* مسألة: وأنَّ السِّدرَ يُستحبُّ في غُسل الميت إلى أن يحصل النقاء، ولا يختص استحبابه بالغسلة الأولى، وقال الشيخان (^١): «يستحب في (^٢) الأولى السدر». قال الشيخ الإمام: «تخصيص الأولى لا وجه له».
قلت: وقد لا يجعل بينهم خلاف، ويقال: إنما خُصصت الأولى بالذكر لحصول النقاء بها غالبا.
*مسألة: وأنَّ الورثة إذا اتفقوا على المضايقة في الكفن وقالوا: لا نكفنه إلا في ثوب واحد = تعين، وجاز لهم ذلك، وهو قول صاحب «التهذيب» (^٣)، وقال النووي (^٤): «الأقيس قول صاحب التتمة» أنه على الخلاف فيما لو تنازعوا، والصحيح أنه يكفن حينئذ في ثلاثة.
*مسألة: وأنَّ السِّقط الذي لم يظهر بعد خروجه أمارة تدلُّ على الحياة، فالضابط في غُسله والصلاة عليه: التخليق والتصوير، قال: «وقدره مبلغ اثنتين وأربعين ليلةً، فإن لم يبلغها لم يُصلّ عليه، وكذا إن بلغها في أظهر القولين؛ لعدم تيقن الحياة؛ ولذلك لا يرث، فلا تجب الصلاة عليه، بل ولا تجوز ما لم تظهر أمارة الحياة».
_________________
(١) انظر: الشرح الكبير: (٢/ ٤٠٠)، روضة الطالبين: (٢/ ١٠١).
(٢) زاد في ك: (الغسلة).
(٣) انظر: التهذيب: (٢/ ٤١٩).
(٤) انظر: روضة الطالبين: (٢/ ١١٠).
[ ٢٠٨ ]
والشيخان قالا: «ضابطه بلوغ النفخ لا التخليق»، قالا: «وقدره أربعة أشهر، فلا يصلى عليه قبل بلوغها، وكذا بعده في الأظهر إن لم تظهر أمارة الحياة» (^١).
فاختلافهم إنما هو في التعبير عن الحالتين، مع اتفاقهم على الصلاة إذا ظهرت أمارة الحياة.
قال الشيخ الإمام: «لا شك أنَّ النفخ والتصوير بعد أربعين بشهادة حديث: إذا مَرَّ بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة، بعث الله إليها مَلَكًا فصوَّرها، وخلق سمعها وبصرها وجلدها وعظامها»، الحديث. رواه مسلم (^٢)، قال: «والوجود يشهد له، فينبغي أن تكون هذه المدة هي الضابط، قال: وأما نفخ الروح فلم يقم عندنا دليل يقتضي (^٣) الجزم بأنه قبل الأربعة أشهر، ولا المنع منه، والإمكان حاصل بحصول الخلق والتصوير، هذا حكم الصلاة عليه».
*مسألة: وأما الغُسل فمتى صُلِّي عليه غُسل، وإن لم يُصَلَّ فالراجح - وهو منصوص «الأم» - أنه يُغسل.
*مسألة: وأما الكفن فجعله الشيخان تابعًا للغسل (^٤)، وقال الإمام والغزالي (^٥): «إنه تابع للصلاة»، ولم يرجح الشيخ الإمام هنا شيئًا، واتفقوا على وجوب المواراة بخرقة، فسرها الرافعي بما يكون على غير هيئة التكفين، وسنذكر ما فيه.
_________________
(١) انظر: الشرح الكبير: (٢/ ٤٢٠)، روضة الطالبين: (٢/ ١١٧).
(٢) رواه مسلم (٢٦٤٥).
(٣) في ظ ١: (على مقتضى)، والمثبت من سائر النسخ.
(٤) انظر: الشرح الكبير: (٢/ ٤٢١)، روضة الطالبين: (٢/ ١١٧).
(٥) انظر: نهاية المطلب: (٣/ ٣٣)، الوسيط: (٢/ ٣٧٦).
[ ٢٠٩ ]
*مسألة: وأنَّ هذا الكفن الواجب للمواراة هو خرقة ساترة من غير أن تكون مُحيطة به إحاطة الكفن، وقال النووي (^١) - تبعًا للشيخ عز الدين بن عبد السلام -: «معناه ثوب»، وجعلا تمام الكفن ثلاثة أثواب، قال الشيخ الإمام: «وفيه نظر؛ لأنَّ الثلاثة أثواب لا تجب».
*مسألة: وأنَّ الإعلام بموت الميت المُجرَّد الصلاة من غير ذكر شيء من المناقب حسن مستحب، وما سواه مكروه، قال (^٢): «وقد ينتهي إلى التحريم» (^٣).
*مسألة: وأنَّ الفاتحة تتعيَّن في التكبيرة الأولى من تكبيرات الجنازة، وصححه النووي في كتاب «التبيان» (^٤).
*مسألة: وأنه لا يُصلّى على عضو إلا إذا انفصل في الموت، إما معه أو بعده، أما إذا انفصل وصاحبه حيٌّ، فلا يصلى عليه وإن مات صاحبه بعد ذلك، وأطلق الشيخان (^٥) تصحيح أنه يصلى عليه إذا عُلم موتُ صاحبه، وقال الشيخ الإمام: «ينبغي أن يُحمل على هذا».
قلت: فإن حمل فلا خلاف بينهم في الترجيح، وإلا - وهو الأظهر؛ إذ في المسألة ثلاثة أوجه، ثلاثة جمعها هو في «شرح المنهاج» - فالمخالفة موجودة.
_________________
(١) انظر: روضة الطالبين: (٢/ ١١٧).
(٢) قوله: (قال) ليس في ظ ١، والمثبت من سائر النسخ.
(٣) علق ابن قاضي شهبة في حاشية ز: (في المنهاج من زياداته ولا بأس بالإعلام بموته للصلاة وغيرها، بخلاف نعي الجاهلية، وفي وجه أنكره، وآخر: إن كان الميت غريبًا استحب، وإلا فلا).
(٤) انظر: التبيان في آداب حملة القرآن ص ١٢٩.
(٥) انظر: الشرح الكبير: (٢/ ٤١٨)، روضة الطالبين: (٢/ ١١٧).
[ ٢١٠ ]
*مسألة: وأن إدخال اثنين ابتداءً في القبر للدفن من نوع واحد - كرجلين أو امرأتين - جائز مع الكراهة، وعن السرخسي أنه لا يجوز، قال الشيخ الإمام: «وتبعه في شرح المهذب، وفي عبارة غيره ما يُفهمه»، انتهى.
قلت: عبارة «شرح المهذب (^١): «لا يجوز أن يُدفن رجلان ولا امرأتان في قبرٍ واحدٍ من غير ضرورة، هكذا صرح بأنه لا يجوز السرخسي، وعبارة الأكثرين: لا يُدفن اثنان في قبر، وصرّح جماعة بأنه يُستحب أن لا يدفن اثنان في قبر»، انتهى. وليست صريحةً في أنه يوافق السرخسي على عدم الجواز، وإنما صدرها وتقديم مقالته يفهم ذلك، وقد أطلق في الروضة» (^٢) - تبعا للرافعي - أنَّ المستحبَّ حال الاختيار أن يُدفن كلُّ ميت في قبر.
وكل هذا في الابتداء، أما في الدوام فلا يجوز إدخال ميت على ميت حتى يبلى الأول، بحيث لا يبقى منه شيء، لا لحم ولا عظم، ويصير ترابًا.
*مسألة: وأنه يُستحب أن يُنتظر بالصلاة على الميت حضور أربعين نفسًا، أو مئة نفس إن ارتجي حضورهم قريبًا، وأطلق الشيخان (^٣) أنه لا تؤخر الصلاة الزيادة المصلين.
قال الشيخ الإمام: «وليس في كلام الشافعي والأصحاب ما يقتضي ذلك»، وليس معنى قول الشيخ الإمام: «يُنتظر حضور أربعين أو مئة» التردد، بل إن تيسر عن قريب حضور المئة فهو أولى؛ لما في «صحيح مسلم» من قوله ﷺ: «ما من
_________________
(١) انظر: المجموع: (٥/ ٢٨٤).
(٢) انظر: روضة الطالبين: (٢/ ١٣٨).
(٣) انظر: روضة الطالبين: (٢/ ١٣١).
[ ٢١١ ]
ميت تصلي عليه أُمَّةٌ من المسلمين يبلغون مئة كلُّهم يشفعون له إلا شُفعوا فيه» (^١). وفي ابن ماجه: «من صلى عليه مئة من المسلمين غُفر له» (^٢)
وإن لم يتيسر المئة انتظر أربعون إن تيسروا قريبًا؛ لما في «صحيح مسلم» أيضا: عن كريب، عن ابن عباس ﵄: أنه مات له ابن، فقال: يا كُريب، انظر ما اجتمع له من الناس، قال: فخرجت فإذا ناس قد اجتمعوا له، فأخبرته، قال: تقول: هم أربعون؟ قلت: نعم، قال: أخرجوه؛ فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما من رجل مسلم يموت، فيقوم على جنازته أربعون رجلا لا يشركون بالله شيئًا إلا شفعهم الله فيه» (^٣).
وفي «مسند أحمد» من حديث الحكم بن فَرُّوخ، عن أبي المليح، عن عبد الله بن قرط عن ميمونة ﵂ زوج النبي ﷺ، رفعته: «ما من مسلم يصلي عليه أُمَّةٌ من الناس إلا شُفعوا فيه»، قال: فسألت أبا المليح عن الأُمَّةِ، فقال: أربعون (^٤).
قلت: وينبغي أن يَصفُّوا ثلاثة صفوف، ففي «سنن أبي داود» و«مسند أحمد»: «ما من مؤمن - وفي لفظ: مسلم - يموت، فيصلي عليه ثلاثة صفوف؛ إلا وجبت» (^٥)، وفي لفظ أحمد: (غُفر له) (^٦)، وكان راوي الحديث - وهو مالك بن هبيرة السكوني الصحابي - يتحرى إذا قلَّ أهل الجنازة أن يجعلهم ثلاثة صفوف.
_________________
(١) رواه مسلم (٩٤٧).
(٢) رواه ابن ماجة (١٤٨٨)، والحديث صححه الألباني.
(٣) رواه مسلم (٩٤٨).
(٤) رواه أحمد برقم: ٢٦٨٣٨، (٤٤/ ٤١٧).
(٥) رواه أبو داود (٣١٦٦).
(٦) رواه أحمد برقم: ١٦٧٢٤، (٢٧/ ٢٨١).
[ ٢١٢ ]
*مسألة: وأن البكاء على الميت بعد موته إن كان لرقة وخشية من عذاب الله فلا يكره، ولا يكون خلاف الأولى، وإن كان لجزع وعدم تسليم فيكره أو يحرم، والنووي أطلق أنه بعد الموت خلاف الأولى (^١).
*مسألة: وأن نقل الميت إلى بلد آخر قبل الدفن إن أوجب تغيرا حرام، ولو كان إلى مكة أو المدينة أو القدس، وإن لم يوجب تغيرا مكروه، إلا إلى الأماكن الثلاثة فإنه يختار.
_________________
(١) انظر: روضة الطالبين: (٢/ ١٤٥).
[ ٢١٣ ]