ما كادت تمضي مدة من الزمن يسيرة حتى بدأت ثمار هذه الشجرة الباسقة بالظهور.
قال العلامة ابن العطار رحمه الله تعالى: (قال الإمام النووي: وجعلتُ أشرح وأصحح على شيخي الإمام الزاهد إسحاق المغربي رحمه الله تعالى، ولازمته، فأعجب بي؛ لِمَا رأى من اشتغالي وملازمتي، وعدم اختلاطي بالناس، وأحبني محبة شديدة، وجعلني معيدَ الدرس بحلقته لأكثر الجماعة) (٤).
ثم بعد ذلك باشر الإمام النووي ﵁ التدريس في المدرسة الإقبالية، والمدرسة الفلكية، والمدرسة الركنية للشافعية نيابة عن شمس الدين ابن خلكان (ت ٦٨١ هـ) (٥).
غير أن أبرز ما أُسند إليه هو مشيخةُ دار الحديث الأشرفية؛ وقد ذكرت بعض المصادر أن واقف هذه المدرسة جعل من شروط وقف هذه الدار ألَّا تُسند إلا لأعلم أهل البلد بالحديث، فقد قال الإمام السخاوي رحمه الله تعالى: (إنه - أي: الكمال
_________________
(١) تحفة الطالبين (ص ٩).
(٢) انظر "تحفة الطالبين" (ص ٩).
(٣) الجواهر المضية (٤/ ٤١٢).
(٤) تحفة الطالبين (ص ٤)، وحياة الإمام النووي (ص ٦). والمعيد: عليه قدر زائد على سماع الدرس؛ من تفهيم بعض الطلبة ونفعهم، وعمل ما يقتضيه لفظ الإعادة، وإلا فهو والفقيه سواء.
(٥) انظر "ذيل مرآة الزمان" (٣/ ٢٨٣).
[ ١ / ٢٩ ]
المعرِّي - انتزع دار الحديث الأشرفية من ابن كثير ولم يلتفت لكون شرطها أن تكون لأعلم أهل البلد بالحديث) (١).
وقال الإمام السخاوي نقلًا عن الحافظ الذهبي رحمهما الله تعالى: إن تولِّي الإمام النووي لدار الحديث كان مع صغر سنِّه، ونزول روايته في حياة مشايخه (٢).
وهذا لم يكن من باب المحاباة للإمام، أو أنه كان حريصًا على ذلك، ومما يدل له قوله لابن النجار في رسالة وجهها إليه: (أَوَ ما علمتَ - لو أنصفتَ - كيف كان ابتداء أمرها، أَوَ ما كنتَ حاضرًا مشاهدًا أخذي لها؟ !) (٣).
وقد كان تولِّيه ﵁ لدار الحديث الأشرفية بعد وفاة الإمام أبي شامة عبد الرحمن بن إسماعيل سنة (٦٦٥ هـ) رحمه الله تعالى، وبقي فيها حتى أتاه داعي ربه سنة (٦٧٦ هـ).