وعلى الرغم من زهده ﵁ وتواضعه، ودماثة خلُقه، ولين عريكته، ورِفْقه ورحمته بالناس .. فقد كان قويًّا في الحق، صلبًا في مواجهة الظلم والظلَمة، يلين الحديد وهو في ذلك لا يلين، وتنحني الشُّمُّ الشوامخ وهو لا ينحني.
قال تلميذه العلامة ابن العطار رحمه الله تعالى: (وكان مواجهًا للملوك والجبابرة بالإنكار، لا تأخذه في الله لومة لائم، وكان إذا عجز عن المواجهة .. كتب الرسائل ويتوصل إلى إبلاغها) (٤).
_________________
(١) حياة الإمام النووي (ص ٥٤).
(٢) حياة الإمام النووي (ص ٥١).
(٣) تحفة الطالبين (ص ١٠).
(٤) تحفة الطالبين (ص ١٣).
[ ١ / ٣٨ ]
وقال الحافظ الذهبي رحمه الله تعالى: (وله غير رسالة إلى الملك الظاهر في الأمر بالمعروف) (١).
وذكر القطب اليونيني رحمه الله تعالى طرفًا من جرأته فقال: (إنه واقَفَ الملكَ الظاهر ﵀ غير مرة في دار العدل بسبب الحوطة على بساتين دمشق وغير ذلك، وحُكي لي أن الملك الظاهر قال عنه: أنا أفزع منه، أو ما هذا معناه) (٢).
وأما مواجهته لعلماء السوء .. فقد ذكر العلامة ابن العطار رحمه الله تعالى في هذا الشأن رسالته الشهيرة لابن النجار الذي سعى لإحداث أمور باطلة على المسلمين فتصدى له الإمام النووي ﵁ وبالغ في زجره، وكفِّه عن ذلك، فغضب ابن النجار، وبعث إلى الإمام يهدده ويتوعده، فما كان من الإمام إلا أن بادره برسالة تنبئ عن قوته في الحق، وجرأته في إزالة المنكر (٣).
ونحن ننقل لك من آخرها قطعة بليغة، حيث قال ﵁: ( واعلم: أني لا أتعرَّض لك بمكروه، سوى أني أبغضك في الله تعالى، وما امتناعي عن التعرُّض لك بمكروه من عَجْبر، بل أخاف الله رب العالمين من إيذاء من هو من جملة الموحدين، وقد أخبرني من أثق به وبخبره وصلاحه، وكراماته وفلاحه: بأنك إن لم تبادر بالتوبة .. حلَّ بك عقوبة عاجلة، تكون بها آية لمن بعدك، ولا يأثم بها أحد من الناس، بل هو عدل من الله تعالى يوقعه بك؛ عبرةً لمن بعدك.
فإن كنتَ ناظرًا لنفسك .. فبادر بالرجوع عن سيئ أفعالك، وتدارك ما أسلفته من قبيح مقالك والسلام على من اتبع الهوى، والحمد لله رب العالمين) (٤).
قال تلميذه العلامة ابن العطار رحمه الله تعالى: (ذو التصانيف المفيدة، والمؤلفات الحميدة، أَوْحَدُ دهره، وفريد عصره، الصوَّام القوَّام، الزاهد في الدنيا، الراغب في الآخرة، صاحب الأخلاق المرضية، والمحاسن السنية، العالم الرباني، المتفق على علمه وإمامته وجلالته، وزهده وورعه وعبادته، وصيانته في أقواله وأفعاله وحالته.
_________________
(١) تاربخ الإسلام (٥٠/ ٢٥٤).
(٢) ذيل مرآة الزمان (٣/ ٢٨٣).
(٣) انظر "تحفة الطالبين" (ص ٤٧).
(٤) تحفة الطالبين (ص ٥١).
[ ١ / ٣٩ ]
له الكرامات الطافحة، والمكرمات الواضحة، المؤثِر بنفسه وماله للمسلمين، والقائم بحقوقهم وحقوق ولاة أمورهم بالنصح والدعاء في العالمين.
وكان كثير التلاوة والذكر لله تعالى، حشرنا الله تعالى في زمرته، وجمع بيننا وبينه في دار كرامته، مع من اصطفاه من خليقته، أهل الصفاء والوفاء والودِّ، العاملين بكتاب الله تعالى، وسنة محمد ﷺ وشريعته) (١).
ويضيف ﵀ أيضًا: (وجرى لي معه وقائع، ورأيت منه أمورًا تحتمل مجلدات) (٢).
وقال الإمام السخاوي رحمه الله تعالى: (شيخ الإسلام، وإمام الأئمَّة الأعلام، وقطب الأولياء الكرام، ونادرة الزهاد الوافر في ورعهم السهام، المجتهد في الصيام والقيام، والقائم بخدمة الملك العلام) (٣).
وقال الإمام التقي السبكي رحمه الله تعالى: (شيخ الإسلام، أستاذ المتأخرين، وحجة الله على اللَّاحقين، والداعي إلى سبيل السالفين، كان يحيى ﵀ سيدًا وحصورًا، وليثًا على النفس هصورًا لا يصرف ساعة في غير طاعة، هذا مع التفنن في أصناف العلوم، فقهًا ومتونَ حديث، وأسماء رجال، ولغة وتصوُّفًا، وغير ذلك) (٤).
حدث مرةً أن نازعه بعضهم في نقل عن "الوسيط" للإمام الغزالي رحمه الله تعالى، فقال: ينازعوني في "الوسيط" وقد طالعته أربع مئة مرة؟ ! وكان من سعة علمه عديمَ النظير (٥).
ولك أن تعجب وأنت تسمع الإمام التقي السبكي رحمه الله تعالى يذكر أنه عندما طُلِبَ إليه أن يصنع تكملة لـ "المجموع" بعد وفاة الإمام النووي ﵁ من حيث وصل الشيخ .. هاب الأمر، وقدم رجلًا وأخَّر أُخرى، وحاول أن يعتذر عن ذلك
_________________
(١) تحفة الطالبين (ص ٢).
(٢) تحفة الطالبين (ص ١٢).
(٣) حياة الإمام النووي (ص ١).
(٤) طبقات الشافعية الكبرى (٨/ ٣٩٥).
(٥) حياة الإمام النووي (ص ٥٠).
[ ١ / ٤٠ ]
متعلِّلًا بقوله: (ولا شك أن ذلك - أي: إكمال "المجموع" - يحتاج بعد الأهلية إلى ثلاثة أشياء:
أحدها: فراغ البال، واتساع الزمان، وكان ﵀ قد أوتي من ذلك الحظ الأوفى، بحيث لم يكن له شاغل عن ذلك من تعيُّش ولا أهل.
والثاني: جمع الكتب التي يستعان بها على النظر، والاطلاع على كلام العلماء، وكان رحمه الله تعالى قد حصل له من ذلك حظ وافر؛ لسهولة ذلك في بلده في ذلك الوقت.
والثالث: حسن النية، وكثرة الورع والزهد، والأعمال الصالحة التي أشرقت أنوارها، وكان رحمه الله تعالى قد اكتال من ذلك بالمكيال الأوفى.
فمن تكون اجتمعت فيه هذه الخلال الثلاث أنَّى يضاهيه، أو يدانيه من ليست فيه واحدة منها؟ !) (١).
وثمة شاهد ينطق بأفصح لسان، وأعذب بيان عن علم الإمام الغزير، ألا وهو ما تركه الإمام من كتب ومصنفات كانت نتاج فكره وبراعته.