٤٢٧ - قولهما: (استقبال القبلة شرط لصحة الصلاة) (٦) لو عبَّرا بالكعبة كما فعل في " الحاوي " (٧) .. لكان أحسن؛ لأن فيه بيان القبلة المأمور بها، وقيد " المنهاج " ذلك بصلاة القادر؛ ليحترز به عن العاجز؛ كمريض عجز عمن يوجهه إلى القبلة، ومربوط على خشبة، وغريق على لوح يخاف من استقباله الغرق، ومن خاف من نزوله عن دابته على نفسه أو ماله أو
_________________
(١) دقائق المنهاج (ص ٤٢)، وانظر الروضة (١/ ٢٠٣)، والمنهاج (ص ٩٤).
(٢) صحيح البخاري (٥٨٩)، (٤٤٤٢).
(٣) صحيح ابن خزيمة (٤٢٠)، صحيح ابن حبان (١٦٨٩).
(٤) الروضة (١/ ٢٠٥).
(٥) انظر " التنبيه " (ص ٢٧).
(٦) انظر " التنبيه " (ص ٢٩)، و" المنهاج " (ص ٩٤).
(٧) الحاوي (ص ١٥٦).
[ ١ / ٢٢٧ ]
انقطاعًا عن رفقته .. فيصلي على حسب حاله ويعيد.
قال في " الكفاية ": وجوب الإعادة دليل الاشتراط؛ أي: فلا يحتاج إلى التقييد بالقادر؛ فإنها شرط للعاجز أيضًا، بدليل القضاء؛ ولذلك لم يذكره في " التنبيه " و" الحاوي "، لكن قال السبكي: لو كان شرطًا .. لما صحت الصلاة بدونه، ووجوب القضاء لا دليل فيه.
٤٢٨ - قولهما: (إلا في شدة الخوف، وفي النافلة في السفر) (١) عبر في " الحاوي " عن الأول بقوله [ص ١٥٦]: (شُرِط لصلاة الأمن) وليس وافيًا بالمقصود؛ لأن ضد الأمن الخوف، وليس ترك الاستقبال جائزًا في كل خوف، وإنما هو في شدة الخوف فقط، فتعبيرهما أولى، ويستثنى من شدة الخوف: ما إذا أمن وهو راكب؛ فإنه لا يستدبر القبلة، فإن استدبرها .. بطلت صلاته بالاتفاق، كما قاله في " الروضة " (٢)، ولم يحتج في " الحاوي " إلى ذكر نافلة السفر هنا؛ لكونه ذكرها بعد ذلك.
ويرد عليهما: أنهما أطلقا ذكر السفر، والمراد به: المباح ذو المقصد المعين، وقد ذكر في " الحاوي " الثاني، فقال [ص ١٥٧]: (من له مقصد معين) ويرد عليه الأول، ويختص " التنبيه " بأن محل ذلك: إذا لم يمكنه الاستقبال، فإن أمكنه؛ بأن صلى في هودج أو سفينة .. وجب عليه الاستقبال، وقد ذكره " المنهاج " بقوله [ص ٩٤]: (فإن أمكن استقبال الراكب في مرقد، وإتمام ركوعه وسجوده .. لزمه)، و" الحاوي " بقوله [ص ١٥٧]: (لا في سفينة وهودج) ويستثنى من كلامه: ملاح السفينة الذي يسيرها؛ فإنه يتنفل إلى جهة مقصده، كما صرح به أصحاب " العدة " و" الحاوي " و" البحر " (٣)، وقال في " الروضة ": لا بد منه، وجزم به في " التحقيق " (٤)، وصحح في " الشرح الصغير ": أنه كغيره، ولم يصرح في " المنهاج " بمسألة السفينة حتى تستثنى هذه الصورة من كلامه، لكنها -أعني: السفينة- في معنى ما ذكره من المرقد، ويشترط أيضًا: ترك الفعل الكثير بلا حاجة؛ كالركض والعدو بلا عذر، ولم يذكراه، وقد ذكره " الحاوي " بقوله [ص ١٥٨]: (أو عدى أو أعدى بغير عذر).
٤٢٩ - قول " التنبيه " [ص ٢٩]: (فإن كان ماشيًا أو على دابة يمكن توجيهها إلى القبلة .. لم يجز حتى يستقبل القبلة في الإحرام والركوع والسجود) فيه أمران:
أحدهما: لفظ الإمكان لا يستلزم السهولة، والعبرة بها وباستقبال الراكب لا بتوجيهه الدابة؛
_________________
(١) انظر " التنبيه " (ص ٢٩)، و" المنهاج " (ص ٩٤).
(٢) الروضة (٢/ ٦٤).
(٣) الحاوي الكبير (٢/ ٧٤)، بحر المذهب (٢/ ٨٦).
(٤) الروضة (١/ ٢١٠)، التحقيق (ص ١٨٧).
[ ١ / ٢٢٨ ]
ولهذا عبر في " المنهاج " و" الحاوي " بسهولة الاستقبال (١). ثانيهما: قال النووي في " تصحيحه ": (والصواب: أنه لا يشترط في المتنفل راكبًا الاستقبال في الركوع والسجود) (٢).
قال شيخنا جمال الدين في " تصحيحه ": (وتعبيره بالصواب ممنوع؛ فإن في " الكفاية " و" شرح المهذب " وجهين) (٣).
قلت: وجه الاشتراط حكاه القاضي أبو الطيب، وذكره الروياني والبندنيجي أيضًا (٤)، لكن النووي لما حكاه في " شرح المهذب " قال: إنه باطل لا أصل له (٥)، فإذا كان عنده غير ثابت .. استقام لفظ الصواب على رأيه.
٤٣٠ - قول " التنبيه " [ص ٢٩]: (فإنه يصليها حيث توجه) قد يقتضي أنه لا يجوز له الانحراف عن جهة توجهه ولو إلى القبلة، وكذا قول " الحاوي " [ص ١٥٧]: (إنَّ صوب السفر بدل في النفل) إلا أن يقال: إن قوله: (إنه بدل) يفهم أنه لو استقبل الأصل، وهو القبلة .. جاز، وقد صرح به في " المنهاج " فقال [ص ٩٤]: (ويحرم انحرافه عن طريقه إلا إلى القبلة)، وفي " فتاوى القاضي حسين ": إذا ركب الحمار معكوسًا فصلى إلى القبلة .. يحتمل وجهين: أحدهما: يجوز؛ لأنه استقبل، والثاني: لا؛ لأن قبلته وجه دابته وطريقه، والعادة لم تجر بركوب الحمار معكوسًا. انتهى.
وهذا الاحتمال الثاني غريب، ويستثنى من كلام " التنبيه " و" المنهاج ": من انحرف زمنًا يسيرًا ناسيًا، أو خطأً، أو لجماح الدابة، أو عروض الريح للسفينة، وقد صرح به في " الحاوي " فقال [ص ١٥٧، ١٥٨]: (وإن استدبر ناسيًا، أو خطأً، أو للجماح .. سجد للسهو إن قَصُر) ولو عبر بالانحراف .. لكان أعم من الاستدبار، وقد حمل البارزي في " توضيحه الكبير " قول " الحاوي ": (سجد للسهو) على الأخيرة فقط، وهي صورة الجماح، لكنه في صورة النسيان قد صححه الرافعي في " الشرح الصغير "، ونص عليه الشافعي كما نقله الخوارزمي في " الكافي " (٦)، وهو الظاهر من كلامهم في صورة الخطأ أيضًا، فالأولى: حمل كلامه على الثلاثة، وإنما حمل البارزي كلامه على صورة الجماح فقط؛ لأن المنصوص -كما حكاه في
_________________
(١) الحاوي (ص ١٥٧)، المنهاج (ص ٩٥).
(٢) تصحيح التنبيه (١/ ١٢٠).
(٣) تذكرة النبيه (٢/ ٤٥٩)، وانظر " المجموع " (٣/ ٢٠٨، ٢٠٩).
(٤) انظر " بحر المذهب " (٢/ ٨٦).
(٥) المجموع (٣/ ٢٠٩).
(٦) انظر " الأم " (١/ ٩٨).
[ ١ / ٢٢٩ ]
" الشرح " و" الروضة "- في صورة النسيان: أنه لا يسجد (١)، وصرح بتصحيحه في " شرح المهذب " (٢)، خلاف ما تقدم تصحيحه عن " الشرح الصغير ".
وقول " الحاوي " في المسألة [ص ١٥٨]: (لا إن كثرت) أي: لا تبطل صلاته فيما إذا وطئ على نجاسة إذا كثرت النجاسة في طريقه، ولا بد من تقييده بكونها يابسة، ومع ذلك فالذي ذكره " الحاوي " احتمال للإمام، حكاه عنه الرافعي، ولم يحك غيره (٣)، لكن قال في " التحقيق ": (ولا يكلف ماش الاحتياط في التصون، فإن تعمدها .. بطلت، وفيما إذا كانت يابسة لا معدل عنها احتمال) (٤).
٤٣١ - قول " المنهاج " [ص ٩٤] و" الحاوي " [ص ١٥٨]: (إنه لو صلى فرضًا على دابة وهي واقفة .. جاز) قال في " المحرر ": (وهي واقفة معقولة) (٥)، قال في " الدقائق ": (الصواب: حذفه) (٦)، ولم يقيد به في " الشرح " و" الروضة " (٧)، وقولهما: (أو سائرة .. فلا) (٨) يستثنى منه: ما لو خاف من النزول انقطاعًا عن الرفقة، أو على نفسه، أو ماله .. فإنه يصلي عليها الفرض بالإيماء كما تقدم ويعيد.
٤٣٢ - قول " التنبيه " [ص ٢٩]: (ومن صلى في الكعبة أو على ظهرها وبين يديه سترة متصلة .. جازت صلاته) أحسن من قول " المنهاج " [ص ٩٥]: (أو على سطحها مستقبلًا من بنائها ما سبق .. جاز) لأنه يخرج بالبناء إذا استقبل شجرة فيها، أو جمع شيئًا من ترابها، أو حفر حفرة فنزل فيها، وكل ذلك داخل في قول " التنبيه " [ص ٢٩]: (وبين يديه سترة متصلة)، وكذا في قول " الحاوي " [ص ١٥٦]: (وجزئها) بل قد يقال: إنه أحسن؛ لأن العصا المغروزة تدخل في السترة المتصلة ولا تدخل في جزئها، مع أنها لا تكفي، لكن قيل: إن المتصلة هي المثبتة أو المسمرة، فلا يتناول حينئذ المغروزة.
وقدر السترة: ثلثا ذراع؛ كما صرح به في " المنهاج " و" الحاوي " (٩).
_________________
(١) فتح العزيز (١/ ٤٣٦، ٤٣٧)، الروضة (١/ ٢١٢).
(٢) المجموع (٣/ ٢١٠).
(٣) انظر " نهاية المطلب " (٢/ ٨٤، ٨٥)، و" فتح العزيز " (١/ ٤٤٠).
(٤) التحقيق (ص ١٨٨).
(٥) المحرر (ص ٢٩).
(٦) الدقائق (ص ٤٢).
(٧) فتح العزيز (١/ ٤٣١، ٤٣٢)، الروضة (١/ ٢١٠).
(٨) انظر " الحاوي " (ص ١٥٨)، و" المنهاج " (ص ٩٤).
(٩) الحاوي (ص ١٥٦)، المنهاج (ص ٩٥).
[ ١ / ٢٣٠ ]
٤٣٣ - قول " التنبيه " [ص ٢٩]: (والفرض في القبلة: إصابة العين، فمن قرب منها .. لزمه ذلك بيقين) وهو معنى قول " المنهاج " [ص ٩٥]: (ومن أمكنه علم القبلة .. حرم عليه التقليد والاجتهاد)، وكذا قال " الحاوي " [ص ١٥٦]: (يقينًا)، ويستثنى من كلامهم: من هو بمكة إذا حال بينه وبين الكعبة حائل أصلي؛ كالجبل .. فله الاجتهاد، ولا يكلف الرقي فوقه ليرى الكعبة، وكذا إن كان الحائل حادثًا؛ كالأبنية في الأصح، كذا في " الشرح " و" الروضة " (١)، لكن نص في " البويطي " على الإعادة (٢)، وأقل مراتبه: حمله على الحائل الحادث، وفي " النهاية " عن العراقيين: لو بنى حائلًا مغ المشاهدة بلا حاجة .. لم تصح صلاته بالاجتهاد؛ لتفريطه (٣)، وحمل في " الكفاية " القرب في كلام " التنبيه " على داخل المسجد، والبعد على خارجه، وليس في اللفظ ما يدل عليه.
٤٣٤ - قول "التنبيه" [ص ٢٩]: (ومن بعد عنها .. لزمه ذلك بالظن في أحد القولين) هو الأصح، والظن إما بالخبر، أو الاجتهاد، أو التقليد، وتخصيصه في " الكفاية " بالاجتهاد ليس بجيد.
٤٣٥ - قول " الحاوي " [ص ١٥٦]: (ثم بقول عدل) أي: يخبر عن علم، كما صرح به في " التنبيه " و" المنهاج " (٤) كأن يقول: أنا أشاهد الكعبة وهي هنا، والمراد: عدالة الرواية، حتى يكفي خبر العبد والمرأة، وعبر في " التنبيه " و" المنهاج " بالثقة (٥).
٤٣٦ - قول " التنبيه " [ص ٢٩]: (وإن رأى محاريب المسلمين في بلد .. صلى إليها ولم يجتهد) فيه أمور:
أحدها: خرج بالبلد: القرية الصغيرة، لكن إن نشأ بها قرون من المسلمين، وسلم محرابها من الطعن .. فهي كالبلد، كما ذكره في " النهاية " (٦)، وكذلك يعتمد المحراب إذا كان في طريق مطروق، كما ذكره البغوي (٧).
ثانيها: لعل المراد بالرؤية: العلم؛ حتى يعتمده الأعمى، ومن في ظلمة بالمس، قال في " الكفاية ": وكذا إذا أخبر عدل أنه رأى جماعة من المسلمين اتفقوا على هذه الجهة، وإخبار صاحب المنزل .. فيعتمده ولا يجتهد.
_________________
(١) فتح العزيز (١/ ٤٤٨)، الروضة (١/ ٢١٦).
(٢) مختصر البويطي (ق ٣٣).
(٣) نهاية المطلب (٢/ ٩١).
(٤) التنبيه (ص ٢٩)، المنهاج (ص ٩٥).
(٥) التنبيه (ص ٢٩)، المنهاج (ص ٩٥).
(٦) نهاية المطلب (٢/ ٩٢).
(٧) انظر " التهذيب " (٢/ ٦٦).
[ ١ / ٢٣١ ]
ثالثها: ظاهره: أنه لا يجتهد فيها بالتيامن والتياسر، وهو وجه، والأصح: جوازه، وللسبكي احتمالان في وجوبه، ذكرهما في مصنف له في هذه المسألة، ومال إلى الوجوب، قال: ثم إذا اجتهد وجوبًا أو جوازًا وظهر له الحق قطعأ أو ظنًا .. فلا يسوغ له التقليد أصلًا. انتهى.
نعم؛ كلامه على إطلاقه في محراب النبي ﷺ؛ ويعني بمحرابه: مكان صلاته؛ فإنه لم يكن في زمنه ﵊ محراب؛ أي: طاق، وكذلك قال النووي في " التحقيق ": (وكل موضع صلى فيه رسول الله -ﷺ- وضبط موقفه تعيّن، ولا يجتهد فيه بتيامن ولا تياسر) (١)، وقال في " الحاوي " [ص ١٥٦، ١٥٧]: (لا في محراب الرسول ﵇ يمنة ويسرة، وفي محراب المسلمين جهة) ويرد عليه: القرية الصغيرة إذا لم تنشأ بها قرون من المسلمين؛ فإنه لا يعتمد محرابها كما تقدم مع أنها داخلة في قوله: (محراب المسلمين).
رابعها: لم يتعرض في " المنهاج " لذكر المحاريب، وهو في معنى خبر الثقة الذي ذكره، قال في " الروضة ": (قد يكون الخبر صريح لفظ، وقد يكون دلالة؛ كالمحراب المعتمد) انتهى (٢).
وفي كلام بعض الأصحاب تسميته تقليدًا، وتردد في ذلك السبكي فقال: يحتمل أن يكون تقليدًا، ويحتمل أن يقال: إنه بمنزلة الخبر .. فلا يجتهد فيه، قال: ويظهر أثر الاحتمالين في العارف بأدلة القبلة، هل يجوز له الاجتهاد فيها أو لا؟ إن قلنا: بمنزلة الخبر .. لم يجز، وإن قلنا: إنه تقليد .. جاز، قال: بل قد يقال بوجوبه؛ لأن المجتهد لا يقلد مجتهدًا، قال: والأظهر: توسط، وهو: أنه في الجهة بمنزلة الخبر؛ ولهذا اتفقوا على أنه لا يجوز الاجتهاد في الجهة، ولا كذلك في التيامن والتياسر؛ فلذلك نوجبه فيه. انتهى.
٤٣٧ - قول " المنهاج " [ص ٩٥]: (فإن فقد وأمكن الاجتهاد .. حرم التقليد) وفي معناه قول " التنبيه " [ص ٢٩]: (وإن كان في برية واشتبهت عليه القبلة .. اجتهد في طلبها بالدلائل) وقول " الحاوي " [ص ١٥٦]: (ثم للبصير باجتهاد) ويستثنى من كلامهم: ما إذا ضاق الوقت عن الاجتهاد، فالأصح: أنه لا يجتهد، بل يصلي على حسب حاله ويعيد.
٤٣٨ - قول " التنبيه " [ص ٢٩]: (ومن صلى بالاجتهاد .. أعاد الاجتهاد للصلاة الأخرى) وقول " المنهاج " [ص ٩٥]: (ويجب تجديد الاجتهاد لكل صلاة تحضر على الصحيح)، وعبر في " الروضة " بالأصح (٣)، هو في الفرض، أما النفل: فله صلاته بالأول قطعًا؛ ولذلك قال في
_________________
(١) التحقيق (ص ١٩١).
(٢) الروضة (١/ ٢١٧).
(٣) الروضة (١/ ٢٢١).
[ ١ / ٢٣٢ ]
" الحاوي " [ص ١٥٦]: (لكل فرض) وقد يقال: إنه مفهوم من ذكر " التنبيه " الصلاة معرفة، قال في " الكفاية ": وحيث يُقَلِّدُ .. فإعادة التقليد كإعادة الاجتهاد.
٤٣٩ - قول " التنبيه " [ص ٢٩]: (فإن لم يعرف الدلائل أو كان أعمى .. قلد بصيرًا يعرف) فيه أمران:
أحدهما: أن كلامه يشمل ما إذا قدر على التعلم، والأصح في هذه الصورة: أنه لا يقلد بناء على وجوب التعلم كما سأذكره، فلعل المراد: العجز عن تعلم الأدلة، وقد عبر به في " المنهاج " و" الحاوي " (١).
ثانيهما: لا بد في البصير الذي يقلده من أن يكون ثقة، كما صرح به في " المنهاج " (٢)، واعتبر في " الحاوي " أن يكون مكلفًا عدلًا (٣)، ولم يذكر في " المنهاج " التكليف؛ لأن لفظ الثقة يشمله؛ إذ لا وثوق بقول صبي ولا مجنون، واعتذر في " الكفاية " عن كون " التنبيه " لم يذكر كونه ثقة: بأنه يعرف من اعتباره في الإخبار من باب أولى.
٤٤٠ - قول " المنهاج " [ص ٩٥]: (وإن قدر .. فالأصح: وجوب النعلم فيحرم التقليد) وهو مفهوم من اشتراط " الحاوي " في التقليد العجز عن التعلم، وتبعا في ذلك الرافعي (٤)، ومقابله وجهان:
أحدهما: أن التعلم فرض كفاية.
والثاني: التفرقة بين أن يريد سفرًا أم لا، واختاره النووي في " الروضة " (٥)، وصححه في " شرح المهذب " و" التحقيق " (٦).
قال السبكي: وينبغي أن يكون مراده: سفرأيغلب فيه ذلك، أما الركب الكبير كالحجيج .. فهو كالبلد؛ لكثرة العارفين فيه.
٤٤١ - قولهما -والعبارة لـ" المنهاج "-: (ومن صلى بالاجتهاد فتيقن الخطأ .. قضى في الأظهر) (٧) فيه أمور:
أحدها: صورة المسألة: أن يتيقن الخطأ معينًا، كما في " الحاوي " (٨)، أما إذا لم تتعين
_________________
(١) الحاوي (ص ١٥٧)، المنهاج (ص ٩٥).
(٢) المنهاج (ص ٩٥).
(٣) الحاوي (ص ١٥٧).
(٤) انظر " فتح العزيز " (١/ ٤٤٩).
(٥) الروضة (١/ ٢١٨).
(٦) المجموع (٣/ ١٩٩)، التحقيق (ص ١٩١).
(٧) انظر " التنبيه " (ص ٢٩)، و" المنهاج " (ص ٩٥).
(٨) الحاوي (ص ١٥٨).
[ ١ / ٢٣٣ ]
الصلاة التي أخطأ فيها؛ كأن صلى أربع صلوات إلى أربع جهات، فإنه يتيقن الخطأ في بعضها لكن لا يعينها .. فلا إعادة، وهو مفهوم من قول " المنهاج " بعد ذلك [ص ٩٥]: (حتى لو صلى أربع ركعات لأربع جهات بالاجتهاد .. فلا قضاء).
ثانيها: دخل في كلامهما: تيقن الخطأ في الجهة، وفي التيامن أو التياسر دون الجهة، وصرح به في " الحاوي " (١)، وهو الذي حكاه الروياني (٢)، وخصه الماوردي بالخطأ من جهة إلى جهة، وقال: إنه إذا أخطأ العين إلى الجهة .. لا قضاء، ونص عليه في " الأم " (٣).
ثالثها: زاد في " الحاوي " [ص ١٥٨]: (أو تيقنه مخبر المقلد) وهو داخل في تعبير " التنبيه " و"المنهاج " بالاجتهاد؛ لأنه شامل لاجتهاد نفسه إن كان مجتهدًا، واجتهاد مقلَّده إن لم يكن مجتهدًا.
رابعها: تناول كلامهما وكلام " الحاوي ": ما إذا لم يتيقن معه الصواب، وهو الأصح، ورجح في " الكفاية ": المنع، وحكاه عن جماعة.
خامسها: المراد باليقين هنا: ما يمتنع معه الاجتهاد، فيدخل فيه خبر الثقة عن معاينه.
٤٤٢ - قولهم -والعبارة لـ" المنهاج "-: (وإن تغير اجتهاده .. عمل بالثاني ولا قضاء) (٤)، قال في " الكفاية ": عن القاضي: أن محله: إذا كان أقوى من الأول، فإن كان أضعف .. فكالعدم، أو مثله .. فكالمتحير يصلي إلى ما شاء منهما ويقضي الثانية فقط. انتهى.
ولا يحتاج إلى هذا التقييد؛ لأن الظن لا يتغير إلا بالأوضح والأقوى، وقد ذكر الرافعي في " الشرح " هذا القيد فيما إذا تغير اجتهاده قبل الصلاة، وأطلق ذلك في تغيره بعدها، ونقل عن البغوي: التقييد به فيما إذا تغير في أثنائها، وأنه قال فيما إذا استويا: أتم صلاته إلى الجهة الأولى ولا إعادة، وناقشه الرافعي: بأن الأضعف لا يتغير به الاجتهاد، وقضية المساوي التوقف، فلا يكون الصواب ظاهرًا له. انتهى (٥).
وهو بحث صحيح، لكنه يرد عليه في تقييده التغير قبلها بذلك، وحذف في " الروضة " بحث الرافعي هذا، وقال في " شرح المهذب ": المشهور: إطلاق الوجهين (٦).
_________________
(١) الحاوي (ص ١٥٨).
(٢) انظر " بحر المذهب " (٢/ ١٠٠، ١٠١).
(٣) انظر " الحاوي الكبير " (٢/ ٧١)، و" الأم " (١/ ٩٥).
(٤) انظر " التنبيه " (ص ٢٩)، و" الحاوي" (ص ١٥٨)، و" المنهاج " (ص ٩٥).
(٥) فتح العزيز (١/ ٤٥٣، ٤٥٤)، وانظر " التهذيب " (٢/ ٦٩).
(٦) المجموع (٣/ ٢٠١).
[ ١ / ٢٣٤ ]