مسألة: وأنَّ الشَّهادة بالرِدّة لا تُقبل مُطلقةً، بل لا بُدَّ من التفصيل والبيان، وهو قول القفّال، والماوردي وغيرهما (^١).
مسألة: وأنه تُقبل شهادةُ مَنْ قال: "أشهد أني رأيتُ الهلال" وإن أُخبر عن فعل نفسه، ذكره في «الحلبيات» (^٢).
مسألة: وأنَّ مَنْ بَتَّ شهادته (^٣) ثم قال: "مُستندي الاستفاضة"؛ تُقبل شهادته، ولا يقدح ذلك فيها، قال: «وقد غَلِط ابن أبي الدم في هذه المسألة (^٤) حيث قال: «ذِكْرُ الاستفاضة يمنع القبول»، وأوقعه في ذلك كلامٌ للغزالي ﵀»، قال: «وقد بين الإمام في «النهاية» المسألة (^٥)، وكلامُ الغزالي تبعه عليه الرافعي، والنووي فقالا: «لو صرَّح في شهادته أنه يعتمد الاستصحاب فوجهان، حكى في «الوسيط» عن الأصحاب أنه لا يُقبل، وعن القاضي الحسين القبول»» (^٦).
قال الشيخ الإمام في «الفتاوى» (^٧): «ومحلُّها - كما بينه الإمام - إذا لم
_________________
(١) انظر: الحاوي: (١٣/ ١٧٧)، الشرح الكبير: (١١/ ١٠٨)، روضة الطالبين: (١٠/ ٧٣، ٧٢).
(٢) انظر: قضاء الأرب في أسئلة حلب ص ٤٦٠.
(٣) في ق: (وأنَّ مَنْ شهد).
(٤) قوله: (في هذه المسألة) من ظ ١، وليس في سائر النُّسخ، ولعل المصنف رأى إسقاطها بعد إعادة النظر في الكتاب.
(٥) انظر: نهاية المطلب: (١٨/ ٦١٣).
(٦) انظر: الشرح الكبير: (١٣/ ٢٤٤)، روضة الطالبين: (١٢/ ٦٣).
(٧) انظر: فتاوى السبكي: (٢/ ٤٧٤).
[ ٣٨٥ ]
يجزم الشاهد في الحال بأن يقول: "أشهد أنه ملكه أمس"، واستصحب ذلك إلى الآن، أو نحو هذا، أما إذا قال: "أشهد أنه ملكه الآن، ومستندي الاستصحاب" فلم لا تقبل؟، قال: «نعم، إن فرض أن الشاهد أتى بذلك على صورة المرتاب في شهادته، وظهر للحاكم منه ذلك، كان كما لو تردد في الشهادة بعد أدائها وقبل الحكم» (^١).
قال: «وقد تبع ابن الرفعة ابن أبي الدم فنقل كلامه في «الكفاية»، ثم أتى به في «شرح الوسيط كالمفروغ منه، فلا تغتر به»، قال: «وليتحقق أن ذلك لا يقدح في الشهادة، ولا خلاف فيه»، قال: «وكذلك إذا شهد بالرضاع وقال: مستندي وضع الثدي، وحركة الفم، وقرائن حالية أفادتني العلم»؛ تقبل منه» (^٢).
قلت: ولا يعارض هذا قول الرافعي في «باب الرضاع» (^٣): «إنه لا يكفي عند أداء الشهادة بالرضاع حكاية القرائن وإن كانت مستند علمه»؛ لأن الذي لم يكتف به الرافعي هو الاقتصار على ذكر القرائن، أما إذا جمع بين ذكرها وثبت شهادته معها - وهو ما صوره الوالد - فلا شك في قبوله حينئذ (^٤).
ويؤيد كلامه قول الرافعي في الشاهد بالجرح: «إنه هل يشترط التعرض لسبب رؤية الجرح أو سماعه؟ قال قائلون: نعم، فلا بد أن يقول: "رأيته يزني"، أو: "سمعته يقذف» "، قال الرافعي: «وعلى هذا القياس: "استفاض عندي» (^٥).
_________________
(١) انظر: نهاية المطلب: (١٩/ ١٤٨).
(٢) انظر: فتاوى السبكي: (٤٧٤، ٢/ ٤٧٥).
(٣) انظر: الشرح الكبير: (٩/ ٦٠٤).
(٤) قوله: (حينئذ) من ظ ١، وليس في سائر النسخ.
(٥) انظر: الشرح الكبير: (١٢/ ٥٠٥).
[ ٣٨٦ ]
والذي يظهر لي أن الصور ثلاث:
إمداها: أن يبت شهادته وهو يستند إلى الاستفاضة، وهذا لا خلاف في قبوله، سواء أصرح مع البت بأن الاستفاضة مستنده أم لا.
والثانية: أن يقتصر على الاستفاضة، فهذا هو (^١) الذي لا يُقبل جزمًا؛ لأنه لم يشهد، وإنما ذكر حصول الاستفاضة، وقد يستفيض ما لا حقيقة له.
وعلى هذا قول الرافعي في آخر «باب الدعاوى» نقلا عن القفال: «إِنَّ حَقَّ إجراء الماء في أرض الغير ونحوه لا يكفي في الشهادة عليه أن يقول الشهود: "رأينا ذلك سنين"، وإن كان ذلك مستند شهادتهم»، يعني: بل لا بد من بَت الشهادة، وكذلك قال في باب مستند علم الشاهد: لا يكفي أن يقول الشاهد: "سمعتُ الناس يقولون: إنه لفلان"، وكذلك في النسب، وإن كانت الشهادة مبنيةً عليه، بل يشترط أن يقول: أشهد أنه له، أو بأنه ابنه، قال: «لكن عن الشيخ أبي عاصم أنه لو شهد شاهدٌ بالملك، وآخَرُ أنه في يده مدةً طويلةً يتصرف فيه بلا منازع = تمت الشهادة، قال: وهذا على ما ذكره الشارح لكلامه مصير منه إلى الاكتفاء بذكر السبب، والظاهر الأول» (^٢).
قلت: وقد يقال: لم يكتف هذا الرجل بذكر السبب إلا في شاهد واحد انضم إلى مَنْ بَتَّ شهادته، فيتركب منهما الجزم بأنَّ المشهود به الملك؛ لأنَّ الثاني شهد بمستند الأول، فهما متعاضدان، فلا يؤخذ من هذا - مع كونه غير مُسَلَّم - الاكتفاء بذكر السبب مطلقا.
_________________
(١) زاد في ظ ١: (البت)، والسياق يقتضي إسقاطها.
(٢) انظر: الشرح الكبير: (١٣/ ٢٩٠) و(١٣/ ٧٣). وفي ص: (والظاهر خلافه).
[ ٣٨٧ ]
ونظيره: لو شهد ثلاثة بالزنا ووصفوه، وشهد الرابع ولم يصفه، ففيهم قول أنهم لا يُحدون؛ لمثل ما ذكرناه.
وفي «الإشراف» للقاضي أبي سعد: «أنه لو شهد بأنَّ الشيء استفاض بين الناس لم يُرتّب على شهادته شيء؛ لأنَّ الشيء قد يستفيض بين الناس وهو يعلم خلافه» (^١)، وهذا حق، وكلُّ هذه النقول إذا اقتصر على المستند، فلا شك في أنه مردود.
الصورة الثالثة: أن يجمع بين ذكر السبب والشهادة، غير أنه لا يبت شهادته، بل يظهر منه التردد، وأن ذلك هو الحامل له على ذكر السبب، فَرُبَّ مَنْ يذكر مستنده تقويةً لما يشهد به، ورُبَّ مَنْ يذكره ارتيابًا وتأدية للأمانة فيما ينقله، فهذا يظهر أن لا تقبل، وأن يُحمل عليه كلام من دلَّ كلامه على أَنَّ ضَمَّ ذكر السبب إلى الشهادة مانع، فيقال: محله في الذكر لضرب من التشكيك، لا في الذكر للتقويةِ أو لمجرَّدِ حكاية الحال، وبهذا تجتمع أطراف الكلام، وهو الحق إن شاء الله تعالى.
مسألة: وأن من شرط قبول الشهادة انتفاء الأغراض، بحيث يكون الشاهد ممن يملك نفسه عن اتباع هواه في الرضا والغضب، وهذه عبارته في كتاب «نور الربيع»: «لا بُدَّ عندي في العدالة من وصف لم يتعرضوا له، وهو الاعتدال عند انبعاث الأغراض، حتى يملك نفسه عن اتباع هواه، فإنَّ المتقي للكبائر والصغائر، الملازم لطاعة الله وللمروءة؛ قد يستمر على ذلك ما دام سالمًا من الهوى، فإذا غلبه هواه خرج عن الاعتدال، وانحل عصام التقوى فقال ما يهواه.
_________________
(١) انظر: كفاية النبيه: (١٩/ ٢٢٢).
[ ٣٨٨ ]
وانتفاء هذا الوصف هو المقصود من العَدْل، كما يشير إليه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ [الأنعام: ١٥٢]، وقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣]، فكم من صالح لا شك في صلاحه من عصمته أن لا يجد، وفي نفسه أن لا يعصي، فإذا جرت عليه المقادير وغلب هواه؛ قامت نفسه، فانبعث منها ما لا يبقى معه صلاح.
فلا بُدَّ أن يُمتحن الصالح حتى يُعرَف حاله في الرضا والغضب، وعند الأغراض، فإذا استوى كلامه فهو العدل، وإلا فليس بعدل وإن كان صالحا قبل حصول ما يُغَيّره، فالعدالة هيئة راسخة في النفس تحمل على الصدق في القول في الرضا والغضب، ويُعرف ذلك باجتناب الكبائر، وعدم الإصرار على الصغائر، وملازمة التقوى، والاعتدال عند انبعاث الأغراض، حتى يملك نفسه عن اتباع هواه، فقد رأيتُ مَنْ لا يُقدِم على ذنب فيما يعتقد، ثم يستر هواه على عقله، أعاذنا الله من ذلك. انتهى كلامه.
وهو الحق الذي لا مرية فيه، ولا أعتقد فيه مخالفا وإن سكتوا عنه، فلعلهم (^١) اكتفوا بلفظ العدل.
وقد كنت أنا أقول: يشترط مع ذلك أن لا يكون متلبسا حال تأديته الشهادة بمعصية، وإن كانت صغيرةً تُغتفر لمن لا يتلبس بها حال الأداء؛ لأنَّ المعاصي من حيث هي منافية للعدالة، إلا أنَّا اغتفرنا الصغائر لقلة التصون عنها وعسره، وكون المسلم لا يسلم من الذنب الفَيْنَةَ بعد الفَيْنَةِ، وذلك لا يَقِلُّ ولا يَعسُر وقت الأداء، فلمنصب الشهادة أبهة تنافي المعاصي عنده كبيرها وصغيرها، ثم رأيتُ
_________________
(١) في ظ ١: (فكونهم)، والمثبت من سائر النسخ.
[ ٣٨٩ ]
أن هذا داخل في المروءة، فكأن من تلبس بالمعصية حال الأداء لا مروءة له.
فإن قلت: وما ذلك على رد المتلبس بصغيرة حال الأداء؟
قلت: فروع عددتها في «الأشباه والنظائر»، منها قول القاضي الحسين: «إذا جلس شهود النكاح على حرير لم ينعقد بهم» (^١)، فقد ظن بعض الناس أن ذلك لكونهم فسقة، وهو خطأ؛ لأنه ليس بكبيرة، وإنما ذلك لأنهم ظهر منهم في الحال ما يضعف الوثوق بهم.
ولو ادعى على اثنين أنهما رهناه عبدهما، فزعم كل منهما أنه لم يرهن نصيبه، وإنما شريكه رهن، وشهد عليه، ففي قبول شهادته وجهان في «الرافعي» في «باب الاختلاف في الرهن»، رأي الشيخ أبي حامد عدم القبول، ووجهه عندي ما ذكرت، لا ما فهمه عنه الرافعي كما ذكرت في «الأشباه والنظائر» (^٢).
* مسألة: وأن الصبا لا ينافي العدالة، فرب صبي عدل، غير أنه ينافي قبول القول، فالبلوغ شرط لقبول قوله لا لعدالته، وظاهر كلام الشيخين وغيرهما أنه ينافي العدالة (^٣)، وهو خلاف لفظي، والتحقيق ما قاله الشيخ الإمام.
* مسألة: وأنه إذا رآه يستخدم صغيرا يأمره وينهاه؛ لا يجوز أن يشهد له بالملك - وإن سمعه يقول: "إنه ملكي" - ما لم يستفض ذلك، ذكره في «باب اللقيط»، وهو قول شيخه ابن الرفعة، والنووي صحح هناك أنه إن سمعه يقول: "هو ملكي" شهد له (^٤).
_________________
(١) انظر: الأشباه والنظائر للسبكي: (١/ ٤٥٢).
(٢) انظر: الشرح الكبير: (٤/ ٥٢٩)، الأشباه والنظائر للسبكي: (١/ ٤٥١).
(٣) انظر: الشرح الكبير: (١٣/ ٥)، روضة الطالبين: (١١/ ٢٢٢).
(٤) انظر: روضة الطالبين: (٥/ ٤٤٥، ٤٤٦)، كفاية النبيه: (١٩/ ٢٢٢).
[ ٣٩٠ ]
مسألة: وأنه لا يحِلُّ لشافعي لعب الشطرنج مع من يعتقد تحريمه.
مسألة: وأنَّ مَنْ كفَّر واحدًا من العشرة المشهود لهم بالجنّة ﵃، أو ممن بايع تحت الشجرة إلا صاحب الجمل الأحمر، أو أهل بدر = رجع عليه تكفيره وكَفَرَ (^١)، قال: «وهذا أقوله في كل مقطوع بموته على الإيمان»، وتردَّدَ فيمن كفَّر عمر بن عبد العزيز، ومالكًا، والشافعي وأضرابهم، ومال إلى تكفير من يُكفِّرهم، قال: «ولا نعلم أحدًا كَفَّرَهُم، ولكن ضربنا هذا مثالًا»، قال: «وقولُ النووي (^٢): إنَّ الصحيح أنَّ الخوارج لا يُكفّرون؛ لا أوافقه عليه، بل لا بد عندي من هذا التفصيل».
مسألة: وأنَّ من قال للمولى: "أعتق عبدك عني على خمر"، فقال: "أعتقتُ"، لم يقع العتق، وهو قول القاضي الحسين، صوبه الوالد ﵀ في «حواشي الرافعي»، وجزم الرافعي، والنووي في «باب الظهار» أنه يقع (^٣).
مسألة: وأنه لو أعتق ثُلُثَ كلّ عبدٍ من عبيده، ولا مال له سواهم، واقتضى الحال الإخراج من الثلث = عتق ثلث كلّ كما أعتق، ولم تُحكّم القرعة في ثلثهم، وصحح الشيخان الإقراع وإعتاق ثلثهم لا ثُلُثَ كلهم (^٤)، فهو يُعتق ثلُثَ كلّهم، والشيخان يعتقان كلَّ ثُلثهم، وهو يشقص، وهما يشخّصان.
مسألة: وأنه يجوز الاعتياض عن نجوم الكتابة، ذكره في «باب الشفعة».
_________________
(١) جاء في حاشية ظ ١، ز: (قلت: هذا حسن إذا كان قد علم بالنص الوارد في الشهادة لهم بالجنة والرضا من الله عنهم، أما لو جهل ذلك ففيه وقفة)، وعزاه ابن قاضي شهبة في حاشية إلى الأذرعي.
(٢) انظر: روضة الطالبين: (١/ ٣٥٥).
(٣) انظر: الشرح الكبير: (٩/ ٣١٢)، روضة الطالبين: (٨/ ٢٩٤).
(٤) انظر: الشرح الكبير: (٧/ ١٣٦)، روضة الطالبين: (٦/ ٢٠٥).
[ ٣٩١ ]
مسألة: وأن تدبير (^١) الصبي المميز صحيح، قلته تخريجًا، ولم أسمعه منه، ولا صرح به.
فهذا ما يحضرني (^٢) مما خالف فيه النووي، ولعلّي لو أمعنت في الكشف لوجدت شيئًا كثيرًا غير ما ذكرت (^٣).
ولم أذكر ما قاله تخريجًا - وإن لزم منه مخالفة النووي ـ؛ لأنه تفقه لا نَقْل، وكان مقصدنا الاقتصار على تخالفهما (^٤) في ترجيح المنقول.
ومن أمثلة هذا (^٥) قوله تخريجًا في أوائل «كتاب الفرائض»: «إنه يجوز لمن لا وارث له أن يوصي للأرحام (^٦) بجميع ماله، وكذا من له وارث غير حائز بالفاضل، وإن زاد على الثلث.
قلت: ويشاكله وصيَّةُ المستأمن بجميع ماله، وقد ذكر (^٧) القاضيان: أبو سعد وشريح في «أدب القضاء» أنها صحيحة في الجميع، خلافًا لأبي علي الثقفي (^٨) في الزائد على الثلث، وقدم القاضي أبو سعد قبله مما يشاكله قول ابن سريج في الموصي بعتق عبيد لا مال له سواهم إذا ماتوا: أنهم يعتقون.
_________________
(١) في ز: (التدبير من).
(٢) زاد في ز: (الآن).
(٣) في ظ ٢، ك: (لوجدتُ أزيدَ)، وأشار في حاشية ظ ١ إلى أنه نسخة.
(٤) في ظ ١: (مخالفتهما)، والمثبت من سائر النسخ.
(٥) قوله: (هذا) ليس في ظ ١، ظ ٢، والمثبت من بقية النسخ.
(٦) في ك: (لذوي الأرحام).
(٧) في ظ ١: (ذكره)، والمثبت من سائر النسخ.
(٨) هو: محمد بن عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن عبد الوهاب الحجاجي النيسابوري، فقيه، زاهد، واعظ، توفي سنة: ٣٢٨ هـ، انظر: طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة: (١/ ١١٨).
[ ٣٩٢ ]
تنبيه:
وثَمَّ مسائل لم يخالف فيها الشيخين ولا وافقهما، بل توقف لتعارض النظر عنده، فلم يذكرها؛ لأنه لا قول له فيها في الحقيقة.
منها (^١): قوله وقد حكى القولين في رهن ما يُسرع إليه الفساد بمؤجل، مجردًا عن شرط البيع عند الإشراف أو عدمه، وذَكَرَ ترجيح الشيخين أنه يفسد، وقول الرافعي في «الشرح الصغير»: «إنَّ الأظهر عند الأكثرين أنه يصح» (^٢) =: «لم يصحح القاضي أبو الطيب شيئًا من القولين، ولي فيه أُسوة، فإنَّ النظر بينهما متجاذب».
ومنها: قوله في «الحلبيات»، وقد ذكر تصحيح النووي ثبوت الوقف، والعتق، والولاء بالاستفاضة =: «إنه متوقف في الترجيح في ذلك» (^٣).
ومنها: قوله، وقد حكى القولين فيما إذا استلحق اثنان صغيرًا، وأقاما بيّنتين متعارضتين، وقد ذكَرَ قولَ «المنهاج»: «أنهما يسقطان في الأظهر» =: «سقوطهما كتساقط بينتي الأملاك المتعارضتين عند أبي إسحاق، وهو الذي يظهر في بادئ الرأي أن يكون هو الراجح، ويُرجع إلى قول القائف، وقال ابن أبي هريرة: «لا يتساقطان، وتُرجَّح إحداهما بقول القائف»، وكلام الشافعي والأصحاب يقتضيه، لكنه لا يستمر، ويحتاج إلى تأويل» (^٤).
_________________
(١) في ظ ١: (مثل).
(٢) انظر: الشرح الكبير: (٤/ ٤٤٦، ٤٤٥)، روضة الطالبين: (٤/ ٤٨).
(٣) انظر: قضاء الأرب في أسئلة حلب ص ٣٤٥، ٣٤٤.
(٤) انظر: الشرح الكبير: (٦/ ٤١٦)، منهاج الطالبين ص ١٧٨.
[ ٣٩٣ ]
فهذا منه تردُّدٌ في الترجيح، وقد ذكَرَ أنَّ الوجهين لا ترجيح بينهما عند الأصحاب، وظاهر عبارة النووي ترجيح قول أبي إسحاق.
ومنها: الوجهان في كيفية تقبيل المحتضر للقبلة:
أحدهما: يُضجَع على جنبه الأيمن مستقبل القبلة، كالموضوع في اللحد، قال: «وفي «الروضة» أنه الصحيح، وهو المنصوص» (^١).
والثاني: يُلقى على قفاه، وأخمصاه إلى القبلة، قال: «وذكر الإمام أنَّ عليه عملُ الناس»، ثم ذكر في مستند أصل التوجيه إلى القبلة على الجملة حديث البراء بن معرور، ثم قال: «قال الحاكم: ولا أعرف في المحتضر حديثًا غيره»، فأشار إلى التوقف في تصحيح (^٢) واحد من الوجهين؛ لأنه لم يرد حديث في الكيفية، وكلّ من الكيفيتين محتمل، وقد مال الشيخ الفركاح إلى ما عليه العمل، وقال: «قد يضعف المحتضر عن أن يُلقى على جنبه»، ولا بأس بما قاله.
ومنها: قوله: «ولو تسخَّر للصوم أو عزم في أول الليل أن يتسخَّرَ في آخره؛ ليقوى على الصوم، قال المتولي وصاحب «العدة»: لا يصح، وعن أبي العباس الروياني: لو قال: "أتسخَّر للصوم"، أو شَرِبَ (^٣) لدفع العطش نهارًا، أو امتنع عن الأكل مخافة الفجر، كان ذلك نيَّةً للصوم»، قال الرافعي: «وهذا هو الحق إن خطر بباله الصوم بالصفات المعتبرة؛ لأنه إذا تسحر ليصوم فقد قصده» (^٤)، انتهى.
_________________
(١) انظر: روضة الطالبين: (٢/ ٩٧، ٩٦).
(٢) كذا في ظ ١، م، وزاد في بقية النسخ: (كل).
(٣) في ك: (أشرب).
(٤) انظر: الشرح الكبير: (٣/ ١٨٤).
[ ٣٩٤ ]
وقد أحسن من حيثُ تبرأ عن الترجيح في المسألة؛ لما ستعرف، ومن حيث نقله عن المتولي؛ فإنها زيادة ليست في «الشرح» و«الروضة»، وقصر من حيث قوله: «صاحب العدَّة»، فإنَّ ذلك يوهم أنه الحسين بن محمد الطبري، فإن صاحب «العدة» إنما يُعنى به هو، وإنما هذا أبو المكارم الروياني، له كتاب اسمه «العدة»، وهو وكتابه غير مشهورين، وباسمه صرّح الرافعي، أما «العدَّة» المشهورة فليست هذه المسألة فيها بالكلية.
ثم في المسألة مهم؛ فإنَّ ما قاله المتولي وأبو المكارم هو الذي ذكره (^١) صاحب «البحر» فيه، وهذه عبارته: «لو قام في (^٢) آخر الليل فقال: "أتسحر لأقوى على الصوم"؛ لا يكفي في النية بلا خلاف» (^٣)، فقد توافق على عدم الاكتفاء المتولي، وتبعه الروياني كما رأيتَ، ونفى الخلاف، وتبعه ابن أخته أبو المكارم في «عدته» كما حكاه الرافعي، ولا يُعرف خلافه إلا عن أبي العباس الروياني.
وفي النفس منه شيء؛ فإنَّ صاحب «البحر» ولد ولده، وكتابه من جوامع كتب المذهب، ولم يذكر هذا فيه، وأبو المكارم من أهل بيته، ولم يذكر هذا أيضًا، فمن الذي نقل هذا عن «النوادر»؟ وكيف خفي هذا على أقارب أبي العباس؟
والرافعي لم يجزم بنقله عن «النوادر»، بل عزاه إلى حكاية بعضهم، ولسنا على ثقة منه، إذ الغالب على الظن أنه لو كان لكان عند ابن ابنه منه علم، ولو كان لمَّا أغفل عنه كتابه (^٤).
_________________
(١) كذا في ظ ١، م، وفي بقية النسخ: (قاله).
(٢) قوله: (في) زيادة من ظ ٢، ز، ك، ص.
(٣) انظر: بحر المذهب: (٣/ ٢٣٣).
(٤) في ز، ظ ٢، ك: (البحر) بدل (كتابه).
[ ٣٩٥ ]
ثم قول الرافعي: «إنه الحق» غير مسلم، فإنه لا يلزم من تسخره ليصوم قصد إيقاع الصوم الذي هو النية، وإلى هذا أشار صاحب «التتمة» بقوله: «لأنه لم يوجد منه القصد إلى الشروع في العبادة» (^١)، فقد تبين أن ما ادعى الرافعي أنه الحق، وسكت عليه النووي ثم الوالد مستدرك: نقلا - إذ لسنا على وثوق بأنه قيل به في المذهب - وعقلا؛ لما أبديت من المعنى.
ومن العجب أن الرافعي - فيما يظهر - وقف على كتاب «البحر» في هذا المكان؛ لأنه نقل عنه قبل هذا بأسطر شيئا، ولم ينقل عنه هذا الفرع، واقتصاره في النقل هنا عن أبي المكارم ابن [أخته] (^٢) يشبه اقتصاره فيما إذا قيل لرجل: "يا زيد"، فقال: "امرأة زيد طالق" = على أن شريحا الروياني نقل عن جده أنه يقع الطلاق، وقيل: لا يقع حتى يريد نفسه؛ لجواز أن يريد زيدا آخر، قال الرافعي: «وليجئ هذا الوجه فيما إذا قال: "فاطمة طالق"، واسم زوجته فاطمة»، قال: «ويشبه أن يكون هذا هو الأظهر» (^٣).
قلت: والمسألة مذكورة في «البحر»، ويغلب على الظن أنه حصل نقص فيما نقله الرافعي أو فيما نقله شريح؛ فإن الذي في «البحر» قبيل «باب الرجعة»: لو ناداه رجل فقال: "يا زيد"، فقال مجيبا له: "امرأة الزيد طالق"، وقع الطلاق، وإن قال: "امرأة زيد طالق"، لم يقع إلا أن يريد نفسه، وفرق بأنه لما عرفه (^٤)
_________________
(١) انظر: المجموع: (٦/ ٢٩٨).
(٢) في ظ ١: (ابن أخيه)، وبلا نقط في م، ق، وليست في بقية النسخ، وقد سبق قبل قليل أنه ابن أخته. وانظر: المهمات في شرح الروضة والرافعي (١/ ١٣٨).
(٣) انظر: الشرح الكبير: (٨/ ٥٣٢).
(٤) في ظ ١: (عرف)، والمثبت من سائر النسخ.
[ ٣٩٦ ]
بالألف واللام في الأوّل كان إيقاعًا أو إقرارًا، يعني: لأنَّ اللام للعهد، وفي الثاني نَكِرةً فاقتضى زيدًا واحدًا، فكان الرُّجوع إليه واجبًا في تعيينه» (^١)، انتهى مُلَخَّصًا.
فقد جَزَمَ في الصّورة التي اقتصر الرّافعيُّ على ذكرها بالمراجعة (^٢)، ولعلَّ ما نقله عن شريح عن جده إنّما هو في الصورة الأولى، ولا يخفى أنّ دُخول اللام على المعرفة ودعوى أنَّ زيدًا عند عدم دُخولها نَكِرةٌ كلاهما ناء عن لسان العرب، فإنّهم لا يُدخلون اللام على الأعلام، ولا يعقلون عَلَمًا نَكِرةً، ويؤوِّلون نحو:
رَأَيْتُ الْوَلِيدَ بْنَ الْيَزِيدِ … (^٣)
ونحو:
عَلَا زَيْدُنَا يَوْمَ النَّقَا رَأْسَ زَيْدِكُمْ … (^٤)
فإن قلت: ما الذي يترجّح عندك؟
قلت: إن كان الاسم ممّا عُرِفَ أنّه يُغضبه ـــ جامدًا كان أو مُشتقًا ـــ فلا يقع طلاقه جَزْمًا، وهذا كمن يقال له: "يا جاهل"، فيقول: "امرأة الجاهل طالق"، فإنه لم يقصد إلا أني لست بالجاهل، وإلا فيقع، ولا بأس عندي (^٥) بتنزيل الخلاف على الحالتين.
ومنها: هل يجوز للابس الخفّ أن يُجدّد الوُضوء قبل الحدث؟ توقّف
_________________
(١) انظر: بحر المذهب: (١٠/ ١٧٢).
(٢) كذا في ظ ١، م، وفي بقية النُسخ: (بالرُّجوع إليه).
(٣) تمام البيت: «مباركًا شَديدًا بأعباء الخلافة كاهله»، انظر: شرح شواهد المغني: (١/ ١٦٤).
(٤) تمام البيت: «بأبيض من ماء الحديد يمان»، انظر: الكامل في اللغة والأدب (٣/ ١١٦).
(٥) قوله: (عندي) زيادة من ز، ص.
[ ٣٩٧ ]
الشيخ الإمام في ذلك، وهي مسألة مليحة، وقال ابن الرفعة في «الكفاية» (^١): «لا شك أنه مكروه»، وجزم النووي في «شرح المهذب» بأنه مستحب (^٢)، واقتضى قول الرافعي ما نصه: «لنا: أن وقت جواز المسح يدخل بالحدث» (^٣) = أنه لا يجوز.
_________________
(١) انظر: كفاية النبيه: (١/ ٣٤٨).
(٢) في ظ ١: (يستحب)، والمثبت من سائر النسخ. وانظر: المجموع: (١/ ٥٢٥).
(٣) انظر: الشرح الكبير: (١/ ٢٨٤).
[ ٣٩٨ ]