شَرْطُ الصَّوْمِ: الإِسْلَامُ وَالْعَقْلُ وَالنَّقَاءُ عَنِ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ جَمِيعَ النَّهَارِ. وَلَا يَضُرُّ النَّوْمُ الْمُسْتَغْرِقُ عَلَي الصَّحِيحِ. وَالأَظْهَرُ: أَنَّ الإِغْمَاءَ لَا يَضُرُّ إِذَا أَفَاقَ لَحْظَةً مِنْ نَهَارِهِ
===
(فصل: شرط) صحة (الصوم: الإسلام) فلا يصحّ من الكافر بالإجماع، (والعقل) فلا يصحّ من غير مميز؛ لفقدان النية، (والنقاء عن الحيض والنفاس) بالإجماع (جميعَ النهار) وهو قيد في الأربعة، فلو طرأ في أثناء النهار ردة، أو جنون، أو حيض، أو نفاس .. بطل صومه؛ كما لو جُنَّ في خلال صلاته.
وقد يفهم: أنها لو ولدت ولم تر دمًا .. أنه لا يبطل الصوم، لكن الأصحّ في "شرح المهذب"، و"التحقيق": بطلانه (١).
قال في "شرح المهذب": وعدم البطلان قوي؛ فإن المعتمد في الغُسل: كونه منيًّا منعقدًا، وخروجُه بلا مباشرة لا يُبطل الصومَ، ومال إليه ابن الرفعة (٢).
(ولا يضر النوم المُستغرِق علي الصحيح) لبقاء أهلية الخطاب، والثاني: يضر؛ كالإغماء.
وفرق الأول: بأن النائم ثابت العقل؛ فإنه إذا نبه .. انتبه، وله حكم المستيقظ؛ فإنه لا تسقط ولايته على ماله، بخلاف المغمي عليه؛ فإن استيقظ لحظة .. صح؛ إجماعًا.
(والأظهر: أن الإغماء لا يضرّ إذا أفاق لحظةً من نهاره) أيَّ لحظة كانت؛ اكتفاء بالنية مع الإفاقة في جزء، والثاني: يضر مطلقًا؛ كالحيض، والثالث: عكسه؛ كالنوم، والرابع: إن أفاق في أوله .. صحَّ، وإلا .. فلا، وصححه الغزالي، ومال إليه ابن الصلاح (٣)، والخامس: لا يضر إذا أفاق في طرفيه. وسُكْرُ بعض النهار كإغماء بعضه.
_________________
(١) المجموع (٢/ ١٦٩)، التحقيق (ص ١٤٣).
(٢) المجموع (٢/ ١٦٩)، كفاية النبيه (٦/ ٢٩٦).
(٣) الوسيط (٢/ ٥٣٣ - ٥٣٤).
[ ١ / ٥٧٠ ]
وَلَا يَصِحُّ صَوْمُ الْعِيدِ، وَكَذَا التَّشْرِيقُ فِي الْجَدِيدِ. وَلَا يَحِلُّ التَّطَوُّعُ يَوْمَ الشَّكِّ بِلَا سَبَبٍ، فَلَوْ صَامَهُ .. لَمْ يَصِحَّ فِي الأَصَحِّ، وَلَهُ صَوْمُهُ عَنِ الْقَضَاءِ وَالنَّذْرِ، وَكَذَا لَوْ وَافَقَ عَادَةَ
===
(ولا يصح صوم العيد) الأضحي والفطر، بالإجماع، (وكذا التشريقُ في الجديد) وهي ثلاثة بعد يوم النحر؛ للنهي عن صيامها، كما رواه أبو داوود (١).
والقديم: أنه يجوز للمتمتع العادمِ للهدي صومُها عن الأيام الثلاثة الواجبة في الحجّ؛ لما رواه البخاري عن ابن عمر وعائشة ﵃ أنهما قالا: (لم يرُخَّص في أيّام التشريق أنْ يُصمْنَ إلّا لمن لم يجد الهَدْي) (٢)، واختاره في "الروضة"، و"تصحيح التنبيه" (٣)، وصححه ابن الصلاح.
(ولا يحلّ التطوع يومَ الشك بلا سبب) لقول عمار بن ياسر: (مَن صام يومَ الشَّك .. فقد عصَي أبا القاسم)، صححه الترمذي وابن حبان (٤).
وظاهر عبارته: التحريم، وبه صرح في "أصل الروضة"، وعبارة الرافعي: لا يجوز، وعبر الأكثرون بالكراهة، وظاهرها: كراهة التنزيه، وبه صرح الماوردي والجرجاني، وحكي عن ظاهر نصّ "البويطي" (٥).
وكلام المصنف قد يوهم أنه لا يحرم الصوم بلا سبب إذا انتصف شعبان، والأصحُّ في "شرح المهذب": التحريم (٦).
(فلو صامه .. لم يصح في الأصح) كيوم العيد، والثاني: يصح، لقبوله الصوم في الجملة.
(وله صومه عن القضاء والنذر) والكفارة من غير كراهة؛ مسارعةً إلى براءة ذمته، ولأن له سببًا، فجاز؛ كنظيره من الصلاة في الأوقات المكروهة، (وكذا لو وافق عادةَ
_________________
(١) سنن أبي داوود (٢٤١٨) عن عمرو بن العاص ﵁.
(٢) صحيح البخاري (١٩٩٧، ١٩٩٨).
(٣) روضة الطالبين (٢/ ٣٦٦)، تصحيح التنبيه (١/ ٢٢٩).
(٤) صحيح ابن حبان (٣٥٨٥)، سنن الترمذي (٦٨٦)، وأخرجه البخاري تعليقًا في الصوم، باب قول النبي ﷺ: "إِذَا رَأَيْتُمُ الْهِلَالَ ".
(٥) روضة الطالبين (٢/ ٣٦٧)، الشرح الكبير (٣/ ٢١١).
(٦) المجموع (٦/ ٤٢٨).
[ ١ / ٥٧١ ]
تَطَوُّعِهِ، وَهُوَ: يَوْمُ الثَّلَاثِينَ مِنْ شَعْبَانَ إِذَا تَحَدَّثَ النَّاسُ بِرُؤْيَتِهِ، أَوْ شَهِدَ بِهَا صِبْيَانٌ، أَوْ عَبيدٌ، أَوْ فَسَقَةٌ. وَلَيْسَ إِطْبَاقُ الْغَيْمِ بِشَكٍّ. وَيُسَنُّ تَعْجيلُ الْفِطْرِ عَلَي تَمْرٍ، وَإِلَّا .. فَمَاءٍ،
===
تطوعه) لقوله ﵇: "لَا تقدَّمُوا رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ، وَلَا يَوْمَيْنِ، إِلَّا رَجُلًا كَانَ يَصُومُ صَوْمًا فَلْيَصُمْهُ" متفق عليه (١).
(وهو) أي: يوم الشك (يومُ الثلاثين من شعبان إذا تحدث الناسُ برؤيته) ولم يعلم من رآه (أو شهد بها صبيان، أو عبيد، أو فسقة) وظنّ صدقهم؛ كما قاله الرافعي (٢)، وقد تقدم الجمع بين هذا وبين جواز اعتماد هؤلاء في تبييت النية.
(وليس إطباق الغيم بشك) لأنا تعبدنا فيه بإكمال العدة؛ كما تقدم أول الكتاب (٣).
(ويسن تعجيل الفطر) إذا تحقق الغروب؛ لقوله ﵇: "لَا تَزَالُ أُمَّتِي بخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الْفِطْرَ" متفق عليه (٤) (على تمر، وإلا .. فماءٍ) لحديث: "إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ صَائِمًا .. فَلْيُفْطِرْ عَلَى التَّمْرِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدِ التَّمْرَ .. فَعَلَي الْمَاءِ؛ فَإِنَّهُ طَهُورٌ" صححه الترمذي، وابن حبان (٥).
قال المحب الطبري: ومن هو بمكة يستحب له الفطر علي ماء زمزم، ولو جمع بينه وبين التمر .. فحسن.
ومقتضى تعبير المصنف: أن السنة لا تحصل إلا بثلاث تمرات؛ لأن التمر جمع، وأقله: ثلاث، قال في "المهمات": ونصّ عليه في "حرملة"؛ كما نقله القاضي أبو الطيب، فقال: يستحب: أن يفطر على تمرات، أو حسوات من ماء (٦).
_________________
(١) صحيح البخاري (١٩١٤)، صحيح مسلم (١٠٨٢) عن أبي هريرة ﵁.
(٢) الشرح الكبير (٦/ ٢١٣).
(٣) في (أ): (كما تقدم أول الباب).
(٤) صحيح البخاري (١٩٥٧)، صحيح مسلم (١٠٩٨) عن سهل بن سعد ﵁.
(٥) صحيح ابن حبان (٣٥١٥)، سنن الترمذي (٦٥٨)، وأخرجه الحاكم (١/ ٤٣٢)، وأبو داوود (٢٣٥٥)، والنسائي في "الكبري" (٣٣١١)، وابن ماجه (١٦٩٩) عن سلمان بن عامر ﵁.
(٦) المهمات (٤/ ٩٥).
[ ١ / ٥٧٢ ]
وَتأْخِيرُ السُّحُورِ مَا لَمْ يَقَعْ فِي شَكٍّ، وَلْيَصُنْ لِسَانَهُ عَنِ الْكَذِبِ وَالْغِيبَةِ،
===
(وتأخير السحور) ففي "صحيح ابن حبان": أنه من سنن المرسلين (١)، ولأن تأخيره أقرب إلى حصول الحكمة في مشروعيته، وهو التقوِّي على العبادة، ولم يصرح المصنف باستحباب السحور، وقد صرح به في "المحرر" (٢)، واستحبابه مجمعٌ عليه.
وذكر في "شرح المهذب": أنه يحصل بكثير المأكول وقليله، وبالماء (٣)، ففي "صحيح ابن حبان": "تَسَحَّرُوا وَلَوْ بِجُرْعَةِ مَاءٍ" (٤)، ويدخل وقته بنصف الليل؛ كما ذكره الرافعي في (الأيمان)، وذكره في "شرح المهذب" هنا (٥).
(ما لم يقع في شك) بأن يخشي طلوع الفجر؛ لحديث: "دع مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ" (٦).
(وليصُنْ لسانه عن الكذب، والغيبة) ونحوهما؛ كالشتم، والنميمة؛ لحديث: "مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بهِ .. فَلَيْسَ لله حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ" (٧).
قال في "الدقائق": قول "المنهاج": (ولْيَصُنْ) هذه لام الأمر؛ أي: يلزمه ذلك (٨)، قال الأَذْرَعي: ولا شك فيه؛ لأن ذلك واجبٌ على كلّ أحد، ويتأكد في حقّ الصائم، وعدَّا في "الشرح"، و"الروضة" تبعًا لجماعةٍ ذلك من السنن، قال الإسنوي: (وينبغي تأويله علي الحالة التي يجوز تعاطي هذه الأشياء فيها؛ كالكذب للحاجة، والغيبة للتظلم، ونحوه) (٩).
نعم؛ قد يجب الكذب لخلاص مظلوم من ظالم، أو لغير ذلك، وكذلك الغيبة؛
_________________
(١) صحيح ابن حبان (١٧٧٠) عن ابن عباس ﵄.
(٢) المحرر (ص ١١٣).
(٣) المجموع (٦/ ٣٧٩).
(٤) صحيح ابن حبان (٣٤٧٦) عن عبد الله بن عمرو ﵄.
(٥) الشرح الكبير (٣/ ٣٥٢)، المجموع (٦/ ٣٧٩).
(٦) أخرجه الترمذي (٢٥١٨)، والنسائي (٨/ ٣٢٨) عن الحسن بن علي ﵄.
(٧) أخرجه البخاري (١٩٠٣) عن أبي هريرة ﵁.
(٨) دقائق المنهاج (ص ٥٥).
(٩) الشرح الكبير (٣/ ٢١٥)، روضة الطالبين (٢/ ٣٦٨)، المهمات (٤/ ٩٨).
[ ١ / ٥٧٣ ]
وَنَفْسَهُ عَنِ الشَّهَوَاتِ. وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَغْتَسِلَ عَنِ الْجَنَابَةِ قَبْلَ الْفَجْرِ، وَأَنْ يَحْتَرِزَ عَنِ الْحِجَامَةِ وَالْقُبْلَةِ وَذَوْقِ الطَّعَامِ وَالْعِلْكِ، وَأَنْ يَقُولَ عِنْدَ فِطْرِهِ: (اللَّهُمَّ لَكَ صمْتُ، وَعَلَى رِزْقِكَ أَفْطَرْتُ)، وَأَنْ يُكْثِرَ الصَّدَقَةَ وَتلَاوَةَ الْقُرْآنِ فِي رَمَضَانَ،
===
كإخباره عن مساويء الخاطب، وعيوب المبيع، وغيرهما؛ فيرد ذلك على المصنف.
(ونفسَه عن الشهوات) من المسموعات، والمبصرات، والمشمومات، والملابس، ونحوه؛ لأنه سرُّ الصوم، ومقصوده الأعظم؛ لتنكسر نفسه عن الهوى، وتقوى على التقوي بكفّ جوارحه عن تعاطي ما يشتهيه.
قال في "الدقائق": (ولا يمتنع هذا العطف؛ لأن النوعين اشتركا في الأمر بهما، لكنَّ الأول أمرُ إيجاب، والثاني استحبابٍ) انتهي (١).
(ويستحب: أن يغتسل عن الجنابة) والحيض، والنفاس (قبل الفجر) ليؤدي العبادة على الطهارة، وليخرج من خلاف أبي هريرة حيث قال: لا يصح صومه (٢).
ولو طهرت الحائض ليلًا، ونوت الصومَ، واغتسلت في النهار .. صحَّ صومها.
ويكره للصائم دخولُ الحمام، قاله المَحاملي والجرجاني (٣).
(وأن يحترز عن الحجامة) والفصد؛ للاختلاف فيهما كما مر، (والقُبلة) هذه المسألة مكررة، وقد تقدم كراهتها، بل تحريمها، (وذَوْق الطعام) خوف الوصول إلي حلقه، (والعِلك) لأنه يجمع الريق ويعطش، وليخرج من خلاف من فطَّر الصائم به.
(وأن يقول عند فطره: "اللهم؛ لك صمتُ، وعلى رزقك أفطرت") للاتباع، رواه أبو داود مرسلًا، وأسنده الدارقطني مرفوعًا، لكن بسند ضعيف (٤).
(وأن يُكثر الصدقةَ، وتلاوةَ القرآن في رمضان) أما الصدقة .. فلأن الحسنات فيه
_________________
(١) دقائق المنهاج (ص ٥٥).
(٢) أخرجه مسلم (١١٠٩).
(٣) اللباب في الفقه الشافعي (ص ٦٥).
(٤) سنن أبي داوود (٢٣٥٨) عن معاذ بن زُهْرة، سنن الدارقطني (٢/ ١٨٥) عن عبد الله بن عباس ﵄.
[ ١ / ٥٧٤ ]
وَأَنْ يَعْتَكِفَ لَا سِيَّمَا فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْهُ.