* مسألة (^١): وأنه لو استلحق عبد غيره، أو عتيقه لم يلحقه وإن كان بالغا وقد صدقه، والخلاف إنما هو في هذه الصورة، أما الصغير فلا يلحق قطعًا؛ محافظة على الولاء.
*مسألة: وأنه لو قال: "غَصَبْتُ هذا العبد من زيد وغَصَبْتُه من عمرو "، كان كالمقرّ بغصبه لثان بعد أوَّل، فيُسلّم للأول. وهل يغرم للثاني؟ قولان.
ولا يكون كالمقر بغصبه منهما حتى يكون بينهما، ولا غرم، بخلاف ما إذا قال: "غصبتُ هذا من زيد وعمرو"، فإنه مقر بغصبه منهما قطعًا، وعليه دفعه إليهما، ولا غرم.
وفرق الشيخ الإمام بأنَّ "غصبتُ وغصبت" إقراران بغصبين مستقلين، بخلاف ما إذا عطف ولم يُعد العامل، والمسألتان ذكرهما الماوردي في «الحاوي»، وحكى الخلاف في الأولى مجردًا عن ترجيح (^٢).
قلت: وما أدري ما يقول فيما إذا لم يُعد العامل، ولكن أعاد حرف الجر، كما لو قال: "غصبته من زيد ومن عمرو، وقول سيبويه ﵀ في: "مررتُ بزيد وبعمرو" أنهما مروران يدلّ لأنهما غضبان.
*مسألة: وأنه لو قال: "لي عليك ألف"، فقال في الجواب مستهزئا: "لك
_________________
(١) قوله: (مسألة) زيادة من ظ ٢، س.
(٢) انظر: الحاوي: (٧/ ٤٠).
[ ٤٣٣ ]
علي ألف"، فالأقوى اتِّباعُ القرائن، وإن كان المتولي أطلق حكاية وجهين (^١).
*مسألة (^٢): وأن من له مسطور على إنسان بألفين أقر بها، استوفى منها ألفًا، وادعى بالأخرى؛ فللشهود أن يشهدوا في تأديتهم على إقراره بالألفين، ولا يضرهم كونه إنما ادعى بنصفها، وذكر قول صاحب «البحر»: «لو ادعى بتسعة، فشهد له الشاهد على إقرار المدَّعَى عليه بعشرة، فالشهادة زائدة، فتبطل في الزيادة، وفي الباقي قولان» (^٣).
وقول ابن الرفعة: «إِنَّ فقهاء زمانه قالوا: الطريق أن يقول: أشهد على إقراره بكذا من جملة كذا، فيكون منبّها على صورة الحال» (^٤).
وقال الشيخ الإمام: كلُّ ذلك خبط وغفلةٌ صادرة عن معرفة بظاهر الفقه دون أسراره، وما الشهادة بالألفين شهادة قبل الاستشهاد، بل شهادة بما جرى مما ينفع في الحق المدَّعَى به، قال: وابن الرفعة فقيه النفس، والروياني قليل التحقيق وإن كان مُطَّلِعا.
قلت: عبارة البحر (^٥): «لو كانت الدعوى بألفٍ، فشهد له أحد الشاهدين بألف، وشهد الآخَرُ بألفين، هل يكون باقتصاره في الدعوى على ألف مكذِّبًا للشاهد له بالألفين؟ فيه وجهان: أحدهما: نعم، وعلى هذا تُرَدُّ شهادته في جميع
_________________
(١) انظر: الشرح الكبير: (٥/ ٢٩٨)، كفاية النبيه: (١٩/ ٣٦٤).
(٢) علق ابن قاضي شهبة في حاشية ز: (قال الأذرعي: هذه المسألة مسطورة، بوب عليها شُرَيحُ الروياني في روضة الحكام، وذكرتها في «شرح المنهاج»).
(٣) انظر: بحر المذهب: (١٤/ ١٠٩).
(٤) انظر: كفاية النبيه: (١٩/ ١٤٨).
(٥) انظر: بحر المذهب: (٦/ ١٦١).
[ ٤٣٤ ]
الألفين، ويبقى معه الشاهد بألف، فيحلف معه ويستحق، والثاني وهو الأصح: لا يكون مكذبًا؛ لجواز اقتصاره في الدعوى على بعض حقه، ولجواز أن يقبض من حقه ما لم يعلم الشاهد بقبضه، إلا أن يظهر في الدعوى تكذيب الشاهد، مثل أن يدَّعي ثمنَ عبده ألفًا، وشهد (^١) بأنَّ ثمنه ألفان، فتُرَدُّ الشهادة؛ لتكذيبهما بالدعوى»، انتهى، ذكره في «باب الإقرار».
وليس مقصوده مسألة فقهاء الزمان، ولا في كلامه ما يقتضي منع الشهادة بالإقرار بألفين، إنما الذي منعه على أحد الوجهين الشهادة بنفس الألفين، إما لكونه مكذبًا لها، أو لكونه شهد قبل أن يُستشهد فيها، وفرق بين الشهادة بالإقرار والشهادة بنفس الحق؛ فإن الإقرار ليس هو عين الحق، ولكنه طريق فيه، فتُسمع الشهادة به وإن وقعت الدعوى ببعضه.
فليس في كلام «البحر» ما يمنع قول الوالد: «فللشاهد في مسألة الإقرار أن يشهد على إقراره بالألفين»؛ لأنه الذي جرى، وإن كان قد بَرِئ من بعضها أو لم يدع به، ولا يتعين ذلك، بل له أيضًا أن يشهد بألف؛ لأنَّ مَنْ أقر بألفين فقد أقر بألف.
هذا هو الذي يظهر، وإن كان في قول الوالد ﵀: «إن المدعي لو سأله الشهادة بما ادعاه لم يلتفت إليه، بل يُعرِضُ عنه إلى أن يسأله سؤالا صحيحًا» = ما قد ينازع فيه، فليحمل على أنه لا يتعين على الشاهد أن يشهد بالإقرار بالقدر المدَّعَى، بل له أن يشهد بالألفين كما جرى.
واعلم أنَّ (^٢) قول الوالد أيضًا: «ليس الإقرار عين الحق، ولكنه طريق فيه»
_________________
(١) في ظ ١: (ويشهد)، والمثبت من سائر النسخ أظهر سياقًا.
(٢) كذا في ظ ٢، ق، وزاد في بقية النسخ: (في)، والمثبت ما يناسب السياق.
[ ٤٣٥ ]
= صحيح، وإن جوَّزنا لمن سمع الإقرار أن يشهد بالاستحقاق كما هو الصحيح؛ لأنَّ سماع الإقرار على هذا يغلب على ظنه الاستحقاق، فيسوغ له الشهادة به، فكما أنَّ الإقرار طريق إلى أن يُحكم (^١) عليه بمقتضاه، كذلك هو طريق إلى أن يُشهد عليه بمقتضاه.