٢١٥ - كذا في "المنهاج" (١)، وفي "التنبيه" [ص ٢٣]: (إزالة النجاسة) والباب مشتمل على ذكر النجاسة وإزالتها، فكان الأولى ذكرهما في التبويب، وإن كان لا بد من الاقتصار على أحدهما .. فما فعله في "التنبيه" أحسن؛ لأنه اللائق بكتاب الطهارة، وإزالة النجاسة متوقفة على معرفة النجاسة، فتذكر تبعًا.
وظاهر كلام الثلاثة: انحصار النجاسة فيما ذكروه، وليس كذلك، فكان ينبغي أن يذكر لها ضابط إجمالي، وهو كما قال المتولي: كل عين حرم تناولها على الإطلاق مع إمكان التناول، لا لحرمتها، زاد النووي: واستقذارها، وضررها في بدن أو عقل (٢).
فخرج بالإطلاق: ما يباح قليله دون كثيره (٣)، كبعض النبات الذي هو سم.
وبالإمكان: الحجر ونحوه من الأشياء الصلبة.
قال السبكي: ولا يحتاج إليه؛ لأن ما لا يمكن تناوله لا يوصف بتحريم ولا تحليل.
وبعدم الحرمة: الآدمي.
وبالاستقذار: المخاط، والمني ونحوهما.
وبضرر البدن والعقل: السم الطاهر الذي يضر قليله وكثيره، والتراب، والحشيش المسكر.
وزاد السبكي بعد الإطلاق: في حالة الاختيار؛ ليدخل الميتة؛ فإنها لا تحرم في المخمصة مع نجاستها.
قال شيخنا شهاب الدين بن النقيب: (وفي هذا الضابط تجوز؛ فإن النجاسة حكم شرعي، فكيف تفسر بالأعيان؟ بل ما ذكر حد للنجس، وقال صاحب "الإقليد": رسموها بحكمها الذي لا يعرف إلا بعد معرفتها؛ ككل عين حرمت لا لمضرتها، ولا لتعلق حق الغير بها، أو كل ما يبطل ملاقاته الصلاة) (٤).
٢١٦ - قول "الحاوي" [ص ١١٧]: (المسكر) يتناول: الخمر، والنبيذ المتخذ من التمر والزبيب ونحوهما؛ ولهذا لما عبر "التنبيه" بالخمر .. ذكر بعده النبيذ (٥)، فإنه لا يسمى
_________________
(١) المنهاج (ص ٨٠).
(٢) انظر "المجموع" (٢/ ٥٠٤).
(٣) في حاشية (أ): (حرم كثيره دون قليله).
(٤) انظر "السراج على نكت المنهاج" (١/ ١٥٩).
(٥) التنبيه (ص ٢٣).
[ ١ / ١٤٦ ]
خمرًا حقيقة عند الأكثرين، كما صرح به الرافعي (١).
فعبارة "الحاوي" أخصر، وقيد "المنهاج" من زيادته المسكر بالمائع (٢)، احتراز من الحشيش المسكر ونحوه؛ فإنه مع تحريمه طاهر.
وفي "المصباح": الحشيشة نجسة إن ثبت أنها مسكرة.
وفي "التعليقة على الحاوي": أن البنج مخدر غير مسكر.
وفي "فوائد الرحلة" لابن الصلاح حكايته وجه عن صاحب "التقريب": أن ما كان من النبات سمًا قاتلًا يكون نجسًا، وأنه رد عليه بنص الشافعي.
وأورد بعضهم على "المنهاج": الخمر إذا انعقدت وهي مسكرة؛ فإن حكم التنجيس باق.
وأجيب: بأنه حكم بنجاستها وهي مائعة، ولم يحدث ما يطهرها.
وأورد عليه أيضًا: إن دُرْديَّ الخمر؛ فإنه جامد مع نجاسته.
٢١٧ - قول "المنهاج" [ص ٨٠]: (وفرعهما) أي: فرع كل منهما، وكذا قول "الحاوي" [ص ١١٧]: (والفرع) وأوضح منهما قول "التنبيه" [ص ٢٣]: (وما تولد منهما أو من أحدهما).
٢١٨ - قولهما والعبارة لـ"المنهاج": (وميتة غير الآدمي والسمك والجراد) (٣) يستثنى أيضًا: الجنين يوجد ميتًا عند ذبح أمه.
والصيد يموت قبل أن تدرك ذكاته، وكذا موته بضغطة الكلب في الأصح، وتناول هذه الصور قول "الحاوي" [ص ١١٧]: (والمأكولة)، وعند التحقيق لا يحتاج لاستثنائها؛ لأن الشرع جعل ذكاتها بذلك، فليست ميتة.
٢١٩ - قول "التنبيه" [ص ٢٣]: (والآدمي) قد يفهم من استثناء جملته: نجاسة جزئه المنفصل، وإليه ذهب العراقيون أو جمهورهم، كما في "شرح المهذب" (٤)، والصحيح: الطهارة.
٢٢٠ - قولهم: (والقيء) (٥) أي: من آدمي وغيره سواء تغير أم لا، كما صححه في "شرح المهذب" (٦)، وهو ظاهر ما في "الشرح الصغير"، وفيما إذا لم يتغير .. وجه: أنه متنجس لا نجس العين.
_________________
(١) انظر "فتح العزيز" (١/ ٢٨).
(٢) المنهاج (ص ٨٠).
(٣) انظر "التنبيه" (ص ٢٣)، و"المنهاج" (ص ٨٠).
(٤) المجموع (١/ ٢٩٠).
(٥) انظر "التنبيه" (ص ٢٣)، و"الحاوي" (ص ١١٧)، و"المنهاج" (ص ٨٠).
(٦) المجموع (٢/ ٥٠٩).
[ ١ / ١٤٧ ]
ويشكل على الأول ما في "الروضة" وغيرها: أن البهيمة إذا ألقت الحب صحيحًا؛ فإن كانت صلابته باقية بحيث لو زرع لنبت .. فهو طاهر العين، فيغسل ويؤكل، هالا .. فهو نجس (١).
٢٢١ - قول "المنهاج" [ص ٨٠]: (وروث) أحسن من تعبير "التنبيه": بـ (الغائط) (٢)، و"المحرر": بـ (العذرة) (٣) فإنهما مختصان بالآدمي، والروث أعم، وذكر في "الروضة" الروث، والعذرة معًا، ومثله: سرجين البهائم، وذرق الطير (٤).
نعم؛ إنفحة المأكول المذكى قبل أكل العلف طاهرة في الأصح، وقد ذكرها "الحاوي"، لكنه أطلق طهارتها بغير شرط (٥).
وأجيب عنه: بأنه لم يحتج لذكر التذكية؛ لتقريره بنجاسة الميتة، ولا لذكر أخذها قبل أكل العلف؛ لأنها متى أكلت غير اللبن .. لا تسمى إنفحة بل كرشًا، كما ذكره الجوهري وغيره (٦).
قال شيخنا الإِمام سراج الدين البلقيني: إن الإنفحة تطلق على كرش السخلة وعلى اللبن الذي فيها، ولا خلاف في طهارة عينها بالمعنى الأول، أما بالمعنى الثاني: فهي التي تعرض لها الرافعي والنووي، وصححا فيها الطهارة بالشرطين المذكورين (٧)، والأرجح: نجاستها؛ لأنها فضلة مستحيلة غير منتفع بها، ويمكن الاستغناء عنها بالتجبين بنفس الجلدة، وتعبير "الحاوي": بـ (الفضلة) يشمل الجميع فهو أولى (٨).
ويستثنى من كلامهم أمران:
أحدهما: فضلة رسول ﷺ، فهي طاهرة مطلقًا، كما جزم به ابن القاص والبغوي، وصححه القاضي حسين، ونقله العمراني عن الخراسانيين، وصححه السبكي (٩).
قال شيخنا الإِمام سراج الدين البلقيني: (إن به الفتوى وإن حكى الرافعي والنووي عن الجمهور خلافه) (١٠).
ثانيهما: الدم الباقي على اللحم وعظامه، نقله في "شرح المهذب" عن أبي إسحاق الثعلبي
_________________
(١) الروضة (١/ ١٨).
(٢) التنبيه (ص ٢٣).
(٣) المحرر (ص ١٥).
(٤) الروضة (١/ ١٦).
(٥) الحاوي (ص ١١٨).
(٦) انظر "الصحاح" (١/ ٤١٣).
(٧) انظر "فتح العزيز" (١/ ٣٩)، و"المجموع" (٢/ ٥٢٥، ٥٢٦).
(٨) الحاوي (ص ١١٧).
(٩) انظر "البيان" (١/ ٧٧).
(١٠) انظر "فتح العزيز" (١/ ٣٨٣٦)، و"المجموع" (١/ ٢٩١، ٢٩٣).
[ ١ / ١٤٨ ]
المفسر من أصحابنا، وقال: (قَلَّ من تعرض له، وهو مهم؛ لمشقة الاحتراز منه؛ ولأن الله تعالى لم ينه عن كل دم، وإنما نهى عن المسفوح خاصة، وهو السائل) انتهى (١).
وقد يقال: هو معفو عنه لا طاهر.
ويستثنى أيضًا: ما لو أكلت بهيمة حبًا ثم ألقته صحيحًا وصلابته باقية، بحيث لو زُرع .. نبت؛ فإن عينه طاهرة، لكنه متنجس الظاهر فقط، وهو من جملة الروث.
٢٢٢ - قول "الحاوي" [ص ١١٧]: (وماء القروح والنفاطات) أي: إن لم تتغير رائحته، كذا صححه الرافعي (٢)، وصحح النووي: الطهارة عند عدم التغير (٣)، وادعى بعضهم أنه مفهوم من اقتصار "التنبيه" على القيح (٤).
٢٢٣ - قول "الحاوي" [ص ١١٧]: (لا البلغم -وهو: النازل من الدماغ- والنخامة) وهي من الصدر، وأما الخارج من المعدة .. فنجس، وقال بعضهم: هو رطوبة، وليس ببلغم ولا نخامة.
٢٢٤ - قوله: (وبيضه) (٥) أي: بيض المأكول، أما بيض غيره: ففيه الوجهان في منيّه، صحح الرافعي: النجاسة (٦)، وهو مفهوم "الحاوي"، وصحح النووي: الطهارة (٧).
٢٢٥ - قول "التنبيه" [ص ٢٣]: (قيل: ومني غير الآدمي، وقيل: ومني ما لا يؤكل لحمه غير الآدمي) ضعف كلًا من الوجهين، ومقتضاه: تصحيح طهارة المني مطلقًا، وكذا صححه النووي (٨).
لكن يستثنى منه: مني الكلب والخنزير وفرع أحدهما.
وصحح الرافعي: نجاسة مني غير الآدمي مطلقًا، وعليه مشى "الحاوي" (٩).
٢٢٦ - قولهما: (ولبن ما لا يؤكل غير الآدمي) (١٠) وقول "الحاوي" [ص ١١٨]: (ولبن البشر) يشمل: الذكر والأنثى صغيرة كانت أو كبيرة، وهو موافق لتعبير ابن سراقة بـ (لبن بني آدم)، وفي "شرح الكفاية" للصيمري: ألبان الآدميين والآدميات لم يختلف المذهب في طهارتها وجواز بيعها.
_________________
(١) المجموع (٢/ ٥١٥)، وانظر "الكشف والبيان" (٤/ ٢٠١).
(٢) انظر "فتح العزيز" (٢/ ٢٨، ٢٩).
(٣) انظر "المجموع" (٢/ ٥١٥).
(٤) التنبيه (ص ٢٣).
(٥) انظر "الحاوي" (ص ١١٨).
(٦) انظر "فتح العزيز" (١/ ٤١).
(٧) انظر "المجموع" (٢/ ٥١٢).
(٨) انظر "المجموع" (٢/ ٥١٢).
(٩) انظر "فتح العزيز" (١/ ٤١)، و"الحاوي" (ص ١١٨).
(١٠) انظر "التنبيه" (ص ٢٣)، و"المنهاج" (ص ٨٠).
[ ١ / ١٤٩ ]
وقال ابن يونس، وصاحب "البيان" في (الرضاع): لبن التي لم تستكمل تسع سنين نجس (١).
وقال ابن الصباغ: لبن الرجل نجس.
قال شيخنا الإِمام البلقيني: والأصح: طهارته، ونجاسة لبن الثور، ويتصور ذلك: بأن يكون خنثى، أو يخلق الله له أخلافًا، والفرق بينهما: زيادة الندور في لبن الثور بعدم الأخلاف.
وقال صاحب "الاستقصاء" في (البيع): لا يجوز بيع لبن الرجل وإن قلنا بطهارته؛ لامتناع شربه.
وقال ابن الصباغ وغيره: إن لبن الميتة نجس، وقال الروياني: هو طاهر يجوز شربه وبيعه، نقله عنه في (البيع) من "شرح المهذب" وأقره (٢).
٢٢٧ - قول "الحاوي" و"المنهاج" -والعبارة له-: (والجزء المنفصل من الحي كميتته، إلا شعر المأكول؛ فطاهر) (٣) فيه أمران:
أحدهما: يستثنى من ذلك: ما لو قطع عضو أو جناح من مأكول؛ فإن شعره وريشه نجس تبعًا للعضو، وهي واردة أيضًا على مفهوم قول "التنبيه" [ص ٢٣]: (وشعر ما لا يؤكل لحمه إذا انفصل في حياته)، وعليه إيراد آخر، وهو: أنه يقتضي نجاسة شعر الآدمي ولو قلنا بطهارة جثته، وصححه الماوردي وابن الرفعة (٤).
لكن الأصح: خلافه، ولعل "التنبيه" اكتفى بتصحيح طهارة ميتته عن إعادته في أجزائه، وعنه جواب آخر، وهو: أن قوله بعد هذا: (غير الآدمي) (٥) يعود إلى هذه المسألة أيضًا؛ لأن قاعدة الشافعي: عود المتعلقات المتعقبة مُجمل لجميعها.
ثانيهما: المسك طاهر، وكذا فأرته (٦) في الأصح، وقد استثناه في "الحاوي" (٧) فهو وارد
_________________
(١) البيان (١١/ ١٣٩).
(٢) انظر "بحر المذهب" (٦/ ٢٣٠)، و"المجموع" (٢/ ٥٢٥).
(٣) الحاوي (ص ١١٨)، و"المنهاج" (ص ٨٠).
(٤) انظر "الحاوي الكبير" (١/ ٦٧، ٦٨).
(٥) انظر "التنبيه" (ص ٢٣).
(٦) فأرة المسك: نافجته، قال عمرو بن بحر: سألت رجلًا عطارًا من المعتزلة عن فأرة المسك، فقال: ليس بالفأرة وهو بالخشف أشبه، ثم قال: فأرة المسك تكون بناحية تبت، يصيدها الصياد فيعصب سرتها بعصاب شديد وسرتها مدلاة، فيجتمع فيها دمها، ثم تذبح، فإذا سكنت .. قور السرة المعصرة، ثم دفنها في الشعير حتى يستحيل الدم الجامد مسكًا ذكيًا بعد ما كان دمًا لا يرام نتنًا، قال: ولولا أن النبي قد تطيب بالمسك .. ما تطيبت به. انظر "لسان العرب" (٥/ ٤٢، ٤٣).
(٧) الحاوي (ص ١١٨).
[ ١ / ١٥٠ ]
على "المنهاج"، لكن شرط طهارتها: انفصالها حال حياة الظبية، وإنما ذكر "الحاوي" المسك مع الأجزاء مع أنه من الفضلات؛ ليفرق بينه وبين فأرته.
٢٢٨ - قول "التنبيه" [ص ٢٣]: (والعلقة في أحد الوجهين) الأصح: الطهارة، كما صرح به "المنهاج" (١)، قال شيخنا جمال الدين في "شرح المنهاج": (شرط طهارة العلقة والمضغة على قاعدة الرافعي: أن يكونا من الآدمي؛ فإن مني غيره نجس عنده (٢)، والعلقة والمضغة أولى بالنجاسة من المني؛ ولهذا تردد في "المنهاج" في نجاستهما مع جزمه فيه بطهارة المني، وأما على تصحيح النووي طهارة المني المذكور .. ففيه نظر) (٣).
قال شيخنا شهاب الدين بن النقيب: (ولك أن تمنع كونهما أولى بالنجاسة من المني؛ فإنهما صارا أقرب إلى الحيوانية منه، وهو أقرب إلى الدموية منهما، قال: وأما جزمه بطهارة المني .. فهو في مني الآدمي، والشارح لم يفرض الكلام فيه، بل فرضه في غير الآدمي، والخلاف فيه، قال: وظاهر إطلاق الجمهور وتعليلهم يقتضي التعميم، إلا أنهم قاسوا الطهارة على المني، ولا يتمشى في غير الآدمية؛ فإن فيه خلافًا قويًا، صحح الرافعي: نجاسته، فكيف يقاس عليه؟) انتهى (٤).
ومفهوم "الحاوي": نجاسة مضغة غير الآدمي وعلقته؛ فإنه قال -عطفًا على الطاهرات-: (وأصله) (٥) .. فاقتضى أن أصل غيره نجس، وذلك شامل للمني والعلقة والمضغة.
وعبر "المنهاج" في المضغة بـ (الأصح) كما فعل في العلقة (٦)، لكنه عبر في "الروضة" بـ (الصحيح) (٧) وصحح في "شرح المهذب": القطع به (٨)، فعلى هذا كان ينبغي التعبير بالمذهب، ويوافقه حكايته "التنبيه" الخلاف في العلقة، وسكوته عن المضغة (٩).
وقد تُرَجَّح طريقة الوجهين في المضغة:
بأنها إما كميتة الآدمي، وفيها قولان.
_________________
(١) المنهاج (ص ٨٠).
(٢) أي: الرافعي. انظر "فتح العزيز" (١/ ٤١).
(٣) انظر "المجموع" (٢/ ٥١٢).
(٤) انظر "السراج على نكت المنهاج" (١/ ١٦٦)، و"فتح العزيز" (١/ ٤١).
(٥) انظر "الحاوي" (ص ١١٨).
(٦) المنهاج (ص ٨٠).
(٧) الروضة (١/ ١٨).
(٨) المجموع (٢/ ٥١٦).
(٩) التنبيه (ص ٢٣).
[ ١ / ١٥١ ]
أو كجزئه المنفصل، وفيه طريقان: طرد الخلاف، أو القطع بالنجاسة، فكيف يقطع فيها بالطهارة؟ .
٢٢٩ - قول "التنبيه" [ص ٢٣]: (ورطوبة فرج المرأة في ظاهر المذهب) فيه أمور:
أحدها: الأصح: الطهارة، كما في "المنهاج" (١)، وكان ينبغي له التعبير بـ (الأظهر) على اصطلاحه؛ لأن الخلاف في الرطوبة قولان منصوصان.
ثانيها: لا يتقيد الحكم بفرج المرأة؛ فغيرها من الحيوان الطاهر مثلها في الخلاف وتصحيح الطهارة؟ ولهذا أطلق "المنهاج" ذكر الفرج (٢)، لكنه قيده بفرج المرأة في "الروضة" (٣) كما في "التنبيه" و"المحرر" (٤).
ثالثها: رطوبة الفرج: ماء أبيض متردد بين المذي والعرق، قاله في "شرح المهذب"، قال: (وأما الرطوبة الخارجة من باطن فرج المرأة: فإنها نجسة) (٥)، وكذا قاله الرافعي في "الشرح الصغير".
وقال الإمام: لا شك في نجاستها (٦).
وإنما قلنا بطهارة ذكر المجامع ونحوه على ذلك القول؛ لأنا لا نقطع بخروجها.
قال في "الكفاية": (وفي ذلك ما يوضح الفرق بين رطوبة فرج المرأة ورطوبة باطن الذكر؛ لأنها لزجة لا تنفصل بنفسها ولا تمازج؛ كسائر رطوبات البدن، فلا حكم لها).
٢٣٠ - قول "التنبيه" [ص ٢٣]: (ولا يطهر شيء من النجاسات بالاستحالة إلا شيئان) كقول "المنهاج" [ص ٨٠]: (ولا يطهر نجس العين إلا خمر إلى آخره)، وأهملا ثالثًا وهو: ما صار حيوانًا بعد كونه جمادًا نجسًا؛ كالمضغة المحكوم بنجاستها؛ إذ صارت حيوانًا.
وقد ذكره "الحاوي" (٧)، وأورده في "الكفاية" مع دم الظبية إذا استحال مسكًا، وأجاب عنه: بأنه باطن لا حكم له، ويخدش الجواب: منع البيع والحمل في الصلاة، فالأولى: الجواب: بأن المراد بالاستحالة: تغير صفة الشيء مع بقائه بحاله، ولا يوجد في غير المذكورين وما عداهما تطور من حال إلى حال.
_________________
(١) المنهاج (ص ٨٠).
(٢) المنهاج (ص ٨٠).
(٣) الروضة (١/ ١٨).
(٤) التنبيه (ص ٢٣)، المحرر (ص ١٥).
(٥) المجموع (٢/ ٥٢٦).
(٦) انظر "نهاية المطلب" (١/ ١٤٩).
(٧) الحاوي (ص ١١٨).
[ ١ / ١٥٢ ]
وأجاب بعضهم عن إهمال "الحاوي" المسك: بأنه قد قرر طهارته أولًا.
وأجاب بعضهم عن العلقة والمضغة: بأن القول بنجاستها ضعيف.
٢٣١ - قولهم: (الخمر) (١) يخرج: النبيذ المتخذ من التمر والزبيب؛ فإنه لا يسمى خمرًا كما تقدم، وقد صرح القاضي أبو الطيب في (كتاب الرهن): بأنه لا يطهر بالتخلل، وأقره عليه في "المطلب"، لكن قال السبكي: المختار: خلافه.
٢٣٢ - قولهم: (إن الخمر إذا انقلبت بنفسها خلًا .. طهرت) (٢) يستثنى منه: ما إذا لاقاها حال الخمرية نجس مجاور وانفصل وهي خمر ثم صارت خلًا بنفسها .. فإنها لا تطهر، كما ذكره النووي في "فتاويه" (٣).
٢٣٣ - قول "التنبيه" [ص ٢٣]: (وإن خللت .. لم تطهر) يستثنى: ما إذا خللت بنقلها من شمس إلى ظل، أو عكسه، أو فتح رأسها للهواء .. فالأصح: أنها تطهر، وقد ذكره "المنهاج" (٤)، وهو مفهوم من قول "الحاوي" [ص ١١٨]: (تخللت بلا عين).
٢٣٤ - قول "المنهاج" [ص ٨٠]: (فإن خللت بطرح شيء .. فلا) يرد عليه: ما لو وقع فيها شيء بغير طرح؛ كإلقاء الريح ونحوها .. فالأصح: أنها لا تطهر، فلو قال: (بوقوع شيء) .. لتناول هذه؛ لأن الطرح يستدعي فعلًا.
٢٣٥ - قول "التنبيه" في جلد الميتة [ص ٢٣]: (إذا دُبغ .. فإنه يطهر) أي: عينه، وهو كثوب متنجس، ذكره "المنهاج" و"الحاوي" (٥).
٢٣٦ - قوله: (ويحل بيعه في أحد القولين) (٦) هو الأصح.
٢٣٧ - قوله: (وإذا ولغ الكلب) (٧) لا يختص الحكم بالولوغ، بل سائر أجزائه كذلك، وقد قيل: إنه أولى بالحكم؛ لأن فيه أطيب ما فيه، ولنا وجه: أنه يختص بالولوغ، فيكفي في غيره مرة كسائر النجاسات، قال في "الروضة": إنه شاذ (٨)، وفي "شرح المهذب": إنه قوي دليلًا (٩).
_________________
(١) انظر "التنبيه" (ص ٢٣)، و"الحاوي" (ص ١١٨)، و"المنهاج" (ص ٨٠).
(٢) انظر "التنبيه" (ص ٢٣)، و"الحاوي" (ص ١١٨)، و"المنهاج" (ص ٨٠).
(٣) فتاوى النووي (ص ٤٤).
(٤) المنهاج (ص ٨٠).
(٥) الحاوي (ص ١١٨)، المنهاج (ص ٨٠).
(٦) انظر "التنبيه" (ص ٢٣).
(٧) انظر "التنبيه" (ص ٢٣).
(٨) الروضة (١/ ٣٢)
(٩) المجموع (٢/ ٥٣٨).
[ ١ / ١٥٣ ]
ثم قد يلغ، ولا يثبت هذا الحكم، لكونه ولغ في ماء كثير ولم يصب شيء منه شيئا من الإناء؛ ولهذا عبر "المنهاج" بقوله [ص ٨١]: (وما نجس بملاقاة شيء من كلب) ليحترز عن هذه الصورة، وعن الملاقاة مع الجفاف من الطرفين، ومع ذلك فأورد على تعبيره بالملاقاة: ما إذا وقع شيء من روثه أو دمه في ماء كثير وتغير به .. فإنه ينجس، لا بالملاقاة بل بالتغير.
وأجيب عنه: بأن الكلام في الإناء وقد تنجس بملاقاة المتغير بدم الكلب.
ولا يرد شيء من ذلك على عبارة "الحاوي" لأنه أطلق النجاسة بالكلب والخنزير ولم يقيدها بولوغ ولا ملاقاة (١)، والمراد في كلامهم: جنس الكلب، فلو ولغ كلاب .. فالحكم كذلك في الأصح.
٢٣٨ - قولهم: (والخنزير) (٢) زاد "المنهاج" [ص ٨١]: (في الأظهر) ورجح النووي من حيث الدليل: الاكتفاء فيه بمرة واحدة، بل قال: (إن القوي من جهة الدليل طهارته) (٣).
٢٣٩ - قول "الحاوي" [ص ١١٩]: (وفرعه) أي: فرع أحدهما، وأوضح منه قول "التنبيه" [ص ٢٣]: (وما تولد منهما أو من أحدهما) ولم يتعرض لذلك في "المنهاج" اكتفاء بما تقدم في نجاسة الكلب والخنزير ومنيهما.
٢٤٥ - قول "التنبيه" [ص ٢٣]: (في إناء) مثال، فغيره كذلك.
٢٤١ - قولهم -والعبارة لـ "التنبيه" -: (لم يطهر حتى يغسل سبع مرات) (٤) فيه أمران:
أحدهما: مقتضاه الاكتفاء بالسبع في نجاسة الكلب العينية، وهو الأصح في "الشرح الصغير"، لكن الأصح في "الروضة" وغيرها: أن الغسلات المزيلة للعين تعد مرة واحدة (٥).
ثانيهما: يقوم مقام غسله سبعًا وضعه في ماء جار وجريانه عليه سبعًا، كما جزم به في "الشرح الصغير "، وتحريكه في الماء الراكد سبعًا، كما ذكره البغوي وغيره (٦).
٢٤٢ - قول "المنهاج" [ص ٨١]: (إحداها: بتراب) وفي "المحرر" و"التنبيه": (إحداهن) (٧) وهو أولى؛ لموافقته للحديث، وهو أفصح، كما في قولهم: الأجذاع انكسرن، وأطلق "التنبيه" ذكر التراب، واعتبر "الحاوي" كونه طاهرًا (٨)، وقال في "المنهاج" بعد
_________________
(١) انظر "الحاوي" (ص ١١٩).
(٢) انظر "التنبيه" (ص ٢٣)، و"الحاوي" (ص ١١٩)، و"المنهاج" (ص ٨١).
(٣) انظر "المجموع" (٢/ ٥٣٨).
(٤) انظر "التنبيه" (ص ٢٣)، و"الحاوي" (ص ١١٩)، و"المنهاج" (ص ٨١).
(٥) الروضة (١/ ٣٢، ٣٣).
(٦) انظر "التهذيب" (١/ ١٩٣).
(٧) التنبيه (ص ٢٣)، المحرر (ص ١٦).
(٨) الحاوي (ص ١١٩).
[ ١ / ١٥٤ ]
ذلك [ص ٨١]: (ولا يكفي تراب نجس في الأصح).
ومقتضى كلامهما: أنه يكفي المستعمل، وفي "شرح المهذب" في تعليل عدم إجزاء النجس؛ لأنه غير طهور. انتهى (١).
وهو يقتضي عدم إجزاء المستعمل، ولم يتعرضوا للتصريح بذلك.
وقال السبكي في "شرح مختصر التبريزي": ينبغي أن يجوز.
ولم أر من صرح به، ويرد على إطلاق "التنبيه" و"المنهاج": ما إذا تنجست الأرض الترابية .. فلا يجب فيها التتريب، وأشار لذلك "الحاوي" بقوله [ص ١١٩]: (لا الأرض) لكنه يوهم نفي الغسل مطلقًا، وإنما أراد: نفي التتريب، وبعضهم يقول: يكتفى بترابها، وهو على هذا مستثنى من اشتراط طهارة التراب لا من اشتراط أصل التراب، والله أعلم.
وصريح كلامهم: أنه لا يتعين للتراب غسلة، وهو المشهور، لكن الأُولى أَوْلى، وظاهر عبارة الشافعي في "البويطي": تعين الأولى أو الأخرى (٢)، وعليه جرى المرعشي في كتابه "ترتيب الأقسام"، وذكره السبكي بحثًا.
٢٤٣ - قول "التنبيه" [ص ٢٣]: (فإن غسل بدل التراب بالجص والأشنان .. ففيه قولان، أصحهما: أنه يطهر) الأظهر: أنه لا يطهر، وقد ذكره "المنهاج" (٣).
٢٤٤ - قول "التنبيه" [ص ٢٣]: (وإن غسل بالماء وحده .. ففيه وجهان) أي: زاد ثامنة بدل التراب؛ فإنه محل الخلاف، والأصح: أنه لا يطهر، وليس المراد: أنه غسل سبعًا بغير تتريب؛ فإن ذلك لا يكفي بلا خلاف، وعبارة "النبيه" (٤) مختصر الكتاب: (ولو أبدل التراب بغسلة) وهي أوضح، لكن فيها نظر؛ لأن الباء تدخل على المتروك، فمقتضاها: أنه ترك الغسل وأتى بالتراب، وهو خلاف المراد.
٢٤٥ - قول "التنبيه" -والعبارة له - و"الحاوي": (ويجري في بول الغلام الذي لم يطعم) (٥) زاد "المنهاج" [ص ٨١]: (غير لبن) وهي موافقة لعبارة الرافعي وغيره (٦).
قال ابن يونس وابن الرفعة: (لم يطعم ما يستقل به؛ كالخبز ونحوه).
وفي العبارة الأولى إفراط؛ لأن الصغير لابد له عادة من تلعيق العسل ونحوه، وفي الثانية
_________________
(١) المجموع (٢/ ٥٣٨).
(٢) مختصر البويطي (ق ٩).
(٣) المنهاج (ص ٨١).
(٤) في النسخ: (التنبيه)، ولعل الصواب ما أثبت والمراد "النبيه مختصر التنبيه" لابن يونس، والله أعلم.
(٥) التنبيه (ص ٢٣)، الحاوي (ص ١١٩).
(٦) انظر "فتح العزيز" (١/ ٦٤).
[ ١ / ١٥٥ ]
تفريط؛ لأنه قد لا يستقل بالخبز ونحوه، ومع ذلك فيشتمل جوفه على ما يستحيل استحالة مكروهة.
والتوسط في ذلك قول النووي في "شرح المهذب": (لم يأكل غير اللبن من الطعام؛ للتغذي) (١) ونحوه: قوله في "شرح مسلم": (فإن أكل الطعام على جهة التغذي .. غُسِل قطعًا) (٢).
وهي عبارة التبريزي في "مختصره" حيث قال: (الذي لم يتغذ بالطعام) واختارها السبكي، ونقل الشيخ زين الدين البلِفْيَائِيُّ عن "شرح الوسيط" لوالده: أن الشافعي نص على أن الرضاع بعد الحولين بمنزلة الطعام (٣).
وعبر "التنبيه" و"المنهاج" بالنضح (٤)، أي: بالحاء المهملة، وقيل بالمعجمة أيضًا، وعبر "الحاوي" بالرش (٥)، والمراد بهما: استيعاب المحل بالماء، ويشترط: المغالبة والمكاثرة في الأصح، لا جريان الماء وتقاطره؛ فإنه لا يشترط قطعًا وهو الغسل، كذا ذكر الرافعي والنووي (٦).
ونقل ابن الصلاح عن الجويني والقاضي حسين والبغوي: أن النضح إنما يفارق الغسل من جهة أنه لا يشترط فيه العصر قطعًا، وفي الغسل وجهان، وكيف كان فلا يكفي الرش المبقع (٧)، إلا أن شيخنا الإِمام سراج الدين البلقيني اختار الاكتفاء به، وقال: إن كلام الشافعي يدل عليه.
٢٤٦ - قول "التنبيه" [ص ٢٣]: (ويجزئ في غسل سائر النجاسات) أي: باقيها، وعبارة "الحاوي" نحوها (٨).
محل ما ذكراه: إذا كان المتنجس جامدًا، فأما المائع: فلا يمكن تطهيره، إلا الدهن على وجه ضعيف، وهو مفهوم من تفرقة "التنبيه" في (البيع) بين الزيت النجس؛ حيث عده مع الكلب، وبين الثوب النجس؛ حيث جوز بيعه (٩)، وصرح بالمسألة في "المنهاج" (١٠).
٢٤٧ - قول "المنهاج" [ص ٨١]: (إن لم تكن عين .. كفى جري الماء) أراد: النجاسة
_________________
(١) المجموع (٢/ ٥٤٠).
(٢) شرح مسلم (٣/ ١٩٥).
(٣) انظر "طبقات الشافعية الكبرى" (٩/ ١٥٣).
(٤) التنبيه (ص ٢٣)، المنهاج (ص ٨١).
(٥) الحاوي (ص ١١٩).
(٦) انظر "فتح العزيز" (١/ ٦٦)، و"المجموع" (٢/ ٥٤١).
(٧) انظر "مشكل الوسيط" (١/ ٢٠٣)، و"التهذيب" (١/ ٢٠٥).
(٨) الحاوي (ص ١١٩).
(٩) التنبيه (ص ٨٨).
(١٠) المنهاج (ص ٨١).
[ ١ / ١٥٦ ]
الحكمية، وهي: ما يتيقن وجودها ولا يدرك لها طعم ولا لون ولا ريح، ولو قال: (إن لم تكن عينية) .. لكان أقرب إلى مراده؛ فإنه لا يلزم من نفي العين نفي الأثر، وهو معنى قول "الحاوي" [ص ١١٩]: (كجامد نجس بالغسل) أي: طهره بالغسل.
ودل على إرادته الحكمية قوله بعد ذلك: (مع زوال العينية وصفاتها) (١) ولم يتعرض للنجاسة الحكمية في "التنبيه"، فهي واردة عليه، وقد يخرج بقوله: (إلى أن يذهب أثره) (٢) فإن الحكمية لا أثر لها.
وقول "المنهاج" [ص ٨١]: (جري الماء) أحسن من قول "المحرر": (إجراء الماء) (٣) لأن جريه بنفسه بمطر أو بسيل مطهر.
ويستثنى من اعتبار الماء: طهارة الدن إذا تخللت الخمر؛ فإنه يطهر للضرورة من غير غسل، وقد ذكره "الحاوي" بقوله [ص ١١٩]: (بالدن وإن غلت).
٢٤٨ - قول "المنهاج" [ص ٨١]: (وفي الريح قول) يفهم الجزم بالطهارة في اللون العسر، وفيه وجه.
قال الرافعي: إنه القياس، وإنما صدَّ عنه الخبر (٤)، وجعله في "الروضة" شاذًا (٥)، وهو مستفاد من عبارة "المحرر" حيث قال: (ولا بأس ببقاء اللون أو الرائحة إذا عسرت الإزالة على الأصح) (٦).
بل جعل القاضي حسين اللون أولى بجريان الخلاف، فقال: إن ضر الريح .. فاللون أولى، وإلا .. احتمل في اللون وجهين؛ لأنه جزء لطيف من العين لا ينفك عنها، والخمر قد تذهب وتبقى ريحها، وظاهر كلامهم: أن اللون أولى بالعفو.