقد استحق فيه أن يصوم عن مقدم فلان، فأحب أن يصوم في يوم لا يستحق صومه لغيره ولا يكون فرضه مشتركًا، فيصوم يومين يومًا فرضًا ويومًا مستحبًا. فإن قيل: هلا قلتم يصح صومه عن نذره الأول وقد استحق صومه لمقدم فلان كما قلتم فيمن صام رمضان من غيره لم يصح؛ لأنه مستحق لصوم رمضان قبل استحقاق النذر في وقت لا يمنع صحة غيره، ألا ترى أنه لو نذر ان يصلي في وقت بعينه، أو يوم ثم قضى فيه صلاة فائتة، أو صومًا عن القضاء أو التطوع كان جائزًا. فإن قيل: أليس لو نذر صوم يوم من شهر رمضان لم ينعقد نذره، فكيف انعقد هنا وقد وافق يومًا يعين عليه فيه صوم النذر؟.
قيل: صوم شهر رمضان متعين فيه ولا يجوز أن يقع فيه صوم آخر، وليس كمذلك اليوم الذي استحق صومه بالنذر، فإنه لو صام فيه غيره صح صومه فافترقا.
ثم قال الشافعي - ﵁ -: "وَيَحْتَمِلُ القِيَاسُ أَنْ لاَ يَكُونَ عَلَيْهِ القَضَاءُ مَنْ قَبْلِ أَنَّهُ لاَ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ فِيهِ صَائِمًا عَنٍْ نَذْرِهِ" فحص قولان، وتفسير قوله: "لا يصلح أن يكون فيه صائمًا عن نذره" ما فسره المزني، فقال: يعني أنه لا صوم لنذره إلا بنيته قبل الفجر ولم يكن له سبيل إلى أن يعلم أن عليه صومه إلا بعد مقدمه، وفيه ضعف لما ذكرنا أنه ربما يعلم بالليل تقارب القدوم فينوي صومه [٥٤/ أ] فيصح صوم ذلك اليوم عن نذره. واختار المزني وجوب القضاء، فقال: قضاؤه عندي أولى. واختار في نذر الحج سنة بعينها وجوب القضاء أيضًا بكل حال. واحتج بصوم رمضان ومسألة الإغماء على ما ذكر وادعى أنه قول الشافعي - ﵁ -، فقال: وقد قطع بهذا القول في موضع آخر، فسارت المسألة في المرض وحصر السلطان على قولين، هكذا ذكره الإمام الجويني - ﵀-.
فرع
لو قال: عبدي حر يقدم فلان فقدم ليلًا لا يعتق إلا أن يكون أراد باليوم الوقت. وقال أبو حنيفة: يعتق.
فرع آخر
لو قال: إن قدم عبدي كذا فعبدي حرٌّ، فقدم من ليلته لا يعتق إلا أن يريد جملة اليوم والليلة. وحكي عن أبي حنيفة - ﵀ -: يعتق، ذكره القفال.
مسألة: قَالَ: "وَلَوْ قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَصُومَ اليَوْمَ الَّذِي يَقْدِمُ فًلاَنٌ أَبَدًا، فَقَدِمَ
[ ١١ / ٣٢ ]
يَوْمَ الاثْنَيْنِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَصُومَ كُلَّ اثْنَيْنِ يَسْتَقْبِلُه".
الفصل
إذا قال: لله عليَّ أن أصوم اليوم الذي يقدم فيه فلان أبدًا فقدم يوم الاثنين فقد ذكرنا أن نذره هل ينعقد في اليوم الذي يقدم فيه فلان؟ قولان. وأما الأثانين المستقبلة ينعقد النذر فيها قولًا واحدًا؛ لأنه يمكنها صومها واجبًا بعد وجود الشرط فانعقد النذر، فإن وافق أثانين رمضان فعليه أن يصومها عن رمضان؛ لأنه مستحق له، فإن صامه عن النذر لم يصح عن رمضان ولا عن النذر، ولا يلزمه قضاء الأثانين عن النذر، لان نذر صوم كل يوم اثنين وهو يعلم أنه لابد في رمضان من تخلل الأثانين وصومها عن النذر لا يصح، فصار ذلك كأنها مستثناة عن جملة النذر، فلا يتعلق حكمها بها.
وإن وافق ذلك [٥٤/ ب] يوم الأضحى أو يوم الفطر، أو أيام التشريق، فليس له أن يصومها نذره، وهل يلزمه القضاء؟ فيه قولان:
أحدهما: لا يلزمه القضاء، نص عليه في النذر، وهو اختيار المزني وهو الصحيح؛ لأن الزمان مستحق للفطر، فإذا وافقه وأفطر فلا قضاء، ولأن نذره لا يصح في يوم العيد فلا يلزمه قضاءه، كالأثانين في شهر رمضان.
والثاني: يلزمه القضاء نص عليه في كتاب "الصوم" لأنه نذر صوم يوم يمكنه صومه عن نذره وهو أن يتفق يوم الاثنين في هذه الأيام، فإذا تعذر الصوم فيه يلزمه القضاء ويفارق الأثانين في رمضان، لأنه رمضان لا يخلو عنها بحالٍ. قال أبو إسحاق والقول الأول أقوى.
مسألة: قَالَ: "وَلَوْ وَجَبَ عَلَيْهِ صَوْمُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ صَامَهُمَا وَقَضَى كُلَّ اثْنَيْنِ فِيهِمَا".
جملة هذا أنه إذا نذر صوم بعينه عل التأييد وهو في المسألة التي تقدمت أو في غيرها ولزمه صوم شهرين متتابعين فعليه أن يصوم أولًا الشهرين؛ لأنته إذا صامهما أمكنه أن يقضي الأثانين التي وقعت في الشهرين فيأتي بالصومين معًا، وإذا صام الأثانين عن النذر ينقطع تتابع صوم الشهرين، فإن الجمع بين الأمرين أولى.
وإذا ثبت هذا وصام الشهرين يلزمه قضاء كل اثنين تخلل الشهرين، لأنه أمكنه أن يصوم هذه الأيام عن نذره، فإذا ترك صومها لأمرٍ عرض لزمه القضاء كما لو ترك صومها لمرض. وقد قال الشافعي - ﵁: "يلزمه القضاء" لأنه أدخل صوم الشهرين على نفسه.
وقال صاحب الإفصاح: اختلف أصحابنا في هذا، فمنهم من قال: إذا تقدم وجوب النذر وتأخر وجوب الشهرين عنه، فأما إذا تقدم وجوب الشهرين وتأخر وجوب النذر
[ ١١ / ٣٣ ]
[٥٥/ أ] في كل اثنين فإنه يصوم الشهرين المتتابعين ولا قضاء عليه، كما إذا صام شهر رمضان لا قضاء عليه. ومنهم من قال: لا فرق بينهما وعليه القضاء لأن أمكنه صيامها عن نذره فلم يصمها، ولو صامها عن النذر وقعت الموقع.
وقيل: هذا القول نقله الربيع وهو المذهب. وقال القاضي الطبري: الأول أصح؛ لأن الشافعي ﵁ - صرح به هاهنا، فقال: "لأن هذا شيء أدخله على نفسه بعدما وجب عليه صوم الاثنين" فدل على أن وجوب صوم الشهرين متأخر، وإن كان متقدمًا لا تجئ هذه العلة، بل وجبت قبل النذر فلم ينصرف النذر إليها.
مسألة: قَالَ: "وَلَوْ كَانَ النَّاذِرُ امْرَأَةً فَهِيَ كالَّرَّجُلِ".
اعلم أن المرأة في نذرها كالرجل، فإذا نذرت أن تصوم اليوم الذي يقدم فيه فلا نأبدًا ينعقد نذرها في الأيام المستقبلة، وفي اليوم الأول قولان كما في الرجل، فإذا وافق ذلك اليوم يوم حيضها فليس لها أن تصوم، وهل يلزمها القضاء؟ قولان:
أحدهما: لا يلزم؛ لأن هذا الزمان مستحق بلفظه.
والثاني: يلزم؛ لأنه يصح الصوم في هذا الزمان في الجملة، ولكن لا يصح منها لعارض عرض لها. ومن أصحابنا من قال قولًا واحدًا لا يلزمها القضاء؛ لأن الحيض لا ينافي وجوب القضاء كما في رمضان، ولأن من قال لا يلزمها القضاء خرجه من أنه لا يلزمها قضاء يوم العيد في أحد القولين، وهذا التخريج لأن تحريم صوم يوم العيد عام في حق كل الناس، وتحريم الحيض خاص فيها. وقيل: التخريج صحيح والفرق ضعيف؛ لأن الشرع حرم عليها صوم زمان الحيض كما حرم عليها صوم زمان العيد، وسوى بينهما في نذر الزمانين أنه لا ينعقد [٥٥/ ب] فيستوي هذا أيضًا في هذا الحكم.
ومن أصحابنا من رتب فقال: إن قلنا يقضي أيام العيد هاهنا أولى، وإن قلنا لا يقضي فهنا قولان.
مسألة: قَالَ: "وَلَوْ قَالَتْ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَصُومَ أَيَّامَ حَيْضِي فَلاَ يَلْزَمُهَا شَيءٌ؛ لأَنَّهَا نَذَرَتْ نَذْرَ مَعْصِيَةٍ".
الفصل
جملته أنها إذا نذرت أن تصوم أيام حيضها لم ينعقد نذرها ولا يلزمها شيء بهذا النذر. وقال المزني: "هذا يدل على أنها لا تقضي نذر معصية"، وأراد به أنها إذا نذرت مطلقًا فوافق زمان الحيض، أو زمان العيد لا تقضي على ما اختار من القولين هناك.
قال أصحابنا: الفرق أنها لم تقصد هناك غير ما هو معصية بل قصدت القربة والطاعة؛ فإذا وافقت زمان المعصية يلزم القضاء كما في رمضان بخلاف ما إذا قصدت
[ ١١ / ٣٤ ]
نذر صوم الحيض بعينه. وحكي أن الربيع لما ذكر هذه المسألة قال: لا ينعقد نذرها ويلزمها كفارة يمين. قال: وفيه قول آخر أنه لا يلزمهم أن يكفر عن نذر المعصية بكفارة يمين وإن لم يكن في هذه المسألة قال أصحابنا: هذا قاله تخريجًا عن نفسه؛ لأن غيره لم يحكه ولا نقضيه أصول الشافعي، وكان الربيع إذا ألزم شيئًا يقول: وفيه قولًا آخر لقصوره عن الانفصال عنه، وإنما بروايته دون تخريجه، وتأويلها: روت عائشة - ﵂ - أن النبي ﷺ قال "لا نذر في معصية الله وكفارته كفارة يمين"، أن يحمل على بذل اللجاج الذي يخير فيه بين الوفاء وكفارة اليمين؛ ولأن أصحاب الحديث قالوا: لم يثبت إسناده، واعتماده على سليمان بن أرقم وهو متروك الحديث.
[٥٦/ أ] فإن قيل: روى قتادة عن الحسن عن هياج بن عمران البرجمي أن غلامًا لأبيه أبق، فجعل لله عليه لئن قدر عليه ليقطعن يده، فلما قدر عليه بعثني غلى عمران بن الحصين - ﵁ - فسألته فقال: إني سمعت النبي ﷺ يحث في خطبته على الصدقة وينهي عن المثلة، فقل لأبيك فليكفر عن يمينه وليتجاوز عن غلامه. وبعثني إلى سمرة - ﵁ - فقال مثل ذلك. قيل: نحمله على الاستحباب بدليل أنه نذر ما لا يمكنه الوفاء به بحال فلا شيء عليه.
فرع
لو نذرت أن تصوم أيام حيضها صح النذر؛ لأنها جعلت أيام الحيض قدرًا ولم تجعلها زمانًا للصوم.
مسألة: قَالَ: "وَإِذَا نَذَرَ الرَّجُلُ صَوْمًا أَوْ صَلاَةً وَلَمْ يَنْوِ عَدَدًا".
الفصل
جملة هذا أنه إذا نذر صومًا مطلقًا يلزمه صوم يوم واحد؛ لأنه أقل ما وقع عليه الاسم. وقاتل في "الحاوي": لو قيل: يلزمه صيام ثلاثة أيام كان مذهبًا؛ لأنه أقل صوم ورد فيس الشرع نصًا. ولو نذر صلاةً مطلقًا نقل المزني - ﵀ - أنه يلزمه ركعتان، وبه قال أبو حنيفة، وأحمد - رحمهما الله تعالى - في روايةٍ، ونقل الربيع يجزئه ركعة، وروي هذا عن أحمد. واتفق أصحابنا - ﵏ - على أن في المسألة قولان:
أحدهما: يلزمه ركعتان، وقيل: هذا أصح؛ لأن أقل صلاة مقصودة متبوعة في الشرع ركعتان، وهي صلاة الصبح وصلاة الوتر، وغن كانت ركعة فهي تابعة غير مقصودة فلا يعتبر ذلك كما لا يعتبر سجدة واحدة، وإن كانت صلاة شرعية وهي سجدة التلاوة.
والثاني: يلزمه ركعة؛ لأنها صلاة كاملة عندنا، ولا يعتبر بالمشروع؛ لأن المشروع
[ ١١ / ٣٥ ]
في الصوم صوم شهر رمضان، ويكفيه في النذر صوم يوم واحدٍ.
وقيل: هذان [٥٦/ ب] القولان مبنيان على أن النذر المطلق هل ينعقد بواجب الشرع أم لا؟ وفيه قولان.
فرع
هل يجوز صوم النذر بالنية قبل الزوال؟ ظاهر المذهب أنه لا يجوز، وقيل: فيه وجهان؛ لأنه يسلك بالمنذور مسلك النذر في وجهٍ.
ثم قال الشافعي - ﵁ -: "فإن مات قبل أن يقضيه وأوصى أن يقضى عنه ففي الصوم يطعم مكان كل يوم مدًا من طعامٍ، ويتقرب إلى الله عنه في الصلاة بما استطاعوا، ولا يُصَّلى ولا يصام عنه". وذكر بعض مشايخ طبرستان أن التقرب إلى الله تعالى في الصلاة وان يطعم مدا لصلاة يوم وليلةٍ، وغن زاد كان أولى، ولا يجب ذلك بحالًٍ.
مسألة: قَالَ: "وَلَوْ نَذَرَ إِعْتَاقَ رَقَبَةٍ فأَيَّ رَقَبَةٍ أَعْتَقَ أَجْزأَهُ".
اختلف أصحابنا في هذا، فمنهم من أخذ بظاهره أنه يجزئه أيُّ رقبةٍ كانت معيبة أو سليمة، مسلمة او كافرة. ومنهم من قال: لا يجزئه إلا ما يجوز في الكفارة وهي أن تكون مسلمة سليمة. قال الداركي: وهذا هو الصحيح؛ لأن مطلق كلام الناذر يحمل على معهود الشرع، والعتق واجب شرعًا لا يجوز إلا على الوصف الذي ذكرنا.
قال الداركي: فإن قيل: هذا يبطل بمن قال: لله على هديٌ يجوز ما يقع عليه الاسم في أحد القولين، قيل: الفرق ان الهدي يجب في الشرع قليله وكثيره من مد طعام إلى أقل منه وأكثر، ويجب في قتل صغار الصيد صغار النعم، والشرع لم يرد بإعتاق رقبة كافرة أو معيبة بحالٍ، فظاهر كلام الشافعي - ﵁ - الأول.
واعلم أن هذا العطف مشكل؛ لأنه أجاب في نذر الصلاة بأنه لا يجوز أقل من ركعتين، فاعتبر الشرع فيه، فكان ينبغي أن يقيد نذر العتق بواجب الشرع أيضًا. [٥٧/ أ] ولعل هذا العطف من جهة المزني، فنقل المسألة من موضع آخر وذكر في هذا المكان، ويحتمل أن معناه: فأي رقبة أعتق أجزأه من صغيرة أو كبيرة، أو رفيعة في القيمة أو وضيعة، ولم يرد به الكفر والإسلام والنقائص التي تمنع الإجزاء. وقيل: أصل الوجهين القولان في نذر الهدي مطلقًا هل يحمل على النعم أم لا؟.
مسألة: قَالَ: "وَلَوْ قَالَ رَجُلٌ لآخَرَ: يَمِينِي فِي يَمِينِكَ".
الفصل
في هذا مسألتان؛ إحداهما: أن يكون صاحبه حلف يمينًا فقال له رجل: يميني في يمينك، فهل ينعقد للثاني يمين؟ ينظر، فإن كان الأول حلف بالله تعالى لم ينعقد للثاني
[ ١١ / ٣٦ ]
يمين؛ لأن اليمين بالله تعالى لا تصح إلا بلفظ معظمٍ مفخمٍ. وقوله: "يميني في يمينك" ليس بلفظ معظم، وإن كان حلف بعتق أو طلاقٍ.
قال المزني: قلت للشافعي: فإن يميني في يمينك بالطلاق فحلف أعليه شيء؟ فقال: لا يمين إلا على الحالف دون صاحبه. قال أصحابنا: معناه إذا لم ينو، فإذا نوى اليمين بالطلاق فحلف صاحبه لزمه؛ لأن اليمين بالطلاق والعتاق ينعقد بالكناية مع النية كما تنعقد بالصريح، وقد نص الشافعي - ﵁ - على مثل هذا في الإيلاء، فقال: "إذا قال لإحدى نسائه:؛ والله لا أصبتك فقد آلى منها، فإن قال لأخرى: فقد أشركتك معها لم يكن موليًا من الثانية وإن نوى اليمين؛ لأن اليمين بالله تعالى لا تقع بالكناية، ولو قال لإحدى نسائه إن طلقتك فأنت طالق فقد آلى منها، فإن قال لأخرى: فقد أشركتك معها، فإن لم يكن نية لم يكن موليًا من الثانية، وإن كان له نية صار موليًا منهما جميعًا". هكذا ذكر القاضي الطبري.
قال بعض أصحابنا: سؤال المزني أن يكون الآخر لم يحلف بعد، وإنما أراد إذا حلف، فإذا قال: يميني في يمينك، يعني إذا حلفت [٥٧/ ب] يلزمني ما يلزمك، لا يتعلق به حلف بالله تعالى، أو بالطلاق نوى أو لم ينو؛ لأن حمل اليمين إنما يصير على يمين موجودة، ويمين الثاني لم توجد بعد، والذي يدل على أن صورة المسألة هكذا أنه لو قال: قلت له، فإن قال يميني في يمينك بالطلاق فحلف، وهذا يقتضي أنه استأنف الحلف بعد هذا القول، فإن كان حلف ذلك الرجل ثم قال: هو هذا، أن ينوي أن ينعقد له وإلا فلا، وهذا أظهر في مسألة الإيلاء وحد الحلف ثم شرك.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: اختلف أصحابنا فيما نقل المزني - ﵀ -، فمنهم من غلط فيه، وإذا حلف بالطلاق فقال الآخر: يميني في يمينك، أي أنا معلق طلاق امرأتي كما علقت يصح، وكذلك لو قال ذلك ثم حلف المخاطب بعد.
ومنهم من صحح ما نقله المزني وقال: التشريك والكناية في اليمين لا يصح بخلاف التشريك في نفس الطلاق، فلو حنث رجل بالطلاق فقال آخر يميني في يمينك وأراد وقوع الطلاق على امراته تطلق امرأته ويكون كناية في الطلاق، وكذلك لو قال قبل حنث الحالف: يميني في يمينك، أي إذا وجدت الصفة وطلقت امرأتك فامرأتي طالق أيضًا، فهذا تعليق نفس الطلاق بصفة فيصح ذلك، فحصل وجهان إذا لم يكن حنث الأول فقال هذا.
[ ١١ / ٣٧ ]