مسألة: وأنَّ ولاية (^١) المفضول مع وجود الفاضل لا تجوز (^٢)، ثم توقَّف في هذا آخرًا ومال إلى الجواز، ومِن ثَمَّ لم أذكر هذا في النظم، وإنما عددته هنا لاحتمال أن يقف عليه في كلامه من لم يعرف رجوعه.
مسألة: وأن نقل الثبوت في البلد جائز، وإن قلنا بما صححه الشيخان من أن الثبوت ليس بحكم.
مسألة: وأنَّ الثبوت حكم إذا كان ثبوتًا للمسبب، بخلاف ما إذا كان ثبوتًا للسبب، فإذا أُثبت أنَّ لزيد على عمرو ألفًا كان حكمًا بها، وإن أُثبت أنَّ زيدًا باع عمرًا دارًا بألف لم يكن حكمًا بالألف، قال: «ورجوع الشاهد بعد الثبوت وقبل الحكم لم أره منقولًا، والذي أختاره في القسم الثاني - يعني: إثبات الحق - أنه كالرجوع بعد الحكم، فلا يمنع الحكم، وفيما إذا أثبت السبب يمنع»، قال: «وفيه احتمال»، كذا ذكره في بعض مجاميعه بخطه.
وقال في «كتاب الأدلة» وفي «كتاب العلم المنشور»: «أنا أختار أنَّ الثبوت حكم بقبول البينة، وليس حكمًا بالحق المشهود به إذا كان مختلفا فيه، فلا يمتنع على من لا يراه نقضه، بل الممتنع عليه النظر في حال البينة، فيكتفي به؛ لأنه
_________________
(١) زاد في ز: (القضاء).
(٢) جاء في حاشية ظ ١: (قلت: هذا في المقلدين متعين، لا ينقدح فيه خلاف، لا سيما في القليل التحصيل كما هو الواقع، والله أعلم)، وأورده ابن قاضي شهبة في حاشية ز وزاد: (تقليلا للمفسدة حسب المكنة، وليس هذا موضع خلاف)، وعزاه للأذرعي.
[ ٣٧٢ ]
حكم بقبولها»، قال: «ولا يضر رجوع البينة بعد الثبوت فيما يظهر لنا، وإن لم نجده منقولًا»، انتهى ملخصًا.
وهو كالأول، وتحرر منه: أنَّ الثبوت حكم بقبول البينة مطلقا، سواء أكان ثبوتًا للسبب أم المسبّب، وليس حكما بالحق المشهود به، إلا إذا أثبت المسبب نفسه، وما ذكره من رجوع البينة بعد الثبوت وقبل الحكم مسألة مليحة.
مسألة: وأنَّ الحكم بالموجب صحيح، ومعناه الصحة مَصُونٌ عن النقض، كالحكم بالصحة، وإن كان أَحَطَّ رُتبةً منه، قال: «فإنَّ الحكم بالصحة يستدعي ثلاثة أشياء: أهلية المتصرف، وصحة صيغته، وكون تصرفه في محله، والحكم بالموجب يستدعي الأولين فقط».
وله فيه مصنفات منها «القول الموعِب في القضاء بالموجب».
مسألة: وأن ما لا يُنقض من أحكام المخالفين يجوز تنفيذه إن كان مما استقرت المذاهب عليه، ولم يكن عند الحاكم دليل على خطئه، إما لقصوره عن الاجتهاد حيث يجوز لمثله أن يكون حاكمًا، وإما لقوة الاختلاف وتقارب المآخذ عنده.
ولا يجوز تنفيذه إذا قوي نظر القاضي ولم يكن المذهب مستقرا، كأكثر ما يحدث من الوقائع وما يختلف الحكام فيه من حال الشهود والمتخاصمين وما بأيديهما من الحجج، بل يجب الإعراض عنه وإن لم يُنقض.
وهذا تفصيل بين وجهين مطلقين للأصحاب، أحدهما: أنه يُنفذ مطلقا، وعليه العمل، وصححه الشيخان (^١)، والثاني: يُعرض عنه، وهو منصوص
_________________
(١) انظر: روضة الطالبين: (١١/ ١٥٣).
[ ٣٧٣ ]
الشافعي، وكان الشيخ الإمام يميل إليه، ولكن استقر رأيه أخيرًا على هذا التفصيل، ذكره في «الفتاوى» وغيرها.
مسألة: وأن للقاضي أن يضم إلى الوصي غيرَه بمجرد الريبة وتوهُّمِ الخيانة وإن لم يثبت عليه خلل، قال: «والظاهر من كلام الرافعي والأصحاب خلافه».
قلت: وفي «الرافعي» وجهان في المشكوك في عدالته هل تُرفع يده (^١)؟ وقد ذكر الشيخ الإمام في «باب المساقاة» أنه لم يجد مسألة الريبة منقولةً.
قلت: ومسألة الريبة غير مسألة الشك، والمرتاب أضعف من الشاك، فلا يلزم من عدم الرفع بالريبة عدمُه بالشك، فالمرتاب به لا تُرفع يده، بل يضم إليه غيره، والمشكوك فيه في رفع يده هذا الخلاف، وأدنى الأحوال أن يُضم إليه غيره، والمشكوك لا يجوز نصبه ابتداءً، والمرتاب به جوز الشيخ الإمام تخريج نصبه على وجهين (^٢)، ثم يضم إليه غيره ابتداء، كما يضمه دواما.
مسألة: وأنَّ القاضي لا تُسمع عليه بيّنة (^٣)، ولا يُطلب بيمين أبدًا (^٤) فيما يتعلق بالقضاء، بخلاف ما يتعلّق بخاصة نفسه، قال ﵀ في «الحلبيات» (^٥): «وتوقفتُ في كتابة هذا، وخشيت أن يداخلني شيء لكوني قاضيًا، حتى رأيتُ
_________________
(١) انظر: الشرح الكبير: (١٢/ ٤٥٤)، روضة الطالبين: (١١/ ١٣٤).
(٢) جاء في حاشية ظ ١، ز: (قلت: ينبغي أن يقال: إن وُجد مَنْ لا ريبة فيه امتنع نصب من فيه ريبة، وإن لم يوجد إلا من فيه ريبة جاز نصب الأقل ريبةً فالأقل، والله أعلم)، وعزاه ابن قاضي شهبة في حاشية ز إلى خط الأذرعي.
(٣) في ظ ١: (البينة)، والمثبت من سائر النسخ.
(٤) في ق: (ابتداء).
(٥) انظر: قضاء الأرب في أسئلة حلب صـ ١١٥.
[ ٣٧٤ ]
بخطِّي من نحو أربعين سنة قولي بذلك». جزاه الله عن دينه وتحريه خيرًا، وجمعنا وإياه في دار كرامته.
مسألة: وأنَّ القاضي المعزول لا يحلف، وهو رأي الإصطخري، واستحسنه الرافعي، وهو الأصح في متن «الروضة» في الطرف الثاني من «الباب الثالث» من «كتاب الدعاوى» (^١).
مسألة: وأنَّ الحاكم يُسأل عن حُجته، ويطالب بمستنده إذا نقض حكمًا تقدمه، قال في «كتاب النظر المَعِيني»: «إنما لا يجب عليه بيان السبب إذا لم يكن حكمه نقضًا لحكم قبله، فإن كان فالوجه القطع بأنه لا يُقبل حتى يبين السبب» (^٢).
قلت: وهذا في الحقيقة تقييد لقول الشيخين وغيرهما من الأصحاب: «إِنَّ الحاكم لا يُسأل عن حجّة، بل لو قال على سبيل الحكم: "نساء البلد طوالق" قُبل منه» (^٣).
مسألة: وأنه إذا اشترى عينًا، وأُخِذت منه أو من المشترى منه، أو المتهب بحجة مطلقة = لا يرجع على البائع حتى تصرّح البينة بأنه مَلَكَه ملكًا مُستندًا إلى ما قبل البيع.
مسألة: وأنه إذا استعدى على حاضر في البلد وقعت الإجارة على عينه،
_________________
(١) انظر: الشرح الكبير: (١٢/ ٤٤٧)، روضة الطالبين: (١١/ ١٣٠). وجاء في حاشية ظ، ز ١: (قلت: وأحسب هذا في القاضي الظاهر العدالة، أو المستور، لا فيمن فسقه ظاهر، أو ظهر فسقه وخيانته، فتأمله)، وعزاه ابن قاضي شهبة في حاشية ز إلى الأذرعي في «شرح المنهاج».
(٢) علق ابن قاضي شهبة في حاشية ز: (أي: العالم الأهل، لا كل قاضي، فاعلم).
(٣) انظر: الشرح الكبير: (١٢/ ٤٤٥).
[ ٣٧٥ ]
وكان حضوره مجلس الحكم يعطل حق المستأجر = لم يحضره حتى تنقضي مدة الإجارة.
مسألة: وأنه إذا ادعى الوصي لليتيم على وصي ليتيم بمال في تركة مورث ذلك اليتيم، وأقام البينة = لم يوقف الحكم إلى أن يبلغ المدعى له فيحلف، بل يحكم الآن بما قامت به البينة، ويؤخذ الدين للصبي الذي ثبت له، وفي «الرافعي» و«الروضة» تخريج إيقاف الحكم على الوجهين في أن التحليف واجب أو مستحب؟ والمذهب أنه واجب (^١).
قال الشيخ الإمام: ف «من يطالع ذلك يعتقد أن المذهب أنه ينتظر ويؤخر الحكم»، قال: وليس كذلك، بل إن أمكن القاضي أخذ كفيل به حتى إذا بلغ يحلف فهو إحتياط، وإلا فلا يحلف، قال: «وهكذا أقول في الدعوى لصبي على بالغ حاضر أو غائب: إنه يحكم ولا يؤخر الحق».
وأطال الكلام على ذلك في كلام له أفرده على هذه المسألة.
مسألة: وأن القاضي حيث قبل هدية يحرم عليه قبولها؛ توضع في بيت المال، ولا ترد إلى صاحبها، وهو ما ذكر صاحب «البيان» أنه المذهب (^٢).
مسألة وأنه حيث قلنا بكراهة القبول لا يملكها المهدى إليه، والأكثر على أنه يملكها، ذكره في كتاب «فصل المقال في هدايا العمال» (^٣).
مسألة: وأنه يجب على القاضي قبض الدين الحال المقر به لغائب غير
_________________
(١) انظر: الشرح الكبير: (١٢/ ٥١٣)، روضة الطالبين: (١١/ ١٧٦).
(٢) انظر: البيان: (١٣/ ٣٤، ٣٣).
(٣) انظر: فصل المقال ص ١٠٦.
[ ٣٧٦ ]
وارث، أو يأذن لمن يقبضه إذا طلب المديون منه قبضه، وهو قضية جواب القفال؛ لأنه وإن أطلق في المسألة حكاية وجهين في «فتاويه» فقد جزم فيها بأنَّ للحاكم إيجار دار الغائب؛ لأنَّ المنافع تفوت، وصرّح بأنه نائب عن الغياب نيابةً شرعيةً لا تنتقض تصرفاته فيها عليهم إذا حضروا، وهو ما صرح به الوالد، ونقله عن الأكثرين في منازعة له مع ابن الصباغ.
مسألة (^١): وأنه يجب عليه أيضًا قبض العين المغصوبة لغائب إذا طلب الغاصب دفعها، وبه جزم القفال في «فتاويه» (^٢)، قال الشيخ الإمام ﵀: «وإذا لم يطلب فأولى بالوجوب».
مسألة: وأنه يجب عليه قبض دين غير الكتابة إذا لم يكن به رهن ولا ضمين، وأحضره بعد المحِلِّ في غيبة المستحق، كما يجب عليه دين الكتابة قطعًا، وكما إذا كان به رهن أو كفيل، قال: «وأما إذا أحضره قبل المحل فالأظهر الوجوب أيضًا، ويحتمل عدم الوجوب»، ذكر هذه المسائل في كتاب «السهم الصائب في قبض دين الغائب» (^٣).
مسألة: وأن من وجبت عليه يمين لا يجوز أن يفتديها بمال، ونقل النووي عن البويطي الجواز ورضيه (^٤)، قال الوالد ﵀: «التجويز من قول أبي يعقوب وليس من قول الشافعي».
مسألة: وأنَّ السيد يحلف إذا ادعت أمته الاستيلاد؛ لِيُمنع من بيعها
_________________
(١) قوله: (مسألة) زيادة من ظ ٢، ز، ك، ص.
(٢) انظر: فتاوى القفال صـ ٢٦٣، تحرير الفتاوى: (٣/ ٦٨٦).
(٣) انظر: السهم الصائب ص ٤١، ٤٠.
(٤) انظر: المهذب: (٣/ ٤١٥)، بحر المذهب: (١٤/ ٤٢٦).
[ ٣٧٧ ]
وتعتق بالموت، قال: «وقول الرافعي، والنووي، وابن الرفعة: «لا يحلف» محمول على ما إذا كانت المنازعة لإثبات النسب» (^١).
* مسألة: وأنه يصح دعوى الشفيع بحق الشفعة وإن لم يعين الثمن ولم يدع علم المشتري، ذكره بحثا في «باب الشفعة»، قال: «ومقتضى جزم الرافعي، والنووي أنها لا تصح» (^٢).
قلت: وبعدم الصحة صرح القاضي أبو سعد صاحب «الإشراف»، ويظهر سماعها بطريق الأولى إذا ادعى علم المشتري، وهو وجه رجح الشيخان خلافه.
* مسألة: وأن من ادعى على سفيه بدين معاملة قبل الحجر؛ سمعت (^٣) دعواه مطلقا لتقام (^٤) البينة، وهذا هو الذي ذكره الشيخان في «باب دعوى الدم»، وقال الوالد: «إنه المعتمد»، غير أنهما في «باب الحجر» قالا: «إن لم يقم البينة وقلنا: اليمين المردودة كالإقرار، وهو الصحيح = لا تسمع» (^٥). قال الوالد: «وهي طريقة، والصحيح السماع، وإنما التفصيل المذكور في التحليف»، ذكره في «باب الحجر».
* مسألة: وأن حكم الحاكم في المسائل الاجتهادية لا يغير الحكم باطنا، فلا تحل شفعة الجوار لشافعي حكم له بها حنفي، والرافعي قال: «ميل الأكثرين إلى الحل باطنا»، واعلم أن المسألة مهمة جدا، وليس لواحد من المشايخ الثلاثة
_________________
(١) انظر: الشرح الكبير: (٩/ ٥٤٦)، روضة الطالبين: (٨/ ٤٤٠)، كفاية النبيه: (١٤/ ٣٩١).
(٢) انظر: الشرح الكبير: (٥/ ٥١٧)، روضة الطالبين: (٥/ ٩٣).
(٣) في ق: (قبلت).
(٤) في م، ص، ق: (لقيام).
(٥) انظر: الشرح الكبير: (١١/ ٧)، روضة الطالبين: (٤/ ١٨٥) و(١٠/ ٦، ٥).
[ ٣٧٨ ]
فيها تصريح بتصحيح في كتبهم المشهورة، وغاية ما يُؤخذ من الرافعي ميله إلى الحِل، وتبعه النووي (^١)، ومن الشيخ الإمام في «شرح المنهاج» ميله إلى التحريم، وصرح به في كتاب «العلم المنشور».
وقد ذكر الرافعي المسألة في كتاب الشفعة، وفي «كتاب القضاء»، وفي «باب الدعاوى»، وفي باب دعوى الدم والقسامة، وفي «كتاب موجبات الضمان»، وقال في «باب القسامة»: «ميل الأئمة إلى ثبوت الحل باطنًا»، وقال في أثناء «باب الدعاوى»: «ميل الأكثرين إلى الحِلَّ باطنًا» (^٢)، وفي كلامه في موجبات الضمان ما يدل على ميله إلى التحريم.
وعزا الشيخ الإمام تصحيحَ الحِلَّ في «باب الشفعة» إلى أكثر الفقهاء (^٣)، والتحريم إلى الأصوليين، وقد تكلمت على المسألة مبسوطا جيدا إن شاء الله في «الأشباه والنظائر» (^٤) في قاعدة نقض القضاء.
مسألة وأنه لا يحِلُّ لشافعي طلب شُفعة الجوار مثلا من حنفي، وإن قلنا: يحِلُّ له بقضائه باطنا (^٥)، وقال الرافعي: «الصحيح حِلٌّ الطلب حينئذ»، كذا
_________________
(١) انظر: الشرح الكبير: (١٢/ ٤٨٤، ٤٨٣)، روضة الطالبين: (١١/ ١٥٤، ١٥٣).
(٢) انظر: الشرح الكبير: (١١/ ١١) و(١٣/ ١٩٩).
(٣) جاء في حاشية ظ ١: (إذا حكم الحاكم بصحة وقف الإنسان على نفسه موافقًا مذهبه؛ يحِلّ للشافعي مشتراه وتملكه والتصرف فيه سائر التصرفات الشرعية؛ لأن حكم الحاكم لا يغير باطن الأمر في الاجتهاديات، ولا يُمنع الشافعي منه إلا ظاهرًا سياسة شرعية، وقس على هذا كل ما في معناه، رأيته في آداب القضاء للغزي وغيره عن فتاوى ابن الصلاح، والله أعلم).
(٤) انظر: الأشباه والنظائر (١/ ٤١٦).
(٥) جاء في حاشية ظ ١، ز: (قلتُ: ويحسن أن يقال: إن اعتقد الشافعي بالدليل أن لا شفعة للجار لم يحِلَّ له الطلب، ولا يحِلُّ له بالحكم؛ لأنه يعتقد بالدليل خلافه، وإن كان عاميًّا صِرْفًا مُنتميا=
[ ٣٧٩ ]
لفظه: «الصحيح»، وهي لفظة نادرة من الرافعي، وتبعه عليها النووي (^١).
مسألة: وأنَّ الحكم ببيع الوقف المنهدم أو عودِهِ لورثة الواقف يُنقض، وقد تقدم.
مسألة: وأنَّ القاضي لا ينعزل بالإغماء، ورأيتُ صاحب «البحر» قد صرَّح بذلك فقال ما نصه: «لو أُغمي عليه - يعني القاضي - لم يؤثر في ولايته؛ لأنه مرض»، ثم قال: «وفيه وجه بعيد أنه ينعزل به، وليس بشيء» (^٢)، وهذا الوجه الذي ذكر أنه بعيد ليس بشيء هو المجزوم به في «الرافعي» و«الروضة» (^٣).
والقول بعدم انعزاله به وجه محكيٌّ في «الوكالة»، وفي «الحَكَمَين في الشَّقاق»، وقد حكاه الرافعي فيه، وقدمناه، ولم يحكه في القاضي، فيحتمل أن يقال: القاضي أولى بأن لا ينعزل به؛ فإنَّ الروياني صرح في «البحر» بأنَّ القضاء أقوى من الوكالة وأولى بعدم الانعزال، وهو ظاهر.
وبه صرح الشيخ الإمام في (^٤) «النكاح» فقال: «ولاية النكاح قوية، فلا يزيلها اليسير من الإغماء»، ثم قال: «ويُتَنَبَّه من هذا أيضا إلى أنه لا ينبغي أن يُلحق بالوكالة غيرها من الولايات التي هي أقوى رتبةً منها، كولاية القضاء،
_________________
(١) = إلى الشافعي فهذا ينقدح فيه الخلاف، ويُشبه أن يُبنى على الخلاف فيمن قلد إماما هل له أن يقلد غيره في بعض المسائل؟ إن قلنا: نعم، حلَّ له الأخذ، وإلا فلا)، وعزاه ابن قاضي شهبة في حاشية ز إلى خط الأذرعي.
(٢) انظر: الشرح الكبير: (١٢/ ٤٨٤)، روضة الطالبين: (٨/ ١٠) و(١١/ ١٥٤).
(٣) انظر: بحر المذهب: (١١/ ١٥٨).
(٤) انظر: الشرح الكبير: (١٢/ ٤٤١، ٤٤٠)، روضة الطالبين: (١١/ ١٢٦، ١٢٥).
(٥) زاد في ز، م: (مباحث).
[ ٣٨٠ ]
والإمامة العظمى ونحوهما».
ويُحتمل (^١) أن يُعكس، وفيه بعد.
وبكل حال الإغماء لا يعزل - عند الشيخ الإمام - متوليا عن ولايته مطلقا.
مسألة: وأن قول الأصحاب فيما لو شهد شاهدان أنه سرق ثوبًا قيمته عشرة، وآخران أن قيمته عشرون: (يلزمه الأقل) = مأخذه أنه المتيقن، والزائد مشكوك، فلا يلزم بالشك، وعلى هذا يتعارضان في الزائد، قال: «وينبغي أن يقال: إن وقع التعارض قبل الحكم فلا يُحكَم، أو بعده فلا ينقض، والضابط دائما أنا لا نفعل بالشك، فحيث تحققنا أقدمنا، وحيث شككنا أحجمنا».
والذي في «الرافعي» و«الروضة» في آخر «الدعاوى»: أنَّ مأخذه: أنَّ التي شهدت بالأقل لعلها اطلعت على عيب (^٢)، قال الشيخ الإمام: «وهذا لو تحقق كان يقتضي القطع بالحكم بأنَّ القيمة هي الأقل»، وعلى هذا سواء حصل التعارض قبل الحكم أو بعده لا اعتبار بالزائد، بل الأقل هو القيمة، ويجوز البيع بها حيث يجوز بالقيمة، وهو ما إذا كان للحاجة، أو للمصلحة الناجزة في البيع، ولا ينقض.
مسألة: وأنَّ من باع عبدًا ثم أقام البينة بأنه حُر، أو أقامها المتبايعان بعدما أحال بثمنه = سُمِعت البينة، ولا يمنع من ذلك تكذيبهما لها بعقد البيع؛ فإنه تكذيب ضمني، نعم؛ إن كان قد صرح واحد منهما عند عقد البيع أنه عبد (^٣).
_________________
(١) في ق: (وينبغي).
(٢) انظر: الشرح الكبير: (١٣/ ٢٨١)، روضة الطالبين: (١٢/ ٩٠).
(٣) في جميع النسخ: (حر)، لكن كتب فوقها في ظ ١: (عبد)، ولعله الصواب؛ لأنه بتصريحه=
[ ٣٨١ ]
لم يصح منه إقامة البينة.
وكذلك لو ادعى بعد البيع أنه وقف، وهو المنصوص، وقد ذكر المسألة في الصلح وفي «الحوالة» وفي «الضمان» وفي الغصب وغيره، وقال في «الضمان»: «رأيتُ من الحكام، وأكابر الفقهاء مَنْ يَغلط في ذلك، ويُلزم الناس بمقتضى عقود بياعات تصدر منهم، ولم يَقُم على ذلك دليل من كتاب ولا سنة، ولا قياس».
قلت: ويؤيده قول الروياني فيمن باع شيئًا ثم ادعى أنه لم يكن ملكه: «إنه إن لم يقل عند البيع: "هو ملكي"، سُمِعت دعواه، عزاه إلى النص، وهو عزو صحيح، فقد نقله الشيخ أبو حامد أيضًا في كتاب الغصب عن النص، وفي «الروضة» في «باب الدعاوى»: أنَّ القفال حكى عن العراقيين فيمن يدعي بعد البيع أنَّ المبيع موقوف أنه تُسمَعُ بينته.
وفي «الإشراف» للقاضي أبي سعد، وأدب القضاء» لشريح: "هذا العبد لفلان"، ثم ادعى الشراء منه، يعني ولم يمض زمان يحتمله = لم يصح؛ للمضادة، وعن ابن سريج الصحة، فإن مضى زمان يحتمل فيجوز؛ ذكره القفال، أما لو ادعى متصلا بالإقرار نحو: "هو له، وقد اشتريته منه" فيسمع.
ولو قال: "هو له، لا حق لي فيه"، ثم أقام بينةً على الشراء، قال العبادي: لا يُقبل حتى يدعي أنه اشتراه منه بعد الإقرار، قال: وعندي يقبل إذا كان بعد احتمال تلقي الملك منه (^١).
_________________
(١) = أنه عبد ثم إقامة البينة لاحقا على أنه حرّ يكون مكذبا نفسه تكذيبًا صريحًا.
(٢) قوله: (وفي الإشراف للقاضي … تلقي الملك منه) ليس في ظ ١، والمثبت من سائر النسخ.
[ ٣٨٢ ]