عاش الإمام النَّووي صباه في نشأة مميّزة عن غيره ممَّن هو في سنَه من الصّبيان، يكشف لنا ملامح طفولته موقفٌ حكاه من تفرَّس فيه النَّجابة حين رآه في مقتبل نشأته؛ إذ يقول الشيخ ياسين بن يوسف المراكشي ﵀: (رأيت الشَّيخ مُحْيِي الدّين، وهو ابن عشر سنين بنَوى والصَّبيان يكرهونه على اللّعب معهم، وهو يهرب منهم، ويبكي لإكراههم، ويقرأ القرآن في هذه الحالة، فوقع في قلبي محبته، وجعله أبوه في دكان فجعل لا يشتغل بالبيع والشِّراء عن القرآن، قال: فأتيت الذي يقرئه القرآن فوصَّيته به، وقلت له: هذا الصَّبي يرجى أن يكون أعلم أهل زمانه وأزهدهم، وينتفع الناس به، فقال لي: أمنجم أنت؛ ! فقلت: لا، وإنما أنطقني الله بذلك)،
[ ١ / ٢٥ ]
واجتمع الشيخ ياسين بن يوسف المراكشي بأبيه شرف، ووصَّاه به، وحرَّضه على حفظ القرآن والعلم فحرص عليه؛ ولذا فقد قرأ القرآن ببلده، وختمه وقد ناهز الاحتلام.
وقال صاحب "الطبقات الوسطى": فلما كان ابن تسع عشرة سنة .. قدم به والده إلى دمشق، فسكن بالمدرسة الرواحية، وحفظ "التنبيه" في نحو أربعة أشهر ونصف، وحفظ ربع "المهذب"، ولازم الشيخ كمال الدين إسحاق بن أحمد المغربي، ثم حج مع والده ثم عاد، وكان يقرأ كل يوم اثني عشر درسًا على المشايخ، شرحًا وتصحيحًا، فقهًا وحديثًا وأصولًا، ونحوًا ولغة إلى أن برع، وبارك الله له في العمر اليسير، ووهبه العلم الكثير.