قال الشافعي ﵁: روي عن ابن عباس ﵄ أنه قال في قطاع الطريق: إذا قتلوا وأخذوا المال قُتلوا.
الفصل
الأصل في حد قطاع الطريق الكتاب والسنة والإجماع، أمال الكتاب فقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا﴾ الآية [المائدة: ٣٣ [، هذه الآية وردت في قطاع الطريق من المسلمين وبه قال أكثر العلماء، وروي عن ابن عباس ﵄ [٩٠/ب] أنه قال: وردت في المسلمين وأراد به إذا قتلوا وأخذوا المال قتلوا وصلبوا وإذا قتلوا ولم يأخذوا المال قتلوا ولم يصلبوا، وإذا أخذوا المال ولم يقتلوا قطعت أيديهم وأرجلهم من خلافٍ، وإذا أخافوا السبيل ولم يأخذوا مالًا نفوا من الأرض فإن هرب وأعجزهم فذلك نفيه وبه قال قتادة وسعيد بن جبير والنخعي، وروي عن ابن عمر ﵄ أنه قال: نزلت هذه الآية في المرتدين والعرنيين حين ارتدوا عن الإسلام وقتلوا الرعاة وتمام قصتهم ما روى أنس بن مالك ﵁ أن رهطًا من عكل وعرينه أتوا رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله إنَّا أناس من أهل ضوع ولم نكن من أهل ريف فاستوخما المدينة، فأمر لهم رسول الله ﷺ بذود وزاد وأمرهم أن يخرجوا فيها فيشربوا من أبوالها وألبانها وروي: فأمر لهم بلقاح فانطلقوا حتى إذا كانوا ناحية الحرة قتلوا راعي رسول الله ﷺ واستاقوا الذود وكفروا بعد إسلامهم فبعث النبي ﷺ في طلبهم فأمر بهم فقطع أيديهم وأرجلهم وسمر أعينهم وتركهم في ناحية الحرة حتى ماتوا، وروي أنهم لما صبحوا قتلوا راعي رسول الله ﷺ واستاقوا النعم فأرسل في آثارهم فما ارتفع النهار حتى جيء بهم [٩١/أ] ففعل بهم ما ذكرنا والقوا في الحرة يستقون فلا يسقون حتى ماتوا فلقد رأيت أحدهم يكدم الأرض بفيه عطشًا، وروي فاجتووا المدينة معناه عافوا المقام بالمدينة وأصابهم بها الجى في بطونهم، واللقاح: ذوات الدر من الإبل واحدتها لقحة وقوله: سمر أعينهم، يريد أنهم كحلهم بمسامير محماة والمشهور من الرواية سمل باللام أي: فقأ أعينهم، والقافة: جميع القائف وهو الذي يتبع الأثر ويطلب الضال والهارب وقوله: يكدم الأرض أي يتناولها بفيه ويعضها بأسنانه وأصل الكدم العض، وقال الحسن البصري: هذه الآية وردت في الكفار دون المسلمين لأن الله تعالى قال: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ
[ ١٣ / ١٠٣ ]
يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾] المائدة: ٣٣] وهذه صفة الكفار، وقال قومٌ: وردت في المعاهدين دون المسلمين وبهذا قال أنس أيضًا، وقال قومٌ: وردت في المعاهدين نقضوا العهد وفعلوا ذلك، وروي هذا ابن عباس في رواية شاذة، ودليلنا أن الله تعالى قال من بعد هذه الآية: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: ٣٤] ولو كان المراد به الكفار لكانت التوبة تسقط عنهم القتل سواء كان قبل القدرة أو بعدها، وأما قوله ﴿يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ يحاربون المسلمين الذين هم حزب الله وحزب رسوله فأضيف ذلك إلى الله تعالى وإلى رسوله ﷺ إذ كان هذا الفعل بالخلاف لأمرهما راجعًا [٩١/ب] إلى مخالفتها وهذا كقوله ﷺ: "من آذى وليًا فقد بارزني بالمحاربة" وقيل: المحاربة قد تكون من المسلمين بارتكاب المعاصي قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنْ الرِّبَا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا فَاذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة: ٢٧٨ - ٢٧٩] قال ابن سرين: ما فعل رسول الله ﷺ بالعرنيين قبل أن تنزل الحدود، وقال أبو الزناد: لما فعل رسول الله ﷺ بهم ذلك أنزل الله تعالى الحدود ووعظه ونهاه عن المثلة، وقال قتادة: بلغنا أنه كان ﷺ بعد ذلك يحث في خطبته على الصدقة وينهي عن المثلة، وأما السنَّة فما ذكرناه.
وأما الإجماع فلا خلاف بين المسلمين في أصل حدهم.
فإذا تقرر هذا قال الشافعي ﵁ بقول ابن عباس: أقول والمحاربون هم قطاع الطريق الذين يعترضون القوم بالسلاح في الصحاري والطرق فيغتصبون المال مجاهرةً، وأحكامهم على الترتيب فإن أخافوا السبيل ولم يأخذوا المال ولم يقتلوا يأخذهم الإمام ويعزرهم بأن يحبسوا في أرضٍ غير التي أفسدوا فيها ومن الناس من قال: يحسبون في الأرض التي أفسدوا فيها، قال ابن سريج: وهذا ضعيف، لأن الحبس في بلد الغربة أحوط وأبلغ في الردع والزجر كما ينفي الزاني عن بلده [٩٢/أ] ردعًا وتغليظًا وإن قتلوا ولم يأخذوا المال قتلوا قتلًا متحتمًا لا يدخله العفو ويكون ذلك في معنى القصاص ومعنى الحد من جهة الإمام. وقال عمر ﵁: الولي إذا عفا عن القصاص في المحاربة لا يصح عفوه، وإن أخذوا المال ولم يقتلوا قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف حتمًا، وإن جمعوا بين الأمرين فقتلوا وأخذوا المال قتلوا وصلبوا فإن لم يقدر الإمام عليهم طلبهم أبدًا حتى إذا وقعوا في يد الإمام استوفى منهم الحد وهذا معنى قوله تعالى: ﴿أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ﴾ [المائدة: ٣٣] وهو قول ابن عباسٍ وحماد والليث وقتادة وأبي مجلز وأحمد وإسحاق ومحمد وهذه العقوبات عندنا على الترتيب لا على التخيير، وقال عمر بن عبد العزيز وسعيد بن جبير: نفيهم إلى إخراجهم من مدينة إلى أخرى، وقال أنس والحسن: نفيهم إبعادهم من بلاد الإسلام إلى بلاد الشرك. وقال أبو حنيفة: إذا جمعوا بين القتل وأخذ المال فالإمام مخير فيهم
[ ١٣ / ١٠٤ ]
بين ثلاثة أشياء أن يقتلهم فقط، أو يقطع أيديهم وأرجلهم ويقتلهم، أو يقتلهم ويصلبهم قال: والنفي من الأرض أن يحسبوا وعندنا لا يتخير الإمام الحدود بحالٍ قياسًا على سائر الحدود ولا يجوز أن يجمع بين القتل والقطع وخرّج ابن سلمة من أصحابنا قولًا آخر أنه إذا قتل وأخذ المال يقطع [٩٢/ب] للمال ويقتل للقتل ويصلب للجمع بينهما وليس بشيء.
وقال مالك: الآية مرتبة على صفات قطاع الطريق فإن شهروا حد السلاح وأخافوا السبيل ولم يفعل غير ذلك فإن كان من أهل الرأي والتدبير قتل، وإن كان من أهل البطش والقتل قطعت يده ورجله من خلافٍ، وإن كان مهينًا لا رأي له ولا بطش نفي المسيب وعطاء ومجاهد والحسن والنخعي والضحاك وداود: الآية على التخيير فإذا شهروا السلاح وقطعوا الطريق فالإمام مخير فيهم بين القتل والصلب والقطع سواء قتلوا أو لم يقتلوا، واحتجوا بأن كلمة لو تقتضي التخيير كقوله تعالى: ﴿إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ إلى قوله: ﴿أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المائدة: ٨٩ [.
ودليلنا قوله ﷺ: "لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاثٍ" الخبر ولم يوجد ممن أظهر السلاح وأخاف السبيل واحد منها، وأما الآية قلنا: روينا عن ابن عباس ﵁ أنه قال: هي على الترتيب، فإما أن يكون ما قاله توقيفًا أو لغةً وأيهما كان وجب المصير إليه والذي يدل عليه أنه بدأ بالأغلظ فالأغلظ وهو عرف القرآن فيما أريد به الترتيب وما يراد به التخيير يبدأ بالأخف كما قال في كفارة اليمين ﴿فًكَفارَتُهُإِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ [٩٣/أ] ثم قال: ﴿أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ وبدأ في كفارة الظهار والقتل بالعتق، ولأنا إذا حملنا الآية على الترتيب بكل لفظة فائدة جديدة وفيه تنزيل العقوبات على منازل الجنايات والإجرام وكان أولى ولا تعليق الأحكام على الأفعال أو من تعليقها على الأوصاف لأن العقوبات تتعلق بالأفعال لا بالأوصاف ولهذا اختلف حكم الزاني والسارق والقاذف وهذا لئلا يؤدي الحد أن يعاقب من قبل جرمه بأغلظ العقوبات، ومن كثر جرمه بأخف العقوبات.
فرع
إذا قتل في قطع الطريق قد ذكرنا بأنه يقتل حتمًا ولا يجوز للولي أن يصالح عنه على مال، وقال بعض العلماء: للولي العفو والمصالحة على مالٍ. وهذا غلط لما ذكرنا ولأن الله تعالى قال: ﴿أَنْ يُقَتَّلُوا﴾ [المائدة: ٣٣] فأوجب القتل وحتمه ولأن كل معصيةٍ وجبت بها عقوبة في غير المحاربة وجبت بها زيادة عقوبة عند المحاربة كأخذ المال ولا زيادة هنا إلا باقتحام.
[ ١٣ / ١٠٥ ]
فرع آخر
هل يعتبر فيه التكافؤ أم لا؟ قولان أحدهما: لا يعتبر فيقتل العبد والذمي والابن لأنه محض حق الله تعالى لا يدخله العفو فأشبه حد الزنا، والثاني: وهو الأصح يعتبر فيه التكافؤ لأنه قَوَد ولكنه انحتم في المحاربة تغليظًا في المحاربة تغليظًا كالقطع المعلق بأخذ المال يعتبر فيه النصاب في المحاربة كما يعتبر [٩٣/ب] في غير المحاربة، وإن كان في المحاربة أغلظ يضم إليه قطع الرجل.
فرع آخر
إذا قتل دفع إلى أهله ليغسل ويكفن ويصلى عليه ويدفن، وقال أبو حنيفة: لا يغسل ولا يصلى عليه كما قال في الباغي.
فرع آخر
قد ذكرنا أنه يعتبر النصاب في القطع قولًا واحدًا ويكفي ربع دينار لوجوب قطع اليد والرجل، وقال ابن خيران: هل يعتبر في النصاب؟ قولان أيضًا كما قلنا في التكافؤ وكلام ابن أبي هريرة يدل على أنه لا يعتبر فيه النصاب كالاستخفاء لا يعتبر، وإن اعتبر في السرقة وهذا لا يصح والفرق بينه وبين التكافؤ أن القطع يستحق بجهة واحدة وهو لله تعالى في المحاربة وغيرها فلم يختلف القدر أي يستحق به القطع في الموضعين، وفي القتل تختلف الجهة لأن المستحق به أيضًا، وقال صاحب (الحاوي): عندي أن النصاب يعتبر إذا انفرد بأخذه فلا يقطع إلا في ربع دينار ولا يعتبر إذا اقترن بالقتل ويصلب، يعتبر إذا انفرد بأخذه فلا يقطع إلا في ربع دينار ولا يعتبر إذا اقترن بالقتل ويصلب، وإن أخذ أقل من ربع دينار لأنه إذا انفرد بأخذ المال صار مقصودًا فاعتبر فيه شرط القطع في أخذ النصاب لأنه لا يستحق فيه القطع ولأن القطع في المحاربة [٩٤/أ] يغلظ بقطع الرجل فلم يغلظ بإسقاط النصاب.
فرع آخر
لا فرق بين أن يأخذ ربع دينارٍ أو جماعة كما لو سرق ربع دينار من مالكين من حرزٍ واحدٍ.
فرع آخر
قال الماسرجسي: ويعتبر فيه الحرز فإن أخذ جملًا في الطريق ضالًا عن صاحبه ليس معه حافظٌ أو يرعى في موضعٍ بقرب القافلة إلا أنه ليس معه في الموضع حافظ، ولا هو محفوظ بأهل القافلة لانقطاعه منهم فإنهم لا يقطعون، وقال في (الحاوي) إن كان المال مع مالكه أو بحيث يراه المالك ويقدر على دفع من ليس بمكابر ٍكان في حكم المحرز، وإن لم يكن في يد المالك جرى في المحاربة حكم الصلب إذا انضم
[ ١٣ / ١٠٦ ]
إلى القتل. وفي خبر كان حكم لا قطع عليه إذا انفرد عن القتل وجهان: أحدهما: يقطع ولا يعتبر فيه الحرز لأن الإحراز لا يؤثر مع القاهر الغالب، والثاني: لا يقطع ويعتبره فيه الحرز مبذولٌ ولأن قطع المحاربة غلظ من وجهٍ لا يغلظ بغيره.
فرع آخر
يبدأ بقطع يده ثم رجله ثم يحسمان لأن قطعهما حد واحد، وقال في الكتاب، تقطع يده وتحسم ثم تقطع رجله وتحسم في مكانٍ واحدٍ، ومن أصحابنا من قال: إن خيف على نفسه من القطع الأول حسمت قبل القطع الثاني، وإن كفى ذلك قطع الثاني ثم حسمًا معًا. [٩٤/ب]
فرع آخر
قال في "الإملاء": لو أخذ المال في المحاربة، ولو أخذ الطرفين من اليد اليمنى أو الرجل اليسرى قطعنا الموجود ولم يقطع غيره لأن هذين العضوين في حكم هذا القطع كعضو واحد، ولو كان بعض الأصابع في السرقة موجود قطع ولم يعدل إلى غيره كذلك هنا، وقال في (الحاوي): فيه وجهان: أحدهما: ما ذكرنا ذكره أبو حامد، والثاني: وهو الأصح عندي يكون الموجود تبعًا للمفقود ويصيران معًا كالمفقودين فيعدل إلى يده اليسرى ورجله اليمنى لأن قطع كل طرفٍ منهما مقصود في نفسه وليس أحدهما في أصل الخلقة من الآخر بخلاف الأصابع التي هي من خلقة الكف فافترقا.
فرع آخر
تعتبر قيمته في موضع الأخذ إن جرت العادة فيه بالبيع والشراء، وإن لم تجر العادة بذلك يعتبر قيمته في أقرب المواضع إليه الذي يوجد فيه البيع والشراء ولا يعتبر قيمته عند استسلام الناس لأخذ أموالهم بالقهر لأنه لا قيمة له في تلك الحالة وهو نقصٌ تجدد بمعصيتهم فلم به غرمهم ويعتبر قيمته في الأغلب من أحوال السلامة.
فرع آخر
تقام عليهم الحدود في الموضع الذي حاربوا فيه إذا شاهدوهم فيه من يرتدع بهم من غواة الناس فإن كانت محاربتهم في مفازةٍ نقلوا إلى أقرب البلاد بهم من الأمصار التي يكثر فيها الفساد [٩٥/أ] ولا يؤخر قتلهم إلا قدر استبراء أحوالهم.
فرع آخر
لو قطع الوالي يده اليمنى ورجله اليمنى فقد تعدى ويلزمه القود في رجله اليمنى إن عمد وديتها إن أخطأ، ولا يسقط به قطع رجله اليسرى، ولو قطع في يده اليسرى ورجله اليمنى فقد أساء ولا يضمن، ووقع موقع الأجزاء، والفرق أن قطعهما من خلاف نص
[ ١٣ / ١٠٧ ]
يوجب مخالفته الضمان وتقديم اليمنى على اليسرى في المحاربة اجتهاد فسقط بمخالفته الضمان ذكره في (الحاوي).
فرع آخر
لا يشهر بعد قطعه لأنه زيادة نكالٍ بعد الحد إلا أن يرى الإمام أن قطعه لم يشهر في أهل الفساد فلا بأس أن يشهره قدر ما يشتهر فيهم حاله ويخليه لينصرف لنفسه أين شاء ويدفن المقطع، إلا أن يرى الإمام اشتهار الأطراف ليرتدع بها الناس فلا بأس به، فإن التمس المقطع أطرافه كان أحق بها ليتولى دفنها فإن أراد استبقاءها لتدفن معه إذا مات منع.
فرع آخر
قد ذكرنا إن لم يقتل ولم يأخذ المال يعزر وهل يعين جنس تعزيزه؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يتعين ويعزره بما يراه من ضرب أو حبس أو نفي وعلى هذا لو رأى الإمام ترك تعزيره جاز، والثاني: تعزيره يعيّن بالحبس لأنه أكف له عن أذية الناس اقتداءً بعمر ﵁ وعلى هذا لو رأى الإمام ترك تعزيره لم يجز إلا أن يظهر توبته.
فرع آخر
إذا قلنا: يتعين الحبس قال في (الحاوي): هل يحبس في بلده [٩٥/ب] أو في غيره؟ وجهان: أحدهما: يحبس في بلده لأن الحبس مانع وبه قال أبو حنيفة، والثاني: يحبس في غير بلده قال ابن سريج: يشبه أن يكون هذا مذهب مالك رحمه الله تعالى ليكون أذل وأوحش.
فرع آخر
هل يتقدر هذا الحبس؟ وجهان: أحدهما: لا يتقدر بل يعتبر فيه ظهور التوبة، والثاني: يتقدر لأنه أقيم في المحاربة مقام الحد.
فرع آخر
إذا قلنا: يتقدر فيه وجهان: أحدهما: قاله الزبيري: يتقدر بستة أشهرٍ ينقص منها ولا يزاد عليها لئلا يزيد على تغريب الزنا في حق العبد، والثاني: وهو ظاهر قول ابن سريج: بسنةٍ ينقص منها ولا يزاد عليها لئلا يزيد على تغريب الحر في حد الزنا وينقص منها ولو بيوم لئلا يبلغ ما ليس بحدِّ حدًّا.
فرع آخر
إذا قتل وأخذ المال ذكرنا أنه يقتل ويصلب القتل على ما ذكرنا، وأما الصلب قال
[ ١٣ / ١٠٨ ]
الشافعي: يصلب بعد القتل ثلاثًا وإنما قتله ثم صلبه كراهية تعذيبه، وحكي أبو حامد عن بعض أصحابنا: أنه يصلب حيًا ويمنع عنه الطعام والشراب حتى يموت وهذا لا يصح لأنه تعذيبٌ وسوء قتل ونهي رسول الله ﷺ عن تعذيب الحيوان والصلب بعد القتل ليرتدع به غيره، ومن أصحابنا من قال: يصلب قليلًا على حسب اجتهاد الإمام ثم يهبطه، وقال بعض أصحابنا بخراسان: يصلب حيًا ثم يرمى حتى يكون التنكيل أشد. [٩٦/أ]
فرع آخر
نص الشافعي ﵁ أن يصلب على خشبة، وقال ابن أبي هريرة: يطرح على الأرض يسيل صديده وهذا لا يصح لأنه لا يترك حتى يتغير بل يدفع إلى أهله حتى يغسلوه على ما ذكرنا، وقال بعض أصحابنا: قول الشافعي يصلب ثلاثًا أراد به في البلاد الباردة التي يمكن أن يترك فيها ثلاثة أيامٍ، فأما البلاد الحارة فلا يترك أكثر مما لو زاد عليه تغير وفسد به قال صاحب "التلخيص" والماسرجسي، وقال بعض أصحابنا بخراسان: هل ينزل من الصلب بعد الثلاث؟ قولان: أحدهما: لا ينزل لأن الصلب سمي به لأن صليب المصلوب تتقاطر عليه، والثاني: ينزل للضرر بالناس فإذا قلنا بهذا فإن خيف التغير قبل الثلاث هل ينزل؟ وجهان: أحدهما: لا ينزل لأن التنكيل لا يجعل بدون الثلاث، والثاني: ينزل للضرر، وقال بعضهم: إذا قلنا لا ينزل بعد ثلاثةٍ يغسل ويصلى عليه ثم يصلب في موضعٍ لا يتأذى به الناس، وعن أبي يوسف روايتان: إحداهما: مثل قولنا، والثانية: يصلب حيًا ثلاثًا ثم يبعج بطنه بالرمي أو يرمى بالسهام ويروى هذا عن أبي حنيفة حكاه الكرخي، وبه قال مالك رحمهما الله.
فرع آخر
لو مات حتف أنفه روى الحارث بن شريح البقال عن الشافعي أنه لا يصلب بعد موته والفرق أن قتله حد يستوفى [٩٦/ب] فيكمل بصلبه وموته مسقطٌ لحده فسقط تابعه وهذا اختيار أبي حامد، وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه وجهان: أحدهما: هذا، والثاني: يصلب بعد موته ليرتده به غيره ولأنهما حقان فإن تعذر أحدهما لم يسقط الآخر وهذا اختيار القاضي الطبري ولكنه خلاف النص.
فرع آخر
لو قتل أو جرح خطأً أو شبه عمدٍ في قطع الطريق لا قصاص فيه، ولو أخاف رجلًا في قطع الطريق أو جرحه جرحًا لا قصاص فيه ولا قود.
مسألة: قال: وأَرَاهُمْ فِي المِصْرِ إِنْ لَمْ يَكُونُوا أَعْظَمَ ذَنْبًا فَحُدُودُهُمْ وَاحِدَةٌ.
حكم قطاع الطريق في الحضر والسفر سواءٌ وهذا إذا خرجت جماعة بالسلاح على
[ ١٣ / ١٠٩ ]
واحدٍ أو جماعةٍ لا يقدر أن يمنع منهم لضعفهم فقتلهم، أو خرجت جماعةٌ على جماعةٍ يجوز أن يقاومهم مجاهرةً بالسلاح حتى غلبوهم وأخذ أموالهم وقتلوا نفوسهم، فأما إذا خرج عدد قليل مثل الواحد والاثنين والثلاثة على أخذ قافلة الحاج فاستلبوا منها شيئًا فليسوا بقطاع الطريق وإنما ذلك بمنزلة الاختلاس وبه قال الأوزاعي والليث وأبو ثور وأبو يوسف، وقال أبو حنيفة: لا يتعلق بهم حكم قطاع الطريق حتى يبعدوا عن المصر فإن غلبوا على قريةٍ أو بليدةٍ صغيرةٍ أو كانوا بين قريتين كما بين الكوفة والحيرة فلا يتعلق بهم حكم قطاع الطريق لأنهم يلحقهم الغوث [٩٧/أ] وبه قال الثوري وإسحاق وعن مالك روايتان: إحداهما: مثل قولنا، والثانية: لا يتعلق بهم حكم قطاع الطريق حتى يبتعدوا عن المصر ثلاثة أميالٍ وتوقف أحمد في ذلك وهذا لا يصح لأن شوكتهم إذا كانت قوية وبين القريتين خمسة فراسخ أو دون ذلك يكاد يلحقهم الغوث وقد يقصد أهل المصر من العيارين لا من يقدر أهلها على دفعهم على أنفسهم ممن يلحقهم الغوث حتى لو جاء عدد يسير واستنزلوا في البلد واستخفوا في الليل في المواضع المنقطعة وقطعوا الطريق يكون عندنا بمنزلة الاختلاس.
فإن قيل: ما الفرق بينهم وبين المختلس لا يجب القطع عليه ويجب عليهم؟ قلنا: المختلس لا يرجع إلى منعةٍ وعددٍ وقوةٍ وهذا المكابر المجاهر يرجع إلى قوةٍ ومنعةٍ لا يقدر أن يدفعه عن نفسه.
فرع
قال القفال: والمكابر بالليل قاطعٌ فيلزمه القطع وهو أن يهجم قومٌ على بيت رجل بالمشاعل والمصابيح ويخوّفوه بالقتل إذا صاح واستغاث وأخذوا المال، وقال غيره: ليسوا قطاع الطريق لأنهم يرجعون إلى الخفية ولا يجاهرون بل يبادرون مخافة أن يشعر بهم وهذا أصح وهو ظاهر نص الشافعي ﵁.
مسألة: قال في (الحاوي): [٩٧/ب] إذا كان المصر كبيرًا وهؤلاء لا يقاومون جميع أهلها يجري عليهم في أطرافها حكم المحاربة، فأما في وسط المصر في الموضع الذي يكثر الناس فيه من السوق إذا كبسوا سوقًا منها فنهبوها، أو دارًا فأخذوا ما فيها ففيه وجهان، قال الأكثرون: يجري عليهم حكم المحاربة لأنهم تغلبوا بالسلاح جهارًا وحد الحراب أن لا يقدر على دفعهم المحارب وقد وجد، وقال أبو حامد: لا يجري عليهم حكم الحراب لوجود الغوث فيه غالبًا فسقط حكم مبادره.
فرع
إذا اعترضوا بالعصي أو الرمي بالحجارة فهم محاربون وبه قال أبو ثور، وقال أبو حنيفة: ليسوا بمحاربين لأنه لا سلاح معهم وهذا لا يصح لأن العصي والحجارة من
[ ١٣ / ١١٠ ]
جملة السلام الذي يأتي على النفس والطرف فأشبه الحديد.
مسألة: قال: من حضر منهم فكثر أو هيب أو كان ردءًا عزر.
المحاربون إذا اختلفت أحكامهم بأن يقتل بعضهم ولم يأخذ المال وقتل بعضهم وأخذ المال وأخذ بعضهم المال ولم يقتل يلزم كل واحد من العقوبة بقدر ما فعله من الجرم، ويعتبر كل واحدٍ بحال نفسه دون غيره كما نقول في الزنا وشرب الخمر، وأما من حضر منهم فكثر أو هيّب أو كان ردءًا لهم بكونه طليعةً أو سائسًا لم يلزمه القتل ولا القطع وإن وجب القتل [٩٨/أ] والقطع على رفاقهم ويعزرون ويحبسون وذلك عقوبة كافية لمقدار ذنبهم، وقال أبو حنيفة: القتل والقطع إذا وجب على واحدٍ منهم وجب على جميعهم القتل والقطع ويشترط أن يخص كل واحدٍ منهم نصابٌ نام فإن نقص فلا قطع عليهم كما قال في جماعةٍ سرقوا وبعضهم ردءٌ فجعل كثرتهم سببًا لسقوط الحد عن المباشر الذي لو انفرد قطع فقال: إذا كانوا عشرةً فأخذ واحدٌ تسعة دنانير ونص دينار لا قطع على أحدٍ، وقال مال: يجب الحد على الردء ولا يشترط ما قال أبو حنيفة ودليلنا أنه حد يجب بارتكاب معصيةٍ فلا يجب على المعين كسائر الحدود.
فرع
قال الشافعي ﵁: وإذا كانت في المحاربين امرأة فحكمها حكم الرجل لأني وجدت أحكام الله تعالى على الرجال والنساء واحدةٌ في الحدود، وقال أبو حنيفة ﵀: لا حد عليها ويلزمها القصاص بالقتل وضمان المال وهذا لا يصح لما ذكرناه ولأن من لزمه الحد في السرقة لزمه الحد في قطع الطريق كالرجل، وعلى هذا الخلاف النساء المنفردات إذا قطعت الطريق يلزمهن حكم قطاع الطريق خلافًا لأبي حنيفة حتى قال: لو كان في ألف نفرٍ امرأةٌ أو صبي مراهق لا حد على أحدهم لأنها ردء لهم، فإذا لم تكن من أهل المحاربة لم يحد أصحابها وهذا تطرف إلى إسقاط هذا الحد أصلًا إذ لا يعجزون [٩٨/ب] أن يستصحبوا صبيًا أو امرأةً في قطع الطريق أو السرقة حتى يسقط الحد عن كلهم وهذا ظاهر الفساد.
مسألة: قال: ومن قتل وجرح اقتص لصاحب الجرح أولًا ثم قتل.
إذا جني في المحاربة فإن كانت الجناية قتلًا فقد ذكرنا أنه يتحتم قتله، وإن كانت الجناية دون القتل مثل القطع فإن كان مما لا قصاص فيه كالقطع من نصف الذراع والمأمومة فلا قصاص في المحاربة أيضًا، وإن كان مما لا قصاص فيه كالقطع من نصف الذراع والمأمومة فلا قصاص في المحاربة أيضًا، وإن كان مما فيه قصاص كقطع اليد والرجل والموضحة وجب القصاص وهل يتحتم أم لا؟ نص الشافعي هنا أنه لا يتحتم، وقال في موضع آخر: يتحتم ففيه قولان: أحدهما: يتحتم لأن كل قصاص كان على التخيير في غير المحاربة كقصاص النفس، والثاني: لا يتحتم ويسقط بالعفو إلى مالٍ وغير مالٍ
[ ١٣ / ١١١ ]
وهو الأصح. وقال القاضي الطبري: لا يعرف للشافعي إلا هذا لأن الله تعالى نص على انحتام القتل ولم يذكر ما دونه من الجراح فبقي على أصل التخيير ولا يجوز القياس على النفس لأن النفس خصت بأحكام لا يشاركها الجراح ولهذا وجبت الكفارة في القتل دون الجراح والتحتم حق الله تعالى كالكفارة، وكان أبو منصور ابن مهران يفرق بين النفس والطرف بأن المقصود من قطع الطريق شيئان: أحدهما: أخذ المال فجعل فيه عقوبة متحتمة وهي القتل المتحتم الذي لا يسقط بعفو الولي وأما الجراح فليس بمقصود في نفسه فإن أحدًا [٩٩/أ] لا يقصد قطع الطريق ليجرح فلم يجعل فيه عقوبة متحتمة وبقي على أصل التخيير.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: إذا قطع اليد والرجل يتحتم القصاص قولًا واحدًا لأنه قطع يعاقب به قاطع الطريق.
فإن كان غير ذلك مثل قطع الأذن والأنف هل يتحتم القصاص؟ فيه وجهان لأنه لم يشرع حدًا في قطع الطريق وهذا غلط ظاهر، وإن كانت الجناية مما يوجب المال كالجائفة لا يتحتم أخذ المال ويجوز العفو بلا إشكالٍ، وكذلك في النفس إذا وجب المال، فإذا تقرر هذا فإذا قطع المحارب اليد اليمنى والرجل اليسرى وأخذ المال فوجب به قطع يده اليمنى ورجله اليسرى فإن قلنا: قطعه في القصاص لا يتحتم، قدّم القصاص ويتخير وليه بين القصاص وبين العفو فإن عفا قطع للمال، وإن لم يعفُ عنه قطع قصاصًا وسقط القطع سواءٌ تقدم استحقاقه أو تأخر لأن قطع المال ورد على طرفٍ يجوز أن يقطع فيه إذ لم يتحتم أخذه من غيره فلم يجز أن يعدل فيه إلى غيره، وإن قلنا: قطعه في القصاص يتحتم روعي الأسبق فإن تقدم قطع المال على قطع القصاص قطع قصاصًا وسقط قطع المال بتقديم حق الآدمي على حق الله تعالى فيه لاستغناء الله ﷾، وإن تقدم قطع القصاص على قطع المال قطع قصاصًا ولم يسقط قطع المال بل يعدل إلى قطع يده اليسرى ورجله اليمنى كمن أخذ المال وليس له اليد اليمنى [٩٩/ب] والرجل اليسرى لأن استحقاق القصاص فيها ختم فصار كعدمها، ولو تقدم استحقاق قطعهما للمال لم يعدل فيه إلى غيرهما لأنه ما وجب ابتداءً إلا فيهما، ولو قطع المحارب اليمنى ثم أخذ المال قطعت يمناه قصاصًا وهل يجب في قطع المال أن يقتصر على رجله اليسرى؟ وجهان ذكرناهما وعلى ما ذكرنا لو قطع يد رجلٍ في المحاربة ثم قتل تقدم القطع قصاصًا ثم يقتل لأن في تقديمه جمعًا بين الحقين ولو قطع يده في غير المحاربة ثم قتله في المحاربة فالحكم كذلك ولو قطع يده اليسرى ورجله اليمنى وأخذ المال تقطع أطرافه الأربعة اثنان قصاصًا، واثنان حدًا ولا يوالي بل يقطع اثنان قصاصًا ويترك حتى يبرأ ثم يقطع اثنان حدًا، وقال أبو حنيفة: يقطع اثنان قصاصًا أولًا ثم لا يقطع الباقي حدًا، لأن عنده مفقود اليسار فلا تقطع يمينه ثم قال: ومن
[ ١٣ / ١١٢ ]
عفا عن الجراح كان له ومن عفا عن النفس لم يحقن بذلك دمه وقد بينا هذا.
مسألة: قال: ومن تاب منهم قبل أن يقدر عليه سقط عنه الحد.
الفصل
الحقوق التي تجب على المحاربة على ثلاث أضربٍ حق يختص بالمحاربة وحق لا يختص بها وحق يختلف فيه، فأما ما يختص بها فانحتام القتل والصلب وقطع الرجل فلا يخلو من أن يتوب قبل القدرة عليه أو بعدها فإن تاب بعد القدرة عليه لا يسقط عنه شيء منها لقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِن قَبْلِ [١٠٠/أ] أَن تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: ٣٤] فجعل من شرط سقوطها بالتوبة أن تكون قبل القدرة عليهم وإن تاب قبل القدرة عليه سقطت هذه الأحكام وبقي القتل مستحقًا غير متحتم ويكون إلى مشيئة الولي فإن شاء قتل، وإن شاء عفا عنه على مالٍ، وإن شاء عفا عنه على غير مالٍ.
وأما الذي لا يختص بها فعلى ضربين: أحدهما: لله تعالى كحد الشرب واللواط والزنا، والثاني: للآدمي كالقصاص وحد القذف وغرامة المال فهو للآدمي لا يسقط بالتوبة بحالٍ لأن التوبة إنما تؤثر في حق الله تعالى دون حق العباد، هكذا ذكر جماعة أصحابنا، وقال صاحب "الإفصاح": إذا قلنا: الحد الذي يختص بالمحاربة مما هو حق لله تعالى كحد الزنا والشرب يسقط بالتوبة ففي حد القذف والقصاص وجهان مخرجان: أحدهما: يسقطان لأنهما يسقطان بالشبهة كحد الله تعالى، والثاني: لا يسقطان وهذا تخريج فاسد لما ذكرنا من العلة وغلط صاحب "الإفصاح" فيه وفي حكايته عن ابن أبي هريرة فإنه ذكر في كتابه ما ذكرنا ويلزم الاستغفار عن مثل هذا.
ومن أصحابنا من قال: يسقط حد القذف دون القصاص لأنه لا يرجع إلى بدلٍ بخلاف القصاص وهذا أفسد من الأول لأنه حق الآدمي كالقصاص سواء، وروي عن عليّ ﵁ أنه قال: يسقط عنه جميع الحقوق لله تعالى وللآدميين من الربا والأموال بالتوبة ولا يقول بهذا [١٠٠/ب] أحد من الفقهاء، وقال مالك: يسقط الكل إلا الدماء لتغليظها على ما سواها.
وأما ما هو لله تعالى فهل يسقط بمجرد التوبة؟ قال الشافعي ﵁ في موضع: ويحتمل أن يسقط كل حق لله تعالى بالتوبة وبه أقول ففي المسألة قولان ظاهران أحدهما: يسقط بالتوبة وهو الأصح لقوله تعالى في حد الزنا: ﴿فَإِن تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا﴾ [النساء: ١٦] وقال في حق السارق: ﴿فَمَن تَابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٣٩] وقال ﷺ: "التوبة تجب لما قبلها" وروى وائل بن حجر ﵁ أن امرأةً وقع عليها رجل في سواد الصبح وهي تعمد إلى المسجد فاستغاث برجلٍمرَّ عليها وفرَّ صاحبها ثم مرَّ عليها قوم ذو عددٍ فاستغاثت بهم
[ ١٣ / ١١٣ ]
فأدركوا الذي استغاثت به وسبقهم الآخر فذهب فجاءوا به يقودونه عليها فقال: أنا الذي أغثتك وقد ذهب الآخر فأتوا به رسول الله ﷺ فأخبرته أنه وقع عليها وأخبره القوم أنهم أدركوه يشتد فقال: إنما كنت أغثتها على صاحبها فأدركوني فأخذوني قال: كذب هو الذي وقع عليَّ فقال رسول الله ﷺ: "اذهبوا به فارجموه" فقام رجل من الناس فقال: لا ترجموه وارجموني أنا الذي فعلت هذا الفعل فاعترف فاجتمع ثلاثةٌ عند رسول الله ﷺ الذي وقع عليها والذي أجابها [١٠١/أ] والمرأة فقال: "أما أنتَ فقد غفر لك" وقال للذي أجابها قولًا حسنًا فقال عمر ﵁: أرجمُ الذي اعترف بالزنا فقال رسول الله ﷺ:" لا، لأنه قد تاب توبةً لو تابها أهل المدينة، أو أهل يثرب لقبل منهم" فأرسلهم، وقيل: إنه يحتمل أنه أمر بتعزيره دون الرجم الحقيقي ويحتمل أنهم شهدوا عليها بالزنا خطأ فلذلك لم يرجمه ولأنه حد الله تعالى فيسقط بالتوبة كحد قاطع الطريق، والقول الثاني: لا يسقط بالتوبة وبه قال أبو حنيفة لأنه لا يختص بالمحاربة فأشبه حد القذف ولأنه تاب في قبضة الإمام فأشبه حد قاطع الطريق بعد القدرة.
وأما في غير المحارب لا تسقط حدود الله تعالى بمجرد التوبة، ولكن لو تاب وأصلح عمله ومضت مدةٌ على ذلك هل تسقط التوبة بعد إصلاح العمل؟ فيه قولان ففي المحارب لا يشترط إصلاح العمل وفي غيره يشترط ذلك، والفرق أن المحارب معاندٌ فإذا تاب حملت توبته على أنها من قبله واعتقاده لا للتقية وغير المحارب في قبضة الإمام فالظاهر من حاله إظهار التوبة للتقية فلا يسقط عنه بمجرد التوبة حتى يصلح عمله.
وأما المختلف فيه: فقطع اليد بأخذ المال فيه وجهان: أحدهما: أنه لا يختص بالمحاربة وإنما هو القطع في السرقة غلظ بضم قطع الرجل إليه بدليل أنه يعتبر أن يخص كل واحدٍ ربع دينارٍ وبه قال أبو إسحاق، والثاني: أنه يختص بالمحاربة [١٠١/ب] كقطع الرجل لا فرق بينهما وبه قال صاحب "الإفصاح" لأنه أخذ مالًا على سبيل المجاهرة وهذا لا يوجب القطع إلا في المحاربة فكان ذلك مما يختص بالمحاربة. والأول: الصحيح المشهور، والثاني: أقيس وهو اختيار ابن أبي هريرة وصاحب "الإفصاح" فإذا قلنا: يختص بالمحاربة سقط بالتوبة قبل الظفر قولًا واحدًا، وإذا قلنا: يختص بالمحاربة فهل يسقط بالتوبة بعد الظفر به؟ قولان أيضًا لأن ما يسقط الحد لا فرق فيه بين أن يكون قبل الظفر به وبين أن يكون بعد الظفر كالرجوع عن الإقرار وهذا خلاف نص القرآن العظيم، واعلم أن العلماء اختلفوا في المراد بالتوبة التي ذكرها الله تعالى في قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: ٣٤] قال ابن عباس ﵄ والحسن ومجاهد وقتادة: إنها الإسلام وهذا قول من زعم أن حدود
[ ١٣ / ١١٤ ]
الحراب وردت في المشركين ومعنى الآية الذين تابوا من شركهم وسعيهم في الأرض فسادًا في الإسلام، ولا يسقط الحد عن المسلم بالتوبة بكل حالٍ، وقال الجمهور منهم: وردت في المسلمين وهي التوبة من معاصي الحدود، واختلفوا في أمان الإمام لهم هل يكون شرطًا في قبول توبتهم؟ فروي عن عليّ رضي عنه أنه شرط، ومن لم يؤمنه الإمام لم تسقط التوبة منه حدًا. وقال الجمهور: لا يعتبر ذلك وإنما يعتبر أن يكون قبل القدرة عليهم وفي صفة القدرة عليهم [١٠٢/أ] ثلاثة أقوال: أحدها: أن تكون بعد لحوقهم بدار الحرب، وإن كانوا مسلمين ثم يعودوا منها تائبين قبل القدرة عليهم فإن لم يلحقوا بدار الحرب لم تؤثر التوبة في إسقاطها وبه قال عروة بن الزبير، والثاني: يكون لهم في دار الإسلام فئة يلتجؤون إليها ويمتنعون بها، فإن لم يكن لهم لم تؤثر التوبة فيها وبه قال ابن عمر وربيعة والحكم، والثالث: وهو قول الجمهور: أن تمتد إليهم يد الإمام بهرب أو استخفاء أو امتناع فيخرجوا عن القدرة عليهم فتؤثر توبتهم فيها حينئذ، واختلف من قال بهذا في رفعه إلى الإمام هل يكون شرطًا في القدرة عليه؟ على قولين أحدهما: أنه لا يكون شرطًا لأنه في الحالين قادر علية، والثاني: أن يكون شرطًا في القدرة عليه لأن النبي ﷺ قال في سارق رداء صفوان: "هلا قبل أن تأتيني به لا عفا الله عني إن عفوت عنه".
مسألة: قال: ولو شهد شاهدان من أهل الوقعة أن هؤلاء عرضوا لنا.
الفصل
إذا شهد شاهدان أن هؤلاء قطعوا علينا الطريق وعلى القافلة وأخذوا متاعنا ومتاعهم لم تجز شهادتهما لأنهما خصمان كما لو شهدا بأن هذا قذفنا وقذف هذا لا تقبل شهادتهما لأنهما خصمان عدوان، فإن قيل: أليس لو شهدا فقالا: نشهد أن هذا قذف أمنا وهذه المرأة تقبل شهادتهما للأجنبية دون أمهما فيجب [١٠٢/ب] أن تقبل شهادتهما لأهل الوقعة دونهما، قلنا: في هذه المسألة قولان: أحدهما: لا تقبل شهادتهما للأم ولا للأجنبية، والثاني: أن تقبل للأجنبية دون الأم، والفرق أن هناك ردت الشهادة للأم للتهمة وهي تخص الأم دون الأجنبية فبعّضنا الشهادة فقبلناها للأجنبية دون الأم وهنا ردت الشهادة للخصومة والعداوة وهذا المعنى لا يخص شهادتهما لأنفسهما دون غيرهما فإن شهادة العدو لا تقبل على العدو بحال.
فإذا تقرر هذا نقول: قال الشافعي: ويسعهما أن يشهدا بأن هؤلاء عرضوا لهم ففعلوا بهم كذا وكذا ونحن ننظر قال أصحابنا: وهكذا قالوا عرضوا لنا ونالوا هؤلاء بالجرح وأخذ المال قبلت شهادتهم لأنهم ليس في قولهم: عرضوا لنا ما يوجب الخصومة والعداوة، وقال الشافعي: وليس للإمام أن يقول: هل نالكم وأخذ منكم؟ ألا
[ ١٣ / ١١٥ ]
ترى أن رجلًا لو شهد على رجل أنه قذف هذا وغصبه كذا وكذا أليس للإمام أن يقول: هل قذفك؟ هل أخذ منك شيئًا؟ وقال الماسرجسي: وعلى هذا لو شهد رجلان على رجل بكتاب وصية لهما فيه حق أو إشراف فقالا: نشهد بجميع ما في هذا لا تقبل شهادتهما، ولو قالا: نشهد بجميع ما فيه سوى مالنا من حق الإشراف والمال المذكور فيه قبلت شهادتهما وهذا لأن الاستفسار الذي ذكرنا من التعنت وقصد إبطال الشهادة. [١٠٣/أ]
مسألة: قال: ولو اجتمعت على رجل حدود وقذف بدئ بحد القذف ثمانين.
الفصل
ذكر الشافعي ﵁ هنا حد القذف وحد الزنا والقطع في السرقة والقطع في المحاربة والقود في غير المحاربة، بدأ بحد القذف ثم بحد الزنا ثم تقطع اليد اليمنى للسرقة والمحاربة جميعًا، ثم يقطع الرجل للمحاربة ثم بالقتل قودًا وأمر بالتربص بعد إقامة حد الله تعالى حتى يبرأ جلده، ثم أمر بحد الزنا وقال: يترك حتى يبرأ ثم والى بين قطع اليمنى ورجله اليسرى لأنها حد واحد للمحاربة ولم ينتظر البرء من القطعين وأمر بقتله لأن انتظار البرء لئلا يتلف بالموالاة بين حدين مختلفين وهنا يريد قتله فما معنى الانتظار؟ وقال بعض أصحابنا: هل يوالي بين القطعين؟ فيه وجهان لأن اليد تقطع للسرقة المتقدمة هنا والموالاة إذا كانا مخصوصين بالمحاربة، وهذا ليس بشيء. ولم يذكر الشافعي في جملتها حد الشرب، قال ابن أبي هريرة: يبدأ بحد الشرب، ثم بحد القذف ثم على الترتيب الذي ذكره الشافعي، قال الشافعي: إنما بدأ بحد القذف قبل حد الزنا لخفته وأنه أسلم من حد الزنا فيجب على هذا أن يبدأ بحد الشرب لأن حد الشرب أخف من حد القذف، ومن أصحابنا من قال: إنما بدأ بحد القذف لأنه حق الآدمي فيقدم وهذا اختيار [١٠٣/ب] أبي إسحاق وهو الأصح فعلى هذا يقدم حد القذف ثم حد الشرب ثم حد الزنا، وقيل: أخطأ ابن أبي هريرة النص لأن الشافعي قال في كتاب "جراح العمد": ولو اجتمعت على رجل حدود حد بكر في الزنا وحد قذف وحد سرقة وحد قطع طريق بدئ الحق الآدميين، ثم بحق الله تعالى فبطل قول من علل البدء به بحد القذف بالخفة والسلامة.
فرع
لو اجتمع معها التعزيز قال في (الحاوي): يقدم التعزيز على كلها لأنه أخف من حقوق الآدميين.
فرع آخر
لو كان في جملتها جرح لآدمي يجب فيه القصاص بدئ على حد الزنا والشرب فيبدأ
[ ١٣ / ١١٦ ]
بحد القذف ثم بالقصاص فيما دون النفس ثم بحد الشرب ثم بحد الزنا ثم بالقطع وقطع الطريق ثم بالقتل على الصحيح من مذهب آخر.
فرع آخر
لو كان في جملتها قتل في غير المحاربة وقتل في المحاربة اعتبر بالسابق منهما بلا خلاف بين أصحابنا، فإن كان القتل في غير المحاربة أسبق قتل ولم يصلب وأخذنا للمقتول في المحاربة الدية لأنه قصاص تعذر استيفاؤه، وإن كان القتل في المحاربة أسبق قتلناه، وإن كان معه أخذ المال صلبناه وأخذنا للمقتول في غير المحاربة الدية، وإنما اعتبرنا السابق هنا لأنه لا يمكن استيفاء الحقين ويفوت أحدهما بفوات الآخر فقدمنا السابق.
فرع آخر
لو كان فيه قتل بالقود [١٠٤/أ] وقتل بالردة قتل قودًا إلا أن يريد الدية فتدفع إليه الدية ويقتل بالردة، ولو اجتمع رجم بالزنا وقتل بالردة رجم للزنا ودخل فيه قتل الردة لأن الرجم أزيد نكالًا.
فرع آخر
لو كان في جملة ما ذكرنا قتل في المحاربة فقط ولم يجب عليه القتل بوجه آخر سقط قطع اليد والرجل في المحاربة لأنه قد أقيم الصلب مقامه فيحد للقذف ثم للزنا ثم يقطع للسرقة ثم يقتل، وهل يوالي بين الحدين أو يترك حتى يبرأ من كل واحد ثم يقام الآخر؟ فيه وجهان قال أبو إسحاق: يوالي لأنه إنما جعل له ذلك في المسألة قبلها لأن القتل غير متحتم فربما يعفى عنه، وهنا القتل متحتم ولا معنى لترك الموالاة، والثاني: لا يوالي بينهما لأنه لا يؤمن من الموالاة التلف فيسقط بعض الحد فأشبه إذا كان القتل غير متحتم.
فرع آخر
لو سرق في غير المحاربة ثم قتل في المحاربة وأخذ المال فيه وجهان أحدهما: يدخل القطع في القتل فيقتل ويصلب لأنه قطع يتعلق بأخذ المال فيدخل في القتل في المحاربة كالقطع بأخذ المال في المحاربة وهو الصحيح، والثاني: لا يدخل فيه وإنما يدخل القطع بأخذ المال في المحاربة في القتل في المحاربة، وهذان الوجهان مبنيان على أن قطع اليد في المحاربة هل هو قطع اليسرى وقد ذكرنا فيه وجهين، وقال أبو حنيفة: يبدأ بحد القذف [١٠٤/ب] ثم إن شاء بدأ بحد الزنا، وإن شاء بدأ بالقطع ثم بحد الشرب فإن كان معها قتل سقطت الحدود كلها وقتل إلا حد القذف فإنه لا يدخل في القتل، وقال ابن مسعود والنخعي: يدخل حد القذف في القتل أيضًا مع جميع الحدود واحتج أبو حنيفة بأن حد الزنا والسرقة ثبتا بنص القرآن فهما أكد من حد الشرب ويخير بينهما للاستواء بهما في ذلك وفي القتل يحصل كل الردع فلا فائدة في
[ ١٣ / ١١٧ ]
إقامة الحدود قبله وهذا لا يصح لما ذكرنا ولأن ما وجب من غير وجوب القتل وجب مع وجوب القتل كما لو قطع يد إنسان وقتل آخر، وأما قولهم: أيهما آكد لا يصح لأنه ثابت بالسنة والإجماع ويلزم حد القذف فإنه ساوى ذلك وتقدم، وأما الزجر في ذلك يحصل لغيره فلا يعطل بعضهما مع إمكان الاستيفاء، ثم قال الشافعي ﵁: فإن مات في الحد الأول سقطت الحدود كلها والتي لله تعالى وأما حق الآدمي فإن كان جرحًا أو قتلًا رجع إلى الدية أو الأرش فلا يملك بالقذف حد سرقة مال بحال وهذا نص على أنه لا يجوز العفو عن حد القذف على مال خلافًا لأبي إسحاق في وجه.
فرع آخر
لو قصد رجل رجلًا فقتل دفعًا فهو هدر بكل حال، وقال أبو حنيفة: إن كان الدفع بالسيف والقصد بالسيف فهو هدر، وإن كان القصد بالمثقل ودفعه بالسيف فإن كان [١٠٥/أ] ليلًا فلا ضمان، وإن كان نهارًا ضمن بناء على أصله أن القتل بالمثقل شبه عمد فإذا قصده به لا يجوز الدفع بالعمد.
[ ١٣ / ١١٨ ]