ضبط الإِمام اللون المعفو عنه، فقال: (ما دامت الغسالة متغيرة .. فهو نجس، فإذا صفت مع الإمعان .. عفي عن الأثر الباقي، ثم استشكله بالصبغ النجس؛ فإن غسالته متغيرة أبدًا، قال:
_________________
(١) انظر "الحاوي" (ص ١١٩).
(٢) انظر "التنبيه" (ص ٢٣).
(٣) المحرر (ص ١٦).
(٤) انظر "فتح العزيز" (١/ ٥٩).
(٥) الروضة (١/ ٢٨).
(٦) المحرر (ص ١٦).
[ ١ / ١٥٧ ]
فيظهر عندي اجتنابه، وما ذكروه من العفو أراه إذا لم يقدّر له وزن ويعلم أنه لون بلا عين) انتهى (١).
٢٤٩ - قول "الحاوي" [ص ١١٩]: (لا اللون العَسِر أو الرائحة) أي: العسرة، فلو أخر الوصف عنهما؛ يقول "المنهاج" [ص ٨١]: (ولا يضر بقاء لون أو ريح عَسُر زواله) .. لكان أحسن.
٢٥٠ - قول "التنبيه" [ص ٢٣]: (وما لا يزول أثره بالغسل؛ كالدم وغيره، إذا غُسل وبقي أثره .. لم يضره) محمول على التفصيل الذي في "المنهاج" و"الحاوي" وهو: أنه يضر بقاء الطعم وحده، واللون مع الرائحة، ولا يضر بقاء أحدهما (٢).
وقال في "الكفاية": (ظاهر تمثيله بالدم ونحوه يفهم أن مراده: اللون، ولم أر للعراقيين كلامًا في بقاء الأثر إلا في الأرض، فقالوا: يضر اللون قطعًا؛ لأنه عرض لا يبقى بنفسه، وفي الرائحة قولان؛ لتعديها محلها، فكانت أخف، والماوردي قال في الأرض كالعراقيين، وفي الثوب: لا يعفى عن الرائحة قطعًا، والإناء قيل: كالأرض، وقيل: يطهر قطعًا، قال: وحاصل ما نقلته: المنع في اللون في الكل، وأن قضية كلام الشيخ خلاف المنقول) انتهى (٣).
وقول "التنبيه" [ص ٢٣]: (إذا غسل) قد يفهم: أنه لو افتقر زوال الأثر لأشنان ونحوه .. لا يجب، وفي "التحقيق" للنووي -تبعًا للقاضي والمتولي-: وجوبه (٤).
٢٥١ - قولهما: (لم يضر) (٥) قد يفهم: أن المحل لم يطهر ولكنه معفو عنه، وبالعفو عبر الغزالي، وهو احتمال للرافعي (٦) تعرض لمثله في "التتمة" في الرائحة، وأطلق الأكثرون القول بالطهارة، وصرح بها القاضي حسين، فقال: لو كان نجسًا معفوًا عنه .. لتنجس إذا أصابه بلل، وليس كذلك.
٢٥٢ - قول "التنبيه" [ص ٢٣]: (المكاثرة بالماء) يعتبر عند قلة الماء كونه واردًا على المتنجس في الأصح، وقد يفهم هذا من قوله في (الوضوء): (فإن كان قد قام من النوم ) المسألة (٧) فإنه فرق بين الوارد والمورود، وقد ذكر المسألة في "المنهاج"، فقال [ص ٨١]: (ويشترط: ورود الماء) وهو أحسن من قول "المحرر": (ينبغي) (٨) لكنهما لم يبينا أن محل ذلك: في الماء
_________________
(١) انظر "نهاية المطلب" (٢/ ٣٠٢، ٣٠٣).
(٢) الحاوي (ص ١١٩)، المنهاج (ص ٨١).
(٣) انظر "الحاوي الكبير" (١/ ٣١٣).
(٤) التحقيق (ص ١٥٤).
(٥) انظر "التنبيه" (ص ٢٣)، و"المنهاج" (ص ٨١).
(٦) انظر "الوجيز" (١/ ١١٦)، و"فتح العزيز" (١/ ٥٩).
(٧) انظر "التنبيه" (ص ١٥).
(٨) المحرر (ص ١٦).
[ ١ / ١٥٨ ]
القليل، وقد ذكره "الحاوي" وبين محله، فقال [ص ١١٩]: (لا بإيراده القليل) والضمير عائد على النجس مع أن في عبارته نظرًا؛ لأنها تحتمل عوده على المورود، فيصير المعنى: لا بإيراده الماء القليل على النجاسة، وهو خلاف المراد؛ فقول ابن الوردي ناظم "الحاوي": (وما قَلَّ وَرَدْ) (١) أحسن.
٢٥٣ - قول "التنبيه" [ص ٢٣]: (والأفضل: أن يغسل ثلاثًا) و"الحاوي" [ص ١١٩]: (ونُدِبَ التثليث) أحسن منهما قول ابن الوردي: (وَغَسْلَتَيْنِ أنْدُبْ إذا الطُّهْرُ يَتِمْ) (٢) فإن الغسلات المزيلة للعين تُعدُّ واحدة.
٢٥٤ - قول "المنهاج" [ص ٨١]: (لا العصر في الأصح) بناهما في "المحرر" وغيره على الخلاف في طهارة الغسالة (٣)، واستشكله ابن الصلاح: بأنها قبل الانفصال طاهرة قطعًا، كما صرحوا به، وإن نقل الإِمام خلافه (٤)، وقال الإِمام ما معناه: (أنه لا يجب بعد العصر الجفاف، وفيه اختلاف له، قال: ولم يصر إليه أحد) (٥).
فإن أوجبنا العصر فلم يعصره .. كفى الجفاف في الأصح.
وقول "المنهاج": (في الأصح) يعود للعصر فقط، وإن كان الخلاف في الورود أيضًا إلا أنه ضعيف لا يعبر عنه بالأصح، وأيضًا: لم يحكه في "المحرر".
٢٥٥ - قول "الحاوي" [ص ١١٩]: (ولو غسل بعضًا ثم آخر بِمُجَاوِرِهِ) أي: فإن لم يغسل مجاوره .. طهر الثوب إلا المكان المنتصف، هذا هو المشهور.
وفي "شرح المهذب" للنووي: حمل هذا على ما إذا غسله بالصب عليه، فإن غسل بعضه في جفنة .. لم يطهر إلا بغسل جميعه دفعة واحدة؛ لأن الرطوبة تسري (٦)، ثم قد يفهم من ذكر "الحاوي" لهذه المسألة بين النجاسة المغلظة والمخففة: اختصاصها بالنجاسة المغلظة، وليس كذلك؛ فسائر النجاسات فيها سواء، فلو ذكرها بعد استيفاء أقسام النجاسة .. لكان أحسن.
٢٥٦ - قول "التنبيه" [ص ٢٣]: (وما غسل به النجاسة ولم يتغير .. فهو طاهر، وقيل: هو نجس، وقيل: إن انفصل وقد طهر المحل .. فهو طاهر، وإن انفصل ولم يطهر المحل .. فهو نجس) فيه أمور:
_________________
(١) انظر "البهجة الوردية" (ص ٤).
(٢) انظر "البهجة الوردية" (ص ٤).
(٣) المحرر (ص ١٦).
(٤) انظر "مشكل الوسيط" (١/ ١٩٢، ١٩٣).
(٥) انظر "نهاية المطلب" (٢/ ٣٢٠).
(٦) انظر "المجموع" (٢/ ٥٤٦، ٥٤٧).
[ ١ / ١٥٩ ]
أحدها: محل الخلاف: فيما بعد الانفصال، فأما قبل الانفصال .. فهي طاهرة قطعًا، كما قدمناه عن ابن الصلاح (١)، وقد قيده بذلك "المنهاج" و"الحرر" و"شرح المهذب" (٢)، ولم يذكره "الحاوي"، تبعًا لـ "الشرحين"، ولا "الروضة"، وقد يفهم من قول "التنبيه": (وقيل: إن انفصل إلى آخره).
ثانيها: المراد بغسالة النجاسة: ما استعمل في واجب الإزالة، فالأصح: طهورية المستعمل في مندوبها؛ كالتثليث، وهذا ينبه عليه في عبارة "المنهاج" و"الحاوي" أيضًا؛ لأنهما أطلقا غسالة النجاسة (٣)، أما ما غسل به نجاسة يندب غسلها ولا يجب؛ كقليل الدم .. فقال شيخنا شهاب الدين بن النقيب: (يظهر أنه كغسالة الواجب؛ لأنه أزال النجاسة، بخلاف ما جدد به وضوء؛ فإنه لم يرفع حدثًا) (٤).
ثالثها: اقتصر "التنبيه" و"المنهاج" على شرط واحد لمحل الخلاف، وهو: عدم التغير، وبقي عليهما شرط ثانٍ (٥) ذكره "الحاوي"، وهو: ألا يزيد وزنه، ولا بد من اعتبار ما تَشَرَّبه الثوب من الماء، نبه عليه شيخنا جمال الدين في "المهمات"، وهو واضح، وأشار ابن الرفعة في "المطلب" إلى ترجيح طهارة الغسالة ولو زاد وزنها، ورجحه السبكي، وشرط ثالث لم يذكروه، وهو: ألا يبلغ قلتين، فإن بلغهما بلا تغير .. فطهور مطلقًا.
رابعها: قول "التنبيه": (فهو طاهر) يفهم أنه ليس بطهور، وليس كذلك، فهو طهور أيضًا على هذا القول.
نعم؛ اختار السبكي في الغسالة أنها طاهرة ليست طهورًا، وهو اختيار لنفسه ليس في القديم ولا في الجديد، كما صرح هو به.
خامسها: الأظهر: القول الثالث، وهو: التفصيل بين أن ينفصل قبل طهارة المحل أو بعده، كما صرح به "المنهاج" حيث قال [ص ٨١]: (والأظهر: طهارة غسالة تنفصل بلا تغير وقد طهر المحل) وأحسن منه قول "الحاوي" [ص ١١٩]: (وغسالة كل مرة إن لم تتغير ولم تزد وزنًا؛ كمغسولها) لأنه يفهم منه مسألة، وهي: ما لو أصاب شيء من أولى غسلات الكلب ثوبًا .. فلا يغسل على القديم، ويغسل ستًا على الأظهر، وسبعًا على الآخر، ولايفهم ذلك من عبارة "المنهاج".
* * *
_________________
(١) انظر "مشكل الوسيط" (١/ ١٩٢، ١٩٣).
(٢) المحرر (ص ١٦)، المنهاج (ص ٨١)، المجموع (٢/ ٥٥١).
(٣) الحاوي (ص ١١٩)، المنهاج (ص ٨١).
(٤) انظر "السراج على نكت المنهاج" (١/ ١٧٨).
(٥) في النسخ: (ثاني)، ولعل الصواب ما أثبت.
[ ١ / ١٦٠ ]