مسألة: مال الشيخ الإمام ﵀ إلى أَنَّ الظِّهَار خَبَرٌ، كما قال الغزالي في «الوجيز» (^١) في (^٢) «الظهار»، ونقله الرافعي في «الطلاق» عن بعضهم ساكتا عليه = لا إنشاء، كما نصره الرافعي في «الظهار» (^٣)، وذلك في مباحثة كانت بيني وبينه، وهذا شيء قد يُستنكر؛ لكونه يُحدِثُ حكم الظهار، وسأذكر تقريره في «باب العجائب والغرائب».
مسألة: وأنه (^٤) إذا قال: "إن لم أتزوج عليك فأنتِ عليَّ كظهر أمي"، تبيَّن بموت كلُّ واحدٍ (^٥) منهما بعد إمكان التزويج أنه كان مُظَاهِرًا قُبيل الموت، وفي لزوم الكفارة وحصول العَوْد وجهان.
قال ابن الحدَّاد (^٦): «تلزمه الكفارة، ويصير عائدًا عَقِبَ صيرورته مُظَاهِرًا». وقال الجمهور: «لا كفارة عليه، والعَوْد إنما يحصل إذا أمسكها بعد الظهار مُدَّةً يمكنه الطلاق فيها فلم يُطلِّق، ولا ضرورة هنا إلى تقديم الظهار وتقدير العَوْد». هذه عبارة الرافعي (^٧).
_________________
(١) انظر: الوجيز صـ ٨٣.
(٢) زاد في ز، ص: (باب).
(٣) انظر: الشرح الكبير: (٩/ ٣٣).
(٤) قوله: (وأنه) زيادة من ز، ص.
(٥) قوله: (واحد) من ظ ١، وليس في سائر النسخ ..
(٦) انظر: المسائل المولدات ص ٢٦٩.
(٧) انظر: الشرح الكبير: (٩/ ٢٨٢).
[ ٣٥٦ ]
وزاد النووي في أصل «الروضة»: أنَّ هذا هو الصحيح (^١). والحامل له على ذلك عزو الرافعي إياه إلى الجمهور، والحامل للرافعي في نسبته إلى الجمهور أنَّ الشيخ أبا علي قال في «شرح الفروع بعدما حكى كلام ابن الحداد ما نصه: «وأصحابنا قالوا: هذا غير صحيح، بل لا كفارة عليه؛ لأنا لا نحكم بالظهار ما لم يؤيس من التزويج، والزمان الذي لا يمكنه التزويج لا يمكنه أن يطلقها فيه، وإنما يصير عائدًا بأن يمسكها عقب الظهار مدَّةً يمكنه الطلاق فيها، ولا يتصف هو بذلك هاهنا عقب الظهار» (^٢)، انتهى.
وما أظنه يعني بالأصحاب جملة أصحاب الشافعي؛ فإنَّ الفرع من مولدات ابن الحداد، والرافعي يعترف بذلك، وإنما يعني المتكلمين على الفروع من الخراسانيين؛ ولذلك عزاه القاضي أبو الطيب في شرح الفروع» إلى بعض أصحابنا فقط.
واعلم أنَّ رأي الشيخ الإمام (^٣) هو قول ابن الحداد، ونقلتُ من خطه في حواشي الرافعي ما نصه: الصواب ما قاله ابن الحداد؛ فإنَّ الظهار يقع باليأس من التزوج، وهو يحصل إذا بقي زمان لا يسع إيجاب النكاح وقبوله، وهو أوسع من زمان النطق بحروف الطلاق، هذا بناء على المذهب في أنَّ اليأس معتبر، وإن كان للبحث فيه مجالٌ من جهة أنَّ المعلق عليه العدم لا اليأس من الوجود، والله أعلم، انتهى.
وقد صوَّب القاضي أبو الطيب قول ابن الحداد أيضًا، وقال عن قول من
_________________
(١) انظر: روضة الطالبين: (٨/ ٢٧٧).
(٢) انظر: الشرح الكبير: (٩/ ٢٨٢).
(٣) قوله: (الإمام) ليس في ظ ١، والمثبت من بقية النسخ.
[ ٣٥٧ ]
قال: «لا يصير عائدًا، ولا يلزمه الكفارة»: «هذا ليس بصحيح عندي، وإنما كان عائدًا؛ لأنه كان يمكنه إيقاع الطلاق عقب إيقاع الظهار بلفظة معلَّقة بالشرط بأن يقول: "أنتِ عليَّ كظهر أمي، وأنتِ طالقٌ عَقِيبَه إن لم أتزوج عليكِ"، فإذا لم يفعل وظاهر منها على وجه لا يمكنه إيقاع الطلاق عقيبه، ويكون ممسكًا؛ كان بمنزلة الممسك باختياره، والتارك للطلاق عَقِيبَه باختياره، فلزمته (^١) الكفارة»، انتهى، وهو منزع عجيب.