قال في "التنبيه" [ص ٢٠]: (وسننه: التسمية، وتقديم اليمنى على اليسرى) وذكر قبل ذلك: (تفريق الأصابع، والكيفية المتقدمة، ومسح إحدى الراحتين على الأخرى، والتخليل بين أصابعهما) (٦)، وقال بعضهم: لعل مراده: حصر السنن المتفق عليها؛ فإن تفريق الأصابع في الأولين مختلف في جوازه وندبه، وفي الثانية واجب قطعًا، كما في "الكفاية"، والكيفية في مسح اليدين محبوبة لتخفيف التراب، وليست سنة، ومسح إحدى الراحتين والتخليل [مختلف] (٧) في وجوبهما (٨).
وذكر "المنهاج": التسمية، وتقديم اليمنى وأعلى وجهه، وتخفيف الغبار، ومولاة التيمم، وتفريق أصابعه أولًا (٩).
وذكر "الحاوي": التسمية، وتقديم اليمنى، ونزع الخاتم، والتفريج فيهما، وتخفيف التراب، والولاء (١٠).
وبقى مما لم يذكروه: إمرار التراب على العضد، وألا يكرر المسح، ولا يرفع يده عنه حتى يتم مسحه، واستقبال القبلة، كما نقله النووي، وقال: (ينبغي استحباب الشهادتين بعده كالوضوء والغسل) (١١).
٣١٧ - قول "التنبيه" [ص ٢١]: (وإن تيمم ثم رأى الماء قبل الدخول في الصلاة .. بطل تيممه) فيه أمور:
_________________
(١) الحاوي (ص ١٣٩).
(٢) انظر "فتح العزيز" (١/ ٢٤٢).
(٣) الحاوي (ص ١٣٩)، المنهاج (ص ٨٤).
(٤) الروضة (١/ ١١٠).
(٥) الروضة (١/ ١١٠).
(٦) انظر "التنبيه" (ص ٢٠).
(٧) في (أ): (متفق)، والمثبت من باقي النسخ وهو الصواب.
(٨) انظر "نكت النبيه على أحكام التنبيه" (ق ١٢).
(٩) المنهاج (ص ٨٥).
(١٠) الحاوي (ص ١٣٩).
(١١) انظر "الروضة" (١/ ١١٤).
[ ١ / ١٨٢ ]
أحدها: صورة المسألة فيمن تيمم لفقد الماء، أما المتيمم للعجز عن استعماله بمرض ونحوه: فإنما يبطل تيممه بالقدرة عليه.
ثانيها: لا يتوقف البطلان على رؤيته، فتوهمه في هذه الصورة مبطل أيضًا.
ثالثها: شرطه: كون الماء يجب استعماله، فلو قارنه مانع؛ كسبع أو حاجة عطش ونحوه .. لم يبطل، وقد سلم "المنهاج" من الإيراد الأول والأخير؛ حيث قال [ص ٨٥]: (ومن تيمم لفقد ماء فوجده؛ إن لم يكن في صلاة .. بطل إن لم يقترن بمانع كعطش)، وسلم "الحاوي" من الثلاثة بقوله [ص ١٣٩]: (وقبل الشروع بوهم الماء بلا مانع).
فإن قلت: أين يوجد الأول، وهو تصوير المسألة من كلامه؟
قلنا: من قوله بعده: (وقدرة استعماله) (١) فعلم أن الكلام أولًا في الفاقد، وثانيًا في العاجز.
٣١٨ - قول "التنبيه" [ص ٢١]: (وإن رأى الماء في أثنائها .. أتمها إن كانت الصلاة مما يسقط فرضها بالتيمم) فيه أمور:
أحدها: أنه يتناول ما إذا رأى الماء وهو في تكبيرة الإحرام، وكذا تتناول هذه الصورة قول "المنهاج" [ص ٨٥]: (أو في صلاة)، وقول "الحاوي" [ص ١٣٩]: (ولو فيها)، وقد قال الروياني في هذه الصورة: (أنه تبطل صلاته، وتيممه) (٢)، وجرى عليه النووي في "التحقيق"، واستحسنه في "شرح المهذب"، وقال: (لم أجد لغيره موافقته ولا مخالفته) انتهى (٣).
وقد وافقه الرافعي، فقال في كلامه على استصحاب نية التحرم: (ألا ترى أنه لو رأى الماء قبل تمام التكبير .. يبطل تيممه) (٤).
قال السبكي: (وفيه نظر).
ثانيها: قال ابن الرفعة: (قوله: "أتمها" يفهم لزوم الإتمام، وهو وجه، ويجوز أن يحمل على الاستحباب، وهو وجه) انتهى.
واعترض: بأن إرادة اللزوم عند ضيق الوقت لا يفهمها اللفظ، ومطلقًا لا يتأتى إلا على وجه مرجوح، والاستحباب عند اتساع الوقت وجه مرجوح؛ فإن الأصح: أن الخروج أفضل، وأما عند ضيقه: فكلام النووي مصرح بأنه لا خلاف في حُرمة قطعها (٥)، وقد يقال: مراده: الإجزاء،
_________________
(١) انظر "الحاوي" (ص ١٣٩).
(٢) انظر "بحر المذهب" (١/ ٢٣٠).
(٣) التحقيق (ص ١١١)، المجموع (٢/ ٣٣٣).
(٤) انظر "فتح العزيز" (١/ ٤٦٣).
(٥) انظر "المجموع" (٢/ ٣٣٣، ٣٣٤).
[ ١ / ١٨٣ ]
بدليل قوله قبل ذلك: (أجزأته)، وقوله بعده: (وتبطل إن لم يسقط فرضها بالتيمم) انتهى (١).
وقال بعضهم: (أراد: اللزوم في صورتي الضيق والاتساع، ثم هو في صورة ضيق الوقت جارٍ على المذهب، وعند اتساعه على وجه) انتهى.
وفي "المنهاج": أن الصلاة لا تبطل في هذه الصورة (٢)، وفي "الحاوي" بالمفهوم: أن التيمم لا يبطل (٣)، وهو أحسن، ثم قال في "المنهاج" [ص ٨٥]: (والأصح: أن قطعها ليتوضأ أفضل) ومثله قول "الحاوي" [ص ١٤٠]: (والخروج أولى).
ويستثنى من كلامهما: ما إذا ضاق الوقت .. فإنه يحرم الخروج بالاتفاق، كما في "التحقيق" (٤)، لكن جعله في "الشرح" و"الروضة" وجهًا ضعيفًا (٥)، فالذي في "المنهاج و"الحاوي" موافق لما في "الشرح" و"الروضة" (٦).
ثالثها: أنه قد يرد على ظاهره: ما إذا رآه المسافر في أثناء صلاته ثم نوى الإقامة وإتمام المقصورة .. فإنها تبطل في الأصح، وكذا قد يرد على قول "المنهاج" [ص ٨٥]: (وإن أسقطها .. فلا)، وصرح بالمسألتين في "الحاوي" (٧).
٣١٩ - قول "الحاوي" [ص ١٤٠]: (أو إذا سلم غير عالم بفواته) فيه أمران أفهمهما كلامه:
أحدهما: أن تيممه لا يبطل إذا علم بفواته وهو بعد في الصلاة، وأقره عليه البارزي، لكن الأصح في "الروضة": البطلان (٨).
ثانيهما: أن مراده: إذا سلم التسليمة الأولى؛ لأن الغاية تحمل على أول المتماثلين، كما لو أسلم إلى ربيع أو جمادى أو العيد، ومقتضاه: أنه لا يسلم التسليمة الثانية، وهو ما حكاه الروياني عن والده (٩)، لكن قال في "الروضة": (فيه نظر، وينبغي أن يسلم الثانية؛ لأنها من جملة الصلاة) (١٠).
_________________
(١) انظر "التنبيه" (ص ٢١).
(٢) المنهاج (ص ٨٥).
(٣) الحاوي (ص ١٣٩).
(٤) التحقيق (ص ١١١).
(٥) في حاشية (أ): (وفي "شرح المهذب" قال: وهذا الذي قاله الإِمام متعين، ولا أعلم أحدًا يخالفه. انتهى)، انظر "المجموع" (٢/ ٣٣٤).
(٦) فتح العزيز (١/ ٢٤٨)، الروضة (١/ ١١٦).
(٧) الحاوي (ص ١٣٩).
(٨) الروضة (١/ ١١٦).
(٩) انظر "بحر المذهب" (١/ ٢٣٢).
(١٠) الروضة (١/ ١١٦).
[ ١ / ١٨٤ ]
٣٢٠ - قول "المنهاج" عطفًا على الأصح [ص ٨٥]: (وأن المتنفل لا يجاوز ركعتين) يستثنى من ذلك: ما إذا وجد الماء بعد قيامه إلى ثالثة .. فإنه يتمها، كما صرح به القاضي أبو الطيب والروياني (١).
وقال في "المهمات": (إنه متجه، وكلام "شرح المهذب" و"الكفاية" يدل عليه) (٢).
٣٢١ - قوله: (إلا من نوى عددًا .. فيتمُّهُ) (٣) كان الأحسن أن يقول: (إلا من نوى شيئًا) ليدخل فيه من أحرم بركعة؛ فإنه لا يزيد عليها، وكلامه يقتضي إتمامها ركعتين؛ فإنه استثنى العدد، والواحد ليس عددًا، وقد سلم "الحاوي" من ذلك حيث قال [ص ١٤٠]: (ولا يزيد على ما انعقد).
٣٢٢ - قول "التنبيه" [ص ٢١]: (وتبطل إن لم يسقط فرضها بالتيمم) ومثله قول "المنهاج" [ص ٨٥]: (أو في صلاة لا تسقط به .. بطلت على المشهور) فوجَّها البطلان إلى الصلاة، ولو وجَّهاه إلى التيمم كما في "الحاوي" (٤) .. لكان أحسن؛ فإنه يلزم منه بطلان الصلاة من غير عكس، مع أن الفصل معقود لذلك لا لبطلان الصلاة، ويختص "المنهاج" بأن تعبيره بـ (المشهور) يقتضي أن الخلاف قولان، وفي "الروضة": (على الصحيح) (٥) فهما وجهان.
٣٢٣ - قولهما -والعبارة لـ "التنبيه"-: (ولا يصلي بتيمم واحد أكثر من فريضة) (٦) لو قالا: (ولا يفعل) .. لكان أحسن؛ ليعم الطوافين، والصلاة والطواف، وكذا الجمعة وخطبتها في الأصح، لكن قد يقال: الطواف صلاة، وقد عبر بذلك "الحاوي" فقال [ص ١٤٠]: (ويجمع (٧) ولو صبيًا فرضًا، صلاةً أو طوافًا) لكن يرد على إطلاقه الفرض: تمكينها الزوج، فالأصح في (باب الحيض) من "شرح المهذب": جواز تكرره والجمع بينه وبين فرض بتيمم واحد (٨).
ويختص "التنبيه": بأنه ترد عليه صلاة الجنازة، فالأصح: إلحاقها بالنوافل، فيجمع بين صلوات جنائز وبين جنازة ومكتوبة بتيمم، لكنها عنده - تبعًا للشيخ أبي حامد - كالفرائض، وقد ذكرها "الحاوي" و"المنهاج" (٩)، لكنه عبر عنها بالأصح، ولو عبر بالمذهب .. لكان أولى؛ فإن فيها طرقًا.
_________________
(١) انظر "بحر المذهب" (١/ ٢٣٤).
(٢) المجموع (٢/ ٣٣٥).
(٣) انظر "المنهاج" (ص ٨٥).
(٤) الحاوي (ص ١٤٠).
(٥) الروضة (١/ ١١٥).
(٦) انظر "التنبيه" (ص ٢١)، و"المنهاج" (ص ٨٥).
(٧) كذا في النسخ و"الحاوي"، ولعل الصواب: (ولا يجمع) بإثبات (لا)، انظر "روضة الطالبين" (١/ ١١٧)، و"تحفة المحتاج" (١/ ٣٧١)، و"نهاية المحتاج" (١/ ٣١٠)، و"مغني المحتاج" (١/ ١٦٣).
(٨) المجموع (٢/ ٣٦٨).
(٩) الحاوي (ص ١٤٠)، المنهاج (ص ٨٥).
[ ١ / ١٨٥ ]
ويستثنى من كلامهم جميعًا: مسألة محكية عن صاحب "الحاوي الصغير" في غير كتابه: أن من تجردت جنابته عن الحدث وعجز عن استعمال الماء بسبب وتيمم .. فله أن يصلي بتيممه ما لم يحدث ولم يقدر على استعمال الماء؛ لأنه يصلي بالوضوء وتيممه عن الجنابة، وقاسه على الحائض إذا تيممت لاستباحة الصلاة أو الوطء ثم أحدثت .. فإنه يجوز وطئها ومكثها في المسجد ما لم تجد الماء أو يعود حيضها، وفيما قاله نظر.
٣٢٤ - قول "المنهاج" و"الحاوي": (إن النذر كفرض) (١) قد يرد ما قاله الروياني فيمن قال: لله عليّ إتمام كل صلاة أدخل فيها .. أن له أن يشرع في نفل بعد أداء فريضة بتيمم؛ لأن ابتداءها نفل، وقال القاضي حسين: إن قاله على وجه اللجاج؛ أي: لا أشرع فيها .. فموجبُهُ مُوجب اللجاج، حكاهما السبكي في الصيام (٢).
وقول "المنهاج" في المسألة [ص ٨٥]: (في الأظهر) يقتضي قوة مقابله، وقد صرح بضعفه في "الروضة" (٣).
٣٢٥ - قول "المنهاج" [ص ٨٥]: (وأن من نَسِيَ إحدى الخمس .. كفاه تيمم لهن) قال السبكي: لو قال: كفاه لهن تيمم .. كان أحسن؛ لئلا يوهم أنه ينوي التيمم للخمس، والمراد: أنه يتيمم تيممًا واحدًا للمنسية ويصلي به الخمس.
٣٢٦ - قوله في المسألة: (وصلى بالأول أربعًا ولاءً) (٤) تبع فيه "المحرر" (٥)، وليس ذلك بشرط، ولم يذكره الرافعي في غيره.