ومنه إلى آخر الفقه تقلُّ المسائل؛ لأنه ﵀ قبض عندما كتب قدرًا يَسِيرًا من «كتاب الطلاق»، وليس له بعده تصنيف مستقل، إنما هي مسائل صنف فيها مفردةً، ومسائل سمعتها مشافهة، فمما كثر فيه تصنيفه: «المسألة السريجية»، وقد كان يذهب فيها أولًا إلى رأي ابن الحداد، وصنف في ذلك كتاب «قطف النور في مسائل الدور»، قرأته عليه بدرس المدرسة (^١) الأتابكية في سنة ثلاث وأربعين وسبعمئة، وصنف أيضًا (النور في الدور).
ثم رجع إلى وقوع الثلاث، وصنف في الوقوع تصنيفا مستقلا، ثم هذبه، وأملى علي إملاء، هو الذي استقر عليه رأيه، ثم لخص ما أملى عليَّ في أسطر يسيرة، ها أنا أحكيها من خطّه، قال ﵀ - ومن خطه نقلتُ:
اختياري في المسألة السُّريجية وقوع المنجز، وكذا يقع من المعلق تكملة الثلاث، إلا أن يُفضي إلى أن تكون العِدَّة انقضت بينهما، فإنه إذا قال: إن وقع عليكِ طلاقي فأنتِ طالق قبله ثلاثًا، قال بعضهم: التعليق باطل؛ لمنافاة الجزاء للشرط، وهذا باطل؛ لأنه إذا فسخ نكاحها ثم تزوجها غيره ودخل بها، ثم رجعت إلى الأول، ثم طلقها في النكاح الثاني = فإن قلنا: القبلية مُضَيَّقة؛ تُخرَّج على عود الحنث، إن عادَ دَارَ، وإلا فلا، ووقع المنجز، وإن قلنا: القبليّة متسعة بان وقوع الثلاث في النكاح الأول؛ لأنَّ المعلق عليه تطليق غيرُ مُقَيَّد (^٢)
_________________
(١) قوله: (المدرسة) ليس في ظ ١، والمثبت من سائر النسخ.
(٢) في ك، م، ص: (معتد).
[ ٣٥٠ ]
به، والمعلق مقيد بالقبلية.
فقد بان بهذه المسألة أنَّ التعليق ليس محالا كما ظنه بعضهم، فإذا نجَّزَ واقتضى الحال الدور تعارض معنا ما يقتضي إلغاء إما المنجز وإما المعلق، وإلغاء المعلق أولى؛ لأنه ناشئ عن تصرفه، ووقوع المنجز ناشئ عن حكم الشرع، وهو في نظر الشرع أقوى من المعلق، فيرجح عند التعارض، وإنما قلتُ: تكمل الثلاث عند الإمكان؛ لصحة التعليق)، انتهى.
وهو الذي استقر عليه رأيه (^١) ومات عليه، وإن كان ذكر المسألة قبيل «باب الصداق» من «شرح المنهاج»، ولم يذكر لنفسه فيها ترجيحًا، وآخر الأمرين منه ما ذكرناه، وذكره أيضا في أول «النور»، مصنَّف قديم له في المسألة، ورجح الشيخان وقوع المنجز فقط (^٢).
مسألة: ورجح أنَّ "ما" مثل "متى" لا مثل "إذا"، فإذا قال: "ما لم أطلقكِ فأنتِ طالق"، يكون كما إذا قال: "متى لم أطلقك "، لا كما إذا قال: "إذا لم أطلقك "، ذكره فيما أملاه علي من الكلام على قوله تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة: ٢٣٦]، أملاه علي ليلة الثلاثاء ثالث عشر جمادى الآخرة سنة أربع وأربعين وسبعمئة، وسأتكلم على ذلك في المستدرك، فإني لم أجدهم فرقوا بين "متى" و"إذا" فيما نحن فيه.
مسألة: وأنه إذا قال: "حفصة وعمرة طالقان إن شاء الله "، عاد الاستثناء إليهما، ولم تطلق واحدة منهما، وبه جزم صاحب «الذخائر»، رأيته فيه، وسبقه
_________________
(١) في ق: (حاله).
(٢) انظر: الشرح الكبير: (٩/ ١١١)، روضة الطالبين: (٨/ ١٦٢).
[ ٣٥١ ]
إليه صاحب «التهذيب»، ووقع في «الشرح» و«الروضة» نقلا عن «التهذيب» تصحيح أنه يعود على عمرة فقط (^١)، فصرح الوالد بالقطع بمخالفته، ذكره في «باب الوقف».
قلت: والذي في «التهذيب» هو ما قاله الوالد، وسقط على الرافعي شيء، فنقل عن «التهذيب» بحسب النسخة التي وقعت له، وهي غلط مر عليه وسكت، وإنما قال البغوي ذلك في "طالق" لا "طالقان"، والصور على ما تحرر لي ثلاث:
"أنتما طالقان إن شاء الله"، يعود الاستثناء إليهما جزما، وبذلك صرح صاحب «البحر» (^٢).
و: "حفصة وعمرة طالقان إن شاء الله"، وهي مثلها، وبها صرح البغوي (^٣) ومجلي، ولم أر الروياني ذكرها.
و: "حفصة وعمرة طالق إن شاء الله "، وبها أيضا صرح البغوي، وصحح أن حفصة لا تطلق، وصاحب «البحر»، وصحح أنها تطلق (^٤)، ولم يحك عدم الطلاق (^٥) إلا عن الحنفية وبعض أصحابنا، وما فعله أوفق لقواعد أصحابنا، فليكن المعتمد ما صححه من الطلاق، فهو الذي يظهر لي نقلا وتفقها، هذا في "طالق"، أما "طالقان" فلا وجه للخلاف فيها، إنما هو غلط في النسخ كما تبين لك.
_________________
(١) انظر: التهذيب: (٦/ ٩٥)، الشرح الكبير: (٩/ ٣٥)، روضة الطالبين: (٨/ ٩٧).
(٢) انظر: بحر المذهب: (١٠/ ١٣٢).
(٣) انظر: التهذيب: (٦/ ٩٥).
(٤) انظر: بحر المذهب: (١٠/ ١٣٢)، التهذيب: (٦/ ٩٥).
(٥) في ق: (الخلاف).
[ ٣٥٢ ]
مسألة: وأنَّ الطلقة المعلقة بصفة تقع مترتبة على الصفة، والأصح في أصل «الروضة» أنه يقع معها، وهو الخلاف في أنَّ العلة سابقة على المعلول أو مقارنة له، والشيخ الإمام يرى أنها سابقة، والرافعي - تبعا للإمام والغزالي - يَجْنَح إلى أنها مقارنة، وبه صرح النووي (^١).
مسألة: وأنَّ التعليق إيقاع، والمجزوم به في «الرافعي» و«الروضة» تبعا للغزالي - أنه ليس بإيقاع (^٢)، غير أنَّ هذا المجزوم به عند الشيخين وَهُمُ عند الشيخ الإمام، وهو قاطع بخلافه، وليس عنده من مسائل الخلاف في المذهب، وإنما هي هفوة أو عبارةٌ مُؤوَّلةٌ دعا إليها الاسترسال في الكلام، فلا ينبغي أن تُعَدَّ في هذا الباب (^٣).
مسألة: وأنه لا بد للأول من ثانٍ، قرّر ذلك في تفسيره «الدر النظيم» في تفسير (^٤) سورة الحشر، ومِن ثَمَّ رجّح أنه إذا قال: "إن كان أول ولد تلدينه من هذا الحمل ذكرًا فأنتِ طالق "، فولدت ذَكَرًا ولم تلد غيره = لا يقع الطلاق، وهو وجه ذكر النووي أنه شاد ضعيف مردود، وحكى الشيخ أبو علي في شرح الفروع اتفاق الأصحاب على خلافه (^٥)، ولم يوافقهما الوالد على ذلك، بل نصره، وأطال القول (^٦) فيه في الكتاب المذكور.
_________________
(١) انظر: نهاية المطلب: (١٤/ ١٢٣)، الوسيط (٥/ ٤٣٢)، الشرح الكبير: (٩/ ٧٥)، روضة الطالبين: (٨/ ١٢٩).
(٢) انظر: الشرح الكبير: (٩/ ٧٦)، روضة الطالبين: (٨/ ١٣٠، ١٢٩).
(٣) في ق: (في هذه المذاهب).
(٤) قوله: (تفسير) ليس في ظ ١، ق، والمثبت من بقية النسخ.
(٥) انظر: الشرح الكبير: (٩/ ٩٨)، روضة الطالبين: (٨/ ١٥٠).
(٦) في ق: (النظر).
[ ٣٥٣ ]
ووافق فيما إذا قال: "أول عبد يدخل الدار من عبيدي فهو حر"، فدخل واحد فقط، على أنه يُعتق، وهو أصح الوجهين عند الأصحاب، وقالوا في تعليله: إن شرط الأول أن لا يتقدمه غيره، وليس من شرطه أن يكون له ثان، فوافقهم الشيخ الإمام في الحكم وخالفهم في التعليل، وقال: «أول أَفعَلُ تفضيل لا بُدَّ له من مُفَضَّل عليه، لكن ليس من شرطه وجوده في الخارج، بل يكفي توقعه في الذهن، وقد كان دخول غيره متوقعًا، فصح وصف الداخل بالأولية وإن لم يدخل آخر».
وتظهر فائدة الخلاف بينهم فيما إذا قال: "أول عبد يدخل من عبيدي هؤلاء"، فماتوا إلا واحدًا، فدخل، فعلى مساق قولهم أنه (^١) يعتق، وقال الشيخ الإمام في تفسير سورة الدخان: «الأقرب عدم العتق؛ للعلم بأنه لا شيء يُتوقع بعده منهم، والتسمية بالأول تعتمد التوقع».
_________________
(١) قوله: (أنه) ليس ظ ٢، ك، م، وربما كان ذلك أظهر سياقًا.
[ ٣٥٤ ]