* مسألة (^١): وأنَّ الحجر على المفلس يلاقي ماله لا نفسه، فنفسه لا اختلال (^٢) فيها، وفي المسألة وجهان حكاهما ابن الرفعة، وقضيَّةُ بحث الرافعي حيث قال (^٣): «فليفسر (^٤) المفلس بالذي ليس له مال يفي بديونه؛ لِيَنظُمَ من لا مال له أصلا = أن يكون مختارًا لملاقاة الحجر نفس المفلس، وقد ضعفه ابن الرفعة والوالد (^٥)، وقال ابن الرفعة: إنه مخالف لنص الشافعي وللقياس»، ذكر الوالد ذلك في أول «باب التفليس» من «شرح المهذب».
ويؤيدهما: أن للمفلس أن ينكح بلا إذن، وقد قال ابن الرفعة في «النكاح»: «إنَّ ذلك يُضعف القول بملاقاته لنفسه، ولا شك فيه».
*مسألة: وأنَّ الحاكم يكتفي في بيع ما يُسنَدُ إلى (^٦) المفلس من المال باليد، ولا يحتاج إلى ثبوتِ مِلكه عنده، قال: «فحصت عن هذه المسألة، وتحصلت (^٧) فيها على وجهين، أصحهما هذا، وهو قول أبي عاصم».
_________________
(١) قوله: (مسألة) زيادة من ظ ٢، م.
(٢) في ظ ١، ك: (اختلاف)، والمثبت من سائر النسخ، إلا أنه في ظ ٢، ز، ص بلا نقط.
(٣) انظر: الشرح الكبير: (٥/ ٥).
(٤) في ظ ١: (فيفسر)، والمثبت من سائر النسخ.
(٥) جاء في حاشية ظ ١: (قلت: يتجه أن يُبنى ذلك على الخلاف المشهور في «الحاوي» وغيره على أنه يُسلك بحجر المفلس حجرُ المرض أو حجرُ السَّفَه؟ والله أعلم)، وهي في حاشية ز بخط ابن قاضي شهبة دون قوله: (ذلك على الخلاف المشهور في «الحاوي» وغيره).
(٦) في ظ ١: (ما بِيَد)، وليست في م، والمثبت من بقية النسخ.
(٧) في ظ ١: (تحصلت) بلا واو، وفي ك: (فحصلت)، وليست في م، والمثبت من بقية النسخ.
[ ٤١٨ ]
قلت: ونظير المسألة: إذا طلب الشركاء من القاضي القسمة، ولم يقيموا بيّنةً تشهد بملكهم؛ هل يجيبهم؟ فيه طريقان مشهوران، قال النووي (^١): (المذهب: أنه لا يجيبهم). قلت: وقد يُفرَّق بينه وبين البيع على المفلس حيث كان الصحيح فيه البيع.
*مسألة: وأن حجر الفلس حجرُ مرض، لا حجر سفه ولا رهن، وهي أقوال ثلاثة، ثالثها من استنباطاته وتخريجاته.
*مسألة: وأنَّ استيلاد المفلس مع ذلك غير نافذ، وإن كان استيلاد المريض نافذا، قال: «لأنه ليس كحجر المرض من كل الوجوه، فلا ينفذ إلا موقوفا إلى أن يقضي الدين، فإن قضى فنافذ، وإلا فغير نافذ». ذكره في «شرح المهذب».
وهو ما ذكره شيخه ابن الرفعة في (الكفاية) (^٢)، لكنه في «المطلب» رجح أنه نافذ، وعزاه إلى «خلاصة الغزالي»، وقال: «إنه أولى مما ذكره في «الكفاية»».
*مسألة: وأنَّ الوالد لا يُحبس في حق الولد، وقد صحّحه في «الروضة» في «كتاب الشهادات»، وذكر أنَّ الإمام قال: إنه الذي عليه معظم أئمتنا (^٣).
*مسألة وأن المريض، والمخدّرة، وابن السبيل يُحبسون، قال: «ويُشترط أن يكون للمريض في الحبس من يخدمه».
*مسألة: وأنَّ المحبوس لا يُمنع من زوجته، كما لا تُمنع هي إذا حبست منه على الصحيح. وقال الروياني: (يُمنَع المحبوس زوجته)، وتبعه ابن الرفعة (^٤).
_________________
(١) انظر: روضة الطالبين: (١١/ ٢١٩).
(٢) انظر: كفاية النبيه: (٩/ ٤٨٩).
(٣) انظر: روضة الطالبين: (١١/ ٢٣٧).
(٤) انظر: بحر المذهب: (٥/ ٣٨٠)، كفاية النبيه: (٩/ ٤٧٦).
[ ٤١٩ ]
*مسألة: وأنَّ الدين الحال إن لزم بعدوان لزم أداؤه على الفور من غير طلب؛ كذا يدلُّ اختياره عليه وصغوه إليه، وكأنه يعني بالعدوان الواجب لا باختيار صاحب الحق، كما سأذكره إن شاء الله.
وإنما قلتُ: إِنَّ صَغْوَه إلى هذا التفصيل؛ لأنه ﵀ قال في «باب التفليس» بعدما ذكر كثيرًا من كلام الأصحاب في ذلك:
اعلم أنَّ الوجوب تارةً يُطلق بمعنى: الثبوت في الذمة، ولا شك أنَّ هذا المعنى حاصل قبل الطلب وبعده، سواء أكان الدين حالًا أم مؤجلا، على موسر أو معسر، ويُطلق تارةً بمعنى: وجوب الأداء، وهو اصطلاح الأصوليين، وبهذا المعنى لا يثبت في المؤجل ولا في الحال على المعسر، ويحسن التردُّد فيه على الموسر: هل يتوقف على الطلب أو لا؟ وللتردد اتجاه، سواء أكان سببه عدوانًا أم لا، كما ترددنا في وجوب قضاء الصلاة على الفور، وإن كان سببها عدوانًا، أعني: فاتت بغير عذر، وقياس ما قيل هناك: أن يكون الأصح هنا أنه إن لزمه بعدوان وجب على الفور، وإلا فلا.
قلت: مسألة وفاء الدين الحال من غير طلب اضطرب فيها كلام الأصحاب، ويجتمع فيها من كلام الإمام في «النهاية»، وابن السمعاني في «القواطع»، والروياني في «البحر» خلافٌ وتفصيل، وما ذكره الشيخ الإمام حسن، وإن كان قد ينازع في تسمية المؤجل، والدين على معسر دينًا، ولكن الصواب فيهما أنه دين.
ثم يشهد لهذا التفصيل قول الرافعي في «باب الحجر»: «إنَّ الولي يوفي ما على الصبي من الديون»، [أ/ ٥٢/ أ] قال: «وأروش الجنايات وإن لم تُطلب، ونفقة
[ ٤٢٠ ]
القريب بعد الطلب» (^١)، فإيجاب وفاء الأروش وإن لم تُطلب دليل على أنَّ الحال الثابت بغير رضا صاحبه بعدوان يجب أداؤه من غير طلبه، فإن أرش الجناية بهذه الصفة، كذا نبه عليه الشيخ الإمام ﵀ في «باب الحجر».
وعلى هذا، فهو وهما متوافقون على التصحيح في المسألة، ولكن الشيخان لم يفصحا بالمسألة إفصاحًا، وقول الشيخ الإمام: «إن أرش الجناية لا يكون إلا بهذه الصفة يعني: لا يكون إلا عن عدوان.
فإن قلت: قد يكون عن جناية الخطأ.
قلت: الخطأ لا يخرجها عن أن توصف بالعدوان، ألا ترى أن كلامه في جناية الصبي، ولا إثم فيها، فالعدوان هنا بمعنى الضمان لا بمعنى الإثم، وإليه الإشارة بقوله في الصلاة»: «إنَّ معنى كونها عدوانًا فواتها بلا عذر».
نعم، لك أن تقول: إذا لم تكن معصيةً فلا وجه للفور في أرش الجناية، واللائق بأصله أن يُفرّق بين الواجب عن معصية، والواجب لا عن معصية (^٢).
*مسألة: وأن كتب الفقيه تباع في دينه، وفي حَجَّه، ذكره (^٣) في (الحلبيات) (^٤)، وهو قول القاضي الحسين (^٥)، وسكت في «شرح المنهاج» على
_________________
(١) انظر: الشرح الكبير: (٥/ ٨٢) و(٧/ ٢٨٢).
(٢) علق ابن قاضي شهبة في حاشية ز: (قلت: لا أحسب أحدا ينازع في أنَّ ما عصى فيه كالسرقة، والجناية، والغصب ونحوها أنه يجب أداؤها على الفور، ولا سيما إذا كانت لمن لا يعبر عن نفسه، أو لغيره ولم يعلم، أو علم ولم يعلم رضا بالتأخي، وأيضًا التوبة فورية، والخروج من الظلامة من شروطها)، وعزاه لخط الأذرعي.
(٣) في ك: (كذا ذكره).
(٤) انظر: قضاء الأرب في أسئلة حلب صـ ٥١٤.
(٥) انظر: المجموع: (٧/ ٧١).
[ ٤٢١ ]
قول أبي عاصم: «لا تباع».
أما خيل الجندي وسلاحه، فقال ابن الأستاذ شارح «الوسيط»: «إنها
ككتب الفقيه». وقال الشيخ الإمام ﵀: «لا تباع في الدّين إذا كان قد استعمله الإمام، ورزَقَه من بيت المال؛ لأنها كالمستحقة للجهاد»، قال: «وأما المتطوع الذي لا رزق له في الديوان، إذا لم يتعين عليه الجهاد؛ فيباع عليه».
*مسألة: وأنه لو تبرع أجنبيٌّ بوفاء دين الميت وجب قبوله، ذكره في «باب التفليس» من «شرح المهذب»، بعد أن نقل تردُّد القاضي الحسين فيه (^١).
*مسألة: وأنه إذا اشترى ثوبًا وصبغا، فصبغه ثم أفلس، وزادت قيمة الثوب مصبوعًا على قيمته غير مصبوغ، لكن نقص عن قيمتهما، كما إذا كان الثوب يساوي عشرة، والصبغ خمسة، فصار يساوي اثني عشر:
فإن كان النقص بسبب نقص صفة الصبغ لا غير، كما إذا كانت زنة الثوب خمسة أرطال، وزنة الصبغ رطلًا، وزنة الثوب مصبوغًا ستة = فلا يرجع بائع (^٢) الصبغ إذا اختاره بغيره.
وإن كان النقص بسبب نقص جزء من الصبغ، وذهابه في الثوب؛ كان لبائعه الرجوع في الدرهمين، والمضاربة بما بقي.
وإن احتمل كونه بسبب نقصان الصفة أو نقصان جُزء؛ بنينا الأمر على أنه نقصان جزء.
_________________
(١) انظر: المجموع: (١٣/ ٣٩٢).
(٢) في ق: (صاحب).
[ ٤٢٢ ]
وهذا شيء ذكر ابن الرّفعة أنه التحقيق، وقال الشيخ الإمام: «إنه جيد»، قال: «فليعتمد ويُنزل الخلاف عليه».
وأراد بالخلاف قول الشيخ أبي حامد والماوردي: «إنَّ صاحب الثوب يرجع بماله وهو عشرة، وصاحب الصبغ إن اختار المضاربة بالثمن وإلا رجع فيه ناقصًا، فيعطى من الثمن درهمين، ولا شيء له غير ذلك». وهذا ظاهر كلام صاحب «التنبيه» (^١).
وقال في «المهذب» و«الشامل»: «إنَّ لصاحب الصبغ إذا رجع أن يضارب بما نقص» (^٢). فنزّل الوالد الخلاف على هذا التحقيق.
وأنا أقول وراءه فيما إذا كان النقص بسبب ذهاب جزء من الصبغ تحقيق آخر، فيقال: إن كان الذاهب قدْرًا معلومًا أخَذَ الدرهمين، وضارب بثلاثة أرباع الباقي بعد الربع من الثمن، فيقال مثلا: فيما إذا كانت زِنَةُ الثوب خمسة وقيمته عشرة، والصبغ رطلًا وقيمته خمسة، وزنة الثوب مصبوغا خمسة ونصفا، وقيمته اثنا عشر إذا اختار الصبغ؛ فقد أخذ نصف صبغه، وذلك حيث الصبغ مفرد درهمان ونصف، فليضارب بقيمة الصبغ؛ لأنه الجزء الفائت عليه، وهو درهمان ونصف لا ثلاثة.
ولعل هذا مراد ابن الرفعة بقوله: «والمضاربة بما بقي» أي: بما بقي من قيمة الصبغ الذاهب، لا بما بقي من قيمة الصبغ مطلقا؛ لأنَّ ما في مقابلة نصف درهم نقصان وصف، وقد قرر أنه لا يضمن.
_________________
(١) انظر: الحاوي: (٦/ ٣٠٧، ٣٠٦)، كفاية النبيه: (٩/ ٥٣٢، ٥٣١).
(٢) انظر: المهذب: (٢/ ١٢١)، كفاية النبيه: (٩/ ٥٣٢، ٥٣١).
[ ٤٢٣ ]