٧٠٠ - قول "التنبيه" [ص ٣٩]: (ولا تجوز الصلاة خلف كافر ولا مجنون ولا محدث ولا نجس) فيه أمران:
أحدهما: أن ذكر الجنون مع الحدث لا حاجة إليه؛ لدخوله فيه، فكل مجنون محدث، وقيل: إنه ليس في نسخة المصنِّف.
ثانيهما: أنَّه يرد عليه صحة الصلاة خلف المتيمم الذي لا تجب عليه الإعادة مع أنَّه محدث، وخلف من عليه نجاسة معفو عنها كأثر الاستجمار ونحوه، ذكره في "الكفاية".
فقول "المنهاج" [ص ١١٩]: (لا يصح اقتداؤه بمن يعلم بطلان صلاته) أخصر مع السلامة من الاعتراض بهذا، ولم يذكر "الحاوي" مسألة العلم ببطلان صلاته؛ لفهمها من مسألة اعتقاد بطلان صلاته من طريق الأولى.
٧٠١ - قول "المنهاج" [ص ١١٩، ١٢٠]: (ولو اقتدى شافعي بحنفي مس فرجه أو افتصد .. فالأصح: الصحة في الفصد دون المس؛ اعتبارا بنية المقتدي) فيه أمور:
أحدهما: ذكر المس مثال، والمدار على ترك شرط أو ركن في اعتقاد المقتدي، فقول "الحاوي" [ص ١٧٧]: (كحنفي علمه ترك واجبًا) أحسن، وأيضًا: فقد يمس ويتوضأ.
ثانيها: صحح شيخنا الإمام سراج الدين البلقيني رأي القفال، وهو عكس المصحح هنا، وقال: إنه المذهب المعتمد، ورجحه السبكي مذهبا، واختار لنفسه دليلًا أنَّه لا يصح في مسألة الفصد والمس، أما المس: فظاهر، وأما الفصد: فلأن الإمام يعتقد بطلان صلاة نفسه، فنيته مترددة، فالمأموم يعتقد بطلانها من هذه الجهة لا من جهة الفصد، قال: ولم يقل أحد من الأصحاب فيما أعلم بصحة القدوة مطلقًا سواء ترك واجبًا في اعتقاد الإمام أم المأموم، حتى أنَّه إذا مس ولم يفتصد أو افتصد ولم يمس .. تصح صلاته وإن كان مقتضى إطلاق "الروضة" وغيرها وبعض كلام الرافعي يوهمه، لكن كلامهم في تفصيل مأخذ الخلاف ينفيه، أما لو جمع بينهما .. فيستحيل القول بالصحة؛ لأن صلاته حينئذ تكون باطلة في اعتقاد الإمام والمأموم معًا بعلتين مختلفتين. انتهى (١).
ثالثها: قوله: (اعتبارًا بنية المقتدي) من زيادة "المنهاج" على "المحرر".
٧٠٢ - قول "المنهاج" [ص ١٢٠]: (ولا تصح قدوة بمقتد) وكذا لو شك في أنَّه مأموم أم لا، وقد ذكره "الحاوي" (٢).
_________________
(١) انظر "فتح العزيز" (٢/ ١٥٤، ١٥٥)، و"الروضة" (١/ ٣٤٧).
(٢) الحاوي (ص ١٧٧).
[ ١ / ٣٣٥ ]
٧٥٣ - قول "المنهاج" - والعبارة له - و"الحاوي": (ولا بمن تلزمه إعادةٌ كمقيم تيمم) (١) يشمل: ما إذا اقتدى به مثله، وهو الأصح في "الروضة" (٢)، وقال شيخنا الإمام سراج الدين البلقيني: مسألة المقيم المتيمم إذا اقتدى به مثله لم يصرح بها أحد من الأصحاب، والأصح فيها: الجواز، بل الأصح في فاقد الطهورين بمثله: الجواز، والرافعي لم يصحح فيها المنع، وإنَّما قال: إنه أوفق لإطلاق أكثرين؛ حيث منعوا الاقتداء به ولم يفصلوا. انتهى (٣).
٧٥٤ - قول "التنبيه" [ص ٣٩]: (ولا تجوز صلاة قارئ خلف أمي ولا أخرس ولا أرت ولا ألثغ في أحد القولين) (٤) فيه أمور:
أحدها: أن الأصح: البطلان، وهو مفهوم من حكاية "المنهاج" له عن الجديد، وعليه مشى "الحاوي" (٥).
ثانيها: اقتضى كلامه أن هؤلاء غير داخلين في الأمي لعطفهم عليه، وصرح "المنهاج" بدخولهم فيه، فقال في الأمي [ص ١٢٠]: (وهو من يُخِلّ بحرف أو تشديدة من "الفاتحة")، ومن المعلوم أن الأخرس كذلك، ثم قال [ص ١٢٠]: (ومنه: أرت وألثغ)، وعلى ذلك يحمل قول "الحاوي" [ص ١٧٧]: (كالأرت والألثغ) فهو تمثيل لا تنظير.
ثالثها: محل الخلاف: فيمن عصاه لسانه أو طاوعه ولم يمض زمن يمكن التعلم فيه، فإن مضى وقَصَّر بترك التعلم .. فلا يصح الاقتداء به قطعًا، قاله الرافعي والنووي (٦)، وقد ذكر "المنهاج" نظيره في اللاحن (٧)، وهذا وارد على "المنهاج" أيضًا، لكن في "الكفاية" عن ابن يونس طريقة طاردة للخلاف، وهي أيضًا في "التهذيب" (٨).
قال في "المهمات": (إلَّا أن هذا الخلاف خاص بقسمين من أقسام الأمي، وهما الأرت
_________________
(١) الحاوي (ص ١٧٧)، المنهاج (ص ١٢٠).
(٢) الروضة (١/ ٣٤٩).
(٣) انظر "فتح العزيز" (٢/ ١٥٨).
(٤) الرتة بالضم: حبسة في اللسان، وعن المبرد: هي كالريح تمنع الكلام، فإذا جاء شيء منه .. اتصل، قال: وهي غريزة تكثر في الأشراف، وقيل: إذا عرضت للشخص .. تتردد كلمته ويسبقه نفسه، وقيل: يدغم في غير موضع الإدغام، يقال منه: (رت) (رتتًا) من باب تعب فهو (أرت) وبه سمي، والمرأة (رتاء)، والجمع (رت) مثل أحمر وحمراء وحمر. واللثنة: حبسة في اللسان حتَّى تصير الراء لامًا أو غينًا، أو السين ثاء ونحو ذلك، قال الأزهري: اللثغة: أن يعدل بحرف إلى حرف، و(لثغ) (لثغًا) من باب تعب فهو (ألثغ)، والمرأة (لثغاء) مثل أحمر وحمراء. انظر "المصباح المنير" (١/ ٢١٨)، (٢/ ٥٤٩).
(٥) الحاوي (ص ١٧٧)، المنهاج (ص ١٢٠).
(٦) انظر "فتح العزيز" (٢/ ١٥٩)، و"المجموع" (٤/ ٢٣٥).
(٧) المنهال (ص ١٢٠).
(٨) التهذيب (٢/ ٢٦٦، ٢٦٧).
[ ١ / ٣٣٦ ]
والألثغ، أما من لم يحفظ بالكلية .. فلا، فَتَفَطَّن له؛ فإن كلام ابن الرفعة هنا فيه خلل) انتهى.
ويرد على قول "المنهاج" [ص ١٢٠]: (ولا قارئ بأمي في الجديد) أن مقتضاه: أن مقابله: الصحة مطلقًا، وصرح به في "المهذب" (١)، وجرى عليه ابن يونس، وهو مخرج، والمشهور المنصوص في القديم: منعه في الجهرية خاصة، فإن قلت: يرد ذلك على "التنبيه" أيضًا .. قلت: لا يرد عليه؛ لأنه إنما قال: إن عدم الجواز أحد القولين؛ ففهم أن مقابله: الجواز مطلقًا، وهو قول ثابت بلا شك؛ فإن القول المخرَّج يطلق عليه قول، وأما "المنهاج": فإنه لما قال: إن البطلان هو الجديد .. اقتضى أن الصحة مطلقًا هو القديم، وليس كذلك عند الجمهور، وأيضًا: فإنه مختصر لـ "المحرر"، والذي في "المحرر": هو الصحة في السرية خاصة، لا مطلقًا (٢).
وقولهم بصحة اقتداء الأمي بمثله يتناول الجمعة فيما لو أم فيها أمي بأربعين أميين، قال في "البحر": وهو الأشبه بإطلاق الأصحاب، وحكى معه وجهًا بالمنع، وعلله: بأنها فرض على الأعيان ولا يفعل مرتين، فاعتبر أن يكون إمامها كاملًا، وهو فرع غريب (٣).
٧٠٥ - قول "المنهاج" [ص ١٢٠] و"الحاوي" [ص ١٨٤]: (وتكره إمامة التّمْتَام والفَأفَاء) (٤) وكذا الوأواء، وهو الذي يكرر الواو، قاله في "البيان" (٥)، قال في "المهمات": وكذا في تكرار سائر الحروف.
٧٠٦ - قوله: (وتكره باللاحن، فإن غَيَّرَ معنى؛ كـ "أنعمتُ" بضمٍّ أو كسرٍ .. أبطل صلاة من أمكنه التعلم، فإن عجز لسانه، أو لم يمض زمن إمكان تعلمه: فإن كان في "الفاتحة" .. فكأُمَّيٍّ، وإلَّا .. فتصح صلاته والقدوة به) (٦) فيه أمور:
أحدها: أن تفصيله فيمن عجز لسانه، أو لم يمض زمن إمكان تعلمه بين (الفاتحة) وغيرها .. يقتضي أن بطلان الصلاة فيمن أمكنه التعلم لا فرق فيه بين (الفاتحة) وغيرها، وليس كذلك؛ فغير الفاتحة لا تبطل الصلاة باللحن فيه؛ كقوله: ﴿أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ بجر اللام، إلَّا إن كان عالمًا به وتعمده، فمع الجهل والنسيان لا يضر كما قاله الإمام وغيره (٧)، وذكر مثل ذلك في
_________________
(١) المهذب (١/ ٩٨).
(٢) المحرر (ص ٥٣).
(٣) بحر المذهب (٣/ ٢٢، ٢٣).
(٤) التمتام: هو الذي يكرر التاء، فيقول: (إياك نستتعين)، الفأفاء: هو الذي يكرر الفاء، فيقول: (ففلله). انظر "البيان" (٢/ ٤١٤).
(٥) البيان (٢/ ٤١٤).
(٦) انظر "المنهاج" (١٢٠).
(٧) انظر "نهاية المطلب" (٢/ ٣٨٠).
[ ١ / ٣٣٧ ]
"الروضة" تبعًا لأصله، وزاد حكمين آخرين، وهما: وجوب التعلم والقضاء عند ضيق الوقت عنه (١)، وهذا باطل في غير (الفاتحة)، ذكره في "المهمات".
ثانيها: مضي زمن إمكان التعلم معتبر من إسلام المصلي إن طرأ عليه الإسلام، ذكره البغوي وغيره (٢)، فإن كان مسلمًا أصليًا .. فالمتجه كما في "المهمات": اعتباره من سن التمييز؛ لكون الأركان والشروط لا فرق فيها بين البالغ والصبي، قال: وحينئذ .. فلا تصح صلاة المميز إذا أمكنه التعلم ولا يصح الاقتداء به.
ثالثها: قوله: (وإلَّا .. فتصح) قال إمام الحرمين: ولو قيل: ليس لهذا اللاحن قراءة غير (الفاتحة) مما يلحن فيه .. لم يكن بعيدًا؛ لأنه يتكلم بما ليس بقرآن بلا ضرورة (٣)، واختاره السبكي، وقال: ومقتضاه: البطلان في القادر والعاجز.
٧٠٧ - قولهما -والعبارة لـ"المنهاج" -: (ولا تصح قدوة رجل ولا خنثى بامرأةٍ ولا خنثى) (٤) لو عبرا بـ (الذكر) ليكون صريحًا في تناول الصبي وبـ (المشكل) ليخرج الخنثى الواضح. . لكان أولى، وقد فعل ذلك "الحاوي" في الثاني فعبر بالمشكل، لكنه عبر بالرجل (٥)، وأرادوا: خلاف المرأة، فتناول الصبي.
٧٠٨ - قول "المنهاج" [ص ١٢٠]: (وتصح للمتوضئ بالمتيمم) أي: الذي لا تلزمه الإعادة؛ لقوله قبل ذلك [ص ١٢٠]: (ولا بمن تلزمه إعادة كمقيمٍ تيمم).
٧٠٩ - قوله: (والمضطجع) (٦) أي: ولو كان مومئًا كما صرح به المتولي.
٧١٠ - قوله: (والكامل بالصبي والعبد) (٧) أي: مع كون الكامل - وهو البالغ الحر - أولى، وقد صرح بذلك "التنبيه" فقال [ص ٣٩]: (والبالغ أولى من الصبي، والحر أولى من العبد) لكن لو ترجح العبد بالفقه .. فالأصح في "شرح المهذب": أنهما سواء (٨).
٧١١ - قول "التنبيه" [ص ٣٩]: (والحاضر أولى من المسافر) محله: إذا لم يكن سلطانًا ولا إمامًا، فإن كان .. فهو أولى.
_________________
(١) الروضة (١/ ٣٥٠).
(٢) انظر "التهذيب" (٢/ ٢٦٧).
(٣) انظر "نهاية المطلب" (٢/ ٣٨٠).
(٤) انظر "التنبيه" (ص ٣٩)، و"المنهاج" (ص ١٢٠)،
(٥) الحاوي (ص ١٧٧، ١٧٨).
(٦) انظر "المنهاج" (ص ١٢٠).
(٧) انظر "المنهاج" (ص ١٢٠).
(٨) المجموع (٤/ ٢٤٨).
[ ١ / ٣٣٨ ]
٧١٢ - قوله: (والبصير عندي أولى من الأعمى، وقيل: هو والأعمى سواء) (١) الثاني هو الأصح، وعليه مشى "المنهاج" وعزاه للنص (٢)، وقال النووي في "مختصر التذنيب": الأقوى: أن الأعمى أولى، قال الماوردي: ولو اجتمع حر ضرير وعبد بصير .. فالأول أولى (٣).
٧١٣ - قوله: (ويكره أن يؤم الرجل قومًا وأكثرهم له كارهون) (٤) المراد: أن يكرهوه لأمر مذموم في الشرع، وإلَّا .. فالعتب عليهم، ولعل هذه الكراهة للتحريم، فقد نص عليه الشَّافعي فقال: ولا يحل لرجل أن يؤم قومًا وهم يكرهونه (٥)، وعده صاحب "العدة" في الصغائر، وأقره في "الروضة" تبعًا لأصله في (الشهادات) (٦).
٧١٤ - قوله: (ولا طاهرة خلف المستحاضة) (٧) الأصح: خلافه، إلَّا أن تكون متحيرة وقلنا بوجوب القضاء عليها، وعليه مشى "المنهاج" فقال [ص ١٢٠]: (وطاهرة بالمستحاضة غير المتحيرة) ومنه يؤخذ أن المتحيرة تقضي ما صلّته أولًا وإن لم يصرح به "المنهاج" في موضعه؛ إذ لا معنى لمنع الاقتداء بها إلَّا ذلك، أما إذا قلنا: إنها لا تقضي .. فالظاهر: جواز اقتداء الطاهرة بها وإن لم يصرحوا به، وفهم من عبارتهما صحة اقتداء المستحاضة بمثلها، لكن الأصح: منع اقتداء المتحيرة بمتحيرة، ذكره في "الروضة" في (الحيض) (٨)، وقال شيخنا الإمام شهاب الدين بنُ النقيب: عبارة "المنهاج" تفهم جواز اقتداء كل منهما بمثلها، وهو قياس ما تقدم في الأمي بمثله (٩).
قلت: ليس اقتداء المتحيرة بمثلها كاقتداء الأمي بمثله؛ لوجوب القضاء على المتحيرة دون الأمي، وقد عرفت أن النقل منع اقتداء المتحيرة بمثلها، فما ذكره شيخنا ممنوع نقلًا وبحثًا، والله أعلم.
٧١٥ - قول "التنبيه" [ص ٣٩]: (ولا تجوز صلاة الجمعة خلف من يصلي الظهر، وفي جوازها خلف صبي أو متنفل قولان) الأصح في الكل: الصحة، والصورة: أن يتم العدد بغيره، لكن جزمه بالمنع من الجمعة خلف الظهر مع حكاية الخلاف في المتنفل خلاف المنقول في الرافعي
_________________
(١) انظر "التنبيه" (ص ٣٩).
(٢) المنهاج (ص ١٢٠).
(٣) انظر "الحاوي الكبير" (٢/ ٣٢٢).
(٤) انظر "التنبيه" (ص ٣٩).
(٥) انظر "الأم" (١/ ١٦٠).
(٦) الروضة (١/ ٣٧٨).
(٧) انظر "التنبيه" (ص ٣٩).
(٨) الروضة (١/ ١٥٩، ١٦٠).
(٩) انظر "السراج على نكت المنهاج" (١/ ٣٧١).
[ ١ / ٣٣٩ ]
وغيره (١)؛ فإن فيه طريقين: التسوية، والقطع بصحة الجمعة خلف الظهر، ولا فرق بين أن يصلي الظهر تامة أو مقصورة، والظهر مثال، فالصبح وغيرها كذلك.
٧١٦ - قوله: (فإن صلى أحد هؤلاء خلف أحد هؤلاء ولم يعلم ثم علم .. أعاد، إلَّا من صلى خلف المحدث؛ فإنه لا إعادة عليه في غير الجمعة وتجب في الجمعة) (٢) فيه أمور:
أحدها: لفظ (المحدث) يشمل الجنب، فذكره كما في "التنبيه" و"الحاوي" أولى من ذكر "المنهاج" (الجنب) (٣) لعمومه، لكن إذا لم تجب الإعادة في الصلاة خلف الجنب .. فخلف المحدث أولى، فذكره أولى من جهة أخرى، وجمع بينهما في "المحرر" (٤).
ثانيها: يستثنى من كلام "التنبيه" و"المنهاج": ما إذا عرف حدثه ثم صلى خلفه ناسيًا .. فإنه تجب الإعادة، وقد ذكره "الحاوي" (٥).
ثالثها: محل إيجاب الإعادة في الجمعة: إذا كان أحد الأربعين، فإن تم العدد بغيره .. لم تجب الإعادة في الأصح، وعليه قول "الحاوي" [ص ١٧٨]: (ولو جمعة) أي: إن تم العدد بغيره، فإن كان أحد الأربعين .. وجبت الإعادة، فإطلاق كل منهما مدخول، وإطلاق "المنهاج" عدم الإعادة فيما إذا كان جنبًا محمول في الجمعة على ما إذا تم العدد بغيره، فإطلاقه مقيد كتصريح "الحاوي".
رابعها: يستثنى مع المحدث: ما إذا تبين أن عليه نجاسة غير معفو عنها، وفي "تصحيح" النووي وشيخنا الإسنوي: التعبير عن ذلك بالصواب (٦)، قال النشائي: وفيه نظر؛ فإنه لو كان الإمام عالما بالحدث .. ففي الإعادة قول في "شرح المهذب"، وقد سووا بينهما. انتهى (٧).
قلت: إنما أراد: أن استثناء ذي النجاسة في الجملة متفق عليه وإن اختلف في بعض تفاصيله، والقول إنما هو في حالة العلم خاصة، وقيد "المنهاج" و"الحاوي" و"التصحيح"النجاسة بكونها خفية (٨)، فاقتضى أن الظاهرة تجب معها الإعادة، وكذا في "الكفاية" عن القاضي حسين، لكن في "الروضة": قطع صاحب "التتمة" و" التهذيب" وغيرهما بأن النجاسة كالحدث، ولم
_________________
(١) انظر "فتح العزيز" (٢/ ٢٧١).
(٢) انظر "التنبيه" (ص ٣٩).
(٣) المنهاج (ص ١٢٠).
(٤) المحرر (ص ٥٤).
(٥) الحاوي (ص ١٧٥).
(٦) تصحيح التنبيه (١/ ١٤٩)، تذكرة النبيه (٢/ ٥٠٣).
(٧) انظر "نكت النبيه على أحكام التنبيه" (ق ٣٦)، و"المجموع" (٤/ ٢٢٤).
(٨) الحاوي (ص ١٧٨)، المنهاج (ص ١٢٠)، تصحيح التنبيه (١/ ١٤٩).
[ ١ / ٣٤٠ ]
يفرقوا بين الخفية وغيرها، ومشى على ذلك في "التحقيق" (١)، واعتمده شيخنا الإسنوي في "تصحيحه" فقال: (والأصح: عدم وجوبها أيضًا إذا كانت ظاهرة، عكس ما أفهمه كلام "التصحيح" و"المنهال" (٢).
خامسها: استثنى "الحاوي" أيضًا: ما إذا تبين كونه كافرًا يخفي كفره، وعبر عنه بالزنديق (٣)، فهو عنده مرادف للمنافق، والمشهور: أن الزنديق من لا يعتقد شيئًا، ومشى في "المحرر" على استثناء مُخفي الكفر (٤)، فاستدرك عليه في "المنهاج" وقال [ص ١٢٠]: (الأصح المنصوص وقول الجمهور: أن مُخْفِي الكفر هنا كمعلنه)، لكنه في "الروضة" قال: (إن الأقوى دليلًا استثناؤه) (٥) فلذلك قال شيخنا الإسنوي في "تصحيحه": (إنه المختار) (٦)، وصححه في "أصل الروضة" مع كون الرافعي إنما حكى تصحيحه عن البغوي وجماعة (٧)، لكنه صححه في "الشرح الصغير".
سادسها: استثنى "الحاوي" أيضًا: ما إذا تبين قيامه إلى ركعة زائدة ساهيًا وتابعه المأموم فيها جاهلًا .. فلا قضاء عليه وتحسب له الركعة، فقال: (أو قائمًا بزيادة) (٨) ولا بد من تقييده بالسهو.
سابعها: قال النشائي في "نكته": (كلام الشيخ يشمل المجنون، وشرطه: أن يكون مطبقًا، فلو اختلف حاله جنونًا وإفاقة وإسلامًا وردةً .. فلا، ذكره في "الروضة") (٩).
قلت: مقتضى هذا الكلام: أنَّه لو اختلف حاله وتبين أنَّه صلى خلفه حالة الجنون .. لم تجب الإعادة، وليس كذلك، وعدم الإعادة إنما هو إذا لم يدر هل اقتدى به حالة الجنون أو الإفاقة؟ وكذا هو في "الروضة" (١٠).
ثامنها: يستثنى أيضًا: المستحاضة تفريعًا على مرَّةً الاقتداء بها؛ ففي "الكفاية" عن الماوردي: أنَّها كالحدث (١١)؛ لأن الاستحاضة مما يخفى، وهذا وارد على "المنهاج" أيضًا؛
_________________
(١) التهذيب (٢/ ٢٦٦)، الروضة (١/ ٣٥٣)، التحقيق (ص ٢٧٠).
(٢) تذكرة النبيه (٢/ ٥٠٣).
(٣) الحاوي (ص ١٧٨).
(٤) المحرر (ص ٥٤).
(٥) الروضة (١/ ٣٥٢).
(٦) تذكرة النبيه (٢/ ٥٠١).
(٧) الروضة (١/ ٣٥٢)، وانظر "التهذيب" (٢/ ٢٦٨، ٢٦٩)، و"فتح العزيز" (٢/ ١٦٤).
(٨) انظر "الحاوي" (ص ١٧٨).
(٩) نكت النبيه على أحكام التنبيه (ق ٣٦)، وانظر الروضة (١/ ٣٥٣).
(١٠) الروضة (١/ ٣٥٣).
(١١) انظر "الحاوي الكبير" (١/ ١٧٦)، وقوله: (كالحدث) كذا في النسخ، ولعل الصواب: (كالمحدث).
[ ١ / ٣٤١ ]
لمنعه الاقتداء بالمتحيرة، ثم لم يستثنها هنا، ولا يقال: دخلت في الحدث؛ لأن الاقتداء بها لم يبطل لأجل الحدث، بدليل صحة الاقتداء بالمستحاضة غير المتحيرة، وإنَّما هو لوجوب القضاء عليها.
تاسعها: وتناول كلام "التنبيه" المخالفة في الأفعال الظاهرة؛ بأن اقتدى به في القيام الثاني من الركعة الثانية ولم يدر أنَّه في صلاة كسوف وأتم المأموم ثم علم بالحال، لكن قال في "الكفاية": الذي يظهر لي: صحة القدوة؛ فإن علة المنع المخالفة، ولا مُخَالَفَةُ، ويؤيده أن من منع قدوة المغرب بالظهر .. جوزه بعد ركعة منه. انتهى.
والمسألة منقولة ذكرها الروياني في "البحر" في فروع متفرقة بعد (باب إمامة المرأة) وفرضها فيمن افتتح صلاة الصبح مثلًا خلف من يصلي على جنازة ولم يعلم، ثم علم ونوى مفارقته في الحال قبل التكبيرة الثانية .. قال: هل تصح صلاته؟ وجهان، أحدهما: نعم؛ كالصلاة خلف الجنب، والثاني: لا؛ كالصلاة خلف الكافر؛ لأن العلامة ظاهرة في الغالب، وجعل الثاني أوضح (١)، وهو مقتضى كلام "التنبيه".
عاشرها: وتناول أيضًا: ما لو بأن إمام الجمعة متنفلًا، أو يصليها ظهرًا مقصورة بناءً على المنع، قال في "الكفاية": ويشبه إلحاقه بالمحدث.
٧١٧ - قول "المنهاج" [ص ١٢١]: (ولو اقتدى بخنثى فبان رجلًا .. لم يسقط القضاء في الأظهر) وكذا لو اقتدى خنثى بامرأة، أو خنثى بخنثى فبان المقتدي امرأة والإمام رجلًا، أو بانا رجلين، أو امرأتين، وقول "الحاوي" [ص ١٧٧، ١٧٨]: (وبالمرأة وبالمشكل الرجل والمشكل وإن بأن أن لا خلل) يشمل هذه المسائل، وفي "البحر" فيما إذا اقتدى خنثى بامرأة معتقدًا أنَّها رجلٌ ثم بان أن الخنثى أنثى .. عن والده احتمالان:
أحدهما: الصحة؛ لاعتقاده جواز الاقتداء وقد بأن في المآل جوازه.
والثاني: عدم الصحة؛ لتفريطه حيث لم يعلم كونها امرأة، قال: وهذا أصح، قال: وعلى هذا لو حكم الحاكم في الحدود بشهادة الخنثى وهو يعتقده رجلًا ثم بأن كذلك .. فالحكم صحيح على الأول دون الثاني. انتهى (٢).
٧١٨ - قولهما: (والعَدْلُ أولن من الفاسق) (٣) قد يفهم أنَّه لا تكره إمامته، وليس كذلك، فهي مكر وهة قطعًا، وقد ذكره "الحاوي" (٤).
_________________
(١) بحر المذهب (٣/ ١٩).
(٢) بحر المذهب (٣/ ١٦).
(٣) انظر "التنبيه" (ص ٣٩)، و"المنهاج" (ص ١٢١).
(٤) الحاوي (ص ١٨٢).
[ ١ / ٣٤٢ ]
٧١٩ - قول "الحاوي" [ص ١٨٢]: (وكره إمامة المبتدع) أي: إن لم يكفر ببدعته، لكن صحح النووي: عدم التكفير بالبدعة، إلَّا أنَّه في "شرح المهذب" جزم بتكفير المجسمة ومنكري العلم بالجزئيات، وجعل من عداهم مبتدعة (١)، واختار شيخنا الإمام سراج الدين البلقيني القول بتكفير القائل بخلق القرآن، وعزاه للنص، ولم يؤوله، وبسط ذلك في "تصحيح المنهاج" في "الشهادات".
٧٢٠ - قول "المنهاج" [ص ١٢١]: (الأصح: أن الأفقه أولى من الأقرأ والأورع) فيه أمور: أحدها: أن الرافعي نقل في (صلاة الجنازة) ما يقتضي أنَّه نص الشَّافعي هنا (٢)، فكان ينبغي التعبير عنه بالنص.
ثانيها: مقابل الأصح مختلف؛ ففي الأقرأ قيل: يساويه، وقيل: يقدم عليه، وفي الأورع قيل: يقدم عليهما.
ثالثها: لم يبين مرتبة الأورع؛ فإنه ذكر تقديم الأفقه عليه، ولم يبين حكمه مع الأقرأ، ثم ذكر تقديم الأفقه والأقرأ على الأسن النسيب، ولم يتعرض مع ذلك للأورع، وقد نقل في "الروضة" تبعا لأصله عن الجمهور: تقديم الأقرأ عليه، وصححه (٣)، وجعله في "التنبيه" مؤخرًا عن السن والنسب والهجرة، وأقره عليه في "التصحيح" (٤)، وهو ظاهر ما في "الشامل" وغيره، وصرح به الروياني في "الحلية"، لكن عبارة "التحقيق" تقتضي تقديمه على الهجرة وما بعدها، فقال: (فإن استوى الفقه والقراءة والورع .. قدمت الهجرة إلى آخره) (٥)، وعلى ذلك مشى "الحاوي" فقال [ص ١٨١]: (ثم الأقرأ ثم الأورع ثم الأسن) وعبارة "المنهاج" تفهم ذلك؛ فإنه إنما تكلم على السن والنسب بعد نصب الخلاف في الفقه والورع، ثم قال بعد الأسن [ص ١٢١]: (والنسيب. فإن استويا .. فنظافة الثوب إلى آخره) فلو كان الأورع مؤخرًا عن الأسن والنسيب .. لزم تأخيره عن نظافة الثوب وما بعده، ولا قائل به، فتعين تقديمه عليهما، وهو الراجح، وقال السبكي: إذا اجتمع شخص يحفظ القرآن كله من غير فقه؛ أين الدليل على تقديمه على الأسن الأورع الذي يحفظ بعض القرآن ويساويه في الفقه، أو في الخلو منه؟ قلت: الدليل على ذلك: قوله ﵊: "يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله" (٦).
_________________
(١) المجموع (٤/ ٢٢٢).
(٢) انظر "فتح العزيز" (٢/ ٤٣٠).
(٣) الروضة (١/ ٣٥٥).
(٤) التنبيه (ص ٣٩)، تصحيح التنبيه (١/ ١٤٤).
(٥) التحقيق (ص ٢٧٣).
(٦) أخرجه مسلم (٦٧٣) من حديث أبي مسعود الأنصاري.
[ ١ / ٣٤٣ ]
رابعها: لم يذكر "المنهاج" وكذا "الحاوي" قدم الهجرة أصلًا، وذكره في "التنبيه" مؤخرًا عن السن والنسب ومقدمًا على الورع، وأقره في "التصحيح" (١)، لكن صحح في "التحقيق" واختار في "شرح المهذب": تقديم الهجرة على السن والنسب (٢)، فيكون المقدم الأفقه ثم الأقرأ ثم الأورع ثم الأقدم هجرة ثم الأسن ثم النسيب.
خامسها: يستثنى من تقديم الأفقه: ما إذا اجتمع عبد فقيه وحر غير فقيه .. فالأصح في "شرح المهذب": أنهما سواء (٣) ويستثنى أيضًا: الصبي؛ فإن البالغ أولى منه وإن كان الصبي أفقه، وهذان الفرعان يردان على "التنبيه" و"الحاوي" أيضًا.
٧٢١ - قول "التنبيه" [ص ٣٩]: (فإن استويا في ذلك .. قدم أشرفهما -أي: نسبًا - وأسنهما) يفهم التسوية بين الوصفين، والمنقول قولان، الجديد: تقديم الأسن، وفي القديم: قولان، وقد ذكره "المنهاج" بقوله [ص ١٢١]: (والجديد: تقديم الأسن على النسيب) ومشى عليه "الحاوي" (٤).
٧٢٢ - قول "التنبيه" بعد ذكر الصفات الستة [ص ٣٩]: (فإن استويا في ذلك .. أقرع بينهما) قبل الإقراع صفات مرجحة باتفاق ذكرها "المنهاج" بقوله [ص ١٢١]: (فإن استويا .. فنظافة الثوب والبدن، وحسن الصوت، وطيب الصنعة ونحوها) ولم يذكر بينها ترتيبًا، وفي "الحاوي" [ص ١٨١]: (ثم نظيف الثوب، ثم حسن الصوت، ثم الصورة) وكذا رتب هذه الثلاثة في "الشرح الصغير"، وحكاه في "الكبير" عن "التتمة" (٥)، وفي "شرح المهذب": (المختار: تقديم أحسنهم ذكرًا، ثم صوتًا، ثم هيئة) (٦)، وفي "التحقيق": (حسن الذكر، ثم نظافة الثوب والبدن، وطيب الصنعة والصوت، ثم حسن الوجه) (٧)، واقتصر "الحاوي" على نظافة الثوب، ولم يذكر البدن كما في "المنهاج"، ولو عبرب (الملبوس) .. لكان أعم من الثوب، ولم يذكر الإقراع أصلًا (٨).