قدم " المنهاج " ذكر الذكر المستحب في السجود على ذكر الكيفيات المستحبة فيه، وعكس " التنبيه "، وهو أحسن.
٥٠٤ - قول " المنهاج " [ص ١٠٠]: (ويجب: ألا يُطَوِّلَهُ ولا الاعتدال) يقتضي بطلان الصلاة بتطويلهما، وبه صرح " الحاوي " فقال في (مبطلات الصلاة) [ص ١٦٨]: (وبتطويل الاعتدال والقعود بين السجدتين) وهما تابعان في ذلك للرافعي، وكذا صححه النووي في أكثر كتبه (١)، لكنه صحح في " التحقيق ": أن القعود بين السجدتين ركن طويل (٢)، وعزاه في " الروضة " و" شرح المهذب " للأكثرين (٣)، وسبقه إلى ذلك الإمام، فحكاه عن الجمهور (٤)، واختار النووي في كتبه سوى " المنهاج ": جواز إطالة الاعتدال بالذكر (٥)، ويستثنى من إطلاق البطلان بتطويل الاعتدال: ما إذا طوله بالقنوت أو صلاة التسبيح، كما في " الروضة " تبعًا للشرح (٦)، لكنه اختار في " التحقيق " و" شرح المهذب ": عدم استحباب صلاة التسبيح؛ لأن حديثها ضعيف، وفيها تغيير لكيفية الصلاة ومقدار التطويل (٧)، كما نقله الخوارزمي في " الكافي " عن الأصحاب: أن يلحق الاعتدال بالقيام، والجلوس بين السجدتين بالجلوس للتشهد.
٥٠٥ - قول " المنهاج " [ص ١٠٠]: (والمشهور: سَنُّ جلسة خفيفة بعد السجدة الثانية في كل ركعة يقوم عنها) فيه أمران:
أحدهما: أنه قد يفهم من قوله: (خفيفة): أنها أقصر من الجلسة التي بين السجدتين، وقد قال في " التتمة ": يستحب أن تكون بقدرها، ويكره أن يزيد على ذلك.
ثانيهما: هل المراد بقوله: (في كل ركعة يقوم عنها): فعلًا أو مشروعية؟ صرح البغوي في " فتاويه " بالأول، فقال: (إذا صلى أربع ركعات بتشهد .. فإنه يجلس للاستراحة في كل ركعة منها؛ لأنها إذا ثبتت في الأوتار .. ففي محل التشهد أولى) وكلام " التنبيه " يوافق الثاني؛ فإنه
_________________
(١) انظر " فتح العزيز " (١/ ٥٢٦)، و" المجموع " (٣/ ٣٩٨)، و" الروضة " (١/ ٢٦٠).
(٢) التحقيق (ص ٢٤٦)، وقال النووي في موضع آخر من " التحقيق " (ص ٢٦٤): (الأصح: أن الاعتدال من الركوع والجلوس بين السجدتين ركن قصير).
(٣) المجموع (٣/ ١٣٣)، الروضة (١/ ٢٩٩).
(٤) انظر " نهاية المطلب " (٢/ ٢٦٧).
(٥) انظر " المجموع " (٣/ ١٣٣)، و" الروضة " (١/ ٢٩٩).
(٦) الروضة (١/ ٢٩٩)، وانظر " فتح العزيز " (٢/ ٦٣).
(٧) التحقيق (ص ٢٣)، المجموع (٤/ ٥٩).
[ ١ / ٢٥٨ ]
ذكرها بعد الركعة الأولى، ثم ذكر أنه في الصلاة الثلاثية والرباعية يصلي ما بقي من صلاته مثل الثانية، إلا فيما استثناه، فلم يذكرها بعد الركعة الثانية في حالة من الأحوال (١)، ولم يفصح في " الحاوي " عن محلها.
٥٠٦ - قول " التنبيه " [ص ٣٨]: (فإن كان في صلاة هي ركعتان .. جلس بعد الركعتين متوركًا) يستثنى: من عليه سجود السهو، فالأصح: أنه يجلس في التشهد الأخير مفترشًا، وقد ذكره " الحاوي " فقال [ص ١٦٤]: (والتورك في تشهده الآخر إن لم يسجد للسهو) وقد استفدنا من تعبيره مسألة حسنة، وهي: أن من عليه سجود سهو إذا لم يقصد الإتيان به .. فالأفضل له: التورك؟ لأنه ذكر أن الأفضل له: التورك إذا لم يسجد للسهو، وهو في هذه الصورة لم يسجد للسهو، وقد ذكر في " المهمات " أن هذا متجه، وقد استثنى " المنهاج " هذه الصورة مع أخرى، فقال [ص ١٠٠]: (والأصح: يفترش المسبوق والساهي) ويرد على تعبيره بالساهي: من ترك بعضًا عمدًا وقلنا: يسجد؛ فإنه لا تتناوله عبارته مع أنه داخل في قولنا: من عليه سجود سهو، وهي عبارة " المحرر " و" الروضة " (٢)، ومسألة المسبوق لا يحتاج إلى استثنائها؛ فإنه -أعني " المنهاج "- عبر بقوله [ص ١٠٠]: (وفي الآخر التورك)، وليس هذا التشهد آخر صلاة المسبوق؛ إذ لا معنى للآخر إلا ما يعقبه السلام، وكذا قال في " الحاوي " [ص ١٦٤]: (والتورك في تشهده الآخر)، ومراد " التنبيه " بما بعد الركعتين: آخر الصلاة، بدليل قوله في آخر الباب [ص ٣٢]: (ويجلس في آخر الصلاة متوركًا) وفي (باب فروض الصلاة وسننها) [ص ٣٣]: (والتورك في آخر الصلاة) ولهذا لم يذكرها " الحاوي "، ولم يستثنها النووي والإسنوي في " تصحيحهما ".
٥٠٧ - قول " الحاوي " [ص ١٦٤]: (ووضع اليد قرب الركبة منشورة بتفريج قصد) أي: وسط، تبع فيه الرافعي (٣)، وخالفه النووي، فقال: (الأصح: الضم) (٤).
٥٠٨ - قول " المنهاج " [ص ١٠١]: (والأظهر: ضم الإبهام إليها كعاقد ثلاثة وخمسين) و" الحاوي " [ص ١٦٤]: (عاقدًا ثلاثة وخمسين) كذا في كتب الرافعي والنووى (٥)، لكن اعترضه النووي في " شرح مسلم " و" الدقائق ": بأن شرطها عندهم: وضع طرف الخنصر على البنصر،
_________________
(١) التنبيه (ص ٣١، ٣٢).
(٢) المحرر (ص ٣٦)، الروضة (١/ ٢٦١).
(٣) انظر " فتح العزيز " (١/ ٥٣١).
(٤) انظر " المجموع " (٣/ ٤١٦)، و" المنهاج " (ص ١٠١).
(٥) انظر " فتح العزيز " (١/ ٥٣١)، و" المحرر " (ص ٣٧)، و" المجموع " (٣/ ٤١٦)، و" الروضة " (١/ ٢٦٢)، و" التحقيق " (ص ٢١٤).
[ ١ / ٢٥٩ ]
والكيفية المشروعة ليست كذلك؛ فهي كعقد تسعة وخمسين (١)، وأجاب عنه الشيخ تاج الدين في " الإقليد ": بأن اشتراط ذلك طريقة القِبْط، وقال في " الكفاية ": عدم الاشتراط طريقة المتقدمين.
٥٠٩ - قول " المنهاج " [ص ١٠٢]: (وتسن الصلاة على الآل في التشهد الأخير، وقيل: تجب) يقتضي أن الخلاف وجهان، وصوبه في " شرح المهذب " (٢)، ورجح في " الروضة " وأصلها: كونه قولين (٣).
٥١٠ - قول " التنبيه " في أقل التشهد [ص ٣٢]: (وأشهد أن محمدًا رسول الله) وكذا في أكثر نسخ " المحرر " (٤)، واستدرك عليه " المنهاج " فقال [ص ١٠٢]: (الأصح: " وأن محمدًا رسول الله ") وكذا في " الحاوي " بإسقاط: (أشهد) تبعًا لما في الرافعي عن نقل العراقيين، والروياني عن نص الشافعي وأكثر الأصحاب (٥)، ووقع في " الروضة " في نقل العراقيين والروياني عن النص والأكثر: (وأن محمدًا رسوله) (٦) ووهموه فيه، والذي في الرافعي: (رسول الله) كما تقدم، لكن مشى عليه شيخنا الإسنوي في " تصحيحه "، فقال عطفًا على (الأصح): (وجواز الإتيان باسم الله هنا ضميرًا حتى يجزئ: وأن محمدًا رسوله) (٧).
وذكره السبكي بحثًا، فقال: ينبغي أن يكون الأصح: أنه يجزئ: (وأن محمدًا رسوله) لأنه ثبت هكذا في " صحيح مسلم "، ونقل عن العراقيين.
قلت: الذي في " صحيح مسلم " في حديث أبي موسى: (وأن محمدًا عبده ورسوله) (٨) فأتى مع رسوله بعبده، وأما النقل عن العراقيين .. فإنه اعتمد فيه كلام " الروضة "، وقد وهم فيه كما تقدم، واعترض شيخنا في " المهمات " على قول " المنهاج " [ص ١٠٢]: (وثبت في " صحيح مسلم "): بأن الثابت في ذلك ثلاث كيفيات: (وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله) رواه الشيخان من حديث ابن مسعود (٩)، (وأشهد أن محمدًا رسول الله) رواه مسلم من حديث ابن عباس (١٠)،
_________________
(١) شرح مسلم (٥/ ٨٢)، الدقائق (ص ٤٤).
(٢) المجموع (٣/ ٤٣٠).
(٣) الروضة (١/ ٢٦٣).
(٤) المحرر (ص ٣٧).
(٥) الحاوي (ص ١٦٢)، وانظر " فتح العزيز " (١/ ٥٣٥)، و" بحر المذهب " (٢/ ١٨٣).
(٦) الروضة (١/ ٢٦٤).
(٧) تذكرة النبيه (٢/ ٤٧١).
(٨) صحيح مسلم (٤٠٤).
(٩) البخاري (٧٩٧)، (٨٠٠)، مسلم (٤٠٢).
(١٠) مسلم (٤٠٣).
[ ١ / ٢٦٠ ]
(وأن محمدًا عبده ورسوله) بإسقاط (أشهد) رواه مسلم أيضًا من حديث أبي موسى (١)، وليس ما قاله واحدًا من الثلاثة؛ لأن الإسقاط إنما ورد مع زيادة العبد. انتهى.
ونبه شيخنا الإمام سراج الدين البلقيني على أن تصحيحه هنا في أقل التشهد لفظة: (وبركاته) مخالف لقوله: أنه لو تشهد بتشهد ابن مسعود أو عمر .. جاز؛ فإنه ليس في تشهد عمر: (وبركاته).
وجوابه: أن المراد: أنه لو تشهد بتشهد عمر بكماله .. أجزأه، فأما كونه يحذف بعض تشهد عمر اعتمادًا على أنه ليس في تشهد غيره، ويحذف (وبركاته) لأنها ليست في تشهد عمر .. فقد لا يكفي؛ لأنه لم يأت بالتشهد على واحدة من الكيفيات المروية، وفيه بعد ذلك نظر، والله أعلم.