هِيَ سُنَّةٌ، فَيُحْرِمُ بِنِيَّةِ صَلَاةِ الْكُسُوفِ، وَيَقْرَأُ (الْفَاتِحَةَ) وَيَرْكَعُ، ثُمَّ يَرْفَعُ ثُمَّ يَقْرَأُ (الْفَاتِحَةَ)، ثُمَّ يَرْكَعُ ثُمَّ يَعْتَدِلُ ثمَّ يَسْجُدُ، فَهَذِهِ رَكْعَة، ثمَّ يُصَلِّي ثَانِيَةً كَذَلِكَ
===
(باب صلاة الكسوفين)
هو من كسفت حالُه؛ أي: تغيرت، والأشهر في السنة الفقهاء: تخصيص الكسوف بالشمس، والخسوف بالقمر، وقال الجوهري: إنه الأفصح (١).
(هي سنة) لقوله ﵇: "إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ، وَلَا لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ .. فَصَلُّوا، وَادْعُوا الله تَعَالَى حَتَّى يَنْكَشِفَ مَا بِكُمْ" رواه مسلم (٢).
(فيحرم بنية صلاة الكسوف) هذه المسألة مكررة؛ لأنه قد مرّ في (باب صفة الصلاة) أن ذات السبب لا بدّ من تعيينها، ولهذا أهمل النية في العيد والاستسقاء.
(ويقرأ "الفاتحة" ويركع، ثم يرفع، ثم يقرأ "الفاتحة"، ثم يركع ثم يعتدل ثم يسجد فهذه ركعة، ثم يصلي ثانية كذلك) هذه الكيفية متفق عليها من رواية ابن عمر (٣)، إلا أنهما لم يصرّحا بقراءة (الفاتحة) في كلّ ركعة، والشافعي أوجبها في كلّ قيام؛ كالركعة الكاملة (٤).
_________________
(١) الصحاح (٣/ ١١٧٥).
(٢) صحيح مسلم (٩١٥)، عن المغيرة بن شعبة ﵁، وهو عند البخاري أيضًا برقم (١٠٤٣).
(٣) كذا في جميع النسخ؛ أي: أنها من رواية ابن عمر ﵄، وكذلك ذكره الإمام الدميري في "النجم الوهاج" (٢/ ٥٥٩)، ولعلّها من رواية عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، وهي عند البخاري برقم (١٠٥١)، وعند مسلم برقم (٩١٠)، وابن عمر ﵄ له في "الصحيحين" أصل صلاة الكسوفين بدون ذكر هذه الكيفية، وهو عند البخاري برقم (١٠٤٢)، وعند مسلم برقم (٩١٤)، وذكر البخاري رحمه الله تعالى في "صحيحه" تعليقًا في كتاب الكسوف، باب صلاة الكسوف جماعة أن ابن عمر ﵄ صلاها جماعةً، ثم أورد حديث ابن عباس ﵄ (١٠٥٢)، وهو حديث الباب أيضًا، وهو عند مسلم برقم (٩٥٧)، والله تعالى أعلم بالصواب.
(٤) الأم (٢/ ٥٣٢ - ٥٣٣).
[ ١ / ٤١٧ ]
وَلَا تَجُوزُ زِيَادَةُ رُكُوعٍ ثَالِثٍ لِتَمَادِي الْكُسُوفِ، وَلَا نَقْصُهُ لِلانْجِلَاءِ فِي الأَصَحِّ. وَالأَكْمَلُ: أَنْ يَقْرَأَ فِي الْقِيَامِ الأَوَّلِ بَعْدَ (الْفَاتِحَةِ) (الْبقَرَةَ)، وَفِي الثَّانِي كَمِئَتَيْ آيَةٍ مِنْهَا، وَفِي الثَّالِثِ مِئَةٍ وَخَمْسِينَ، وَالرَّابع مِئَةٍ تقرِيبًا، وَيُسَبِّحُ فِي الرُّكُوعِ الأَوَّلِ قَدْرَ مِئَةٍ مِنَ (الْبَقَرَةِ)، وَفِي الثَّانِي ثَمَانِينَ، وَالثَّالِثِ سَبْعِينَ،
===
[وقضية كلام المصنف: أنه لا تتأتى السنةُ بأقل من ذلك، ويؤيده قوله بعدُ: (ولا نقصه للانجلاء في الأصحِّ)، وجرى عليه في "شرح المهذب" في أول كلام النية (١)، [و] ذكر في آخر الباب من "شرحه" لـ "المهذب" ما يخالفه ويقتضي أنه لو صلاها ركعتين كسنة الظهر ونحوها .. صحّت وكان تاركًا للأفضل، وقال في "المهمات": إن ما ذكره آخرًا ذهول، وإن الصحيح: ما اقتضاه المصنف] (٢).
(ولا تجوز زيادة ركوع ثالث) فأكثر (لتمادي الكسوف، ولا نقصه) أي: الركوع الثاني (للانجلاء في الأصح) كسائر الصلوات، لا يُزاد على أركانها، ولا يُنقص منها، والثاني: نعم؛ أما الزيادة .. فلأنه ﵇ صلّى ركعتين في كل ركعة ثلاث ركوعات رواه مسلم (٣)، ولا محمل لذلك إلا التمادي، وأما النقص للانجلاء .. فقياسًا على الزيادة للتمادي؛ نظرًا إلى المعنى.
(والأكمل: أن يقرأ في القيام الأول بعد "الفاتحة") وسوابقها من استفتاح وتعوذ ("البقرة") إن أحسنها، أو قدرها إن لم يحسنها.
(وفي الثاني: كمئتي آية منها، وفي الثالث: مئة وخمسين، والرابع: مئة تقريبًا) كذا نص عليه في "الأم" و"المختصر" و"البويطي" (٤).
(ويسبح في الركوع الأول قدر مئة من "البقرة"، وفي الثاني: ثمانين، والثالث: سبعين) بتقديم (السين).
_________________
(١) المجموع (٥/ ٥٢).
(٢) المجموع (٥/ ٦٥)، المهمات (٣/ ٤٤٠)، ما بين المعقوفين زيادة من (أ)، وعبارتها: (إن ما ذكره آخر ذهول، وإن الصحيح: ما اقتضاه المصنف).
(٣) صحيح مسلم (٩٠١/ ٦) عن عائشة ﵂.
(٤) الأم (٢/ ٥٣٢)، مختصر المزني (ص ٣٢).
[ ١ / ٤١٨ ]
وَالرَّابِعِ خَمْسِينَ تَقْرِيبًا، وَلَا يُطَوِّلُ السَّجَدَاتِ فِي الأَصَحِّ. قُلْتُ: الصَّحِيحُ: تَطْوِيلُهَا ثبتَ فِي "الصَّحِيحَيْنِ"، وَنَصَّ فِي "الْبُوَيْطِيِّ": أَنَّهُ يُطَوِّلُهَا نَحْوَ الرّكُوعِ الَّذِي قَبْلَهَا، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَتُسَنُّ جَمَاعَةً، وَيَجْهَرُ بِقِرَاءَةِ كُسُوفِ الْقَمَرِ لَا الشَّمْسِ، ثمَّ يَخْطُبُ الإِمَامُ خُطْبَتَيْنِ
===
(والرابع: خمسين تقريبًا) كذا نص عليه أيضًا في "الأم" و"المختصر" و"البويطي" (١) ونص في موضع آخر منه: أنه يسبح في كل ركعة بقدر قراءته، قال ابن الأستاذ: وتكون الآيات مقتصدة، وقاله الإسنوي بحثًا، وجزم به الأذرعي.
(ولا يطول السجدات في الأصح) كما لا يزيد في التشهد، (قلت: الصحيح (٢): تطويلها ثبت في "الصحيحين" (٣)، ونص في "البويطي"-: أنه يطولها نحو الركوع الذي قبلها، والله أعلم) قال في "الروضة": وإذا قلنا بإطالته .. فالمختار فيها: ما قاله صاحب "التهذيب" أن السجود الأول كالركوع الأول، والسجود الثاني كالركوع الثاني، ثم ذكر نص "البويطي" كما سبق (٤)، والبغويّ في "التعليق" نَزَّل رواية "البويطي" على ما قاله في "التهذيب" (٥).
(وتسن جماعة) للاتباع كما في "الصحيحين" (٦)، وتجوز فرادى؛ كسائر السنن.
(ويجهر بقراءة كسوف القمر) لأنها صلاة ليل (لا الشمس) بل يسرّ؛ للاتباع كما صححه الترمذي وغيره (٧).
(ثم يخطب الإمام) للاتباع، متفق عليه (٨)، فالمنفرد لا يخطب (خطبتين
_________________
(١) الأم (٢/ ٥٣٢)، مختصر المزني (ص ٣٢).
(٢) في (ب) و(د): (قلت: الأصح).
(٣) صحيح البخاري (١٠٥١)، صحيح مسلم (٩١٠) عن عبد الله بن عمرو ﵄.
(٤) روضة الطالبين (٢/ ٨٤).
(٥) التهذيب (٢/ ٢٨٨).
(٦) صحيح البخاري (١٠٥٢)، صحيح مسلم (٩٠٧) عن ابن عباس ﵄.
(٧) سنن الترمذي (٥٦٢)، وأخرجه ابن حبان (٢٨٥١)، والحاكم (١/ ٣٣٤) عن سمرة بن جندب ﵁.
(٨) صحيح البخاري (١٠٤٤)، صحيح مسلم (٩٠١) عن عائشة ﵂.
[ ١ / ٤١٩ ]
بأَرْكَانِهِمَا فِي الْجُمُعَةِ، وَيَحُثُّ عَلَى التَّوْبَةِ وَالْخَيْرِ. وَمَنْ أَدْرَكَ الإِمَامَ فِي رُكُوعٍ أَوَّلَ .. أدرَكَ الرَّكْعَةَ، أَوْ فِي ثَانٍ، أَوْ قِيَامٍ ثَانٍ .. فَلَا فِي الأَظْهَرِ. وَتفوتُ صلَاةُ الشَّمْسِ بِالانْجِلَاءِ وَبِغُرُوبِهَا كَاسِفَةً، وَالْقَمَرِ بِالانْجِلَاءِ وَطُلُوعِ الشَّمْسِ، لَا الْفَجْرِ فِي الْجَدِيدِ،
===
بأركانهما) وشرائطهما (في الجمعة) قياسًا على الجمعة، والخطبتان سنة، لا شرط لصحة الصلاة، وتجزئ واحدة، كما حكاه في "الكفاية" عن النص (١)، قال الغزي: ويستثنى القيام؛ فإنه لا يجب هنا.
(ويحث على التوبة والخير) وينصّ على الإعتاق والصدقة؛ لثبوتهما في الصحيح (٢).
(ومن أدرك الإمام في ركوع أول) من الركعة الأولى، أو من الثانية (.. أدرك الركعة) كما في سائر الصلوات.
(أو في ثان، أو قيام ثان .. فلا في الأظهر) لأن الأصل هو الركوع الأول، والثاني في حكم التابع، وإطلاقه يفهم: أن مقابل الأظهر: إدراك الركعة بكمالها، وليس كذلك، وعبارة "الروضة": حكى صاحب "التقريب" قولًا أنه بإدراك الثاني يدرك القومة التي قبله، فعلى هذا: إن أدرك الثاني من الأولى .. قام بعد سلام الإمام، وقرأ وركع واعتدل وجلس، وتشهد، وسلّم، ولا يسجد؛ لأن إدراك الركوع إذا حصّل القيام الذي قبله .. كان السجود بعده محسوبًا لا محالة. انتهى (٣).
(وتفوت صلاة الشمس بالانجلاء) أي: بانجلاء جميعها؛ لأن المقصود بالصلاة قد حصل، (وبغروبها كاسفة) لأن الانتفاع بها يبطل بغروبها؛ نيّرة كانت أو منكسفة.
(والقمر بالانجلاء) لحصول المقصود (وطلوع الشمس) لعدم الانتفاع بضوئه (لا الفجر في الجديد) لبقاء ظلمة الليل والانتفاع بضوئه، والقديم: أنها تفوت؛ لذهاب الليل وهو سلطانه.
_________________
(١) كفاية النبيه (٤/ ٥٠٢).
(٢) أما حديث الإعتاق .. فقد أخرجه البخاري (١٠٥٤) عن أسماء ﵂، وأما حديث الصدقة .. فأخرجه البخاري (١٠٤٤) عن عائشة ﵂.
(٣) روضة الطالبين (٢/ ٨٦).
[ ١ / ٤٢٠ ]
وَلَا بِغُرُوبِهِ خَاسِفًا. وَلَوِ اجْتَمَعَ كُسُوفٌ وَجُمُعَةٌ أَوْ فَرْضٌ آخَرُ .. قُدِّمَ الْفَرْضُ إِنْ خِيفَ فَوْتُهُ، وَإِلَّا .. فَالأَظْهَرُ: تَقْدِيمُ الكُسُوفِ، ثُمَّ يَخْطُبُ لِلْجُمُعَةِ مُتَعَرِّضًا لِلْكُسُوفِ، ثُمَّ يُصَلّي الْجُمُعَةَ. وَلَوِ اجْتَمَعَ عِيدٌ أَوْ كُسُوفٌ وَجِنَازَةٌ .. قُدِّمَتِ الْجِنَازَةُ.
===
قال الرافعي: وخَصّص ابن كج الخلافَ بما إذا غاب خاسفًا بين الفجر والشمس؛ فإن لم يغب، وبقي خاسفًا .. صلّى قطعًا، وأقرّه، زاد في "الروضة": صرح الدارمي وغيره بجريان القولين في الحالين، وقال في "شرح المهذب": إنه مقتضى إطلاق الجمهور (١).
(ولا بغروبه خاسفًا) لبقاء محلّ سلطنته وهو الليل، فغروبه كغيبوبته تحت السحاب خاسفًا، ولا تفوت الخطبة بكلّ حال، كما صرح به في "شرح مسلم" (٢).
(ولو اجتمع كسوف وجمعة، أو فرض آخر .. قدم الفرض إن خيف فوته) اهتماما به؛ لتحتمه، وعلى هذا: فيخطب للجمعة ثم يصليها، ثم يصلي الكسوف ثم يخطب له (وإلا) أي: وإن لم يخف فوت الفرض، (.. فالأظهر: تقديم الكسوف) لخوف فوته بالانجلاء، فعلى هذا: يقرأ في كلّ قيام بـ (الفاتحة)، و(قل هو الله أحد)، وما أشبهها، نص عليه في "الأم" (٣)، والثاني: يقدم الفرض؛ لوجوبه.
(ثم يخطب للجمعة متعرضًا للكسوف) كما أنه ﵊ استسقى في خطبة الجمعة (٤).
(ثم يصلي الجمعة) ولا يحتاج إلى أربع خطب، ويشترط أن يقصد بالخطبتين الجمعة فقط، ولا يجوز أن يقصد بهما الجمعة والكسوف؛ لأنه تشريك بين فرض ونفل، بخلاف العيد والكسوف؛ فإنه يقصدهما بالخطبتين؛ لأنهما سنتان.
(ولو اجتمع عيد أو كسوف وجنازة .. قدمت الجنازة) خوفًا من تغير الميت، وكذا لو اجتمعت الجنازة مع فرض آخر ولو جمعة، بشرط اتساع وقت الفرض؛ فإن ضاق وقته .. قدّم الفرض، ولا يتبع الإمام الجنازة، بل يشتغل ببقية الصلوات.
* * *
_________________
(١) الشرح الكبير (٢/ ٣٧٩)، روضة الطالبين (٢/ ٨٧)، المجموع (٥/ ٥٩).
(٢) شرح مسلم (٦/ ٢٠٠).
(٣) الأم (٢/ ٥٢٨).
(٤) أخرجه البخاري (٩٣٣)، ومسلم (٨٩٧) عن أنس بن مالك ﵁.
[ ١ / ٤٢١ ]