مسألة: وأنَّ الطريقة المفرقة بين (^١) الجارح والمثقل بين العمد وغيره هي الراجحة، قال: «وهي التي يدلُّ عليها نصه في «الأم»»، ذكره في كتاب «التحبير المذهب في تحرير المذهب».
مسألة: وأنه على هذه الطريقة لا يُشترط في كون الجرح عمدًا أن يُعلَم حصول الموت به، بل يكفي كونه بصفة السريان، وإليه الإشارة بقول الغزالي: «كل جُرح سار ذي غور» (^٢).
وعبارة الإمام والرافعي والنووي (^٣): «العلم بحصول الموت منه»، قال الشيخ الإمام: «وهي أخص من الأولى؛ فإنَّ الجرح قد يتحقق فيه أنه مما يسري ويُشَكُّ هل وصلت السراية إلى الموت أو لا؟ ومقتضى اعتبار العلم أنه لا يجب القصاص».
قال: «ولا جائز أن يفسر العلم هنا بالظن الحاصل من حوالة الموت على السبب الظاهر، فإنَّ هذا المعنى حاصل في شبه العمد، بل المراد به الاعتقاد المستفاد من علامات زائدة على وجود الجراحة يقوى إضافة الموت إليها، ومقتضى عبارة الغزالي وجوب القصاص؛ فإنَّا تحقَّقنا السبب، وهو كون الجرح بصفة السريان، ووقوع الموت بعده، والشكٍّ في حصول مانع يمنع من إضافة
_________________
(١) كذا في ظ ١، وفي سائر النسخ: (في).
(٢) انظر: الوسيط: (٦/ ٢٥٥).
(٣) انظر: نهاية المطلب: (١٦/ ٤٤)، الشرح الكبير: (١٠/ ١٢٠)، روضة الطالبين: (٩/ ١٢٤).
[ ٣٥٩ ]
السبب لا يقدح».
قال الشيخ الإمام: «وهذا أقرب؛ فإنَّ الأصح فيما لو جرحه بقطع يد أو غيره فمات، فقال الجاني: «حَزُّ آخَرَ رقبته»، أو: «شرب سمًا مُوحِيًا، فليس علي قصاص النفس»، وقال الولي: «بل مات بسراية جرحك» = أنَّ القول قول الولي، وبه قطع بعضُهم».
وذلك يدل على أن مجرد الجرح الساري بالقُوَّة سبب، ومن يقول: القولُ قول الجاني، لا ينفي ذلك، فإنَّ المسألة من مسائل تقابل الأصلين، والتعارض كافٍ في عدم قبول قول الولي، لا أن السبب الموجب للقصاص لم يثبت.
مسألة وأنَّ من ضرب كوع شخص بعضًا فتورم، ودام الألم حتى مات، فاحتمال القصاص قائم، ولم يجزم به؛ لأنه نقل عن النص عدم القصاص، لكنه مال إليه، وفي كلام الرافعي والنووي في غرز الإبرة ما يشير إليه، ولكنهما نقلا عدم الوجوب في أول الجراح عن الغزالي، ولم يتعقباه بنكير، واستدلا عليه بحديث مخرَّج في «سنن أبي داود» و«النسائي»، إلا أنه مختلف في إسناده (^١)، وقال ابن الرفعة: «ما ذكره الغزالي لم أره منقولا».
ومسائل الجراح هذه كلها من كتاب تحبير المذهب، وهذا الكتاب مبسوط جدًّا، كان شَرَعَ فيه من أول (الصلاة) ومن أول «الجراح» شرحًا على «المنهاج قبل كتاب الابتهاج»، وعرضه على أستاذه الباجي، فقال له فيما حكى لي عنه: هذا يَصْلُح على (الوسيط) لا على «المنهاج»، ففترت همته عنه،
_________________
(١) يشير إلى حديث: «قتيل السوط والعصا فيه مائة من الإبل» رواه النسائي (٤٧٩٥)، وابن ماجه (٢٦٦٧). انظر: الشرح الكبير: (١٠/ ١١٩ - ١٢١)، روضة الطالبين: (٩/ ١٢٥، ١٢٤)
[ ٣٦٠ ]
وعدل إلى كتاب «الابتهاج»، وكان سنه لما صنَّف «التحبير المذهب» دون الثلاثين، أحسبه ابن خمس وعشرين سنة.
مسألة: وأنَّ قاتل الموقوف لا يُقتص منه، ذكره في «باب الوقف»، والرافعي قال (^١): «إن قلنا: الملك للموقوف عليه أو للواقف؛ فلهما القصاص أو الله، فهو كعبد بيت المال، والظاهرُ وجوب القصاص». قال الشيخ الإمام: «قوله: «فالظاهر» كأنه تفقه لا نقل، وقد سبقه إليه المتولي، والصحيح خلافه، وهو ما ذكر الماوردي، ويوافقه إطلاق القاضي أبي الطيب، والقاضي الحسين، وابن الصباغ» (^٢).
مسألة: وأنه إذا خلف زوجة حاملًا وأخًا لأب وعبدًا، فجنى العبد عليها، فأسقطت = فسقط من حقّ كلّ واحدٍ من الغُرة ما يقابل ملكه؛ لأنه لا يثبت للإنسان على ملكه حق، فكيفية السقوط أنه يسقط من حقها من الغُرة ربعه؛ لأنه المقابل لملكها، ومن حقه ثلاثة أرباعه، يبقى له عليها سدس الغرة، ولها عليه نصف سدسها، والواجب في الفداء أقلُّ الأمرين، ورُبما لا تَفِي حَصَّتُها بأرشها، وتفي حصته بأرشه، فإذا سلَّمَتْ تعطّل عليه ما زاد، ولم يتعطل عليها.
مثاله: الغرة ستون، وقيمة العبد عشرون، وسلما؛ ضاع عليه خمسة، وصار له خمسة، ولها خمسة عشر، وهذه طريقة الغزالي ذكرها في «الوسيط» (^٣)، قال الشيخ الإمام في كتاب «منية الباحث»: «وهي الصحيحة».
_________________
(١) انظر: الشرح الكبير: (٦/ ٢٩٦).
(٢) انظر: كفاية النبيه: (١٢/ ٥٣).
(٣) انظر: الوسيط: (٦/ ٣٨٥).
[ ٣٦١ ]
وطريقة الإمام، والرافعي، والنووي (^١) أنه يسقط نصيب الأخ كله؛ لأنه أقل من ملكه، ومن نصيب الأم ما يقابل ملكها وهو الربع، ويبقى لها نصف سدس الغُرَّة ترجع به على الأصح على قياس الفداء، فيدفع إليها العم نصف سدس الغرة.
مسألة: وأنه لو قال في مسألة السفينة: "ألقِ متاعك وعلي ضمانه"، وقال الآخر مثل ذلك قبل الإلقاء، فإن قصد الملقي عند الإلقاء جوابهما تَقَسَّط عليهما، أو جواب الثاني فعليه وحده، ويُبطل استدعاء الأول، أو الأول فعليه وحده، والثاني حكمه حكم من ضمن ما لم يجب، وقال في كتاب «عقود الجُمان»: «إنه يجب حمل كلام الرافعي والنووي على بعض هذا».
قلت: وليس في كلامهما تصريح بمخالفة هذا، وإنما أطلقا إطلاقًا قد ينازع في بعضه.
مسألة: وأنهما إذا قالا: "ألقِ متاعك وكل منا ضامن لكله (^٢) على سبيل الاستقلال؛ فسد الضمان، صرح به في كتاب «نثر الجُمان»، وهو ملخص من كتاب «العقود»، وهذه المسألة أيضًا لم يصرح الشيخان بخلافها، وإنما كلامهما مطلق، وقد صرح الشيخ الإمام بأنه لم يجدها منقولة (^٣).
مسألة: وأنَّ الكَلبَ غيرَ الكَلب وغيرَ العقور لا يجوز قتله، وهو ما صححه النووي في «شرح المهذب» و«شرح مسلم» (^٤)، وسأتكلم عليه مَبْسُوطًًا في «باب مذهب الشيخ الإمام».
_________________
(١) انظر: نهاية المطلب: (١٦/ ٦٣٧)، الشرح الكبير: (١٠/ ٥٢٠)، روضة الطالبين: (٩/ ٣٧٥).
(٢) في ظ ١: (فكله)، والمثبت من سائر النسخ.
(٣) انظر: الشرح الكبير: (١٠/ ٤٥٥)، روضة الطالبين: (٩/ ٣٤١).
(٤) انظر: المجموع: (٩/ ٢٣٥)، شرح النووي على مسلم: (١٠/ ٢٣٥).
[ ٣٦٢ ]