حاز الإمام النووي ﵁ صفات عزَّ نظيرها في نظرائه، وقلَّ مثيلها في
_________________
(١) طبقات الشافعية الكبرى (٩/ ٣٠٧).
(٢) حياة الإمام النووي (ص ٤٣).
(٣) حياة الإمام النووي (ص ٤٢).
(٤) أي: الطعام.
(٥) تاريخ الإسلام (٥٠/ ٢٥٦). واعلم: أن قول الحافظ الذهبي رحمه الله تعالى: (عليه شبختانية ) تصحيف من بعض النساخ لـ (سختيانية) كما أفاده شيخنا العلامة عبد الفتاح أبو غدة رحمه الله تعالى في أحد دروسه على مقدمة ابن الصلاح، وذكر أن الشبختانية لا معنى لها، وأن السختيانية: هي قلنسوة من جلد الماعز المدبوغ، والله أعلم بالصواب.
[ ١ / ٣٥ ]
أمثاله، فلقد بلغ من الزهد والورع والتقوى الغاية القصوى، إلى جانب رسوخ قدمه في العلم، وعلوِّ كعبه في التحقيق، ومع هذا وذاك فإنه ﵁ كان آية في التواضع وحسن الخلق، ولعل الحديث في هذا الشأن يحتاج إلى مؤلَّف ضخم ليفيَ بالغرض، ولله در الإمام الذهبي رحمه الله تعالى حيث قال: (وذِكْرُ مناقبه يطول) (١).
قال العلامة ابن العطار رحمه الله تعالى: (كان رفيقًا بي، شفيقًا عليَّ، لا يمكِّن أحدًا من خدمته غيري، على جهد مني في طلب ذلك منه، مع مراقبته لي في حركاتي وسكناتي، ولطفه بي في جميع ذلك، وتواضعه معي في جميع الحالات، وتأديبه لي في كل شيء حتى الخطرات، وأعجز عن حصر ذلك).
فإذا كان هذا الأدب الجمُّ من الإمام مع تلميذه .. فماذا كانت حاله مع أشياخه ومعلميه؟ !
قال العلامة ابن العطار رحمه الله تعالى أيضًا: عند ذكره للشيخ أبي حفص، عمر بن أسعد الربعي: (وكان شيخنا - أي: الإمام النووي - كثير الأدب معه، حتى كنا في الحلقة بين يديه، فقام منها، وملأ إبريقًا، وحمله بين يديه إلى الطهارة ﵄، ورضي عنّا بهم) (٢).
وكان إذا ذكر الصالحين .. ذكرهم بتعظيم وتوقير، وذكر مناقبهم وكراماتهم.
هذا عن أدبه وتواضعه، أما الحديث عن زهده ﵁ .. فهو الذي لا يكاد يصدِّقه أحد لولا أن الذين نقلوه هم من أصدق الناس لهجة، وأكثرهم تحرِّيًا وتثبتًا، فمن ذا الذي يقوى على ما صنعه الإمام الذي كان لا يأكل من فاكهة دمشق، وهي جنة الله في الأرض؟ !
كان لا يأكل في اليوم والليلة إلا أكلة بعد العشاء الآخرة، ولا يشرب إلَّا شربة واحدة عند السحر، وكان لا يشرب الماء المبرَّد، وكان لا يأكل فاكهة دمشق.
قال العلامة ابن العطار رحمه الله تعالى: (فسألته عن ذلك؟ فقال: دمشق كثيرة الأوقاف وأملاكِ مَنْ هو تحت الحجْر شرعًا، والتصرفُ لهم لا يجوز إلَّا على وجه
_________________
(١) تاريخ الإسلام (٥٠/ ٢٥٦).
(٢) تحفة الطالبين (ص ٦).
[ ١ / ٣٦ ]
الغبطة فكيف تطيب نفسي بأكل ذلك؟ !) (١).
وقال العلامة ابن العطار رحمه الله تعالى: (قال لي شيخنا أبو المفاخر، محمد بن عبد القادر الأنصاري ﵁: لو أدرك القشيريُّ صاحبُ "الرسالة" شيخَكم وشيخَه - أي: الكمال المغربي - .. لَمَا قدَّم عليهما في ذكره لمشايخها أحدًا؛ لِمَا جُمع فيهما من العلم والعمل، والزهد والورع، والنطق بالحكم، وغير ذلك) (٢).
وقال العلامة ابن دقماق رحمه الله تعالى: (إنه كان يأكل من خبز يبعثه له أبوه من "نوى" يخبزونه له، ويشترون له ما يكفيه جمعةً فيأكله، ولا يأكل معه سوى لون واحد؛ إما دبس، وإما خلّ، وإما زيت، وأما اللحم .. ففي كل شهر مرة، ولا يكاد يجمع بين لونين من إدام أبدًا) (٣).
وقال العلامة ابن العطار رحمه الله تعالى: (رأيت رجلًا من أصحابه قشَّر له خيارة؛ ليطعمه إياها، فامتنع عن أكلها، وقال: أخشى أن ترطب جسمي، وتجلب النوم) (٤).
وقد كان أثر زهده وورعه وصلاحه واضحًا، فقد ذكر تلميذه العلامة ابن العطار رحمه الله تعالى عنه حكاية فقال: (ذكر لي شيخنا العارف، القدوة المُسَلِّك، ولي الدين، أبو الحسن علي، المقيم بجامع بيت لهيا خارج دمشق "ت ٦٨٥ هـ" قال: كنتُ مريضًا بمرض يسمى "النقرس" في رجلي، فعادني الشيخ محيي الدين - قدس الله روحه العزيز - فلما جلس عندي .. شرع يتكلم في الصبر، قال: فكلما تكلم .. جعل الألم يذهب قليلًا قليلًا، فلم يزل يتكلم فيه حتى زال جميع الألم، وكأنْ لم يكن قط، قال: وكنت قبل ذلك لم أنم الليل كلَّه من الألم، فعرفت أن زوال الألم من بركته ﵁) (٥).
ولقد نذر الإمام النووي ﵁ حياته لله، فأعرض عن حطام الدنيا وزخرفها، قال الإمام السخاوي رحمه الله تعالى: (ولم يتزوج قط فيما علمت؛
_________________
(١) تحفة الطالبين (ص ١٠).
(٢) تحفة الطالبين (ص ٤).
(٣) حياة الإمام النووي (ص ٥٤).
(٤) تحفة الطالبين (ص ١٠).
(٥) تحفة الطالبين (ص ١٠).
[ ١ / ٣٧ ]
لاشتغاله بالعلم والعمل)، وكذا جزم بكونه لم يتزوج غير واحد، منهم قاضي صفد (١).
قال الإمام السخاوي رحمه الله تعالى: (وذكر لي صاحبنا الفاضل أبو عبد الله محمد بن أبي الفتح البعلي الحنبلي في حياة الشيخ قال: كنت ليلة في أواخر الليل بجامع دمشق، والشيخ وأقف يصلي إلى سارية في ظلمة، وهو يردِّد قوله تعالى: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾ مرارًا، بخوف وخشوع حتى حصل عندي من ذلك أمر عظيم) (٢).
ويذكر العلامة ابن العطار رحمه الله تعالى: (أن الشيخ العلامة المفتي، رشيد الدين، إسماعيل بن المعلم الحنفي أخبره أنه كان قد عذل الإمام النووي ﵀ في عدم دخوله الحمام، وتضييق عيشه في الأكل واللبس ونحوه، وقال له: أخشى أن يصيبك مرض بسبب ذلك يعطلك عن كثير من الأعمال الصالحة التي هي أفضل مما أنت فيه من الضيق، فأجاب الإمامُ بقوله: إن فلانًا صام وعَبَدَ اللهَ تعالى حتى اخْضَرَّ عظمه، قال: فعرفت أنه ليس له غرض في المقام في دارنا، ولا يلتفت إلى ما نحن فيه) (٣).