مسألة: وأنَّ الحضري أولى من البدوي عند التنازع في اللقيط، سواء وجداه في قرية أم بادية، وهو قول الماوردي، واختار النووي بعضه (^١).
مسألة: وأنَّ اللقيط إذا وجدت في ثيابه رقعةٌ فيها أن تحته دفينا؛ حُكم بدفع المنازع فيه وما يترتب عليه من التصرُّف، ولا يُحكم بصحة ملكه له ابتداءً، وهو توسط بين وجهين للأصحاب (^٢) إن قيل بِرَفْعِهِ ما اتفقوا عليه، فهو وما شابهه من مذاهبه الخارجة عن قانون المذهب، وإلا - وهو الصواب ـــ فهو من مُرجحاته على أصل الشافعي.
وتوقف فيما إذا أرشدت الرقعة إلى دفين بالبعد عن اللقيط.
مسألة: وأنَّ اللقيط المحكوم بكفره لا يُنفق عليه من بيت المال، وهو المحكي عن نص الشافعي، والمجزوم به في «الحاوي»، و«البحر» (^٣)، قال الشيخ الإمام في كتاب «كشف الغُمَّة»: «إنه الأقرب، وقال في «شرح المنهاج»: إنه الأصح عند غير الشيخين، قال: بل يُقسط على أهل الذمة»، قال: «ويكون ما ينفقونه دينًا لهم»، وبهذا كلّه صرّح الماوردي والروياني وغيرهما، وأما الشيخان فأقرب الوجهين عند الرافعي - وهو الأصح في أصل «الروضة» الإنفاق عليه من بيت المال (^٤).
_________________
(١) انظر: الحاوي: (٨/ ٤١)، الشرح الكبير: (٦/ ٣٨٧)، روضة الطالبين: (٥/ ٤٢٣).
(٢) انظر: الشرح الكبير: (٦/ ٣٩٠).
(٣) انظر: كفاية النبيه: (١١/ ٤٧٦).
(٤) انظر: الشرح الكبير: (٦/ ٤٠٦)، روضة الطالبين: (٥/ ٤٣٥).
[ ٣١٢ ]
قال الرافعي (^١): «إذ لا وجه لتضييعه، وفيه نظر للمسلمين، فإنه إذا بلغ أعطى الجزية»، انتهى.
وهذا الكلام يفهم أنه يُنفق عليه بالأصالة لا على سبيل القرض، وإلا لقال: إنه يُسترَدُّ منه، ويؤيده أنَّ الظاهر أنه يُجعل حينئذ كالمحكوم بإسلامه، وذاك يُنفق عليه بالأصالة، وحينئذ فهذا يناقض قوله في «باب السرقة» في أهل الذمة (^٢): ولا نظر إلى إنفاق الإمام عليهم عند الحاجة؛ لأنه إنما ينفق للضرورة، وبشرط الضمان، انتهى. إلا أن يقال: كلامه في السرقة مقصور على غير اللقطاء، فأنت بين أمرين:
إما أن تحمل كلامه في اللقيط على أنَّ النفقة بمعنى القرض لا بمعنى التبرع المحض (^٣)، ويكون محل الخلاف حينئذ في أنه هل يُقترض له من بيت المال أو من أهل الذمة؟ فأحد الوجهين من أهل الذمة؛ لأنَّ بيت المال مقصور على مصالح المسلمين، وليس هذا منهم، والثاني من بيت المال؛ لأنه من مصالحهم، فإنه إذا بلغ أَدَّى الجزية وإن كان يُسترَدُّ منه القرض أيضا.
وقد يُخرج وجهان في أنه هل يُنفق عليه من بيت المال قَرْضُ أو تبرع؛ لأنَّ أصحابنا قالوا فيمن أجرينا عليه حكم الإسلام فبلغ وأعرب عن الكفر: إِنَّا نسترجع ما أنفقنا عليه من بيت المال وإن تركناه على كفره، وقال بعض أصحابنا بخراسان: لا نسترجع؛ لأنَّ هذا الإنفاق كالتصدق عليه، ومن تصدَّقَ على كافر
_________________
(١) انظر: الشرح الكبير: (٦/ ٤٠٦).
(٢) انظر: الشرح الكبير: (١١/ ١٨٧).
(٣) قوله: (المحض) ليس في ظ ١، والمثبت من سائر النسخ.
[ ٣١٣ ]
لم يرجح، هذا لفظ «البحر»، وصاحب «الحاوي» جزم بالاسترجاع.
وإما أن تحمل كلامه في السرقة على غير اللقطاء.
وإن لم يرد أحد الكلامين إلى الآخر فهو تناقض منه، وما ذكره في السرقة على هذا مؤيد لما رجحه الوالد ﵀.
مسألة: وأن الجد إذا أسلم والابن حي لا يستتبع الابن، وهو رأي شيخه ابن الرفعة، وقال القاضي الحسين: «إنه المذهب» (^١)، قال الشيخ الإمام: «ولم يذهب أحد من الأصحاب إلى أن الجد لا يستتبع، سواء أكان الأب حيا أم ميتا، ولو ذهب أحد إلى تصحيحه لكان له وجه قوي».
مسألة: وأن الذمي إذا سبى طفلا كافرا منفردا عن أبويه حكم بإسلام الطفل، وأشار إلى تخصيص محل الوجهين بما إذا كان الذمي قد سرق المسبي من أهل الحرب، وقلنا: يختص به، أما إذا قلنا: لا يختص به - وهو ما ذكر الرافعي أنه الموافق لما ذكره أكثرهم - قال الشيخ الإمام: «فينبغي الجزم بكونه مسلما». وابن الرفعة تردد على (^٢) هذا بين الجزم بكونه مسلما، وطروق الخلاف، فخالفه الشيخ الإمام وقال: «بل ينبغي الجزم حينئذ» (^٣).
ومن غرائب المسائل: إذا قلنا بما صححه الشيخان من عدم الحكم بالإسلام؛ قال القفال في «فتاويه»: «يتبع السابي في دينه، فلو كان يهوديا والسابي نصرانيا أو بالعكس تبعه، وذلك قضية قولهم: إن السبي يستفتح له وجودا
_________________
(١) انظر: كفاية النبيه: (١١/ ٥٠١).
(٢) في ق: (فحكى) بدل: (على).
(٣) انظر: كفاية النبيه: (١٦/ ٤٢٨).
[ ٣١٤ ]
مطلقا حتى كأنه ولده».
وفيما قاله القفال نظر، ولا أعرف المسألة في غير «فتاويه» (^١).
مسألة: وأنَّ الصبي المميّز إذا أسلم وقلنا: لا يصح إسلامه؛ فالحيلولة بينه وبين أبويه الكافرين واجبةٌ، خلافًا للشيخين حيث رجحا أنها مستحبة (^٢).
مسألة: وأنَّ اللقيط إذا لم يُعرف له مال، وقلنا: يستقرض الإمام لنفقته، فلم يجد مقرضًا، وجمع أهل الثروة فقسط عليهم، ثم بان حُرًّا وله قريب = يُرجع على قريبه، وهو ما ذكر الرافعي، وقال النووي: «اعتبار القريب ضعيف، فإنَّ نفقته تسقط بمضي الزمان» (^٣). قال الشيخ الإمام: «قد صرح الماوردي بالرجوع على القريب».
قلت: وصاحب «المهذب»، وصاحب «البيان» قال: «ولا يَرِدُ السقوط بالزمان؛ لصيرورتها دينًا بالاقتراض» (^٤).
_________________
(١) بل نقل ابن الرفعة ذلك عن ابن الصباغ كذلك، انظر: كفاية النبيه: (١٦/ ٤٢٨).
(٢) انظر: الشرح الكبير: (٦/ ٣٩٦، ٣٩٥).
(٣) انظر: الشرح الكبير: (٦/ ٣٩١)، روضة الطالبين: (٥/ ٤٢٥).
(٤) انظر: نهاية المحتاج: (٥/ ٤٥٣).
[ ٣١٥ ]