لو تذكر المنسية بعد ذلك .. لم تجب إعادتها، صرح به الروياني (٦)، ورجحه في "شرح المهذب" من احتمالين:
ثانيهما: تخريجه على ما لو ظن حديثًا فتوضأ له ثم تيقنه .. فالأصح: وجوب الإعادة (٧)،
_________________
(١) الحاوي (ص ١٤٠)، المنهاج (ص ٨٥).
(٢) انظر "بحر المذهب" (١/ ٢٣٦).
(٣) الروضة (١/ ١١٧).
(٤) انظر "المنهاج" (ص ٨٥، ٨٦).
(٥) المحرر (ص ٢١).
(٦) انظر "بحر المذهب" (١/ ٢٤١).
(٧) المجموع (١/ ٣٩٣، ٣٩٤).
[ ١ / ١٨٦ ]
وجزم به ابن الصلاح في هذه الصورة (١).
٣٢٧ - قول "التنبيه" [ص ٢٠]: (ولا يجوز التيمم لمكتوبة إلا بعد دخول الوقت) فيه أمور: أحدها: لا يختص ذلك بالمكتوبة، فكل مؤقتة لا يتيمم لها إلا بعد وقتها حتى النفل المؤقت في الأصح، وقد عبر "الحاوي" بالمؤقتة (٢)، فيتناول الجميع، وذكر "المنهاج" الفرض، وهو أعم من المكتوبة عرفًا؛ فإنه يتناول المنذورة المتعلقة بوقت معين بخلاف المكتوبة، وقد صرح المتولي بأن المنذورة المتعلقة بوقت معين كالفرض.
قال في "الكفاية": (ويظهر تخريجه على القاعدة المعروفة) ثم قال "المنهاج" [ص ٨٦]: (وكذا النفل المؤقت في الأصح) ولو عبر بالمذهب .. لكان أولى؛ لأن الأصح في "الروضة": الجزم به (٣).
ويدخل وقت صلاة الجنازة بتغسيل الميت، ووقت صلاة الاستسقاء باجتماع الناس لها.
ثانيها: قال في "الكفاية": (أنه يفهم أنه يجوز للفائتة في أي وقت شاء؛ لأن وقتها قد دخل؛ أي: وليس كذلك، وإنما يتيمم لها بتذكرها حتى لو تيمم لها شاكًا فيها ثم تذكرها .. لم يصح به في الأصح).
وجوابه: أن وقتها: تذكرها، كما جاء في الحديث، فقد دخلت في إطلاق الشيخ، وقد صرح بها "الحاوي" فقال [ص ١٣٤]: (كتذكر الفائتة).
ثالثها: قد يرد عليه: الصلاة المجموعة تقديمًا؛ فإنه يجوز التيمم لها قبل وقتها في وقت المجموعة معها، وقد أشار إليها "المنهاج" بقوله [ص ٨٦]: (قبل دخول وقت فعله) و"الحاوي" بقوله [ص ١٣٤]: (وقتها أو متبوعها).
ويجاب عنه: بأنه وقت لها في هذه الحالة.
رابعها: قد يورد عليه وعلى "المنهاج" و"الحاوي": من تيمم لفائتة ضحوة فلم يصلها به فزالت الشمس .. فإنه يصلي به الظهر في الأصح.
وجوابه: أنه لم يتيمم لها قبل وقتها، غايته: أنه يصلي بالتيمم غير التي تيمم لها بدلها، ومثله: لو تيمم لحاضرة في وقتها ثم تذكر فائتة .. فله أن يصليها به في الأصح.
تنبيه: مفهوم "المنهاج" و"الحاوي" و"التصحيح": جواز التيمم للنفل المطلق أيّ وقت شاء، ويستثنى منه: أوقات الكراهة، فلا يصح فيه على الأصح (٤)، ولك أن تقول: أيّ وقت
_________________
(١) انظر "مشكل الوسيط" (١/ ٢٥١).
(٢) الحاوي (ص ١٣٤).
(٣) الروضة (١/ ١١٧).
(٤) الحاوي (ص ١٣٤)، المنهاج (ص ٨٦)، تذكرة النبيه (٢/ ٤٣٢).
[ ١ / ١٨٧ ]
شاءه .. فهو وقت المطلقة، فساوت المؤقتة؛ إذ لم يتيمم لها أيضًا إلا في وقتها.
٣٢٨ - قولهم -والعبارة لـ "التنبيه"-: (ومن لم يجد ماءً ولا ترابًا .. صلى الفريضه وحدها) (١) قد يفهم: أن الجنب تجب عليه قراءة (الفاتحة) فيها، وهو الأصح عند النووي (٢)، وصحح الرافعي: المنع من قراءتها (٣)، وقد يفهم هذا من قول "التنبيه": (وحدها) فإنه قياس منع النفل، لكن قد يفهم من عبارتهم: أن واجد التراب إذا أجنب وتيمم في الحضر .. أنه يقرأ مطلقًا، وسوَّى في "الكفاية" بينه وبين فاقد الطهورين في الخلاف إذا قلنا: يعيد.
٣٢٩ - قول "التنبيه" [ص ٢١]: (وأعاد إذا قدر على أحدهما) يستثنى منه: إذا قدر على التراب في موضع لا يسقط القضاء؛ كالحضر .. فإنه لا يعيد، كما ذكره النووي في "فتاويه"، وحكاه في "شرح المهذب" عن الأصحاب (٤)، وعبر عنه شيخنا الإسنوي في "تصحيحه": بالصواب (٥)، وفيه نظر؛ ففيه احتمال في "فتاوى البغوي"، وجزم به النووي في "نكت التنبيه" بالإعادة مطلقًا، فظهر الخلاف.
وأطلق "المنهاج" و"الحاوي" الإعادة ولم يبينا وقتها، فلا إيراد عليهما، وفي قول: لا تجب الإعادة مطلقًا، واختاره النووي في "شرح المهذب" (٦).
ولم تدخل في عبارتهم الجمعة؛ لأنها لا تُقْضَى، مع أنها كذلك في أن فاقد الطهورين يصليها لحرمة الوقت ويقضي الظهر بعد ذلك.
٣٣٠ - قولهم -والعبارة لـ "المنهاج"-: (ويقضي المقيم المتيمم لفقد الماء، لا المسافر) (٧) جار على الغالب في وجدان الماء في الإقامة وفقده في السفر، فلو انعكس الحال .. انعكس الحكم في الأصح، فإذا أقام حيث يغلب فقده كالمفازة .. لم يعد في الأصح، ولو مر مسافر في طريقه بقرية وعدم الماء .. أعاد في الأصح، وقد يقال: لا ترد الصورة الأولى على "التنبيه" لتعبيره بالحاضر، وهو: المقيم بالحاضرة، وليست المفازة حاضرة.
ويستثنى من كلام "التنبيه": العاصي بسفره؛ فإنه يعيد على الأصح، وقد ذكره "المنهاج" و"الحاوي".
_________________
(١) انظر "التنبيه" (ص ٢١)، و"الحاوي" (ص ١٤٠)، و"المنهاج" (ص ٨٦).
(٢) انظر "الروضة" (١/ ٨٥، ٨٦).
(٣) انظر "فتح العزيز" (١/ ١٨٥).
(٤) فتاوى النووي (ص ٤١)، المجموع (٢/ ٣٠٤).
(٥) تذكرة النبيه (٢/ ٤٣٥).
(٦) المجموع (٢/ ٣٠٣، ٣٠٤).
(٧) انظر "التنبيه" (ص ٢١)، و"الحاوي" (ص ١٤٠)، و"المنهاج" (ص ٨٦).
[ ١ / ١٨٨ ]
واستشكله السبكي، وقال: ينبغي إسقاط الإعادة تفريعًا على الأصح في أن السفر لا عبرة به، وإنما المعتبر: موضع الندور حضرًا كان أو سفر، فليس ذلك من رخص السفر حتى يستثنى منه المعصية.
وأجاب عنه: بأن تيمم العاصي بسفره إعانة له على السفر، وكذلك لا يحل له أكل الميتة على الأصح وإن جوزناه للعاصي المقيم.
وفي الجواب نظر.
٣٣١ - قول "التنبيه" في المتيمم للبرد [ص ٢١]: (أعاد إن كان حاضرًا، أو إن كان مسافرًا .. أعاد في أحد القولين) هو الأصح، وقول "المنهاج" [ص ٨٦]: (قضى في الأظهر) يقضي إجراء القولين في الحاضر، والأصح فيه: القطع بوجوب الإعادة.
٣٣٢ - قول "التنبيه" [ص ٢١]: (إن الجريح لا إعادة عليه)، قال في "المنهاج" [ص ٨٦]: (إلا أن يكون بجرحه دم كثير) وأطلق "الحاوي" الإعادة على دامي الجرح ولم يقيده بالكثرة (١)، والتقييد بها من زيادة "المنهاج" على "المحرر" من غير تمييز، لكنه رجح في (شروط الصلاة) أنه كالبثرات، ومقتضاه: العفو عن الكثير، والأول أرجح، وقد يقال: لا حاجة إلى استثناء الدم الكثير من مسألة الجراحة؛ فإنه لا اختصاص لهذا بالتيمم، بل متى كان في بدنه جرح عليه دم كثير .. لزمه القضاء.
٣٣٣ - قول "التنبيه" فيما إذا وضع الجبائر على طهر [ص ٢١]: (وفي الإعادة قولان) الأصح: أنه لا تجب الإعادة، وقد صرح به في "المنهاج" (٢).
ويرد عليهما: أن محل الخلاف: إذا لم تكن الجبيرة على محل التيمم، فإن كانت .. أعاد بلا خلاف، كذا في "الروضة" (٣)، ونقله الرافعي عن المتولي وابن الصباغ (٤)، وحكاه في "شرح المهذب" عن أبي الطيب والروياني أيضًا، قال: (وإطلاق الجمهور يقتضي عدم الفرق) انتهى (٥).
وهذا يرد أيضًا على مفهوم قول "الحاوي" في أمثلة القضاء [ص ١٤٠]: (وساتره بلا طهر) لكن قال شيخنا الإِمام سراج الدين: إنما ذكر ابن الصباغ والمتولي ذلك تفريعًا على إيجاب التيمم،
_________________
(١) الحاوي (ص ١٤٠).
(٢) المنهاج (ص ٨٦).
(٣) الروضة (١/ ١٢٢).
(٤) انظر "فتح العزيز" (١/ ٢٦٥).
(٥) المجموع (٢/ ٣٤٥)، وانظر "بحر المذهب" (١/ ٢٥٩).
[ ١ / ١٨٩ ]
فإن لم نوجبه واكتفينا بالمسح .. فالقولان، وأصحهما: لا إعادة، قال شيخنا: والصواب: إثبات الخلاف مطلقًا أوجبنا التيمم أم لم نوجبه، ونصه في "الأم" يدل لذلك (١)، وكذلك كلام الشيخ أبي حامد وغيره. انتهى.
٣٣٤ - قول "المنهاج" [ص ٨٦]: (فإن وُضِع على حدث .. وجب نزعه، فإن تعذر .. قضى على المشهور) فيه أمران:
أحدهما: أنه لا اختصاص لوجوب النزع بالوضع على حدث، بل متى أمكن النزع .. وجب، سواء وضع على طهر أو حدث، وإنما يفترق الحال عند تعذر النزع في القضاء وعدمه.
ثانيهما: كان ينبغي أن يقول: (على المذهب) فإن الأصح: القطع بالقضاء.
٣٣٥ - قول "الحاوي" [ص ١٤٠]: (وقَضَى المختلة دون عذر دائم كالجنون) لا يستقيم التمثيل بالجنون؛ فإنه لا صلاة على المجنون حتى توصف بالخلل، ومثّله في "التعليقة": بالإغماء، وتبعه الميمي، وهو فاسد أيضًا؛ لعدم الوجوب.
* * *
_________________
(١) الأم (١/ ٤٣، ٤٤).
[ ١ / ١٩٠ ]