* مسألة: وأنَّ السعي إلى الجمعة واجب أول النداء، وهذا فرع لم يفصح به الأصحاب، وإنما الشيخ الإمام استخرجه استنباطًا، فلك أن تَعُدَّه من مسائله التي أداه إليها اجتهاده المُطْلَقُ؛ لكونه إنما استنبط ذلك من القرآن لا من أصول الشافعي ﵁، ولك أن تَعُدَّه من مسائل المذهب التي أداه إليها اجتهاده المُقَيَّدُ؛ لأن أصول الشافعي لا تأباه.
وقد كان الشيخ الإمام جُمِعَ له الاجتهادان: المُطْلَقُ والمُقَيَّدُ، يتيقن ذلك مَنْ عرف محله من العلم، لكن على هذا ليس مما خالف فيه الشيخين، ولا مما وافقهما، إذ لا تصريح لهما بالمسألة.
*مسألة: وأنه ليس كلُّ ما كان عُذرًا في ترك الجماعة يكون عُذرا في ترك (^١) الجمعة، بل ينبغي أنَّ كلَّ ما ساوت مشقته مشقة المرض يكون عذرًا؛ قياسًا على المرض المنصوص، وما لا فلا.
*مسألة: وأنه لا يجوز في بلدٍ واحدٍ، وإن عظم وكثرت مساجده، واتسعت محاله، وفرض احتياج أهله فيه إلى جمعتين = أَكْثَرُ من جمعة واحدة، وكاد يدعي اتفاق الأمة عليه قبل محدثات البدع، ونازَعَ في تحققِ الحاجة، ثم قال على تسليمها: «يصلي أهلها الظهر، لا يُجَمِّعون وعَدَّ من عظائم الدين، وجرائم المبتدعين جمعتين في بلد، وصنف في ذلك مصنفات، أجمعها كتاب الاعتصام بالواحد الأحد من إقامة جمعتين في بلد».
_________________
(١) قوله: (ترك) من ظ ا، وليس في سائر النسخ.
[ ٢٠٣ ]
*مسألة: وأنَّ المزحوم إذا لم يمكنه السجود حتى ركع الإمام، وقلنا بالأظهر: أنه يركع معه، فسجد على نظم نفسه؛ جاهلًا، ثم سجد ثانيًا = حُسِب له، وهو الذي في «المنهاج»، لكن في «الروضة» و«شرح المهذب» خلافه (^١).
*مسألة: وأنَّ تصحيحهما قول أبي إسحاق: أنَّ المقيم غير (^٢) المستوطن لا تنعقد به الجمعة = لم يتضح عليه دليل، ومال إلى قول ابن أبي هريرة أنها تنعقد به (^٣).
*مسألة: وأنَّ الوجه تخصيص الخلاف في أنَّ الكلام وقت الخطبة هل يحرم لمن عدا الأربعين؟ أما الأربعون فحَظَرَ عليهم الكلام، وأوجب السماع جزمًا، وهذه طريقة الغزالي، واستبعدها الرافعي، وتبعه النووي (^٤).
وأن الساعات في التبكير إلى الجمعة معتبرة بالزمان، لكن لا الزمان الذي يعتبره أهل التقويم، ويختلف شتاءً وصيفًا، بل باثنتي عشرة ساعةً، لا يختلف شتاءً ولا صيفًا، فيعتبر بهذه النسبة، وهو قول القاضي الحسين.
ويدل له حديث: «يوم الجمعة اثنتا عشرة ساعة» (^٥)، وهو قول القاضي
_________________
(١) انظر: روضة الطالبين: (٢/ ٢٢).
(٢) قوله: (غير) زيادة من ك، ز، والسياق يقتضيها.
(٣) علق ابن قاضي شهبة في حاشية ز: (تنبيه: المقيم غير المستوطن لا تنعقد به الجمعة على الأصح عندهما، وتوقف فيه والد المصنف، وقال: لم يتضح عندي دليل عليه، ومال إلى قول ابن أبي هريرة أنها تنعقد؛ لأنها واجبة عليه قطعًا، قال: ولو فرضنا أربعين مقيمين في بلد ليس فيها غيرهم ولم يستوطنوها فإن لم نوجب عليهم الجمعة كان تخصيصا للحديث الدال على إيجابها على المقيم، وإن أوجبناها عليهم وجب انعقادها بهم).
(٤) انظر: روضة الطالبين: (٢/ ٢٩).
(٥) رواه النسائي (١٣٨٩)، وصححه الألباني.
[ ٢٠٤ ]
الحسين، وفي كلام الإمام ما يقتضي أنَّ القائل بأنها الساعات المقسومة (^١) على الليل والنهار، يعتبرها اعتبار أهل التقويم، ومن ثَمَّ غلطه بأنَّ الساعة الخامسة في اليوم الشاتي تقع قريبةً من العصر، وجرى عليه الرافعي فقال (^٢): «ليس المراد الساعات المقسومة على الزمان»، وقد تبين (^٣) أنَّ المراد: ساعات الزمان، لكن زمان هو اثنتا عشرة ساعةً لا يختلف.
مسألة: وأنَّ المريض إذا حضر إلى الجمعة ولو قبل دخول وقتها، ولم يشق عليه الانتظار؛ حرم عليه الانصراف، وإن شقَّ ولو بعد الإقامة؛ جاز إذا كان قبل الإحرام.
_________________
(١) في ز: (المنسوبة)، وفي ص: (المنوية)، وكذا في الموضع بعده.
(٢) انظر: الشرح الكبير: (٢/ ٣١٤).
(٣) في ك: (بينا تبينَ)، وأشار في حاشية ظ ١ إلى أنه في نسخة: (بلغنا) بدل (تبين).
[ ٢٠٥ ]