أَرْكَانُهَا ثَلَاثَةَ عَشَرَ: النِّيَّةُ. فَإِنْ صَلَّى فَرْضًا .. وَجَبَ قَصْدُ فِعْلِهِ وَتَعْيِينُهُ.
وَالأَصَحُّ: وُجُوبُ نِيَّةِ الْفَرْضِيَّةِ
===
(باب صفة الصلاة)
أي: كيفية الصلاة، وتفصيل أجزائها.
(أركانُها: ثلاثةَ عشرَ) أحدها: (النية) لأنها واجبةٌ في بعض الصلاة وهو أولها، لا في جميعها، فكانت ركنًا؛ كالتكبير والركوع، وقيل: هي شرط؛ لأنها عبارة عن قصد فعل الصلاة، فتكون خارجَ الصلاة، ولهذا قال الغزالي: هي بالشروط أشبه (١).
(فإن صلّى فرضًا .. وجب قصدُ فعله) ليمتاز عن سائر الأفعال (وتعيينُه) من كونه ظهرًا أو عصرًا أو غيرهما؛ ليمتاز عن سائر الصلوات.
وكان الأصوب أن يقول: (فعلها وتعيينها) كـ "المحرّر" (٢) ليعود على (الصلاة) إذ يلزم من إعادة الضمير على (فرض) أنه لا يحسن قوله بعدُ: (والأصح: وجوب نية الفرضية) لأنه معنى الأول.
(والأصح: وجوب نية الفرضية) ليتميز عن ظهر الصبي، والمعادة في جماعة، والثاني: لا؛ لأن الظهر من البالغ إذا لم تكن معادةً .. لا تكون إلا فرضًا.
وقضية هذين التعليلين: أن الخلاف في البالغ، ولهذا صوب في "شرح المهذب" عدم اشتراط الفرضية في حق الصبي، وقال في "التحقيق": إنه الصحيح) (٣).
وقضية كلام "الكتاب": عدم الفرق، وصرح به في "الروضة" و"أصلها"، قال في "المهمات": والصواب: ما في "شرح المهذب" (٤).
_________________
(١) الوجيز (ص ٥٩).
(٢) المحرر (ص ٣٠).
(٣) المجموع (٣/ ٢٣٥)، التحقيق (ص ١٩٦).
(٤) روضة الطالبين (١/ ٢٢٦)، الشرح الكبير (١/ ٤٦٨)، المهمات (٣/ ١٤ - ١٥).
[ ١ / ٢٢٧ ]
دُونَ الإِضَافَةِ إِلَى اللهِ تَعَالَى، وَأَنَّهُ يَصِحُّ الأَدَاءُ بِنِيَّةِ الْقَضَاءِ وَعَكْسُهُ. وَالنَّفْلُ ذُو الْوَقْتِ أَوِ السَّبَبِ كَالْفَرْضِ فِيمَا سَبَقَ، وَفِي نِيَّةِ النَّفْلِيَّةِ وَجْهَانِ. قُلْتُ: الصَّحِيحُ: لَا تشتَرَطُ نِيَّةُ النَّفْلِيَّةِ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
===
وشمل إطلاقُه الفرضَ المنذور، ونقله في "الكفاية" عن بعضهم وأقرّه (١).
(دون الإضافةِ إلى الله تعالى) بأن يقول: (لله)، أو (فريضة لله) لأن العبادات لا تكون إلا لله، والثاني: يجب، لتحقق معنى الإخلاص، قال تعالى: ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى (١٩) إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى﴾.
(وأنه يصح الأداء بنية القضاء وعكسُه) لاستعمال كلٍّ بمعنى الآخر، تقول: (قضيت الدين، وأديته)، قال تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ﴾ أي: أديتم، والثاني: لا، بل يشترط في الأداء نيته، وفي القضاء نيته، ليمتاز كلٌّ عن الآخر.
والمراد: ما إذا نوى وهو جاهلٌ للوقت، لغيم ونحوه، فلو نوى الأداءَ وقت القضاء وعكسه عالمًا .. لم تصح صلاتُه قطعًا، ذكره في "شرح المهذب" (٢).
(والنفل ذو الوقت أو السببِ كالفرض فيما سبق) من قصد الفعل والتعيين، فالمؤقَّت الراتبُ يُعيِّنه بالإضافة كـ (أُصلّي ركعتي الفجر)، أو (سنة الظهر)، أو (راتبة العشاء)، وغير الراتب بما اشتهر به، كالتراويح والضحى وصلاةِ عيد الفطر والأضحى.
ويستثنى من إيجاب التعيين في ذات السبب: تحيةُ المسجد، وسنةُ الوضوء، فيكفي فيهما نيةُ الفعل كما في "الكفاية" في الأولى، وفي "الإحياء" في الثانية (٣).
(وفي نية النفلية وجهان) كاشتراط الفرضية في الفرض، (قلت: الصحيح: لا تشترط نية النفلية، والله أعلم) لأن النفلية ملازمة للنفل، بخلاف الظهر ونحوها، فإنها قد تكون فرضًا وقد لا تكون؛ بدليل المعادةِ، وصلاةِ الصبي.
_________________
(١) كفاية النبيه (٣/ ٦٤).
(٢) المجموع (٣/ ٢٣٥).
(٣) كفاية النبيه (٣/ ٧١)، إحياء علوم الدين (١/ ٢٠٧).
[ ١ / ٢٢٨ ]
وَيَكْفِي فِي النَّفْلِ الْمُطْلَقِ نِيَّةُ فِعْلِ الصَّلَاةِ. وَالنِّيَّةُ بِالْقَلْبِ، ويُنْدَبُ النُّطْقُ قُبَيْلَ التكْبيرِ. الثَّانِي: تَكْبيرَةُ الإِحْرَامِ. وَيَتَعَيَّنُ عَلَى الْقَادِرِ: (اللهُ أَكْبَرْ)، وَلَا تَضُرُّ زِيَادَةٌ لَا تَمْنَعُ الاسْمَ كـ (اللهُ الأَكْبَر)، وَكَذَا (اللهُ الْجَلِيلُ أَكْبَر) فِي الأَصَحِّ، لَا (أَكْبَرُ اللهُ) عَلَى الصَّحِيحِ
===
(ويكفي في النفل المطلق) وهو ما لا وقتَ له ولا سببَ (نيةُ فعل الصلاة) لأن النفل أدنى درجات الصلاة، فإذا قصدها .. وجب حصولُه (١).
(والنية بالقلب) بالإجماع (ويُندب النطق قُبيل التكبير) ليساعد القلبَ اللسانُ.
(الثاني: تكبيرة الإحرام) لحديث: "مِفْتَاحُ الصَّلَاةِ الوُضُوءُ، وَتَحْرِيمُهَا التَّكْبيرُ، وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ" رواه أبو داوود والترمذي بإسناد صحيح (٢).
(ويتعين على القادر الله أكبر) لأنه المأثور (٣)، مع رواية البخاري: "صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي" (٤) فلا تنعقد بقوله: (الله الكبير) لفوات مدلولِ (أفعل) وهو التفضيل، ولا بقوله: (الرحمن) أو (الرحيم أكبر)، ومعنى (الله أكبر) أي: من كلّ شيء.
والحكمة في افتتاح الصلاة به كما ذكره القاضي عياض: استحضار المصلِّي عظمةَ مَنْ تهيأ لخدمته، والوقوفِ بين يديه، ليمتلئ هيبة، فيحضرَ قلبُه ويخشعَ، ولا يعبثَ.
(ولا تضر زيادةٌ لا تمنع الاسمَ) أي: اسم التكبير (كـ "الله الأكبر") لدلالته على التكبير مع زيادة مبالغة في التعظيم، (وكذا "الله الجليل أكبر" في الأصح) لقصر الفصل، والثاني: يضر؛ لاستقلال الزيادة، فغيرت النظم.
(لا "أكبر الله" على الصحيح) لأنه لا يُسمّى تكبيرًا، بخلاف (عليكم السلام) في
_________________
(١) نقل الإمام فخر الدين في "تفسيره" [١٤/ ١٣٤ - ١٣٥] عن اتفاق المتكلمين: أن من عبد ودعا لأجل الخوف من العقاب، والطمع في الثواب .. لم تصح عبادته ولا دعاؤه، ذكره عند قوله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾، وفي أوائل تفسير (الفاتحة) [١/ ٢٥٠] بأنه لو قال: أصلي لثواب الله تعالى، أو للهرب من عقابه .. فسدت صلاته. اهـ هامش (أ).
(٢) سنن أبي داوود (٦١)، سنن الترمذي (٣) عن علي بن أبي طالب ﵁.
(٣) أخرجه ابن حبان (١٨٧٠)، وابن ماجه (٨٦٢) عن أبي حميد الساعدي ﵁.
(٤) صحيح البخاري (٦٣١) عن مالك بن الحويرث ﵁.
[ ١ / ٢٢٩ ]
وَمَنْ عَجَزَ .. تَرْجَمَ، وَوَجَبَ التَّعَلُّمُ إِنْ قَدَرَ. وَيُسَنُّ رَفْعُ يَدَيْهِ فِي تَكْبِيرِهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ، وَالأَصَحُّ: رَفْعُهُ مَعَ ابْتِدَائِهِ. وَيَجِبُ قَرْنُ النِّيَّةِ بِالتَّكْبِيرِ،
===
آخر الصلاة، فإنها تجزئ، لأنه يُسمَّى تسليمًا، والثاني: لا يضر، لأن تقديم الخبر جائزٌ.
(ومن عَجَزَ) عن النطق بالعربية، ولم يقدر على التعلم في الوقت (.. ترجم) بمدلول التكبير من أَيِّ لغةٍ شاء، ولا يَعدل إلى ذكر، لأنه ركن عَجَزَ عنه، فلا بدّ له من بدل، والترجمةُ أقربُ إليه من غيره، فتعيّنتْ.
(ووجب التعلم إن قَدَرَ) عليه ولو بسفر في الأصحِّ، لأن ما لا يَتِمُّ الواجبُ إلّا به .. فهو واجبٌ، وحيث وجب التعلمُ فضاق الوقت، أو لم يُمكنه التعلمُ إلّا في يوم فأكثر .. لم يقض ما صلّاه بالترجمة؛ للعذر، ولو أخّر التعلمَ مع القدرة .. وجب أن يصلي عند ضيق الوقت بالترجمة، ثم يقضي في الأصحِّ؛ لتفريطه.
(ويسن رفع يديه في تكبيره) بالإجماع، والمراد باليدين هنا: الكفان (حذو منكبيه) للاتباع، كما أخرجه الشيخان من حديث ابن عمر (١).
(والأصح: رفعه مع ابتدائه) أي: مع ابتداء التكبير؛ للاتباع (٢)، ولا استحباب في الانتهاء.
وحينئذ فإن فرغ منهما معًا .. فذاك، أو فرغ من أحدهما قبل تمام الآخر .. أَتَمّ الآخر، وهذا هو الأصحُّ في "الروضة" و"شرح مسلم" تبعًا للرافعي (٣)، والثاني: يجعل انتهاء الرفع والتكبير معًا كابتدائهما، وصححه في "شرح المهذب" و"التنقيح" ونقله عن النص، وقال الإسنوي: إنه المفتى به (٤)، والثالث: يرفع بلا تكبير، ويُكبر مع حطّ يديه.
(ويجب قرن النية بالتكبير) أي: بجميعه، وذلك بأن يَستحضر جميع ما أوجبناه
_________________
(١) صحيح البخاري (٧٣٥)، صحيح مسلم (٣٩٠).
(٢) وهو حديث ابن عمر ﵄ السابق.
(٣) روضة الطالبين (١/ ٢٣١)، شرح صحيح مسلم (٤/ ٩٥)، الشرح الكبير (١/ ٤٧٧).
(٤) المجموع (٣/ ٢٥٤)، المهمات (٣/ ٢٧).
[ ١ / ٢٣٠ ]
وَقِيلَ: يَكْفِي بِأَوَّلِهِ. الثَّالِثُ: الْقِيَامُ فِي فَرْضِ الْقَادِرِ. وَشَرْطُهُ: نَصْبُ فَقَارِهِ، فَإِنْ وَقَفَ مُنحَنِيًا أَوْ مَائِلًا بِحَيْثُ لَا يُسَمَّى.
===
فيها؛ من نية الفعل، والتعيين، والفرض من أول التكبير، ويَستمر إلى آخره؛ لأن التكبير من الصلاة، فلا يجوز الإتيان بشيء منه قبل تمام النية.
(وقيل: يكفي بأوله) لأنها بعد التكبير في حكم الاستدامة، واستصحاب النية في دوام الصلاة لا يَجب ذكرًا، وصححه الرافعي في (الطلاق)، واختار في "التنقيح" و"شرح المهذب" الاكتفاءَ بالمقارنة العرفية عند العوام، بحيث يعد مستحضرًا للصلاة (١).
قال السبكي: وهو الصواب، وقال ابن العربي المالكي: سمعت أبا الحسن الهروي يقول: سمعت إمامَ الحرمين يقول: يُحضر الإنسان عند التلبس بالصلاة النيةَ، ويُجرِّد النظرَ في قِدم الصانع، وحدوثِ العالم، والنبوات حتى ينتهي نظرُه إلى نية الصلاة، قال: ولا يحتاج ذلك إلى زمن طويل، بل يكفي في أَوحى لحظة (٢)؛ لأن تعلم الْجُمَل يفتقر إلى التطويل، وتذكارها يكون في لحظة.
(الثالث: القيام في فرض القادر) بالإجماع؛ لقوله ﷺ لعمران بن الحصين وكانت به بَواسيرُ: "صَلِّ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ .. فَقَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ .. فَعَلَى جَنْبٍ" رواه البخاري، زاد النسائي: "فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ .. فَمُسْتَلْقِيًا ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ " (٣).
وخرج بـ (الفرض) النفل، وبـ (القادر) العاجز، وسيأتي حكمُهما.
(وشرطه: نصب فقاره) وهو عِظام الظهر؛ أي: مفاصلُه؛ لأن اسم القيام دائرٌ معه.
(فإن وقف منحنيًا) إلى قدامه (أو مائلًا) إلى يمينه أو يساره (بحيث لا يسمى
_________________
(١) المجموع (٣/ ٢٣٣).
(٢) في (ب): (في أدنى لحظة).
(٣) صحيح البخاري (١١١٧)، ولم أجد زيادة النسائي في "الصغرى" ولا في "الكبرى"، ولا عزاه إليه المزي في "تحفة الأشراف" (٨/ ١٨٥)، وانظر "البدر المنير" (٣/ ٥١٩)، و"التلخيص الحبير" (٢/ ٦٣٥ - ٦٣٦) فلقد عزياه إليه، ولعله من اختلاف النسخ.
[ ١ / ٢٣١ ]
قَائِمًا .. لَمْ يَصِحَّ. فَإِنْ لَمْ يُطِقِ انْتِصَابًا وَصَارَ كَرَاكِعٍ .. فالصَّحِيحُ: أَنَّهُ يَقِفُ كَذَلِكَ، وَيَزِيدُ انْحِنَاءَهُ لِرُكُوعِهِ إِنْ قَدَرَ. وَلَوْ أَمْكَنَهُ الْقِيَامُ دُونَ الرُّكُوعِ وَالسَّجُودِ .. قَامَ وَفَعَلَهُمَا بقَدْرِ إِمْكَانِهِ. وَلَوْ عَجَزَ عَنِ الْقِيَامِ .. قَعَدَ كَيْفَ شَاءَ، وَافْتِرَاشُهُ أَفْضَلُ مِنْ تَرَبُّعِهِ فِي الأَظْهَرِ
===
قائمًا .. لم يصح) لتركه الواجب بلا عذر، والانحناءُ السالبُ للاسم: أن يصير إلى الركوع أقربَ.
(فإن لم يطق انتصابًا، وصار كراكع .. فالصحيح: أنه يقف كذلك) وجوبًا، لأنه أقربُ إلى القيام.
(ويزيد انحناءه لركوعه إن قَدَر) ليميز بينهما، ومقابله: هو قول الإمام أنه يلزمه الصلاة قاعدًا، فإذا وصل إلى الركوع .. لزمه الارتفاعُ؛ لأن حدّ الركوع يفارق حدَّ القيام، فلا يتأتى هذا بذاك.
(ولو أمكنه القيام دون الركوع والسجود) لعلة بظهره تمنع الانحناءَ (.. قام) وجوبًا (وفعلهما بقدر إمكانه) للحديث الصحيح: "إِذَا أَمَرْتكُمْ بِأَمْرٍ .. فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ" (١)، فيَحْنِي صلبَه بقدر إمكانه، فإن عَجَزَ .. حَنَى رقبتَه ورأسَه، فإن احتاج فيه إلى اعتماد على شيء .. وجب، فإن لم يُطق الانحناء أصلًا .. أومأ بهما.
(ولو عجز عن القيام .. قعد) بالإجماع (كيف شاء) لإطلاق حديث عمران بن الحصين (٢)، ولا ينقص ثوابه، لأنه معذور.
(وافتراشه أفضلُ من تربُّعه) وتوركِه وغيرِهما (في الأظهر) لأنه قعود العبادة، فكان أولى من التربع الذي هو قعود العادة، وإنما فضل على التورك؛ لأنه قعود تَعْقُبه حركة، فأشبه التشهدَ الأول، والثاني: التربع أفضل؛ لئلّا يلتبس بالتشهد، وصححه جمع، وقال الماوردي: إن التربع للمرأة أفضل، لأنه أستر لها (٣).
_________________
(١) أخرجه البخاري (٧٢٨٨)، ومسلم (١٣٣٧) عن أبي هريرة ﵁.
(٢) سبق تخريجه في (ص ٢٨٨).
(٣) الحاوي الكبير (٢/ ٢١٢).
[ ١ / ٢٣٢ ]
وَيُكْرَهُ الإِقْعَاءُ؛ بِأَنْ يَجْلِسَ عَلَى وَرِكَيْهِ نَاصِبًا رُكْبَتَيْهِ ثُمَّ يَنْحَنِي لِرُكُوعِهِ بِحَيْثُ تُحَاذِي جَبْهَته مَا قُدَّامَ رُكْبَتَيْهِ، وَالأَكْمَلُ: أَنْ تُحَاذِيَ مَوْضِعَ سُجُودِهِ. فَإِنْ عَجَزَ عَنِ الْقُعُودِ .. صَلَّى لِجَنْبِهِ الأَيْمَنِ، فَإِنْ عَجَزَ .. فَمُسْتَلْقِيًا. وَلِلْقَادِرِ النَّفْلُ قَاعِدًا، وَكَذَا مُضْطَجِعًا فِي الأَصَحِّ
===
(ويكره الإقعاءُ) للنهي عنه (١)، ووجهه: ما فيه من التشبيه بالكلاب والقردة (بأن يجلس على وركيه) وهما أصلُ الفخذ (ناصبًا ركبتيه) كذا فسره أبو عبيدة، وهو أصحّ التفاسير، قال في "شرح المهذب": ويكره أيضًا أن يَقعد مادًّا رجليه (٢).
(ثم ينحني لركوعه بحيث تحاذي جبهتُه ما قدام ركبتيه) من مصلّاه، (والأكمل: أن تحاذي موضعَ سجوده) لأنه سيأتي: أن أقلّ ركوع القائم: أن يَنحني قدرَ بلوغ راحتيْه ركبتيْه، وأكملَه: تسويةُ ظهره وعنقِه، ومَنْ فعل الأول .. حاذت جبهتُه ما قدامَ ركبتيْه، ومَنْ فعل الثانِيَ .. حاذت جبهتُه موضعَ سجوده، فيكون أيضا أقلُّ ركوعِ القاعد وأكملُه: أن ينتهيَ إلى هذه الحالة.
(فإن عَجَزَ عن القعود .. صلى لجنبه) للحديث المار (الأيمن) ندبًا؛ لفضيلة التيامن.
(فإن عَجَزَ) عن الجنب (فمستلقيًا) على ظهره، ورجلاه إلى القبلة؛ لرواية النسائي المارة (٣)، ولا بدّ من وضع مِخدَّة تحت رأسه ليستقبل بوجهه القبلة، لا السماء، قال الغزي: إلّا أن يكون بالكعبة وهي مسقوفة، فلا يشترط.
(وللقادر النفلُ قاعدًا) بالإجماع (وكذا مضطجعًا في الأصح) لحديث: "صَلَاةُ النَّائِمِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ صَلَاةِ الْقَاعِدِ" رواه البخاري (٤)، والمراد به: المضطجع (٥)،
_________________
(١) أخرجه الحاكم (١/ ٢٧٢) عن سمرة بن جندب ﵁، وابن ماجه (٨٩٦)، وأحمد (٣/ ٢٣٣) عن أنس بن مالك ﵁.
(٢) المجموع (٤/ ٢٦٧).
(٣) في (ص ٢٣١).
(٤) البخاري (١١١٦) عن عمران بن حصين ﵁.
(٥) أفتى بعض المتأخرين بأن عشرين ركعة من قعود أفضل من عشر من قيام؛ لما في الأولى من زيادة الركوع وغيره. قيل: ويحتمل خلافه؛ لأنها أكمل، وظاهر الحديث: أنهما سواء. اهـ هامش (أ).
[ ١ / ٢٣٣ ]
الرَّابعُ: الْقِرَاءَةُ. وَيُسَنُّ بَعْدَ التَّحَرُّمِ دُعَاءُ الافْتِتَاحِ، ثُمَّ التَّعَوُّذُ، وَيُسِرُّهُمَا، وَيَتَعَوَّذُ كُلَّ رَكْعَةٍ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَالأُولَى آكَدُ. وَتَتَعَيَّنُ (الْفَاتِحَةُ) كُلَّ رَكْعَةٍ،
===
والثاني: لا؛ لما فيه من انمحاق صورةِ الصلاة، فإن جوّزنا .. لَزِمه أن يَقعد للركوع والسجود، وقيل: يُومئ بهما أيضًا.
قال في "شرح مسلم": وإذا اضطجع .. فعلى يمينه، فإن اضطجع على يساره .. جاز، وهو خلافُ الأفضل، قال: فان استلقى مع إمكان الاضطجاع .. لم يصح، وقيل: الأفضل: أن يُصلّي مستلقيًا، فإن اضطجع .. صحّ، قال: والصواب: الأول (١).
(الرابع: القراءة) لما سيأتي، (ويسن بعد التحرم دعاءُ الافتتاح) وهو: (وجهت وجهي ) إلى آخره؛ للاتباع؛ كما أخرجه مسلم (٢).
ومن نقل عن الشافعي وجوبَه .. فقد غَلِطَ؛ كما نبه عليه الشيخُ تقي الدين في "شرح العمدة" (٣).
(ثم التعود) لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ أي: إذا أردت القراءةَ.
وستعرف في العيد استحبابَ التكبيرات بعد دعاء الافتتاح وقبل التعوذ، وفي صلاة الجماعة أنه لا يأتي بهما إلّا إذا علم إدراكَ الفاتحة.
(ويُسرُّهما) كسائر الأذكار المستحبة، (ويتعوذ كلَّ ركعة على المذهب) (٤) لأنه يبتدئ قراءةً جديدةً في كلّ ركعة، وقيل: يتعوذ في الأولى فقط؛ لأن القراءةَ في الصلاة واحدةٌ.
(والأُولى آكد) للاتفاق عليها، وافتتاح القراءةِ للصلاة إنّمَا هو فيها.
(وتتعين الفاتحة كلَّ ركعة) لقوله ﷺ: "لَا تُجْزِئُ صَلَاةٌ لَا يَقْرَأُ
_________________
(١) شرح صحيح مسلم (٦/ ١٥).
(٢) صحيح مسلم (٧٧١) عن علي بن أبي طالب ﵁.
(٣) إحكام الأحكام (ص ٣٣٨).
(٤) في (ب) و(د): (ويتعوذ في كل ركعة).
[ ١ / ٢٣٤ ]
إِلَّا رَكْعَةَ مَسْبُوقٍ، وَالْبَسْمَلَةُ مِنْهَا، وَتشدِيدَاتُهَا. وَلَوْ أَبْدَلَ (ضَادًا) بِـ (ظَاءٍ) .. لَمْ تَصِحَّ فِي الأَصَحِّ
===
فيهَا الرَّجُلُ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ" رواه الدارقطني، وقال: إسنادُه صحيح، رواه أيضًا ابن خزيمة وابن حبان في "صحيحيهما" (١).
وروى الإمام أحمد وابن حبان في "صحيحه" أنه ﷺ قال للمُسيء صلاتَه: "إِذَا اسْتَقْبَلْتَ الْقِبْلَةَ .. فَكَبِّرْ، ثُمَّ اقْرَأْ بِأُمِّ الْقُرْآنِ، لمَّ أصْنَعْ ذَلِكَ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ"، ورواه البيهقي أيضًا بإسناد صحيحٍ، كما قاله في "شرح المهذب" (٢)، وتَعيُّن (الفاتحة) نقله الشيخُ أبو زيد عن نَيْفٍ وعشرين صحابيًّا.
(إلّا ركعة مسبوق) لأنه إذا أدرك الإمامَ راكعًا .. أدرك الركعةَ، كما سيأتي بشرطه في الجماعة.
(والبسملة منها) لقوله - ﷺ -: "إِذَا قَرَأْتُمُ: الْحَمْدُ لله .. فَاقْرَؤُوا: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾؛ إِنَّهَا أُمُّ الْقُرْاَنِ وَأُمُّ الْكِتَابِ وَالسَّبْعُ الْمَثَانِي، و﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ إِحْدَى آيَاتِهَا"، رواه الدارقطني، وقال: رجاله كلُّهم ثقات، وذكره ابن السكن في "سننه" الصحاح المأثورة (٣).
(وتشديداتها) منها أيضًا، وهي أربعة عشر، فلو خفف منها تشديدةً .. فقد أسقط حرفًا؛ إذ المسْدَّد حرفان أَوَّلُهما ساكنٌ.
(ولو أبدل ضادًا بظاء .. لم تصح في الأصح) لاختلاف المعنى، فإن (الضاد) من الضلال، و(الظاء) من قولهم: (ظَلَّ يفعل كذا ظلولًا) إذا فعله نهارًا، وقياسًا على باقي الحروفِ، والئاني: يصح؛ لقرب المخرج وعُسر التمييز.
وقضية إطلاقهم الجزم بالبطلان: فيما لو أتى بـ (دال) مهملة بدل معجمة في (الذين).
_________________
(١) سنن الدارقطني (١/ ٣٢٢) عن عبادة بن الصامت ﵁، وصحيح ابن خزيمة (٤٩٠)، صحيح ابن حبان (١٧٩٤) عن أبي هريرة ﵁.
(٢) مسند أحمد (٤/ ٣٤٠)، صحيح ابن حبان (١٧٨٧)، سنن البيهقي (٢/ ٣٧٤) عن رفاعة بن رافع ﵁، المجموع (٣/ ٢٧٤ - ٢٧٦).
(٣) سنن الدارقطني (١/ ٣١٢) عن أبي هريرة ﵁.
[ ١ / ٢٣٥ ]
وَيَجبُ تَرْتيبُهَا وَمُوَالَاتُهَا، فَإِنْ تَخَلَّلَ ذِكْرٌ .. قَطَعَ الْمُوَالَاةَ، فَإِنْ تَعَلَّقَ بِالصَّلَاةِ؛ كَتَأْمِينِهِ لِقِرَاءَةِ إِمَامِهِ وَفَتْحِهِ عَلَيْهِ .. فَلَا فِي الأَصَحِّ، وَيَقْطَعُ السُّكُوتُ الطَّوِيلُ، وَكَذَا يَسِيرٌ قَصَدَ بِهِ قَطْعَ الْقِرَاءَةِ فِي الأَصَحِّ ===
وكان الأصوب أن يقول: (ولو أبدل ظاءً بضاد) إذ الباء مع الإبدال تدخل على المتروك، لا على المأتي به، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ﴾، ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾، ﴿وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ﴾، ﴿وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾.
(ويجب ترتيبُها) لأنه مَناط البلاغةِ والإعجاز، فإن ترك الترتيبَ؛ كأن قرأ آية من وسط (الفاتحة) قبل أولها، ثم أولها ثم آخرها .. استأنف جميعَ (الفاتحة) إن تَعمَّد، فإن سها .. بنا على المرتب إن قَصُر الفصلُ.
ولو قرأ النصفَ الآخر من (الفاتحة) ثم أولها .. أعاد ما قرأه أولًا دون استئناف الجميع، وتركُ حرف كترك آية، حتى لا يُعتَدُّ بما بعده حتى يأتي به.
(وموالاتُها) لأنها القراءة المأثورة، فلا يَفصل الكلماتِ بعضَها عن بعض بلا عذر، فلو أخلّ بها سهوًا .. لم يضرّ في الأصحِّ.
(فإن تخلل ذِكر) لا تَعلُّقَ له بالصلاة؛ كالتحميد عند العُطاس، وإجابة المؤذن (.. قطع الموالاة) وإن قلّ؛ لأنه يوهم الإعراضَ عن القراءة.
(فإن تعلق بالصلاة؛ كتأمينه لقراءة إمامِه، وفتحِه عليه) ونحوهما؛ كما لو قرأ إمامُه آيةَ رحمة فسألها، أو آيةَ عقاب فاستعاذ منه (١)، والفتحُ: هو تلقينُ الآية عند التوقف فيها (.. فلا في الأصح) لندب ذلك للمأموم (٢)، والثاني: يقطعها؛ كالفتح على غير الإمام.
(ويقطع) الموالاة (السكوتُ الطويل) لإشعاره بالإعراض، والطويلُ: ما يُشعر مثلُه بقطع القراءة، (وكذا يسيرٌ قصد به قطعَ القراءة في الأصح) لتأثير الفعل مع النية؛ كنقل المودعَ الوديعة بنية الخيانة، فإنه يضمن وإن لم يَضمن بأحدهما منفردًا،
_________________
(١) في (ب): (أو آية عذاب).
(٢) أخرجه ابن حبان (٢٢٤١)، وأبو داوود (٩٠٧) عن المُسَوَّر بن يزيد ﵁.
[ ١ / ٢٣٦ ]
فَإِنْ جَهِلَ (الْفَاتِحَةَ) .. فَسَبْعُ آيَاتٍ مُتَوَالِيَةٍ، فَإِنْ عَجَزَ .. فَمُتَفَرِّقَةٍ. قُلْتُ: الأَصَحُّ الْمَنْصُوصُ: جَوَازُ الْمُتَفَرِّقَةِ مَعَ حِفْظِهِ مُتَوَالِيَةً، وَاللهُ أَعْلَمُ. فَإِنْ عَجَزَ .. أَتَى بِذِكْرٍ، وَلَا يَجُوزُ نَقْصُ حُرُوفِ ألْبَدَلِ عَنِ (الْفَاتِحَةِ) فِي الأَصَحِّ. فَإِنْ لَمْ يُحْسِنْ شَيْئًا .. وَقَفَ قَدْرَ (الْفَاتِحَةِ)
===
والثاني: لا يقطع؛ لأن كلًّا منهما لا يَضرّ منفردًا، فلا يَضرّ مُجتمعًا.
(فإن جهل الفاتحةَ) ولم يمكنه التعلم، ولا النظرُ في مصحف (.. فسبع آيات) ولا يترجم عنها، ولا ينتقل إلى الذكر؛ لأن القرآن بالقرآن أشبهُ، وإنما اشترط السبع؛ لأن هذا العدد مرعي في (الفاتحة)، فرُوعي في بدلِها، (متواليةٍ) (١) لأن المتوالية أشبهُ بـ (الفاتحة).
(فإن عَجَزَ) عنها (.. فمتفرقةٍ، قلت: الأصح المنصوص: جواز المتفرقة مع حفظه متواليةً، والله أعلم) كما في قضاء رمضان.
قال الإسنوي: والمعتمد: ما ذكره الرافعي، فإن الذين استند إليهم المصنفُ لم يُصرِّحوا بالجواز عند حفظ المتوالية بل أطلقوا، فيمكن حملُ إطلاقهم على ما قَيَّده غيرُهم (٢).
(فإن عَجَزَ) عن القرآن (.. أتى بذكرٍ) للأمر به؛ كما أخرجه الترمذي وحسنه (٣)، والأصحُّ: أنه لا يتعين شيء من الذكر.
(ولا يجوز نقصُ حروفِ البدلِ) من قرآن وغيره (عن) حروف (الفاتحة) وهي مئةٌ وخمسةٌ وخمسون حرفًا بالبسملة إلّا من أدغم أو قرأ (مالك) فإنها تنقص حرفًا وتزيد حرفًا (في الأصح) كما لا يجوز النقص عن آياتها، والثاني: يجوز؛ كما يكفي قضاءُ صوم يومٍ قصيرٍ عن يومٍ طويلٍ.
(فإن لم يحسن شيئًا) من قرآن ولا غيره، وعَجَزَ عن التعلم (.. وقف قدر الفاتحة) إذ القراءة والوقوف بقدرها كانا واجبين، فإذا تَعذَّر أحدُهما بقي الآخرُ.
_________________
(١) في (ب) و(د): (متواليات).
(٢) المهمات (٣/ ٥٧).
(٣) سنن الترمذي (٣٠٢) عن رفاعة بن رافع ﵁، وأخرجه ابن حبان (١٨٠٨)، وابن خزيمة (٥٤٤)، وأبو داوود (٨٣٢)، والنسائي (٢/ ١٤٣) عن ابن أبي أوفى ﵁.
[ ١ / ٢٣٧ ]
وَيُسَنُّ عَقِبَ (الْفَاتِحَةِ): (آمِينَ)، خَفِيفَةَ الْمِيمِ بِالْمَدِّ، وَيَجُوزُ الْقَصْرُ، وَيُؤَمِّنُ مَعَ تَأْمِينِ إِمَامِهِ، وَيَجْهَرُ بِهِ فِي الأَظْهَرِ. وَتُسَنُّ سُورَةٌ بَعْدَ (الْفَاتِحَةِ)،
===
(ويُسن عقب الفاتحة) لكل قال، وفي الصلاة آكدُ (آمين) للاتباع (١)، ولأن (الفاتحة) نصفُها دعاءٌ، فاستحب أن يسأل الله تعالى إجابتَه.
قال البيهقي في كتاب "فضائل الأوقات": وروينا من حديث عائشة مرفوعًا: "حَسَدَنَا الْيَهُودُ عَلَى الْقِبْلَةِ الَّتِي هُدِينَا إِلَيْهَا وَضَلُّوا عَنْهَا، وَعَلَى الْجُمُعَةِ، وَعَلَى قَوْلنَا خَلْفَ الإمَامِ: آمِينَ" (٢).
(خفيفةَ الميم بالمد، ويجوز القصر) والإمالة والتشديد، لكن الأولى أفصحُ وأشهر، و(آمين) اسمُ فعلٍ بمعنى: استجب.
(ويُؤمِّن مع تأمين إمامه) لأنه يؤمن لقراءته، لا لتأمينه (ويَجهر به) المأموم في الجهرية، هذا إذا أمن الإمامُ، فإن لم يُؤمن .. استحب للمأموم التأمينُ جهرًا قطعًا، قاله في "شرح المهذب" (٣)، (في الأظهر) كإمامه، وقد قال البخاري: قال عطاء: أَمَّنَ ابنُ الزبير ومن وراءه حتى إن للمسجد لَلَجَّةً (٤)، والثاني: يُسرّ به كسائر أذكاره، وأما الإمام والمنفرد: فيَجهران قطعًا، وقيل: فيهما وجهٌ شاذٌّ.
وأما السرية: فيُسرون فيها جميعُهم؛ كالقراءة، قال صاحب "الخصال": يَجهر المأمومُ خلف الإمام في أربع خصال: قوله: آمين، والقنوت في صلاة الصبح، وفي التراويح، وإذا فتح على إمامه.
(وتسن سورةٌ بعد الفاتحة) للاتباع (٥)، ويحصل أصلُ السنة بشيء من القرآن ولو آية، والأحوط: ثلاث آيات؛ ليكون قدرَ أقصرِ السور، لكن السورة وإن قصرتْ أولى من بعضِ سُوَرِه وإن طالت، كما قاله الرافعي في "الشرح الصغير"، واقتضاه كلامُ "الكبير"، ووقع في "الروضة" تقييدُ البعض بالمساوي، ثم نقل ذلك منها إلى
_________________
(١) أخرجه البخاري (٧٨٢) عن أبي هريرة ﵁.
(٢) فضائل الأوقات (ص ٤٦٠)، وأخرجه في "السنن الكبرى" (٢/ ٥٦).
(٣) المجموع (٣/ ٣٢٣).
(٤) في الأذان، باب: جهر الإمام بالتأمين، معلقًا.
(٥) أخرجه البخاري (٧٧٦)، ومسلم (٤٥١) عن أبي قتادة ﵁.
[ ١ / ٢٣٨ ]
إِلَّا فِي الثَّالِثَةِ وَالرَّابِعَةِ فِي الأَظْهَرِ. قُلْتُ: فَإِنْ سُبِقَ بِهِمَا .. قَرَأَهَا فِيهِمَا عَلَى النَّصِّ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَلَا سُورَةَ لِلْمَأْمُومِ، بَلْ يَسْتَمِعُ، فَإِنْ بَعُدَ
===
باقي كتبه، واعترضه في "المهمات" (١).
وأفهم قولُه: (بعد الفاتحة) أنه لو قدم السورةَ عليها .. لم تحسب، وهو المذهب المنصوص في "الأم" (٢).
ولو كَرَّر (الفاتحةَ) وقلنا: لا تبطل الصلاة .. لم تُحسَب المرةُ الثانية عن السورة قطعًا كما ذكره في "شرح المهذب" عن المتولّي وغيرِه (٣).
ويستثنى من استحباب السورة: فاقدُ الطهورين إذا كان جنبًا .. فلا يجوز له قراءتُها، وكذا صلاة الجنازة، والتنوين يدلّ على أن مرادَ المصنف غيرُها (٤).
(إلّا في الثالثة والرابعة) من الرباعية، والثالثةِ من المغرب (في الأظهر) لحديث أبي قتادة: (أنه ﷺ كان يقرأ في الظهر في الأخيرتين بأم الكتاب) متفق عليه (٥)، والثاني: تسن فيهما أيضًا؛ لثبوته في "مسلم" من فعله ﵊، وفي "الموطأ" من فعل الصديق ﵁ (٦).
(قلت: فإن سُبق بهما) أي: بالأُوليين (.. قرأها فيهما) أي: في الأخيرتين (على النص، والله أعلم) لئلا تَخلوَ صلاتُه من سورتين.
(ولا سورةَ للمأموم، بل يستمع) للنهي عنه؛ كما أخرجه الترمذي وحسنه (٧)، وقد قال تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾ الآية، (فإن بعد) بحيث لم يسمع
_________________
(١) الشرح الكبير (١/ ٥٠٧)، روضة الطالبين (١/ ٢٤٧)، المهمات (٣/ ٦٣).
(٢) الأم (٢/ ٢٤٨).
(٣) المجموع (٣/ ٣٤٢).
(٤) في غير (ب): (والتبويب يدل ).
(٥) صحيح البخاري (٧٧٦)، صحيح مسلم (٤٥١)، وفي (ب): (كان يقرأ في الظهر في الأخريين).
(٦) صحيح مسلم (٤٥٢) عن أبي سعيد الخدري ﵁، الموطأ (١/ ٧٩).
(٧) سنن الترمذي (٣١١)، وأخرجه ابن حبان (١٧٩٢)، والحاكم (١/ ٢٣٨)، وأبو داوود (٨٢٣)، والدارقطني (١/ ٣١٨) عن عبادة بن الصامت ﵁.
[ ١ / ٢٣٩ ]
أَوْ كَانَتْ سِرِّيَّةً .. قَرَأَ فِي الأَصَحِّ. وَيُسَنُّ لِلصُّبْحِ وَالظُّهْرِ طِوَالُ الْمُفَصَّلِ، وَلِلْعَصْرِ وَالْعِشَاءِ أَوْسَاطُهُ، وَلِلْمَغْرِبِ قِصَارُهُ،
===
قراءةَ إمامه، أو سمع صوتًا لا يُميّزه (أو كانت سرية .. قرأ في الأصح) لأن السكوت للسماع، وهو مُتعذِّر، والثاني: لا؛ لإطلاق النهي.
والصَّمَمُ كالبعد، والإسرار بالجهرية يُلحقها بالسرية كما جزم به في "أصل الروضة" و"شرح المهذب" (١).
(ويسن للصبح والظهر طوالُ المفصل، وللعصر والعشاء أوساطُه، وللمغرب قصاره) لما رواه الإمام أحمد والنسائي، وصححه ابنُ حبان عن سليمان بن يسار عن أبي هريرة ﵁ قال: (ما رأيت رجلًا أشبهَ صلاةً برسول الله ﷺ من فلان) لإمام كان في المدينة، قال سليمان: فصليتُ خلفَه، فكان يطيل الأُوليين من الظهر، ويُخفِّف الأُخريين، ويُخفِّف العصرَ، ويقرأ في الأُوليين من المغرب بقصار المفصل، ويقرأ في الأُوليين من العشاء بوسطه، ويقرأ في الغَداة بطوال المفصل (٢).
وظاهر كلامه: التسوية بين الصبح والظهر في الطوال، وكلام الروضة" و"أصلها" و"شرح المهذب" يقتضي نقصانَ الظهر عن الصبح، فإنهما قالا: ويقرأ في الظهر بما يقرب من القراءة في الصبح، وصرح به في "شرح مسلم" (٣).
ومحلُّ استحباب الطوال والأوساط للإمام: إذا رضي المأمومون المحصورون، ذكره المصنفُ في "التحقيق"، وشرحي "المهذب" و"مسلم" (٤)، قال الأَذْرَعي: ولم أره لغيره، وعباراتُ الأئمة تَرُدُّ عليه.
والمفصلُ آخرُه ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾، وفي أولِه عشرةُ أقوالٍ: أصحها في "التحقيق": من (الحجرات).
_________________
(١) روضة الطالبين (١/ ٢٤١)، المجموع (٣/ ٣١١).
(٢) مسند أحمد (٢/ ٣٣٠)، النسائي (٢/ ١٦٧)، ابن حبان (١٨٣٧).
(٣) روضة الطالبين (١/ ٢٤٧ - ٢٤٨)، الشرح الكبير (١/ ٥٠٧)، المجموع (٣/ ٣٣٨)، شرح صحيح مسلم (٤/ ١٠٦).
(٤) التحقيق (ص ٢٠٦)، المجموع (٣/ ٣٣٩)، شرح صحيح مسلم (٤/ ١٧٤، ١٨٣).
[ ١ / ٢٤٠ ]
وَلِصُبْحِ الْجُمُعَةِ: (المَ تنزِيلُ)، وَفِي الثَّانِيَةِ: (هَلْ أَتى). الْخَامِسُ: الرُّكُوعُ. وَأَقَلُّهُ: أَنْ يَنْحَنِيَ قَدْرَ بُلُوغِ رَاحَتَيْهِ رُكْبَتَيْهِ بِطُمَأْنِينَةٍ بِحَيْثُ يَنْفَصِلُ رَفْعُهُ عَنْ هُوِيِّهِ، وَلَا يَقْصِدُ بِهِ غَيْرَهُ، فَلَوْ هَوَى لِتِلَاوَةٍ فَجَعَلَهُ رُكُوعًا .. لَمْ يَكْفِ. وَأَكْمَلُهُ: تَسْوِيَةُ ظَهْرِهِ وَعُنُقِهِ،
===
وحكى الترمذي عن الشافعي أنه قال: لا أكره: أن يقرأ في المغرب بالسور الطوال؛ نحو: (الطور) و(المرسلات)، بل أَستحبُّه (١)، وحكاه البغوي في "شرح السنة" (٢).
(ولصبح الجمعة "ألم تنزيل"، وفي الثانية "هل أتى") بكمالهما؛ لثبوت ذلك في "الصحيحين" من فعله ﵊ (٣).
(الخامس: الركوع) بالإجماع.
(وأقله) في حق القائم (أن ينحني قدر بلوغ راحتيْه ركبتيْه) لو أراد وضعَهما عليهما بالانحناء، لا بالانخناس، مع اعتدال الخِلقة، وسلامة اليدين والركبتين؛ لأنه بدون ذلك لا يُسمَّى ركوعًا، والراحةُ: الكف، قاله الجوهري (٤)، (بطمأنينة) لقوله ﵊ للمسيء صلاته: "ثُمَّ أرْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا" متفق عليه (٥)، (بحيث ينفصل رفعُه عن هُوِيِّه) أي: يصبر حتى تستقر أعضاؤه في حال ركوعه، وينفصل هُويّه عن ارتفاعه منه، ولا تقوم زيادة الْهُويِّ مقام الطمأنينة.
(ولا يقصد به) أي: بالْهُويّ (غيرَه) أي: غيرَ الركوع، (فلو هوى لتلاوة فجعله ركوعًا .. لم يكف) لأنه صرفه إلى غير الواجب.
(وأكمله: تسوية ظهره وعنقه) أي: بمدهما كالصفيحة الواحدة؛ تأسيًا، كما أخرجه مسلم (٦).
_________________
(١) سنن الترمذي (٣٠٨).
(٢) شرح السنة (٢/ ٢٥٠).
(٣) صحيح البخاري (٨٩١)، صحيح مسلم (٨٨٠) عن أبي هريرة ﵁.
(٤) الصحاح (١/ ٣٢٤).
(٥) سبق تخريجه في (ص ٢٣٥).
(٦) صحيح مسلم (٤٩٨) عن عائشة ﵂.
[ ١ / ٢٤١ ]
وَنَصْبُ سَاقَيْهِ، وَأَخْذُ رُكْبَتَيْهِ بِيَدَيْهِ، وَتَفْرِقَةُ أَصَابِعِهِ لِلْقِبْلَةِ، وَيُكَبِّرُ فِي ابْتِدَاءِ هُوِيِّهِ، وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ كَإِحْرَامِهِ، وَيَقُولُ: (سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ) ثَلَاثًا، وَلَا يَزِيدُ الإِمَامُ، وَيَزِيدُ الْمُنْفَرِدُ: (اللَّهُمَّ؛ لَكَ رَكَعْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَلَكَ أَسْلَمْتُ، خَشَعَ لَكَ سَمْعِي وَبَصَرِي، وَمُخِّي وَعَظْمِي وَعَصَبِي، وَمَا اسْتَقَلَّتْ بِهِ قَدَمِي)
===
(ونصبُ ساقيه) وفَخذيْه إلى الْحَقْوِ، ولا يُثْنِي ركبتيْه؛ ليتمّ له تسويةُ ظهره، (وأخذُ ركبتيه بيديه، وتفرقة أصابعه) للاتباع (١)، ولأنه أعون (للقبلة) لأنها أشرف الجهات.
(ويكبر في ابتداء هويه، ويرفع يديه كإحرامه) لثبوته من فعله ﵇ في "الصحيحين" (٢).
(ويقول: سبحان ربي العظيم) لأنه ﷺ قاله في ركوعه، وقال في سجوده: "سُبْحَانَ رَبِّيَ الأَعْلَى" رواه مسلم وغيرُه (٣).
(ثلاثًا) لحديث: "إِذَا رَكَعَ أَحَدُكُمْ فَقَالَ: سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ .. فَقَدْ تَمَّ رُكُوعُهُ، وَذَلِكَ أَدْنَاهُ" رواه الترمذي، وقال: إن إسناده غير متصل؛ لأنه يرويه عون عن ابن مسعود ولم يلقه، لكنه اعتضد بفتوى أكثر أهل العلم (٤).
(ولا يزيد الإمامُ) على ذلك؛ تخفيفًا، إلّا إذا رضي المحصورون.
(ويزيد المنفرد: اللهم؛ لك ركعتُ، وبك آمنت، ولك أسلمتُ، خشع لك سمعي وبصري، ومخي وعظمي وعصبي) رواه مسلم، زاد ابن حبان في "صحيحه": (وما استقلَّتْ به قدمي) لله رب العالمين (٥).
_________________
(١) أخرجه ابن حبان (١٩٢٠)، والبيهقي (٢/ ١١٢) عن وائل بن حجر ﵁.
(٢) حديث التكبير عند الهُوي أخرجه البخاري (٨٠٣)، ومسلم (٣٩٢) عن أبي هريرة ﵁، وأما حديث رفع اليدين كإحرامه .. فأخرجه أيضًا البخاري (٧٣٥)، ومسلم (٣٩٠) عن ابن عمر ﵄.
(٣) صحيح مسلم (٧٧٢)، وأبو داوود (٨٧١)، والترمذي (٢٦٢)، وابن ماجه (٨٨٨) عن حذيفة بن اليمان ﵁.
(٤) سنن الترمذي (٢٦١)، وأخرجه أبو داوود (٨٦٩)، وابن ماجه (٨٩٠) عن ابن مسعود ﵁.
(٥) صحيح مسلم (٧٧١)، صحيح ابن حبان (١٩٠١) عن علي بن أبي طالب ﵁.
[ ١ / ٢٤٢ ]
السَّادِسُ: الاعْتِدَالُ قَائِمًا مُطْمَئِنًّا، وَلَا يَقْصدُ بِهِ غَيْرَهُ، فَلَوْ رَفَعَ فَزِعًا مِنْ شَيْءٍ .. لَمْ يَكْفِ. وَيُسَنُّ رَفْعُ يَدَيْهِ مَعَ ابْتِدَاءِ رَفْع رَأْسِهِ قَائِلًا: (سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ)، فَإِذَا انْتَصَبَ .. قَالَ: (رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ مِلْء السَّمَاوَاتِ وَمِلْءُ الأَرْضِ، وَمِلْءُ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ)، وَيَزِيدُ الْمُنْفَرِدُ: (أَهْلُ الثَّنَاءِ وَالْمَجْدِ، أَحَقُّ مَا قَالَ الْعَبْدُ، وَكُلُّنَا لَكَ عَبْدٌ، لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ).
وَيُسَنُّ الْقُنُوتُ فِي اعْتِدَالِ ثَانِيَةِ الصبْحِ،
===
والحكمة في وجوب القراءة في القيام، والتشهدِ في الجلوس، وعدمِ وجوب التسبيح في الركوع والسجود: أنه في القيام والقعود مُتلبِّس بالعادة، فوجب فيهما؛ ليتميزا عنها، بخلاف الركوع والسجود.
(السادس: الاعتدال قائمًا) كما كان قبل ركوعه؛ لقصة المسيء صلاته المتفق عليها (١).
(مطمئنًا) لحديث صحيح فيه، رواه الإمام أحمد وابنُ حبان في "صحيحه" (٢).
(ولا يقصد به غيره، فلو رفع فَزِعًا من شيء .. لم يكف) لما مرّ في الركوع.
(ويسن رفع يديه مع ابتداء رفع رأسه قائلًا: سمع الله من حمده، فإذا انتصب .. قال: ربنا لك الحمد مِلء السموات وملء الأرض، وملء ما شئتَ من شيء بعدُ، ويَزيد المنفردُ: أهلَ الثناء والمجد أحقُّ ما قال العبد، وكلُّنا لك عبدٌ، لا مانع لما أعطيتَ، ولا معطيَ لما منعتَ، ولا ينفع ذا الْجَدِّ منك الْجَدُّ) لثبوت ذلك كلَه عنه ﷺ (٣)، وفي معنى المنفرد: إمامُ محصورين رَضُوا بالتطويل.
(ويسن القنوت في اعتدال ثانية الصبح) لأنه ﵊ ما زال يَقْنُت في الفجر حتى فارق الدنيا، صححه غيرُ واحد من الحفاظ؛ كما قاله ابن الصلاح، قال
_________________
(١) سبق تخريجه في (ص ٢٣٥).
(٢) مسند أحمد (٤/ ٣٤٠)، صحيح ابن حبان (١٧٨٧) عن رفاعة بن رافع ﵁.
(٣) أخرجه البخاري (٤٥٦٠)، ومسلم (٤٧٦، ٤٧٧، ٦٧٥) عن أبي هريرة، وابن أبي أوفى، وأبي سعيد الخدري ﵃.
[ ١ / ٢٤٣ ]
وَهُوَ: (اللَّهُمَّ، اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْتَ ) إِلَى آخِرِهِ، وَالإِمَامُ بِلَفْظِ الْجَمْعِ ..
===
البيهقي: ورواة القنوت بعد الركوع أكثرُ وأحفظُ (١).
(وهو: اللهم، اهدني فيمن هديت إلى آخره) للاتباع، كما رواه أبو داوود والترمذي والنسائي وغيرُهم بإسناد صحيح؛ كما قاله في "شرح المهذب" (٢).
وظاهر كلام المصنف: أنه يأتي بالقنوت عَقِبَ ذكر الاعتدالِ بكماله، قال الإسنوي: وفي "التهذيب" عن الشافعي ما يشهد له (٣).
لكن نقل في "الإقليد" عن ظاهر كلام الشافعي أنه لا يَزيد على قوله: "سمع الله من حمده، ربنا لك الحمد"، وعليه اقتصر ابن الرفعة، لئلا يطول الاعتدالُ الذي هو ركن قصيرٌ (٤).
(والإمامُ بلفظ الجمع) لأن البيهقي رواه من حديث ابن عباس بلفظ الجمع بإسناد جيد (٥)، ولا يَتأتَّى حملُ ذلك على المنفرد، فتعين حملُه على الإمام، ولأنه يُكره للإمام تخصيصُ نفسه بالدعاء، لما رواه أبو داود والترمذي: "لَا يَؤُمُّ عَبْدٌ قَوْمًا فَيَخُصَّ نَفْسَهُ بِدَعْوَةٍ دُونَهُمْ، فَإِنْ فَعَلَ .. فَقَدْ خَانَهُمْ" (٦).
وقضية هذا الحديث: طرد ذلك في سائر أدعية الصلاة، وبه صرّح القاضي الحسين والغزالي في "الإحياء"، ونقله ابن المنذر في "الإشراف" عن الشافعي (٧)، ولم يذكر الجمهورُ التفرقةَ بين الإمام وغيرِه إلّا في القنوت، وكأن الفرق بين القنوت وغيره: أن الكلَّ مأمورون بالدعاء، بخلاف القنوت فإن المأمومَ يُؤمِّن فقط.
_________________
(١) أخرجه المقدسي في "المختارة" (٢١٢٧)، وأحمد (٣/ ١٦٢)، والدارقطني (٢/ ٣٩)، والبيهقي (٢/ ٢٠١، ٢٠٤) عن أنس بن مالك ﵁.
(٢) سنن أبي داوود (١٤٢٥)، سنن الترمذي (٤٦٤)، سنن النسائي (٣/ ٢٤٨) عن الحسن بن علي ﵄، المجموع (٣/ ٤٥٩).
(٣) المهمات (٣/ ٧٨).
(٤) كفاية النبيه (٣/ ١٧٤).
(٥) سنن البيهقي (٢/ ٢١٠).
(٦) سنن أبي داوود (٩٠)، سنن الترمذي (٣٥٧) عن ثوبان بن بجدد ﵁.
(٧) إحياء علوم الدين (١/ ١٧٧).
[ ١ / ٢٤٤ ]
وَالصَّحِيحُ: سَنُّ الصلَاةِ عَلَى رَسولِ اللهِ ﷺ فِي آخِرِهِ، وَرَفْعِ يَدَيْهِ، وَلَا يَمْسَحُ وَجْهَهُ، وَأَنَّ الإِمَامَ يَجْهَرُ بِهِ، وَأَنَّهُ يُؤَمِّنُ الْمَأْمُومُ لِلدُّعَاءِ وَيَقُولُ الثَّنَاءَ، فَإِنْ لَمْ يَسْمَعْهُ .. قَنَتَ
===
(والصحيح: سن الصلاة على رسول الله ﷺ في آخره) لوروده في "النسائي" في قنوت الوتر في حديث الحسن بإسناد صحيح أو حسن؛ كما ذكره في "شرح المهذب" (١)، والثاني: لا يسن بل لا يجوز، حتى تبَطلُ الصلاةُ بذلك بناء على بطلانها بنقل الركن القولي إلى غير موضعِه.
(ورفعِ يديه) للاتباع؛ كما أخرجه البيهقي (٢)، والثاني: لا؛ لأنه دعاء، فلا يُستحب فيه الرفعُ؛ قياسًا على الدعاء في التشهد وغيره.
(ولا يمسح وجهَه) لأنه لم يُؤثَر؛ كما قاله البيهقي (٣)، والثاني: نعم؛ لحديثٍ واهٍ مطلق، لا مقيدٍ بالقنوت (٤)، (وأن الإمام يجهر به) للاتباع؛ كما أخرجه البخاري (٥)، والثاني: لا؛ كسائر الأدعية المشروعةِ في الصلاة، أما المنفرد .. فيُسرّ قطعًا.
(وأنه يُؤمِّن المأموم للدعاء) للاتباع؛ كما صححه الحاكم (٦).
(ويقول الثناءَ) لأنه ثناءٌ وذكرٌ، فكان الموافقةُ فيه أليقَ بخلاف التأمين، وقيل: يؤمن في الكلّ، وقيل: يوافقه في الكلّ؛ كالاستعاذة، وقيل: يتخير بين التأمين والقنوت، وكلُّ ذلك إن قلنا: يَجهر الإمامُ، وإلّا .. قنت المأمومُ؛ كسائر الأذكار.
(فإن لم يسمعه .. قنت) ندبًا، وقيل: لا، وهما كالوجهين المارين في قراءة السورة والحالة هذه، ولو سمع صوتًا ولم يَفهم معناه .. فقضيةُ كلامهم: أنه كمن لم يسمع.
_________________
(١) سنن النسائي (٣/ ٢٤٨)، المجموع (٣/ ٤٦٢).
(٢) سنن البيهقي (٢/ ٢١١) عن أنس بن مالك ﵁.
(٣) سنن البيهقي (٢/ ٢١٢).
(٤) أخرجه أبو داوود (١٤٨٥)، وابن ماجه (٣٨٦٦) عن ابن عباس ﵄.
(٥) صحيح البخاري (٤٥٦٠) عن عبد الله بن عمر ﵄.
(٦) المستدرك (١/ ٢٢٥)، وأخرجه أبو داوود (١٤٤٣) عن ابن عباس ﵄.
[ ١ / ٢٤٥ ]
وَيُشْرَعُ الْقُنُوتُ فِي سَائِرِ الْمَكْتُوبَاتِ لِلنَّازِلَةِ لَا مُطْلَقًا عَلَى الْمَشْهُورِ. السَّابعُ: السُّجُودُ. وَأَقَلُّهُ: مُبَاشَرَةُ بَعْضِ جَبْهَتِهِ مُصَلَّاهُ، فَإِنْ سَجَدَ عَلَى مُتَّصِلٍ بِهِ .. جَازَ إِنْ لَمْ يَتَحَرَّكْ بِحَرَكَتِهِ. وَلَا يَجِبُ وَضْعُ يَدَيْهِ وَرُكْبَتَيْهِ وَقَدَمَيْهِ فِي الأَظْهَرِ. قُلْتُ: الأَظْهَرُ: وُجُوُبهُ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
===
(ويشرع القنوت في سائر المكتوبات للنازلة) كالوَباء والقَحْط والْجَراد، لأحاديث بئر معونةَ في الصحيح (١).
(لا مطلقًا على المشهور) لأنه ﵇ لم يَقنُت إلّا عند النازلة، والثاني: يتخير، لأنه دعاءٌ، فيَتخير فيه بين الفعل والترك.
(السابع: السجود) بالإجماع، (وأقله: مباشرة بعضِ جبهتِه مصلاه) لأن دونه لا يُسمّى سجودًا، وقيل: يَجب وضعُ جميعها.
ويستثنى من وجوب مباشرةِ الجبهة: ما إذا عَصَبَ جبهتَه لجراحة عمّتْها، أو مرضٍ يَشُقُّ معه إزالتُها؛ فإنه يصحّ السجودُ عليها على الأصحِّ، ولا قضاءَ حيث لا نجاسةَ تحت العصابة، ولو نبت على جبهته شعر وعَمَّها فسجد عليه .. لم يضرّ، ذكره البغوي في "فتاويه".
(فإن سجد على متصل به .. جاز إن لم يتحرك بحركته) كطرف ذيله وكُمِّه الطويل؛ لأنه في حكم المنفصل عنه، فإن تحرك بحركته في قيامٍ أو قعودٍ أو غيرِهما .. لم يَجُزْ، وفُهم منه المنعُ على اليد بطريق الأولى.
نعم؛ لو كان بيده نحوُ عودٍ فسجد عليه .. جاز، ذكره في "شرح المهذب" في الكلام على تقليبِ ورقِ المصحف (٢).
(ولا يجب وضع يديه، وركبتيه، وقدميه في الأظهر) لأنه لو وجب وضعها .. لوجب الإيماءُ بها عند العجز؛ كالجبهة، (قلت: الأظهر: وجوبه، والله أعلم) لقوله ﷺ: "أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ: الْجَبْهَةِ" وأشار إلى أنفه "وَالْيَدَيْنِ، وَالرُّكْبَتَيْنِ، وَأَطْرَافِ الْقَدَمَيْنِ" متفق عليه (٣).
_________________
(١) أخرجه البخاري (١٠٠٢)، ومسلم (٦٧٧) عن أنس بن مالك ﵁.
(٢) المجموع (٢/ ٨٥).
(٣) صحيح البخاري (٨٠٩)، صحيح مسلم (٤٩٠) عن ابن عباس ﵄.
[ ١ / ٢٤٦ ]
وَيَجِبُ أَنْ يَطْمَئِنَّ وَيَنَالَ مَسْجَدَهُ ثِقَلُ رَأْسِهِ، وَأَلَّا يَهْوِيَ لِغَيْرِهِ، فَلَوْ سَقَطَ لِوَجْهِهِ .. وَجَبَ الْعَوْدُ إِلَى الاعْتِدَالِ، وَأَنْ تَرْتَفِعَ أَسَافِلُهُ عَلَى أَعَالِيهِ فِي الأَصَحِّ. وَأَكْمَلُهُ: يُكَبِّرُ لِهُوِيِّهِ بِلَا رَفْعٍ، وَيَضَعُ رُكْبَتَيْهِ ثُمَّ يَدَيْهِ ثُمَّ جَبْهَتَهُ وَأَنْفَهُ،
===
(ويجب أن يطمئن) لحديث المسيء صلاته (١)، (وينال مَسجَده ثقلُ رأسه) لحديث: "وَإِذَا سَجَدْتَ .. فَمَكِّنْ جَبْهَتَكَ مِنَ الأَرْضِ، وَلَا تَنْقُرْ نَقْرًا" رواه ابنُ حبان في "صحيحه" (٢).
وينال معناه: يُصيب ويُحصِّل، ومعنى الثقل: أن يتحامل بحيث لو فُرِضَ تحته حَشيشٌ أو قطن .. لانكبس وظَهَرَ أثرُه على يده لو فُرضتْ تحت ذلك، والمسجد هنا منصوب، والثقل فاعل.
(وألّا يَهْوِيَ لغيره) أي: لغير السجود؛ لما مرّ في الركوع، (فلو سقط) على الأرض (لوجهه) قبل قصد الْهُوِيِّ (.. وجب العود إلى الاعتدال) ليسجد منه؛ لأنه لا بدّ من نية أو فعل، ولم يوجد واحدٌ منهما.
(وأن ترتفع أسافلُه على أعاليه في الأصح) للاتباع؛ كما أخرجه أبو داوود والنسائي، وصححه ابن حبان (٣)، والثاني: يجوز مساواتُهما؛ لحصول اسم السجود، فلو ارتفعت الأعالي .. لم يجز جزمًا.
(وأكمله: يكبر لهويه (٤) بلا رفع (٥)، ويضعُ ركبتيه، ثم يديه) (٦) أي: كفيه (ثم جبهته وأنفه) للاتباع (٧).
_________________
(١) أخرجه البخاري (٧٥٧)، ومسلم (٣٩٧/ ٤٥) عن أبي هريرة ﵁.
(٢) صحيح ابن حبان (١٨٨٧) عن ابن عمر ﵄.
(٣) سنن أبي داوود (٨٩٦)، سنن النسائي (٢/ ٢١٢)، صحيح ابن حبان (١٩١٦) عن البراء بن عازب ﵁.
(٤) أخرجه البخاري (٧٨٥)، ومسلم (٣٩٢) عن أبي هريرة ﵁.
(٥) أخرجه البخاري (٧٣٥)، ومسلم (٣٩٠) عن ابن عمر ﵄.
(٦) أخرجه ابن خزيمة (٦٢٦)، وابن حبان (١٩١٢)، والحاكم (١/ ٢٢٦)، وأبو داوود (٨٣٨)، والترمذي (٢٦٨)، وابن ماجه (٨٨٢)، والنسائي (٢/ ٢٠٦) عن وائل بن حُجر ﵁.
(٧) أخرجه البخاري (٦٦٩)، ومسلم (١١٦٧) عن أبي سعيد الخدري ﵁.
[ ١ / ٢٤٧ ]
وَيَقُولُ: (سُبْحَانَ رَبِّيَ الأَعْلَى) ثَلَاثًا، وَيَزِيدُ الْمُنْفَرِدُ: (اللَّهُمَّ؛ لَكَ سَجَدْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَلَكَ أَسْلَمْتُ، سَجَدَ وَجْهِيَ لِلَّذِي خَلَقَهُ وَصَوَّرَهُ، وَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ، تَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ)، وَيَضَعُ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ، وَيَنْشُرُ أَصابِعَهُ مَضْمُومَةً لِلْقِبْلَةِ. وَيُفَرِّقُ رُكْبَتَيْهِ، وَيَرْفَعُ بَطْنَهُ عَنْ فَخِذَيْهِ، وَمِرْفَقَيْهِ عَنْ جَنْبَيْهِ، فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ، وَتَضمُّ الْمَرْأَةُ وَالْخُنْثَى
===
(ويقول: سبحان ربي الأعلى ثلاثًا) للحديث المار في الركوع (١)، (ويزيد المنفرد: اللهم؛ لك سجدت، وبك آمنت، ولك أسلمتُ، سجد وجهيَ للذي خلقه وصوَّره، وشق سمعه وبصرَه، تبارك الله أحسن الخالقين) كذا رواه مسلم بهذا اللفظ، زاد في "الروضة": (بحوله وقوته) قبل (تبارك الله) (٢).
واحترز بـ (المنفرد): عن الإمام وقد مرّ حكمه.
(ويضع يديه حذو منكبيه) أي: مقابلهما؛ لحديث صحيح في ذلك (٣)، (وينشر أصابعه (٤) مضمومةً للقبلة (٥)، ويفرّق ركبتيه (٦)، ويرفع بطنه عن فخذيه (٧)، ومرفقيه عن جنبيه، في ركوعه وسجوده) للاتباع (٨).
وقوله: (في ركوعه وسجوده) يعود إلى الثلاث.
(وتضم المرأة) بعضها إلى بعض وتلُصق بطنَها بفخذيْها؛ لأنه أسترُ لها، (والخنثى) احتياطًا، وليس في "المحرّر" و"الشرح" (٩).
_________________
(١) فائدة فيها بشرى: روى ابن حبان في "صحيحه" [١٧٣٤] من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعًا: أن العبد إذا قام يصلي .. أتي بذنوبه فوضعت على رأسه أو عاتقه، فكلما ركع وسجد .. تساقطت عنه. اهـ هامش (أ).
(٢) صحيح مسلم (٧٧١) عن علي بن أبي طالب ﵁، روضة الطالبين (١/ ٢٥٩).
(٣) أخرجه مسلم (٤٠١)، وأبو داوود (٧٢٣) والنسائي (٢/ ١٢٦) عن وائل بن حُجر ﵁.
(٤) أخرجه البخاري (٨٢٨) عن أبي حُميد الساعدي ﵁.
(٥) أخرجه الحاكم (١/ ٢٢٨) عن عائشة ﵂، وابن خزيمة (٦٤٣) عن أبي حُميد الساعدي ﵁، والبيهقي (٢/ ١١٣) عن البراء بن عازب ﵁.
(٦) أخرجه أبو داوود (٧٣٥) عن أبي حُميد الساعدي ﵁.
(٧) أخرجه مسلم (٤٩٦، ٤٩٧)، وأبو داوود (٨٩٨) عن ميمونة ﵂.
(٨) أخرجه البخاري (٣٩٠)، ومسلم (٤٩٥) عن عبد الله بن مالك ﵁.
(٩) المحرر (ص ٣٥).
[ ١ / ٢٤٨ ]
الثَّامِنُ: الْجُلُوسُ بَيْنَ سَجْدَتيهِ مُطْمَئِنًّا .. وَيَجِبُ: أَلَّا يَقْصِدَ بِرَفْعِهِ غَيْرَهُ، وَأَلَّا يُطَوِّلَهُ وَلَا الاعْتِدَالَ. وَأَكْمَلُهُ: يُكَبِّرُ وَيَجْلِسُ مُفْتَرِشًا، وَاضِعًا يَدَيْهِ قَرِيبًا مِنْ رُكْبَتَيْهِ، وَيَنْشرُ أَصَابِعَهُ قَائِلًا: (رَبِّ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي وَاجْبُرْنِي وَارْفَعْنِي وَارْزُقْنِي وَاهْدِنِي وَعَافِنِي). ثُمَّ يَسْجُدُ الثَّانِيَةَ كَالأُولَى. وَالْمَشْهُورُ: سَنُّ جَلْسَةٍ خَفِيفَةٍ بَعْدَ السَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ يَقُومُ عَنْهَا
===
(الثامن: الجلوس بين سجدتيه مطمئنًا) لحديث المسيء صلاته (١)، (ويجب ألّا يقصد برفعه غيرَه) لما مر في الركوع، (وألّا يُطوِّله ولا الاعتدالَ) لأنهما ركنان قصيران كما سيأتي في (باب سجود السهو).
(وأكمله: يكبر ويجلس مفترشًا) للاتباع (٢) (واضعًا يديه قريبًا من ركبتيه) لأنه أسهلُ.
(وينشر أصابعه) إلى القبلة كما في التشهد (قائلًا: رب اغفر لي، وارحمني، واجبرني، وارفعني، وارزقني، واهدني، وعافني) للاتباع، كما رواه الحاكم (٣).
(ثم يسجد الثانيةَ كالأولى) في الأقلّ والأكملِ.
والحكمة في تكرار السجود دون غيره: أنه أبلغُ في التواضع، ولأن الشارعَ لما أمرنا بالدعاء فيه، وأخبرنا بأنه حقيقٌ بالإجابة .. سجدنا ثانيًا، شكرًا لله تعالى على إجابتِنا لما طلبناه، كما هو المعتاد في مَنْ سأل ملكًا شيئًا فأجابه.
(والمشهور: من جلسة خفيفة بعد السجدة الثانية في كل ركعة يقوم عنها) للاتباع؛ كما أخرجه البخاري (٤)، والثاني: لا يُسنّ، لأن أكثرَ الأحاديث لم يَرِدْ فيها ذلك، كما قاله الإمام أحمد.
وشمل قوله: (كل ركعة) الفرضَ والنفلَ وهو كذلك، وهل المراد بقوله: (في كل ركعة يقوم عنها) فِعلًا أو مشروعيةً؟ صرح البغوي في "فتاويه" بالأول، فقال:
_________________
(١) سبق تخريجه في (ص ٢٣٥).
(٢) أخرجه البخاري (٨٢٨) عن أبي حُميد الساعدي ﵁.
(٣) المستدرك (١/ ٢٧١) عن ابن عباس ﵄.
(٤) صحيح البخاري (٨٢٣) عن مالك بن الحُوَيرث ﵁.
[ ١ / ٢٤٩ ]
التَّاسِعُ وَالْعَاشِرُ وَالْحَادِيَ عَشَرَ: التَّشَهُّدُ، وَقُعُودُهُ، وَالصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ. فَالتَّشَهُّدُ وَقُعُودُهُ إِنْ عَقَبَهُمَا سَلَامٌ .. فَرُكْنَانِ، وَإِلَّا .. فَسُنَّتَانِ،
===
إذا صلّى أربعَ ركعاتٍ بتشهد .. جَلَسَ للاستراحة في كل ركعةٍ منها، لأنها إذا ثبتت في الأوتار .. ففي محلّ التشهد أولى.
وخرج بـ (يقوم عنها): المصلِّي قاعدًا.
(التاسع والعاشر والحادي عشر: التشهد) وهو: (التحيات ) إلى (وأن محمدًا رسول الله) سمي تشهدًا، لأن فيه الشهادتين، من باب تسمية الكل باسم الجزء.
(وقعوده، والصلاة على النبي ﷺ):
أما التشهد .. فلقول ابن مسعود: (كنا نقول قبل أن يُفرَض علينا التشهدُ: السلام على الله، السلام على فلان، فقال النبي ﷺ: "قُولُوا: التَّحِيَّاتُ لله ") إلى آخره، رواه الدارقطني والبيهقي، وقالا: إسناده (١)، صحيح، وإذا ثبت وجوبُ التشهد .. وجب القعودُ له؛ لأن كلّ من أوجبه .. أوجب فيه القعودَ.
وأما الصلاة على النبي ﷺ .. فلحديث: (قد عرفنا كيف نُسلِّم عليك، فكيف نُصلّي عليك؟ قال: "قُولُوا: اللَّهُمَّ؛ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ ") إلى آخره، متفق عليه (٢).
واستدل الشافعي له بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾، فقال: الآية تَقتضي الوجوبَ، وأولى أحوال ذلك هو الصلاةُ (٣).
(فالتشهد وقعودُه إن عَقَبَهما سلام .. فركنان) لما مرّ، (وإلّا .. فسنتان) لأنهما جُبرا بالسجود، كما ثبت في "الصحيحين" (٤)، والركن لا يُجبَر بالسجود.
_________________
(١) سنن الدارقطني (١/ ٣٥٠)، سنن البيهقي (٢/ ٣٧٧ - ٣٧٨).
(٢) صحيح البخاري (٤٧٩٧)، صحيح مسلم (٤٠٦) عن كعب بن عُجْرة ﵁.
(٣) الأم (١/ ٢٧٠).
(٤) صحيح البخاري (٨٢٩)، صحيح مسلم (٥٧٠) عن عبد الله بن بُحَيْنة ﵁.
[ ١ / ٢٥٠ ]
وَكَيْفَ قَعَدَ .. جَازَ. ويُسَنُّ فِي الأَوَّلِ: الافْتِرَاشُ؛ فَيَجْلِسُ عَلَى كَعْبِ يُسْرَاهُ، وَيَنْصِبُ يُمْنَاهُ، وَيَضَعُ أَطْرَافَ أَصَابِعِهِ لِلْقِبْلَةِ، وَفِي الآخِرِ: التَّوَرّكُ، وَهُوَ كَالَافْتِرَاشِ، لكِنْ يُخْرِجُ يُسْرَاهُ مِنْ جِهَةِ يَمِينِهِ وَيُلْصقُ وَرِكَهُ بِألأَرْضِ. وَالأَصَحُّ: يَفْتَرِشُ الْمَسْبُوقُ وَالسَّاهِي. وَيَضَعُ فِيهِمَا يُسْرَاهُ عَلَى طَرَفِ رُكْبَتِهِ مَنْشُورَةَ الأَصَابِعِ بِلَا ضَمٍّ
===
(وكيف قعد) في التشهدين (.. جاز) بالإجماع.
(ويسن في الأول: الافتراش، فيجلس على كَعْب يسراه) بعد أن يُضجعها بحيث يَلي ظهرُها الأرضَ؛ كما صرح به في "المحرّر" (١).
(وينصب يمناه) أي: قدمَه اليمنى (ويضع أطراف أصابعه) على الأرض متوجهةً (للقبلة) للاتباع (٢).
(وفي الآخِر: التَّورُّك، وهو كالافتراش) في الكيفية (لكن يُخرِج يسراه من جهة يمينه، ويُلصِق وَرِكه بالأرض) للاتباع أيضًا؛ كما أخرجه البخاري (٣)، وإنما خولف بين التشهدين؛ لأنه أقربُ إلى عدم اشتباه عددِ الركعات، ولأنّ المسبوق إذا رآه .. عَلِمَ في أيّ التشهدين هو.
والحكمة في التخصيص: أن التشهد الأولَ خفيفٌ، والمصلّي بعده يبادر إلى القيام، فناسب فيه الافتراش؛ لأنه هيئةُ المستوفِز، وأما الأخير .. فليس بعده عملٌ، بل يُسنّ فيه المكثُ للتسبيحات، والدعاء، وانصرافِ النسوة ونحوِ ذلك، فناسب فيه التورك.
(والأصح: يفترش المسبوق والساهي) أي: من يَسجد لسهو ولو كان عامدًا؛ لأنه ليس آخرَ صلاتِهما، والثاني: يَتورَّكان: الأولُ متابعةً لإمامه، والثاني لأنه قعودٌ لآخر الصلاة.
(ويضع فيهما) أي: في التشهدين (يسراه على طرف ركبته) بحيث تسامت رؤوسُها الركبةَ؛ للاتباع (منشورةَ الأصابع بلا ضم) أي: يُفرِّجها تفريجًا متوسطًا،
_________________
(١) المحرر (ص ٣٦).
(٢) أخرجه البخاري (٨٢٨) عن أبي حُميد الساعدي ﵁.
(٣) وهو حديث أبي حُميد ﵁.
[ ١ / ٢٥١ ]
قُلْتُ: الأَصَحُّ: الضَّمُّ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَيَقْبضُ مِنْ يُمْنَاهُ الْخِنْصِرَ وَالْبِنْصِرَ، وَكَذَا الْوُسْطَى فِي الأَظْهَرِ، وَيُرْسِلُ الْمُسَبِّحَةَ وَيَرْفَعُهَا عِنْدَ قَوْلهِ: (إِلَّا اللهُ)، وَلَا يُحَرِّكُهَا،
===
وهكذا كلُّ موضع أُمِرَ فيه بالتفريخ، (قلت: الأصح: الضم، والله أعلم) لأن نشرها يُزيل الإبهام عن القبلة.
(ويقبض من بمناه) بعد وضعها على فخذه اليمنى (الخنصرَ والبنصرَ، وكذا الوسطى في الأظهر) للاتباع، كما رواه مسلم (١)، والثاني: يُحلِّق بين الوسطى والإبهام؛ لرواية أبي في اوود عن فعله ﵊ (٢).
وفي كيفية التحليق وجهان: أصحهما: أنه يُحلِّق بينهما برأسيْهما، والثاني: يضع أنملة الوسطى بين عقدتي الإبهام.
(ويرسل المسبحة) في كل التشهد؛ للاتباع (٣)، (ويرفعها عند قوله: إلّا الله) للاتباع أيضًا (٤)، وينوي بذلك التوحيدَ والإخلاصَ.
والحكمة في ذلك: هي الإشارة إلى أن المعبودَ ﷾ واحدٌ؛ ليَجمع في توحيده بين القول والفعل والاعتقادِ، وأما كون الرفع عند الهمز: فلأنّه حال إثبات الوحدانية لله تعالى.
والحكمة في اختصاص المسبحة بذلك: أن لها اتصالًا بنياط القلب، فكأنّها سببٌ لحضوره.
(ولا يُحرّكها) عند رفعها؛ لأنه ﵇ كان لا يفعله، رواه أبو داوود (٥)، وقيل: يستحب تحريكها، وقد صحّ تحريكُها وعدمُه عن فعله ﵇؛ كما قاله البيهقي (٦).
_________________
(١) صحيح مسلم (٥٨٠) عن ابن عمر ﵄.
(٢) سنن أبي داوود (٩٥٧) عن وائل بن حُجر ﵁.
(٣) أخرجه مسلم (٥٨٠) عن ابن عمر ﵄.
(٤) أخرجه البيهقي (٢/ ١٣٣) عن ابن عباس ﵄.
(٥) سنن أبي داوود (٩٨٩) عن عبد الله بن الزبير ﵄.
(٦) سنن البيهقي (٢/ ١٣٠ - ١٣٣).
[ ١ / ٢٥٢ ]
وَالأَظْهَرُ: ضَمُّ الإِبْهَامِ إِلَيْهَا كَعَاقِدِ ثَلَاثَةٍ وَخَمْسِينَ. وَالصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَرْضٌ فِي التَّشَهُّدِ الأَخِيرِ، وَالأَظْهَرُ: سَنُّهَا فِي الأَوَّلِ. وَلَا تُسُنُّ عَلَى الآلِ فِي الأَوَّلِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَتُسَنُّ فِي الأَخِيرِ، وَقِيلَ: تَجِبُ
===
(والأظهر: ضمّ الإبهام إليها كعاقد ثلاثة وخمسين) لرواية مسلم عن ابن عمر ذلك عن فعله ﵇ (١)، والثاني: يُرسل الإبهامَ أيضًا مع طول المسبحة، وقيل: يَضعها على إصبعه الوسطى كأنه عاقد ثلاثةٍ وعشرين؛ لحديث ابن الزبير في ذلك عند مسلم (٢).
وصورة عقد ثلاثة وخمسين عند الفقهاء: وضعُ رأس الإبهام عند أسفل المسبحة على طرف الراحة، ومنهم من قرّره بجعل الإبهام مقبوضةً تحت المسبحة.
قال في "الدقائق": (عقد ثلاثةٍ وخمسين شرطُها عند الحُسَّاب: وضعُ طرف الْخِنصر على البِنصر، والمستحبّ هنا: وضعُهما معًا على الراحة وهي التي سماها الحُسَّاب تسعةً وخمسين، وإنما عبر الفقهاء بالأول دون الثاني تبعًا لرواية ابن عمر) (٣).
وأجاب في "الإقليد": بأن عِبرة وضعِ الْخِنصر على البِنصر في عَقد ثلاثةٍ وخمسين وهي طريقة أقباط مصر، ولم يَعتبر غيرُهم فيها ذلك.
(والصلاة على النبي ﷺ فرضٌ في التشهد الأخير) لما مرّ.
(والأظهر: سَنُّها في الأول) لأنها ذكرٌ يجب في الأخير، فيسن في الأول؛ كالتشهد، والثاني: لا؛ لبنائه على التخفيف.
(ولا تسن على الآل في الأول على الصحيح) لبنائه على التخفيف، والثاني: يسن؛ كالصلاة، واختاره الأَذرَعي وغيرُه؛ لصحة الأحاديث فيه، ولا تطويل في قوله: (وآله).
(وتسن في الأخير، وقيل: تجب) لقوله ﵇ في الحديث المار:
_________________
(١) صحيح مسلم (٥٨٠).
(٢) صحيح مسلم (٥٧٩).
(٣) دقائق المنهاج (ص ٤٤).
[ ١ / ٢٥٣ ]
وَأَكْمَلُ التَّشَهُّدِ مَشْهُورٌ. وَأَقَلُّهُ: (التَّحِيَّاتُ للهِ، سَلَامٌ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، سَلَامٌ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ)، وَقِيلَ: يَحْذِفُ (وَبَرَكَاتُهُ) وَ(الصَّالِحِينَ)،
===
"قُولُوا: اللَّهُمَّ؛ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ" (١).
وآله: هم بنو هاشم وبنو المطلب، وقيل: كلّ مسلم، واختاره في "شرح مسلم" (٢).
(وأكمل التشهد: مشهور) وفيه أحاديث صحيحة، واختار الشافعي رواية ابن عباس وهي: (التحيات المباركات الصلوات الطيبات لله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله) رواه مسلم (٣).
وإنما قدمت على رواية ابن مسعود (٤)، وهي: (التحيات لله، والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسولُه) .. لزيادة (المباركات) على وفق قوله تعالى: ﴿فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾، ولأنّ صغرَ الراوي تَقوى معه رجحانُ التأخير، ولأنّ في لفظ ابن عباس ما يَدلُّ على ضبط لفظ رسول الله ﷺ، فإنه قال: (كان يعلمنا ذلك كما كان يعلمنا السورة من القرآن).
(وأقله: التحيات لله، سلام عليك أيها النبي ورحمةُ الله وبركاتُه، سلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله) لأن هذه الكلمات تأتي على معنى الجميع، ولورود إسقاط (المباركات) وما يليها في بعض الروايات؛ كما قاله في "شرح المهذب" (٥).
(وقيل: يحذف وبركاته والصالحين) أما حذف الأولى .. فرواه الصَّيْدَلاني عن
_________________
(١) سبق تخريجه في (ص ٢٥٠).
(٢) شرح صحيح مسلم (٤/ ١٢٤).
(٣) صحيح مسلم (٤٠٣).
(٤) أخرجها البخاري (٨٣١)، ومسلم (٤٠٢).
(٥) المجموع (٣/ ٤٢٢).
[ ١ / ٢٥٤ ]
وَيَقُولُ: (وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُهُ). قُلْتُ: الأَصَحُّ: (وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ)، وَثَبَتَ فِي "صَحِيحِ مُسْلِمٍ"، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَأَقَلُّ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَآلِهِ: (اللَّهُمَّ، صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ)، وَالزِّيَادَةُ إِلَى (حَمِيدٌ مَجِيدٌ) سُنَّةٌ فِي الأَخِيرِ،
===
الشافعي ﵁، ولا وجهَ له، وأما (الصالحين) .. فلأن (العباد) إذا أضيفتْ إلى الله تعالى .. انصرفتْ إلى الصالحين.
(ويقول: وأن محمدًا رسولُه، قلت: الأصح: وأن محمدًا رسولُ الله، وثبت في "صحيح مسلم"، والله أعلم) مراده: جواز إسقاط (أشهد)، ووجوب الإتيان باسم الله تعالى ظاهرًا لا ضميرًا.
واعترض في "المهمات" على قوله: (وثبت في "صحيح مسلم") بأن الثابت في ذلك ثلاث كيفيات: إحداها: (وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله) رواه الشيخان من حديث ابن مسعود (١)، الثانية: (وأشهد أن محمدًا رسول الله) رواه مسلم (٢)، الثالثة: (وأن محمدًا عبدُه ورسولُه) بإسقاط (أشهد) رواه مسلم أيضًا من رواية أبي موسى (٣)، فليس ما قاله واحدًا من الثلاثة؛ لأن الإسقاط إنما ورد مع زيادة العبد. انتهى (٤).
(وأقل الصلاة على النبي ﷺ وآله: اللهم؛ صل على محمد وآله) لحصول اسم الصلاةِ المأمورِ بها في قوله تعالى: ﴿صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾، والتسليمُ حصل بقوله: (السلام عليك ) إلى آخره.
(والزيادة إلى حميدٌ مجيدٌ سنة في) التشهد (الأخير) للأمر به؛ كما هو مُخرَّج في الصحيح (٥).
_________________
(١) سبق تخريجه في (ص ٢٥٤).
(٢) سبق تخريجه في (ص ٢٥٤).
(٣) كذا أورده الحافظ ابن الملقن في "البدر المنير"، ونبه على أن إثبات لفظة (أشهد) هو في بعض نسخ "صحيح مسلم"، وفي مطبوعات "صحيح مسلم" الحالية بإثباتها فليتنبه، انظر: "صحيح مسلم" (٤٠٤)، والبدر المنير (٤/ ٣٢).
(٤) المهمات (٣/ ١٠٨ - ١٠٩).
(٥) أخرجه البخاري (٣٣٧٠)، ومسلم (٤٠٦) عن كعب بن عُجْرة ﵁.
[ ١ / ٢٥٥ ]
وَكَذَا الدُّعَاءُ بَعْدَهُ، وَمَأْثُورُهُ أَفْضَلُ، وَمِنْهُ: (اللَّهُمَّ، اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ ) إِلَى آخِرِهِ. وَيُسَنُّ أَلَّا يَزِيدَ عَلَى قَدْرِ التَّشَهُّدِ وَالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ
===
ودليل عدم وجوبِها فيه وعدمِ استحبابها في الأول الإجماعُ، لكن أغرب الدارميُّ فحكى في استحبابِها في الأول قولين.
(وكذا الدعاء بعده) أي: بعد التشهد الأخير سنةٌ؛ لقوله ﷺ: "وَلْيَتَخَيَّرْ مِنَ الدُّعَاءِ أَعْجَبَهُ إِلَيْهِ، فَيَدْعُو بِهِ" متفق عليه (١)، وفي رواية لمسلم: "ثُمَّ يَتَخَيَّرُ مِنَ الْمَسْأَلَةِ مَا شَاءَ" (٢).
وقضية إطلاقه كـ "الروضة" و"أصلها": أنه لا فرق في جواز الدعاء بين الدِّيني والدُّنيوي (٣).
وقال الماوردي وغيرُه: إنه سنةٌ في الدِّيني مباحٌ في الدُّنيوي (٤)، واستحسن.
وقيل: يَمتنع الدعاءُ بمثل: (اللهم؛ ارزقني جاريةً صفتُها كذا) فإن دعا به .. بَطَلَتْ.
(ومأثوره) أي: المنقول من الدعاء عن النبي ﷺ (أفضل) من غيره؛ لتنصيص الشارع عليه.
(ومنه) أي: من المأثور (اللهم؛ اغفر لي ما قدمت، وما أخرت إلى آخره) وهو: (وما أسررت، وما أعلنت، وما أسرفت، وما أنت أعلم به مني، أنت المقدم وأنت المؤخر، لا إله إلا أنت) رواه مسلم من حديث علي ﵁ (٥).
(ويسن ألّا يزيد) في الدعاء (على قدر التشهد والصلاة على النبي ﷺ) لأنه تَبَعٌ لهما.
_________________
(١) صحيح البخاري (٨٣٥)، صحيح مسلم (٤٠٢) عن عبد الله بن مسعود ﵁.
(٢) صحيح مسلم (٤٠٢) عنه ﵁.
(٣) الشرح الكبير (١/ ٥٣٧)، روضة الطالبين (١/ ٢٦٥).
(٤) الحاوي الكبير (٢/ ١٨٢).
(٥) صحيح مسلم (٧٧١).
[ ١ / ٢٥٦ ]
وَمَنْ عَجَزَ عَنْهُمَا .. تَرْجَمَ، وَيُتَرْجِمُ لِلدُّعَاءِ وَالذِّكْرِ الْمَنْدُوبِ الْعَاجِزُ لَا الْقَادِرُ فِي الأَصَحِّ. الثَّانِيَ عَشَرَ: السَّلَامُ. وَأَقَلُّهُ: (السَّلَامُ عَلَيْكُمْ)، وَالأَصَحُّ: جَوَازُ: (سَلَامٌ عَلَيْكُمْ). قُلْتُ: الأَصَحُّ الْمَنْصُوصُ: لَا يُجْزِئُهُ، وَاللهُ أَعْلَمُ، وَأَنَّهُ لَا تَجِبُ نِيَّةُ الْخُرُوجِ. وَأَكْمَلُهُ: (السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ)، مَرَّتينِ يَمِينًا وَشِمَالًا، مُلْتَفِتًا فِي
===
وقضيته تبعًا لأصله: أن المساواة لا يطلب تركها، لكن في "الشرحين": الأحب، وفي "الروضة" الأفضل: كون الدعاء أقلَّ (١).
(ومن عجز عنهما) أي: عن التشهد والصلاة على النبي ﷺ (٢) (.. ترجم) كتكبيرة الإحرام، (ويترجم للدعاء والذكر المندوب العاجزُ لا القادر في الأصح) كالواجب؛ حِيازةً للفضيلة، والثاني: يجوز للقادر أيضًا؛ قياسًا على الدعاء خارجَ الصلاة، والجامع عدم الوجوب، والثالث: لا يجوز لهما؛ لأنه لا ضرورةَ إليهما، بخلاف الواجبات، ومحلُّ الخلاف: في المأثور، فليس للمصلِّي أن يخترعَ دعوةً ويدعوَ بها بالعجمية.
(الثاني عشر: السلام) لحديث: "تَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ، وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ"، قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم (٣)، ويجب إيقاعُه في حال القعود.
(وأقله: السلام عليكم) لأنه المأثور عنه ﷺ، ولم يُنقَل عنه خلافُه؛ كما قاله في "شرح المهذب" (٤).
(والأصح: جواز سلام عليكم) بالتنوين؛ قياسًا على التشهد، (قلت: الأصح المنصوص: لا يجزئه، والله أعلم) لأنه لم يُنقَل كما مرّ، بخلاف التشهد؛ فإنه ورد فيه التعريفُ والتنكيرُ، (وأنه لا تجب نية الخروج) كسائر العبادات، والثاني: تجب؛ كالتكبير في أول الصلاة، وتكون النيةُ مع السلام.
(وأكمله: السلام عليكم ورحمة الله مرتين يمينًا وشمالًا، ملتفتًا في) التسليمة
_________________
(١) الشرح الكبير (١/ ٥٣٨)، روضة الطالبين (١/ ٢٦٥).
(٢) في "العجالة" [١/ ٢١٨] أي: عن التشهد والدعاء، وهو سهو. اهـ هامش (أ).
(٣) المستدرك (١/ ١٣٢) عن أبي سعيد الخدري ﵁.
(٤) المجموع (٣/ ٤٣٩) والحديث أخرجه أبو داوود (٩٩٦)، والنسائي في الكبرى (١٢٤٩) عن عبد الله بن مسعود ﵁.
[ ١ / ٢٥٧ ]
الأُولَى حَتَّى يُرَى خَدُّهُ الأَيْمَنُ، وَفِي الثَّانِيَةِ الأَيْسَرُ، نَاوِيًا السَّلَامَ عَلَى مَنْ عَنْ يَمِينِهِ ويَسَارِهِ مِنْ مَلَائِكَةٍ وَإِنْسٍ وَجِنٍّ، وَيَنْوِي الإِمَامُ السَّلَامَ عَلَى الْمُقْتَدِينَ، وَهُمُ الرَّدَّ عَلَيْهِ. الثَّالِثَ عَشَرَ: تَرْتِيبُ الأَرْكَانِ كَمَا ذَكَرْنَا. فَإِنْ تَرَكَهُ عَمْدًا بِأَنْ سَجَدَ قَبْلَ رُكُوعِهِ .. بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، وَإِنْ سَهَا .. فَمَا بَعْدَ الْمَتْرُوكِ لَغْوٌ، فَإِنْ تَذَكَّرَ قَبْلَ بُلُوغِ مِثْلِهِ .. فَعَلَهُ،
===
(الأولى حتى يُرى خدُّه الأيمن، وفي الثانية الأيسرُ، ناويًا السلام على من عن يمينه ويساره من ملائكةٍ وإنسٍ وجنٍّ) من المسلمين منهما (وينوي الإمامُ السلامَ على المقتدين، وهم الردَّ عليه) لأحاديث وردت في ذلك كلِّه (١).
(الثالث عشر: ترتيب الأركان كما ذكرنا) بالإجماع.
نعم؛ النيةُ والتكبيرُ لا ترتيبَ بينهما، وكذا القيامُ، فإنه يقارن التحرمَ والقراءةَ، والجلوس الأخير، فإنه يقارن التشهدَ والسلامَ، وقوله: (كما ذكرنا) قد يُفهِم ذلك.
وقضية كلامه: وجوبُ الترتيب بين التشهد والصلاةِ على النبي ﷺ فيه؛ لأنهما ركنان، وهو ما في "شرح المهذب" تبعًا لـ" فتاوى البغوي"، ونقله في "الشفا" عن الشافعي، لكن في "شرح المسند" للرافعي نقلًا عن الحليمي وأقرّه: أنه كبعض التشهد، حتى يجوزُ فيه التقديمُ والتأخيرُ (٢)، والترتيبُ في السنن معتبرٌ ركنًا أو شرطًا في الاعتداد بها سنةً، لا في صحة الصلاة.
(فإن تركه عمدًا بأن سجد قبل ركوعه .. بطلت صلاتُه) إجماعًا؛ لتلاعبه.
نعم؛ لو قدم ركناَّ قوليًّا على فعلي؛ كتشهد على سجود، أو قوليًّا على قولي؛ كالصلاة على النبي ﷺ على التشهد .. لم تبَطل، لكن لم يُعتدَّ بما قدمه بل يُعيده.
(وإن سها) أي: تركه سهوًا (.. فما بعد المتروك لغوٌ) لوقوعه في غير محله، (فإن تذكر) المتروك (قبل بلوغ) فعل (مثلِه) من ركعة أخرى (.. فعله) بمجرد
_________________
(١) منها: ما أخرجه مسلم (٥٨١، ٥٨٢)، والحاكم (١/ ٢٧٠)، وأبو داوود (٩٩٣)، والترمذي (٤٢٩).
(٢) المجموع (٣/ ٤٢٤)، الشفا (ص ٥٤٧)، شرح مسند الشافعي (١/ ٣٧٢).
[ ١ / ٢٥٨ ]
وَإِلَّا .. تَمَّتْ بِهِ رَكْعَته وَتَدَارَكَ الْبَاقِيَ، فَلَوْ تَيَقَّنَ فِي آخِرِ صَلَاتِهِ تَرْكَ سَجْدَةٍ مِنَ الأَخِيرَةِ .. سَجَدَهَا وَأَعَادَ تَشَهُّدَهُ، أَوْ مِنْ غَيْرِهَا .. لَزِمَهُ رَكْعَةٌ، وَكَذَا إِنْ شَكَّ فِيهِمَا. وَإِنْ عَلِمَ فِي قِيَامِ ثَانِيةٍ تَرْكَ سَجْدَةٍ؛ فَإِنْ كَانَ جَلَسَ بَعْدَ سَجْدَتِهِ .. سَجَدَ -وَقِيلَ: إِنْ جَلَسَ بِنِيَّةِ الاسْتِرَاحَةِ .. لَمْ يَكْفِهِ- وَإِلَّا .. فَلْيَجْلِسْ مُطْمَئِنًّا ثُمَّ يَسْجُدُ، وَقِيلَ: يَسْجُدُ فَقَطْ
===
التذكر، (وإلّا) أي: وإن لم يتذكر حتى بلغ مثله (.. تمت به ركعتُه) لوقوعه في محلّه (وتدارك الباقيَ) لأنه لغى ما بينهما، هذا كلُّه إذا عرف عينَ المتروك وموضعَه، فإن لم يعرف .. أخذ بالمتيقن وأتى بالباقي، وفي الأحوال كلِّها يَسجد للسهو.
نعم؛ لو جُوِّز كونُ المتروك النيةَ أو التكبيرَ .. وجب الاستئنافُ ولا يسجد للسهو، وكذا لو كان المتروكُ السلامَ وتَذكَّره قبل طول الفصل .. سَلَّمَ ولا سجودَ للسهو.
(فلو تيقن في آخر صلاته تَرْكَ سجدةٍ من الأخيرة .. سجدها وأعاد تشهده) لما سبق، (أو من غيرها) أي: من غير الأخيرةِ (.. لزمه ركعة) لأن الناقصةَ قد تكمّلت بسجدة من الركعة التي بعدها، وألغي باقيها.
(وكذا إن شك فيهما) أي: في كونها من الأخيرة أو مما قبلها .. فإنه يجعلُها من غير الأخيرةِ، ويَلزمُه أيضًا ركعةٌ؛ أخذًا بالأحوط.
(وإن علم في قيام ثانيةٍ تركَ سجدةٍ) من الأولى .. نظر (فإن كان جلس بعد سجدته) التي أتى بها (.. سجد) في الحال من قيام؛ لأن ذلك الجلوسَ فاصلٌ (وقيل: إن جلس بنية الاستراحة .. لم يكفه) السجود عن قيامٍ، بل لا بدّ أن يجلس ثم يسجد؛ لأنه قصد السنةَ بجلوسه، فلا ينوب عن الفرض؛ كما لا يَقومُ سجودُ تلاوةٍ عن سجود الفرضِ، والأصحُّ: الاكتفاء؛ كما لو جلس في التشهد الأخير وهو يَظنُّه الأولَ ثم تَذكَّر .. فإنه يُجزئه.
(وإلّا) أي: وإن لم يجلس بعد سجدته (.. فليجلس مطمئنًا ثم يسجد) (١) لأن الجلوس ركنٌ، فلا بدّ منه، (وقيل: يسجد فقط) أي: من قيام؛ لأن
_________________
(١) في (ب): (جلس مطمئنًا ثم يسجد).
[ ١ / ٢٥٩ ]
وَإِنْ عَلِمَ فِي آخِرِ رُبَاعِيَّةٍ تَرْكَ سَجْدَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثٍ جَهِلَ مَوْضِعَهَا .. وَجَبَ رَكْعَتَانِ، أَوْ أَرْبَعٍ .. فَسَجْدَةٌ ثُمَّ رَكْعَتَانِ، أَوْ خَمْسٍ أَوْ سِتٍّ .. فَثَلَاثٌ، أَوْ سَبعٍ .. فَسَجْدَةٌ ثُمَّ ثَلَاثٌ. قُلْتُ: يُسَنُّ إِدَامَةُ نَظَرِهِ إِلَى مَوْضِعِ سُجُودِهِ-
===
الفصل حصل بالقيام.
ورُدَّ بأن الغَرَضَ الفصلُ عن هيئة الجلوس؛ كما لا يَقوم القيامُ مقامَ جلوسِ التشهد.
(وإن علم في آخر رباعيةٍ تركَ سجدتين أو ثلاثٍ جهل موضعَها .. وجب ركعتان).
أما في ترك السجدتين .. فلأنّ الأسوأ تقديرُ سجدةٍ من الركعة الأولى، وسجدةٍ من الثالثة، فتنجبر الركعةُ الأولى بسجدةٍ من الثانية، ويَلغُو باقيها، وتنجبر الثالثةُ بسجدةٍ من الرابعة، ويَلغُو باقيها، وتَصير الثالثةُ ثانيةً.
وأما في ترك الثلاث .. فلأنك إذا قَدَّرتَ ما ذكرناه في السجدتين، وقَدَّرتَ معه تركَ سجدةٍ أخرى من أيِّ ركعةٍ شئتَ .. لم يَختلف الحكمُ.
(أو أربعٍ .. فسجدةٌ تم ركعتان) لاحتمال ترك واحدةٍ من الأولى، وثنتين من الثالثة، وواحدةٍ من الرابعة، فتتم الأولى بالثانية، ويَلغُو باقيها، والثالثةُ باطلةٌ، فتحصل ركعةٌ ومعه سجدةٌ من الرابعة.
(أو خمسٍ أو ستٍّ .. فثلات) أي: ثلاثُ ركعات؛ لاحتمال ترك واحدةٍ من الأولى، وثنتين من الثانية، وثنتين من الثالثة، والسادسة من الأولى أو الرابعة، فتكمُل الأولى بالرابعة، وتبقى ثلاثُ ركعات.
(أو سبعٍ .. فسجدةٌ ثم ثلاثٌ) لأن الحاصل له ركعةٌ إلّا سجدةً، وفي ثماني سجداتٍ يَلزمه سجدتان، ثم ثلاثُ ركعاتٍ، ويُتصوَّر ذلك بترك طمأنينة، أو سجودٍ على عمامةٍ ونحوِهما.
(قلت: يُسن إدامةُ نظره إلى موضع سجودِه) في جميع صلاته؛ إذ جمعُ النظر في موضع واحد أقربُ إلى الخشوع، وموضعُ سجوده أشرفُ وأسهلُ.
ويستثنى حالة التشهد؛ فإنّ السنة إذا رفع مسبحته: ألّا يُجاوز بصرُه إشارتَه، ذكره في "شرح المهذب"، وفيه حديث صحيح في "سنن أبي داوود" (١).
_________________
(١) المجموع (٣/ ٤١٧)، سنن أبي داوود (٩٨٩) عن عبد الله بن الزبير ﵄.
[ ١ / ٢٦٠ ]
وَقِيلَ: يُكْرَهُ تَغْمِيضُ عَيْنَيْهِ، وَعِنْدِي: لَا يُكْرَهُ إِنْ لَمْ يَخَفْ ضَرَرًا- وَالْخُشُوعُ وَتَدَبُّرُ الْقِرَاءَةِ وَالذِّكْرِ، وَدُخُولُ الصَّلَاةِ بِنَشَاطٍ وَفَرَاغِ قَلْبٍ،
===
وكذا مَنْ صلّى في المسجد الحرام؛ فإنه يُستحب له أن يشاهد الكعبةَ؛ كما قاله الماوردي والروياني في "البحر" في (كتاب النذر)، كذا ذكره ابن الملقن (١)، والذي ذكره الإسنوي وغيرُه: أن استحباب إدامة نظرِه إلى الكعبة وجهٌ ضعيفٌ، فليحرر.
قال في "العجالة": (وشمل إطلاقُ المصنف الأعمى والمصلّي في ظلمة، وفيه نظر) انتهى (٢)، وفي شموله الأعمى نظرٌ؛ إذ لا نظرَ له.
(وقيل: يكره تغميض عينيه) لأن فيه تكلفًا مُذهبًا للخشوع، وقد ورد النهيُ عنه، لكنه ضعيفٌ؛ كما أشار إليه البيهقي، (وعندي) تفقّهًا (لا يكره) لعدم صحة النهي عنه، لا سيما وهو مانعٌ من تفريق الذهن، (إن لم يخف ضررًا) بالتغميض، فإن خاف على نفسه أو غيرِه من عدوّه ونحوِه .. كُرِهَ، وقد يَحرم في بعض الصور.
(و) يسن (الخشوعُ) لقوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾، وفسره علي ﵁: بلين القلب، وكفّ الجوارح، وقيل: الخشوع شرطٌ، قال المحب الطبري: ومحله: في بعض الصلاة، لا في كلّها.
والعَبَثُ في الصلاة مكروهٌ، وقيل: حرامٌ، ولو سقط رداؤُه أو طرفُ عمامته .. كُرِهَ له تسويتُه، إلّا لضرورة، قاله في "الإحياء" (٣).
(وتدبرُ القراءة) أي: تامّلها، (و) تدبر (الذكرِ) لأن به يَكمل مقصودُ الخشوع والأدب.
(ودخولُ الصلاة بنشاطٍ) لأن الله تعالى ذمّ تارك ذلك؛ حيث قال: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى﴾، (وفراغِ قلب) من شواغل الدنيا؛ لأنه أعونُ على الحضور والخشوع.
_________________
(١) عجالة المحتاج (١/ ٢٢١).
(٢) العجالة (١/ ٢٢١).
(٣) إحياء علوم الدين (١/ ١٨٩).
[ ١ / ٢٦١ ]
وَجَعْلُ يَدَيْهِ تَحْتَ صَدْرِهِ آخِذًا بِيَمِينِهِ يَسَارَهُ، وَالدُّعَاءُ فِي سُجُودِهِ، وَأَنْ يَعْتَمِدَ فِي قِيَامِهِ مِنَ السُّجُودِ وَالْقُعُودِ عَلَى يَدَيْهِ، وَتَطْوِيلُ قِرَاءَةِ الأُولَى عَلَى الثَّانِيَةِ فِي الأَصَحِّ، وَالذِّكْرُ بَعْدَهَا،
===
(وجعلُ يديه تحت صدره) وفوق سُرته (آخذًا بيمينه يسارَه) للاتباع؛ كما رواه ابن خزيمة (١).
(والدعاءُ في سجوده) لحديث: "أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ، فَأَكْثِرُوا الدُّعَاءَ" رواه مسلم (٢).
(وأن يعتمد في قيامه من السجود والقعود على يديه) لثبوته في الصحيح عن فعله ﷺ (٣).
(وتطويلُ قراءةِ) الركعة (الأولى على الثانية في الأصح) لثبوته في "الصحيحين" (٤)، والثاني: أنهما سواءٌ، ورجحه الرافعي، ونقله في "الروضة" عن الجمهور، ونَصَّ عليه في "الأم" (٥).
نعم؛ يُستحب تطويلُ الأولى قطعًا في الكسوف، وصُبْحِ الجمعة حيث قرأ بـ (السجدة) و(هل أتى)، وتطويلُ الثانية قطعًا في العيد والجمعة إذا قرأ بـ (سبح) و(هل أتاك).
ويستحب للإمام: تخفيفُ قراءة الأولى في صلاة (ذات الرقاع) لأنها حالُ شغل، وتطويلُ الثانية حتى تأتي الفرقةُ الثانية.
ويستحب للطائفتين: التخفيفُ في الثانية؛ لئلا يَطول الانتظارُ، ذكره في "الروضة" (٦).
(والذكرُ بعدها) للاتباع (٧)، قال في "الروضة": والسنة: أن يكثر منه،
_________________
(١) صحيح ابن خزيمة (٤٧٩) عن وائل بن حُجر ﵁.
(٢) صحيح مسلم (٤٨٢) عن أبي هريرة ﵁.
(٣) أخرجه البخاري (٨٢٤) عن مالك بن الحُوَيرث ﵁.
(٤) صحيح البخاري (٧٥٩)، صحيح مسلم (٤٥١) عن أبي قتادة ﵁.
(٥) الشرح الكبير (١/ ٥٠٧)، روضة الطالبين (١/ ٢٤٧ - ٢٤٨)، الأم (٢/ ٢٥٠).
(٦) روضة الطالبين (٢/ ٥٤).
(٧) أخرجه البخاري (٨٤٤)، ومسلم (٥٩٣) عن المغيرة بن شعبة ﵁.
[ ١ / ٢٦٢ ]
وَأَنْ يَنْتَقِلَ لِلنَّفْلِ مِنْ مَوْضِعِ فَرْضِهِ، وَأَفْضَلُهُ: إِلَى بَيْتِهِ، وَإِذَا صَلَّى وَرَاءَهُمْ نِسَاءٌ .. مَكَثُوا حَتَّى يَنْصَرِفْنَ، وَأَنْ يَنْصَرِفَ فِي جِهَةِ حَاجَتِهِ، وَإِلَّا .. فَيَمِينِهِ. وَتنقَضِي الْقُدْوَةُ بِسَلَامِ الإِمَامِ، فَلِلْمَأْمُومِ أَنْ يَشْتَغِلَ بِدُعَاءٍ وَنَحْوِهِ ثُمَّ يُسَلِّمُ،
===
ويستحب الدعاء أيضًا، ويُسرّ به، إلّا أن يكون إمامًا يريد تعليم الحاضرين (١).
(وأن ينتقل للنفل من موضع فرضِه) لأن مواضعَ السجود تشهدُ له، فاستحب تكثيرُها، وقد ورد في تفسير قوله تعالى: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ﴾ أن المؤمن إذا مات بكى عليه مصلّاه من الأرض، ومَصعَد عملِه من السماء.
وقضية التوجيه: ندب الانتقال إلى الفرض من موضع نفلِه المتقدمِ، وأنه يَنتقل لكلّ صلاة يَفتتحها من الْمَقضيّات والنوافل؛ كالضحى والتراويح (٢).
(وأفضله: إلى بيته) لأنه أبعدُ عن الرياء، وهذا إذا لم يَخف فوتَ الراتبة؛ لضيق وقتٍ أو بُعد منزلٍ، أو كان معتكفًا.
ويستثنى: النافلة للمبكر يوم الجمعة، وركعتا الطواف، وركعتا الإحرام إذا كان بالميقات مسجدٌ.
(وإذ صلّى وراءهم نساءٌ .. مكثوا حتى ينصرفن) لأن الاختلاط بهن مظنةُ الفساد، والقياس في الخناثى: انصرافُهم فُرادى، إمّا قبل النساء أو بعدهن وقبل الرجال.
(وأن ينصرف في جهة حاجتِه) أيّ جهة كانت، (وإلّا) أي: وإن لم يكن له حاجة في جهة معينة (.. فيمينه) أي: فينصرف في جهة يمينه؛ لأن التيامن محبوب.
(وتنقضي القدوةُ بسلام الإمام) التسليمة الأولى؛ لخروجه من الصلاة.
نعم؛ يستحب له ألّا يسلم الأولى إلّا بعد التسليمتين جميعًا؛ كما صححه في "التحقيق" (٣).
(فللمأموم أن يشتغل بدعاءٍ وفحوِه، ثم يسلم) لانفراده، هذا إذا كان غيرَ
_________________
(١) روضة الطالبين (١/ ٢٦٨).
(٢) في (ب): (كالصبح والتراويح).
(٣) التحقيق (ص ٢١٨).
[ ١ / ٢٦٣ ]
وَلَوِ اقْتَصَرَ إِمَامُهُ عَلَى تَسْلِيمَةٍ .. سَلَّمَ ثِنْتَيْنِ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
===
مسبوق، أو مسبوقًا وجلوسُه مع الإمام في موضع تشهدِه الأول، أما غيرهما: فيلزمه القيامُ عقب التسليمتين، فإن مَكث .. حَرُمَ وبَطَلَتْ بعمده.
(ولو اقتصر إمامُه على تسليمة .. سلم ثنتين، والله أعلم) لزوال المتابعة، ولتحصيل الفضيلة.
* * *
[ ١ / ٢٦٤ ]