ظاهر كلامهم يقتضي أن الموجب للغسل هذه الأسباب، وهو وجه، وقيل: القيام للصلاة، وقيل: هذه الأسباب عند القيام للصلاة، وهو الأصح.
وادعى بعضهم أن عدول صاحب "التنبيه" عن قوله: (يجب بشيئين، وبأربعة أشياء) إلى
_________________
(١) الحاوي (ص ١٣٣).
(٢) المنهاج (ص ٧٨).
(٣) المحرر (ص ١٤)، الروضة (١/ ٨٣).
(٤) التحقيق (ص ٨٩)، المجموع (٢/ ١٦٠).
(٥) الروضة (١/ ٨٣).
(٦) انظر "فتح العزيز" (١/ ١٨١).
(٧) التحقيق (ص ٨٩)، وانظر "الحاوي الكبير" (١/ ٢١٣).
[ ١ / ١٣٤ ]
قوله: (من شيئين، ومن أربعة أشياء) (١) يدل عليه.
١٨٤/ ١ - قول "الحاوي" [ص ١٣٣]: (إن خواص المني ثلاثة) ظاهره: الطرد في حق المرأة أيضًا، وصرح به في "المنهاج" بقوله بعد ذلك [ص ٧٨]: (والمرأة كرجل)، وهو الذي ذكره الأكثرون تصريحًا وتعريضًا، وأنكر ابن الصلاح التدفق في منيها (٢)، وتبعه النووي في "شرح مسلم"، فاقتصر فيها على الأولى والأخيرة (٣).
قال شيخنا الإمام شهاب الدين بن النقيب: (وهو الذي يظهر؛ فإنه لا تزريق لمنيها ألبتة) انتهى (٤).
لكن نقل الماوردي عن الشافعي - ﵀ -: تسمية منيها بالماء الدافق (٥)، وهذا يدل على خروجه منها بتدفق.
١٨٥ - قول "التنبيه" [ص ١٩]: (وإن شك هل الخارج من ذكره مني أو مذي؟ فقد قيل: يلزمه الوضوء دون الغسل، ويحتمل عندي: أنه يلزمه الغسل) فيه أمور:
أحدها: الأصح: وجه ثالث: أنه يخير بين الموجبين، ومهما اختاره .. ترتب عليه سائر أحكامه، وعليه مشى "الحاوي" (٦)، ولم يتعرض للمسألة في "المنهاج".
ثانيها: ذكر في "الكفاية" أن ظاهر كلام الشيخ في الوجه الذي صدر به كلامه: نفي وجوب غسل ما أصابه الخارج، والأصح: خلافه، وقال غيره (٧): لو ادعى العكس .. كان أقوم؛ فإنه قضية كون الخارج موجبًا للوضوء.
ثالثها: ما ذكره الشيخ احتمالًا وجهٌ معروف، ومعناه: أنه يلزمه الوضوء وغسل باقي البدن وما أصابه، ومعنى كلامه: (ويحتمل عندي: أنه يلزمه الغسل) الذي نفاه نقلًا بقوله: (دون الغسل)، ويبقى إيجاب الوضوء بحاله، ويوافقه عبارة "المهذب" (٨)، وعبر عنه في "التحقيق" بقوله: (وقيل: يجبان) (٩)، وقواه النووي في "شرح المهذب" (١٠)، وجعل في "الكفاية"
_________________
(١) انظر "التنبيه" (ص ١٨).
(٢) انظر "مشكل الوسيط" (١/ ٣٤٠).
(٣) شرح مسلم (٣/ ٢٢٣).
(٤) انظر "السراج على نكت المنهاج" (١/ ١٤٧).
(٥) انظر "الحاوي الكبير" (١/ ٢١٤).
(٦) الحاوي (ص ١٣٣).
(٧) في حاشية (أ): (قول الشيخ: "وقال غيره" المراد به: النشائي). انظر "نكت النبيه على أحكام التنبيه" (ق ١٠).
(٨) المهذب (١/ ٢٩).
(٩) التحقيق (ص ٩٠).
(١٠) المجموع (٢/ ١٦٢).
[ ١ / ١٣٥ ]
الاحتمال لمجرد الغسل، ولا قائل بلزومه عينًا.
رابعها: ذكر الذكر مثال لا تقييد.
١٨٦ - قول "الحاوي" [ص ١٣٣]: (وهو في فرج امرأة أو دبرها .. أجنب المشكل) لو قال: (أو دبر) .. كان أعم وأخصر؛ لشموله دبر الرجل والخنثى المشكل، فلا فرق في ذلك بين دبرهما ودبر المرأة.
١٨٧ - قول "المنهاج" [ص ٧٨]: (ويحرم بها) أي: بالجنابة الحاصلة من دخول الحشفة أو خروج المني، أما ما قبله: فمحرماته تأتي في (باب الحيض).
١٨٨ - قولهما: (واللبث في المسجد) (١) هو خاص بالمسلم، كما صرح به "الحاوي" (٢)، وذكر "التنبيه" في (باب الجزية) الخلاف فيه (٣)، وذكر صاحب "التلخيص" من الخصائص: دخول المسجد جنبًا، ومال إليه النووي (٤)، ولم يذكره "الحاوي" في الخصائص.
ثم تستثنى: الضرورة، فلو خاف من الخروج على نفس أو مال .. جاز له اللبث.
قال الرافعي: (وليتيمم إن وجد غير تراب المسجد) (٥)، وفهم النووي من لام الأمر: الوجوب، فقال في "أصل الروضة": (فيجب عليه التيمم) (٦)، وصرح به القفال في "فتاويه" والأستاذ أبو منصور البغدادي في "شرح المفتاح" وصاحب "التتمة"، لكن الرافعي لم يرده، بدليل قوله في "الشرح الصغير": (ويحسن أن يتيمم)، ويوافقه قول القاضي أبي الطيب فيمن أحدث ومعه مصحف ولم يجد الماء وهو قادر على التراب .. أن له حمله من غير تيمم، وصرح القفال في "فتاويه" في هذه الصورة بأنه يتيمم.
١٨٩ - قول "المنهاج" [ص ٧٨]: (لا عبوره) أي: فهو جائز لحاجة، وإلا .. فالأصح: الكراهة، وقيل: خلاف الأولى، وصححه في "شرح المهذب" (٧)، وقيل: حرام، إلا ألَاّ يجد طريقًا سواه.
١٩٠ - قول "التنبيه" [ص ١٩]: (وقراءة القرآن) يستثنى من ذلك: إذا أتى بشيء من أذكاره؛ كقوله: (بسم الله، والحمد لله، وسبحان الذي سخر لنا هذا) بقصد الذكر أو بغير قصد، فإن
_________________
(١) انظر "التنبيه" (ص ١٩)، و"المنهاج" (ص ٧٨).
(٢) الحاوي (ص ١٣١).
(٣) التنبيه (ص ٢٣٩).
(٤) انظر "المجموع" (٢/ ١٩٨).
(٥) انظر "فتح العزيز" (١/ ١٨٦).
(٦) الروضة (١/ ٨٦).
(٧) المجموع (٢/ ١٧٦، ١٨١).
[ ١ / ١٣٦ ]
قصد القراءة فقط، أو مع الذكر .. حرم، وإليه أشار "الحاوي" بقوله [ص ١٣١]: (القراءة بقصدها)، و"المنهاج" بقوله [ص ٧٨]: (وتحل أذكاره لا بقصد قرآن).
لكن التعبير بالأذكار يفهم أن قوله: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ﴾، ﴿يَايَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾ ليس كذلك؛ فإنها ليست أذكارًا، وهو مقتضى ما في كتاب "الأذكار" للنووي (١)، وسوَّى في "شرح المهذب" بين النوعين (٢).
ويستثنى من كلامهم: فاقد الطهورين؛ فإنه يقرأ الفاتحة في صلاته وجوبًا، كما صححه النووي (٣)، وصحح الرافعي: المنع، وينتقل للذكر (٤).
ويلتحق بفاقد الطهورين: المتيمم في الحضر، كما في "المهمات" عن تعليق القاضي حسين و"الكافي" للخوارزمي.
١٩١ - قول "الحاوي" [ص ١٣١]: (ويزيد الحيض والنفاس القراءة بقصدها، ومكث المسجد كجنابة المسلم) يفهم: أن جنابة الكافر لا تحرّم شيئًا من ذلك، وهو كذلك في مكث المسجد، أما مس المصحف: فيمنع منه، كما في نواقض الوضوء من "شرح المهذب" (٥)، وقياسه: عدم تمكينه من قراءته جنبًا إذا قرأ بنفسه أو أقرأه غيره، حيث جاز تعليمه؛ بأن رُجي إسلامه.
١٩٢ - قول "التنبيه" [ص ١٩]: (نوى الغسل من الجنابة أو الحيض) ومثله: قول "الحاوي" [ص ١٣٢]: (نية رفع الجنابة أو الحيض) أي: نوى الغسل من الجنابة إن كان جنبًا، أو الحيض إن كانت حائضًا، وليس للتخير، فلو نوى أحدهما غير ما عليه .. صح مع الغلط دون التعمد، قاله النووي في "شرح المهذب" في آخر نية الوضوء (٦).
وكذا قول "المنهاج" [ص ٧٨]: (نية رفع الجنابة) محمول على الجنب، ومقتضى كلام "الكفاية": أنه لا يرتفع النفاس بنية الحيض وعكسه مع التعمد، ومقتضى تعليلهم إيجاب الغسل في النفاس بكونه دم حيض مجتمع: الصحة، كما بحثه شيخنا في "المهمات".
قال شيخنا شهاب الدين بن النقيب: (ومن به سلس المني .. ينبغي ألَّا تكفيه نية الرفع على الصحيح، بل ينوي الاستباحة؛ كما في الوضوء) (٧).
_________________
(١) الأذكار (ص ٨، ٩).
(٢) المجموع (٢/ ١٨٧).
(٣) انظر "المجموع" (٢/ ١٨٥)، و"الأذكار" (ص ٩).
(٤) انظر "فتح العزيز" (١/ ١٨٥).
(٥) المجموع (٢/ ٨٩).
(٦) المجموع (١/ ٣٩٦).
(٧) انظر "السراج على نكت المنهاج" (١/ ١٤٩).
[ ١ / ١٣٧ ]
ومقتضى عبارة "التنبيه" و"المنهاج": أنه لا يكفي نية رفع الحدث؛ لكونهما قيدا نية الرفع بالجنابة، لكن الأصح: أنه يكفي، وذكره "الحاوي" (١).
١٩٣ - قول "المنهاج" [ص ٧٨]: (أو أداء فرض الغسل) وكذا نية فرض الغسل؛ كما في الرافعي و"الروضة" (٢)، وكذا نية أداء الغسل؛ كما في "الحاوي" (٣)، ولم يصرح به الرافعي هنا، لكن حكم الغسل حكم الوضوء في هذا، وقد صرح به في الوضوء، فظهر أن الاقتصار على أحد اللفظين كاف.
١٩٤ - قول "المنهاج" [ص ٧٨]: (مقرونة بأول فرض) أي: بأول ما يغسله من رأسه أو بدنه، وقد قال في (الوضوء): (وقيل: يكفي قرنها بسنة قبله) (٤) ويجيء مثله هنا، كذا في "الروضة" (٥)، وفيه نظر، وينبغي الجزم بالاكتفاء به؛ لأن السنن التي قبله محل للغسل الواجب، فإذا نوى عندها رفع الجنابة .. وقع فرضًا، بخلاف سنن الوضوء التي قبله من غسل كف ومضمضة؛ لأنه ليس محلًا للفرض الآن، فلم يكف؛ لعدم الوقوع عنه؛ ولهذا لو انغسل مع المضمضة التي قارنتها النية شيء من حمرة الشفة .. كفى على الأصح؛ ولذلك عبر "الحاوي" بقوله [ص ١٣٢]: (مقرونًا بأوله)، ولم يقيده بالفرض؛ لأنه لا فائدة له كما تقرر.
١٩٥ - قولهم -والعبارة لـ"المنهاج"-: (وتعميم شعره وبشره) (٦) فيه أمور:
أحدها: يستثنى من الشعر: ما نبت في العين والأنف، وكذا باطن عقده، وقيل: يجب قطعه.
ثانيها: المراد بالبشرة: ما يشمل الأظفار، بخلاف نقض الوضوء.
ثالثها: قال في "الكفاية": (أفهم أنه لا يجب إيصال الماء إلى باطن الفرج، وهو ما ذكره الإِمام ومن تبعه، والأصح: وجوبه فيما يبدو حالة قضاء الحاجة من الثيب، وكذا ما ظهر بجذع الأنف، ونتف شعرات لم يغسلها، صرح في "التحقيق" بتصحيحه فيه) (٧).
وقد يقال: ما ظهر من الثيب يصير من جملة البشرة، وكذا ما ظهر من أنف المجذوع.
رابعها: غير المختون يجب غسل ما تحت جلدته على الأصح، ولم تتناوله عبارتهم؛ لأن البشرة ظاهر الجلد.
_________________
(١) الحاوي (ص ١٣٢).
(٢) فتح العزيز (١/ ١٠٢)، الروضة (١/ ٤٨).
(٣) الحاوي (ص ١٣٢).
(٤) انظر "المنهاج" (ص ٧٣).
(٥) الروضة (١/ ٨٧).
(٦) انظر "التنبيه" (ص ١٩)، و"الحاوي" (ص ١٣٢)، و"المنهاج" (ص ٧٨).
(٧) انظر "نهاية المطلب" (١/ ١٥٥)، و"التحقيق" (ص ٩٢).
[ ١ / ١٣٨ ]
١٩٦ - قول "المنهاج" [ص ٧٨]: (ولا تجب مضمضة واستنشاق) لك أن تقول: لم نص على نفي وجوبهما في الغسل ولم يفعل ذلك في الوضوء مع أن الخلاف بين العلماء فيهما؟ وقد يقال: لمَّا نص على تعميم الشعر والبشرة .. خشي دخولهما؛ فإن في الأنف شعرًا وفي الفم بشرة، وقيل: غير ذلك.
١٩٧ - قول "المنهاج" [ص ٧٨]: (وأكمله: إزالة القذر) و"الحاوي" [ص ١٣٢]: (وسن رفع الأذى) أي: الطاهر؛ كوسخ، ومني، وكذا النجس إن اكتفى بغسله للحديث والنجس، كما صححه النووي خلافًا للرافعي (١)، والأولى: حمل كلامهما على الطاهر؛ لإفرادهما مسألة اجتماع النجاسة والحدث.
١٩٨ - قول "المنهاج" [ص ٧٨]: (ثم الوضوء -وفي قول: يؤخر غسل قدميه-) الخلاف في الأفضل، فيحصل بكل منهما أصل سنة الوضوء.
١٩٩ - قولهما: (ثم يفيض الماء على رأسه ويخلله) (٢) ليست الواو للترتيب؛ فإن تخليله قبل الإفاضة، فيدخل أصابعه العشرة في الماء، فيشرب بها أصول شعر رأسه.
٢٠٠ - قول "التنبيه" [ص ١٩]: (ثم يفيض الماء على سائر جسده) ظاهره: أنه لا يقدم الشق الأيمن، ولا خلاف في استحبابه، وصرح به "المنهاج" (٣)، وقد يندرج في قول "الحاوي" في ذكر سنن الغسل [ص ١٣٢]: (والترتيب) فيدخل فيه ترتيب الأيسر على الأيمن.
٢٠١ - قول "التنبيه" بعد ذكر إفاضة الماء على الرأس [ص ١٩]: (ثم الجسد، يفعل ذلك ثلاثًا) قال في "الكفاية": (ظاهره: أنه يفعل ذلك مرة ثم مرة ثم مرة، والخبر يقتضي تثليث التخليل ونحوه قبل إفاضة الماء على الجسد، وهو المنصوص في "المختصر"، وتابعه الأصحاب) (٤).
قال شيخنا جمال الدين في "الهداية": (مقتضى هذا الكلام: استحباب التثليث في الجسد، وذلك لم يرد في الحديث، ولم يقله الشافعي ولا الأصحاب).
٢٠٢ - قولهما -والعبارة لـ"المنهاج"-: (وتتبع لحيض أثره مسكًا، وإلا .. فنحوه) (٥) وعبارة "التنبيه" [ص ١٩]: (وإن لم تجد .. فطيبًا غيره) فيه أمور:
أحدها: النفاس كالحيض.
ثانيها: يستثنى من ذلك: المُحِدَّة؛ فإنها تطيب المحل بقليل من قسط أو أظفار؛ كما ذكره
_________________
(١) انظر "فتح العزيز" (١/ ١٩٠، ١٩١)، و"المجموع" (٢/ ٢١١).
(٢) انظر "التنبيه" (ص ١٩)، و"المنهاج" (ص ٧٨).
(٣) المنهاج (ص ٧٨).
(٤) مختصر المزني (ص ٥).
(٥) انظر "التنبيه" (ص ١٩)، و"المنهاج" (ص ٧٨).
[ ١ / ١٣٩ ]
الرافعي في "العدد"، ويحتمل إلحاق المُحْرِمَة بها؛ لأن منع المعتدة من الطيب أشد؛ فإنه يحرم عليها استدامته، بخلاف المُحْرِمَة، ويحتمل منعها من الطيب مطلقًا، لقصر زمن الإحرام غالبًا.
ثالثها: أن عبارتهما صريحة في أن الانتقال إلى غير المسك من أنواع الطيب إنما يكون عند فقد المسك، وهذا هو المعتمد، وعبارة "المحرر": (مسكًا ونحوه) (١) ولم يقيده بالفقد، فقول "المنهاج": (وإلا) من زوائده، ومشى "الحاوي" على ما في "المحرر"، فقال [ص ١٣٢]: (والتطيب في الحيض) فلم يفرق بين المسك وغيره.
رابعها: قول "المنهاج" [ص ٧٨]: (فنحوه) يحتمل أن المراد بـ (نحوه): طيب فيه حرارة؛ كالقسط والأظفار ونحوهما، بناء على أن العلة في المسك: سرعة الحمل، ويحتمل أن المراد: أيّ طيب كان، بناء على أن العلة: تطييب المحل، كما صححه النووي (٢).
خامسها: ذكر الرافعي والنووي في "شرح المهذب" بين الطيب والماء رتبة وهو: الطين (٣)، ولم يذكره في "الروضة" و"المنهاج"، وقال شيخنا جمال الدين في "تصحيح التنبيه": (والصواب: تتبع الحائض أثر الدم بالمسك، فإن لم تجد .. فبالطين، فإن لم تجد .. فبالماء) (٤).
سادسها: قول "التنبيه" [ص ١٩]: (فإن لم تجد .. فالماء كاف) ذكره تأكيدًا، فقد عرف ذلك من قوله: (إن التطيب مستحب) (٥).
٢٠٣ - قول "المنهاج" [ص ٧٨]: (ولا يسن تجديده) أي: الغسل، وكذا التيمم، وفيهما وجه.
٢٠٤ - قوله: (بخلاف الوضوء) (٦) أي: فيسن تجديده، لكن بشرط: أن يصلي بالوضوء الأول صلاة فرضًا أو نفلًا على الأصح، فالمراد: مخالفة الوضوء للغسل في استحباب تجديده في الجملة، لا أنه يستحب تجديده مطلقًا.
٢٠٥ - قولهما -والعبارة لـ"المنهاج"-: (ويسن ألا ينقص ماء الوضوء عن مد، والغسل عن صاع) (٧) وفي "الحاوي" [ص ١٢٧، ١٣٢]: (وسن بمد وبصاع) فيه أمور:
_________________
(١) المحرر (ص ١٥).
(٢) انظر "المجموع" (٢/ ٢١٧).
(٣) انظر "فتح العزيز" (١/ ١٩٤)، و"المجموع" (٢/ ٢١٦، ٢١٧).
(٤) تذكرة النبيه (٢/ ٤٢٣).
(٥) انظر "التنبيه" (ص ١٩).
(٦) انظر "المنهاج" (ص ٧٨).
(٧) انظر "التنبيه" (ص ١٩)، و"المنهاج" (ص ٧٨).
[ ١ / ١٤٠ ]
أحدها: أن هذا التقدير تقريب.
ثانيها: حمله الشيخ عز الدين في "القواعد" على من هو معتدل الخلقة؛ كما كان النبي ﵊، فلو كان ضئيلًا أو متفاحش الطول والعرض .. فيستحب له أن يستعمل في الوضوء ما يكون نسبته إلى جسده كنسبة المد إلى جسد النبي ﵊، وكذا قياس الغسل (١)، وذكر في "الإقليد" نحوه، وقال: (فلو قيل: بتطهر غير مسرف ولا مقتر .. كان أضبط).
ثالثها: مقتضى كلامهما: أنه لا يسن ترك الزيادة على المد والصاع، وهو خلاف مقتضى عبارة "الحاوي" فإنه ذكر من سنن الوضوء: أن يكون بمد، ومن سنن الغسل: أن يكون بصاع، فاقتضى ترك النقص والزيادة، وهو الذي قال في "الكفاية": إن كلام الأصحاب يدل عليه، لكن نازعه شيخنا جمال الدين في "الهداية".
٢٠٦ - قول "الحاوي" [ص ١٣٢]: (بشرط رفع الخبث) فيه أمران:
أحدهما: تبع في ذلك الرافعي (٢)، وصحح النووي: أنه لا يشترط، فيكفي للخبث والحدث غسلة واحدة (٣)، ونبه عليه في "المنهاج" (٤)، لكنه جزم في "شرح مسلم" بأنه لا يكفي (٥)،
وأقر في (الجنائز) من "الروضة" و"المنهاج" الرافعي على قوله: (إن أقل الغسل: استيعاب بدنه بالماء بعد إزالة ما عليه من النجاسة) (٦).
وصححه السبكي، وكلام "التنبيه" يوافق ما صححه في "المنهاج" هنا؛ لأنه لم يعد تقديم غسل النجاسة في واجبات الغسل (٧).
وقد يجاب عن ذلك: بأن تقديم غسلها شرط لا ركن، كما صرح به الرافعي (٨)، ويوافقه تعبير "الحاوي" بالاشتراط.
ثانيهما: لم يقيد "الحاوي" و"المنهاج" تبعًا للرافعي و"الروضة" النجاسة، وقيدها في "شرح المهذب" في (باب نية الوضوء) بالنجاسة الحكمية (٩)، وصور السبكي المسألة: بما إذا
_________________
(١) قواعد الأحكام في إصلاح الأنام (٢/ ٣٤٢).
(٢) انظر "فتح العزيز" (١/ ١٩٠).
(٣) انظر "المجموع" (٢/ ٢١٢).
(٤) المنهاج (ص ٧٩).
(٥) شرح مسلم (٣/ ٢٢٩).
(٦) الروضة (٢/ ٩٩)، المنهاج (ص ١٤٨)، وانظر "فتح العزيز" (٢/ ٣٩٥).
(٧) انظر "التنبيه" (ص ١٩).
(٨) انظر "فتح العزيز" (١/ ١٩٠).
(٩) انظر "المجموع" (١/ ٣٩٥).
[ ١ / ١٤١ ]
لم تحل النجاسة بين الماء والعضو، وكان الماء كثيرًا أو قليلًا، ولكنه يزيله بمجرد الملاقاة، فإن انتفى شرط منهما .. لم يكف قطعًا.
٢٠٧ - قولهما -والعبارة لـ"التنبيه"-: (والواجب من ذلك: النية، وإيصال الماء إلى الشعر والبشرة) (١) يشترط فيه أيضًا: الإِسلام على المشهور.
قال في "الكفاية": إن ذكر النية يقتضى اشتراطه، وهو ممنوع؛ ولهذا قال الرافعي: لعل التعليل بالعبادة أولى من التعليل بأنه لا تصح منه النية؛ لأن نية رفع الحدث مقصودة من الكافر، ويستثنى: غسل الذمية من الحيض للمسلم، فإنه يصح، والأصح: يشترط نية إباحة الاستمتاع، وكذا الناكح القاهر؛ لكون المنكوحة مجنونة أو ممتنعة، وإذا أسلمت .. تعيد في الأصح (٢).
ويشترط أيضًا: رفع الخبث قبله، كما صححه الرافعي (٣)، وقد تقدم، وقد يقال: لا يرد الإِسلام ورفع الخبث عليهما؛ لأنهما شرطان، وإنما تكلما على الأركان، وقد ذكرهما "الحاوي" (٤).
٢٠٨ - قول "التنبيه" [ص ١٩]: (وسننه: الوضوء، والدلك، والتكرار) بقي عليه: التخليل، والتثليث، والتطيب في الحيض كما ذكرها من قبل، وألا ينقص ماء الغسل عن صاع كما ذكره بعد، وإزالة القذر، وتعهد المعطف، والترتيب؛ أي: بين إزالة القذر والوضوء وتعهد المعطف كما ذكرها "المنهاج" و"الحاوي" (٥) والموالاة، والتسمية أوله، واستصحاب النية إلى آخره، والإتيان بالشهادتين بعده، وغير ذلك.
٢٠٩ - قول "الحاوي" و"المنهاج" -والعبارة له-: (ومن اغتسل لجنابة وجمعة .. حصلا) (٦) وكذا في "المحرر" و"الروضة" و"التحقيق" وغيرها (٧)، وفي الرافعي: إن قلنا: لو اقتصر على نية الجنابة .. لم تحصل الجمعة -وهو المجزوم به في "المحرر" و"المنهاج"- فمقتضاه: عدم صحة الغسل؛ كما لو نوى بصلاته الفرض والنفل، وإن قلنا: يحصل .. فالأصح: الصحة؛ كنية التبرد. انتهى (٨).
_________________
(١) انظر "التنبيه" (ص ١٩)، و"المنهاج" (ص ٧٨).
(٢) انظر "فتح العزيز" (١/ ٩٧).
(٣) انظر "فتح العزيز" (١/ ١٩٠).
(٤) الحاوي (ص ١٣٢).
(٥) الحاوي (ص ١٣٢)، المنهاج (ص ٧٨).
(٦) الحاوي (ص ١٣٢)، المنهاج (ص ٧٩).
(٧) المحرر (ص ١٥)، الروضة (١/ ٤٩)، التحقيق (ص ٩٣).
(٨) انظر "فتح العزيز" (١/ ١٠٢)، و"المحرر" (ص ١٥)، و"المنهاج" (ص ٧٩).
[ ١ / ١٤٢ ]
وأورد شيخنا في "المهمات" على التفريع الأول: إذا نوى بصلاته الفرض والتحية .. فإنه يصح، وعلى الثاني: أن في نية التبرد التشريك بين عبادة وغيرها، وما نحن فيه عبادتان، ونقل عن نص الشافعي في "البويطي" حصولهما (١).
وقال شيخنا شهاب الدين بن النقيب: (جزمُ "المحرر" بالحصول فيه نظر من وجهين:
أحدهما: أنه فرضها في "الشرح" في الضرر لا في الحصول.
والثاني: أنه فرعها على حصول الجمعة بنية الجنابة، وهو خلاف جزم "المحرر" بأنه إذا نوى أحدهما .. حصل فقط، وما في "الروضة" غير مطابق لأصلها فتأمله) (٢).
٢١٠ - قول "التنبيه" [ص ١٩]: (ومن نوى الغسل من الجنابة .. لم يجزه عن الجمعة) وفي معناه قول "المنهاج" [ص ٧٩]: (أو لأحدهما .. حصل فقط) وكذا في "المحرر" (٣)، وصححه النووي في سائر كتبه، ونقله عن الأكثرين (٤).
لكن ذكر الرافعي في "الشرح" حصولهما (٥)، وعليه مشى "الحاوي" (٦)، وهذا إذا لم ينف غسل الجمعة، فإن نفاه .. ففي حصوله احتمال للإمام (٧)، والظاهر: المنع، وتعبير "المنهاج" بـ (الحصول) أولى من تعبير "التنبيه" بقوله: (لم يجزه عن الجمعة) إذ ليس في عبارته التصريح بإجزائه عن الجنابة وإن كان هذا أمرًا واضحًا، وكذا قول "التنبيه" [ص ١٩]: (ومن نوى غسل الجمعة .. لم يجزه عن الجنابة) لا يستفاد منه صحة غسل الجمعة، ويستفاد ذلك من قول "المنهاج" [ص ٧٩]: (أو لأحدهما .. حصل فقط)، ومن قول "الحاوي" [ص ١٣٢]: (أو للنفلين -أي: الجمعة، والعيد- أو أحدهما .. حصلا) يعني: العيد والجمعة.
٢١١ - قول "المنهاج" [ص ٧٩]: (ولو أحدث، ثم أجنب أو عكسه .. كفى الغسل على المذهب) ليس الخلاف في الصورة الأولى طرقًا حتى يعبر عنه بالمذهب، بل أوجهًا، الأصح: أنه يكفي الغسل بنيته، وهل يشترط نية الوضوء معه؟ وجهان: أصحهما: لا، وهل يشترط في الغسل ترتيب أعضاء الوضوء؟ وجهان: أصحهما: لا، ومقابل الأصح أولًا: أنه لا بد من وضوء
_________________
(١) مختصر البويطي (ق ٨).
(٢) انظر "السراج على نكت المنهاج" (١/ ١٥٧)، و"المحرر" (ص ١٥)، و"فتح العزيز" (١/ ١٠٢)، و"الروضة" (١/ ٤٩).
(٣) المحرر (ص ١٥).
(٤) انظر "الروضة" (١/ ٤٩)، و"المجموع" (١/ ٣٨٧)، و"التحقيق" (ص ٩٣).
(٥) انظر "فتح العزيز" (١/ ١٠٢).
(٦) الحاوي (ص ١٣٢).
(٧) انظر "نهاية المطلب" (١/ ٣٠٨، ٣٠٩).
[ ١ / ١٤٣ ]
وغسل يقدم ما شاء منهما، والأفضل: تقديم الوضوء، أما الصورة الثانية .. ففيها طرق: أصحها: طرد الخلاف المتقدم، وقيل: يكفي الغسل قطعًا؛ لتأثر جميع البدن بالأكبر، فلم يؤثر فيه الأصغر، وقيل: لا يندرج قطعًا؛ كما لا تندرج العمرة الداخلة على الحج فيه، بخلاف العكس، فكان ينبغي أن يقول: (ولو أحدث ثم أجنب .. كفى الغسل في الأصح، وكذا في عكسه على المذهب) وبقي: ما إذا وقعا معًا؛ بأن مس مع الإنزال، وحكمه كتقدم الحدث الأصغر، فلو قال: (ومن وجب عليه وضوء وغسل) كما فعل في "التنبيه" .. لتناول هذه الصورة، والله أعلم.
٢١٢ - قول "الحاوي" [ص ١٣٢]: (وإن نوى رفع الحدث الأصغر غلطًا .. ارتفعت عن أعضاء الوضوء سِوَى الرأس) أي: فلا يرتفع الحدث عنه ولو غسله؛ لأنه إنما نوى المسح لكونه فرضه والغسل بدل عنه، ولا يجزئ المسح عن الغسل.
واستثنى الشيخ أبو على السنجي في "شرح الفروع": اللحية الكثيفة، فقال: لا ينبغي ارتفاع الحدث عن باطنها ولو أوصل الماء إليه؛ لأن إيصاله غير واجب في الوضوء، فلم تتضمنه نيته إلا أن يخرج على الوجهين فيما إذا توضأ بنية التجديد؛ لأن إيصال الماء إليه في الوضوء مستحب، نقله في "المهمات" وقال: إنه استدراك صحيح.
٢١٣ - قوله: (ونُدِبَ للجنب غسل الفرج إلى آخره) (١) الحائض إذا انقطع دمها كالجنب، كما حكاه في "الروضة" عن الأصحاب (٢).
٢١٤ - قول "التنبيه" [ص ٢٠]: (إن الأغسال المسنونة اثنا عثر غسلًا) أهمل أغسالًا أخر:
- الغسل للأذان.
- ولدخول المسجد، ذكرهما الرافعي (٣).
- ولحضور كل مجمع من مجامع الخير، نقله في "شرح المهذب" عن نص الشافعي واتفاق الأصحاب (٤).
- وللاعتكاف، نقله ابن خيران الصغير في "اللطيف" عن نص الشافعي، وقد يقال: هو مندرج في دخول المسجد.
- ولدخول الكعبة؛ كما نقله الإِمام عن ابن القاص والقفال (٥)، وتبعه في "الكفاية"، والذي
_________________
(١) انظر "الحاوي" (ص ١٣٣).
(٢) الروضة (١/ ٨٧).
(٣) انظر "فتح العزيز" (١/ ١٨٨، ١٨٩).
(٤) المجموع (٢/ ٢٣٣).
(٥) انظر "التلخيص" (ص ١٧٩)، و"نهاية المطلب" (٢/ ٥٣٠).
[ ١ / ١٤٤ ]
في "تلخيص ابن القاص": أن الشافعي -في القديم- استحبه لطواف الزيارة، وعبر عنه القفال شارحه بالغسل لزيارة البيت، وهو استعمال صحيح، فتوهم الإِمام منه ما ذكره، والله أعلم (١).
- ولكل ليلة من رمضان، قاله الحليمي.
- وللاستحداد.
- وبلوغ الصبي.
- ودخول الحمام، قالها الشيخ أبو حامد العراقي في "الرونق".
* * *
_________________
(١) لم يتوهم الإِمام، بل ما نقله عن ابن القاص صحيح؛ فإنه ذكر من الأغسال: دخول الكعبة، وذكر أيضًا: الغسل لزيارة البيت. انظر "التلخيص" لابن القاص (ص ١٧٩).
[ ١ / ١٤٥ ]