أصلُ هذا الكتاب أربعة كراريس ألحقها الشّبَكيّ بكتابه «التَّوشيح» كخاتمة له، كتبها في شعبان سنة ثمانٍ وستين وثمانمائة.
يدلُّ على ذلك اطّلاع الدادنجي تلميذُ الشّبَكيّ وكاتب نسخة (ظ ١) على تلك الكراريس، حيثُ كتب على غلاف هذه النُّسخة:
«الحمدُ لله، رأيتُ في بعض نُسخِ «التَّوشيح» أَنّـ[ـه] ذكر آخِرُه بعد تمامه، وبعد الحمدلة والصلاةِ والحسبلةِ ما نَصُّه: (وقد عَنّ لي أن أعقد ختامًا لهذا «التّوشيح» ثلاثة أبواب …) وذكرَها، وهي [خُلاصةً] ما في هذا التأليف، وهي نحو أربعة كراريس، وكتب آخرها (^١) أنه فَرغَ من هذه الخاتمة المسماة (ترشيح التّوشيح وترجيح التصحيح) في الثامن والعشرين من شعبان المكرَّم سنة ثمانٍ وستين وسبعمئة، كتبه عبد الوهاب ابن السبكي الشافعي، ولعلّ هذا الختام أصلُ هذا التأليف، فأخذ ذاك وزاد فيه، وذكر آخرُ هذه النسخة أنه فَرغَ من هذا التأليف ثاني عشري شعبان سنة سبعين وسبعمئة، وهو بعد تاريخ الختام المذكور بسنتين إلا ستة أيام. كتبه: عبد الوهاب الحسيني الشافعي (^٢)» (^٣).
_________________
(١) على جانب هذه التعليقة بالخط نفسه: (وليكن هذا آخر الكلام في الأبواب الثلاثة، وهو يصح لأن يكون مصنفًا [مستقلًا] مسمّى بـ «ترشيح التوشيح وترجيح التصحيح»، ثم قال بعد)، هكذا من غير أن يورد علامة لحقّ، ولعلّ هذه التعليقة ملحقة بهذا الموضع.
(٢) وانظر مقابلة الحسيني للتوشيح في: التوشيح (١/ ٥٥)، (٣/ ٥٩٩).
(٣) وجاء بعدها: «[…] خط [المؤلف] […] المذكور […] كتابه، وصحح عليه، وقدره =».
[ ٢٣ ]
كما أشار الدادنجي مرةً أخرى إلى هذه الكراريس بحاشية ذكرها على إحدى مسائل الإقرار حيث قال: «رأيتُ على هامش أصل هذا التأليف - وهو نحو أربعة كراريس ذكرها آخر كتاب «التوشيح» ختامًا له بخطه - يعني: المصنف …» (^١).
ثمَّ إِنَّ السُّبكي لما سُجن سنة تسع وستين وسبعمئة (^٢) ألف أرجوزة يذكر فيها اختيارات والده، صنفها بعد تأليفه «التوشيح» وما ألحقه به من خاتمة، وقد قال في خطبة ترشيح التوشيح:
«كنتُ قد نظمتُ وأنا في السجن أرجوزةً تشتمل على الأبواب الثلاثة التي ذكرتها، وقد خشِيتُ أن يعترض عليَّ معترض في مبالغتي في ذكر ترجيحات الوالد وتقديمها، فذكرتُ ما ذكرتُ في هذا المصنف جوابًا عن اعتراضه … ولما كانت تلك الأرجوزة حيث أنا مسجون مهموم، قليل الكتب أو عديمها، إنما تملي علي حافظتي فأكتب، وأنا ذاكر تلك المسائل وما لعلي كنتُ أغفلته = في هذه الأوراق سردًا؛ ليستفاد نثرا كما استفيد نظمًا، ويكون في الحقيقة كـ (توضيح) لذلك النظم المسمى بـ (الترجيح) (^٣)، فلعلي أبسُطُ هنا في بعض المسائل الكلام بسطًا يسيرا، مع المحافظة على الاختصار … وسميت هذه الأوراق: (ترشيح التوشيح وتوضيح الترجيح)» (^٤).
_________________
(١) = ثلاثة أسطر وشيء، وما ذكره في ديباجة هذا التأليف ذكر كثيرًا منه أواخر الختام المذكور.
(٢) انظر (ص/ ٢٧٩، حاشية ٣).
(٣) انظر: أرجوزة تصحيح ترجيح الخلاف (ص/ ٢٤).
(٤) سماها هنا بـ (الترجيح)، وسماها في خاتمتها بـ (تصحيح ترجيح الخلاف). انظر: أرجوزة تصحيح ترجيح الخلاف (ص/ ١٦، ٥٣).
(٥) انظر: الترشيح (ص/ ١٧٤ - ١٧٦) باختصار. ومما قاله السبكي: «واعلم أنَّ حق باب الأطعمة أن يقدم في الترتيب على ما قبله، كما أنَّ حق الفرائض أن تُقدَّم على الوديعة والغنائم، ولكنا=
[ ٢٤ ]
فظهر بهذا النقل أنه ألف «ترشيح التوشيح» كتابًا مستقلا كالشرح لتلك الأرجوزة، وفي الوقت نفسه كان أصل «الترشيح» الأول الملحق بالتوشيح هو أصل تلك الأرجوزة.
وقد فرغ المصنف من «الترشيح» كما هو في جميع النسخ المكتملة في يوم السبت ثاني والعشرين من شعبان المكرم سنة سبعين وسبعمائة،
وقد قرأ عليه الدادنجي الكتاب في مجالس متعددة، وأجازه به في المحرم من سنة إحدى وسبعين وسبعمئة (^١).
ثم إن المصنف بعد ذلك أرسل الكتاب لأخيه بهاء الدين أبي حامد أحمد في صفر سنة إحدى وسبعين وسبعمئة وسأله أن يخص باب المستدرك بمزيد نظر، وأن يذكر ما عنده فيه، فحضر إليه جوابه في أول ربيع الأول سنة إحدى وسبعين وسبعمئة، فدوّن الجواب بحرفه في آخر الكتاب، وأتبعه بالثناء على أخيه نظمًا ونثرًا، وختم ذلك بقوله: «وكتب عبد الوهاب بن السبكي في ليلة الاثنين ثاني عشر ربيع الأول سنة إحدى وسبعين وسبعمئة».
والجدير بالذكر أن المصنف من عادته أنه يعود على كتبه بالزيادة والتنقيح بشكل مستمر، وقد حظي هذا الكتاب بنصيب كبير من ذلك، فإن ما بين تأليفه
_________________
(١) تبعنا النظم، وكان النظم ونحن في الحبس، وليس بين أيدينا كتاب نتبع طريقه … وأمر الترتيب سهل، فاعذر فيما وجدته على غير ترتيب الأبواب ناظمًا لمشكلات الفروع بظاهر بابه أعوان الظلمة موكلون، وفي باطنه قلب يرجف كل يوم مرارًا» [الترشيح (ص/ ٣٧٠)]، وقال: «… فالأولى أن لا يدخل هذا في هذا الباب؛ فإنه والنووي متوافقان فيه، ولكني نظمته في الحبس ولا كتاب عندي، فتخبط علي الحفظ». [الترشيح (ص/ ٤٥٢)].
(٢) انظر الإجازة آخر الكتاب (ص/ ٨٤٣، حاشية ١). وانظر رسالة ابن السبكي لأخيه في صفر من السنة المذكورة آخر الكتاب (ص/ ٨٣٣).
[ ٢٥ ]
الكتاب ووفاته قريب من سنة وثلاثة أشهر، حيث توفي بالطاعون في السابع من ذي الحجة سنة إحدى وسبعين وسبعمئة، وقال ابن هداية الله: «لم يعش بعد إتمام الترشيح (^١) إلا سنة أو أقل» (^٢).
ويدل على كثرة هذه الزيادات ما ذكره الدادنجي في آخر نسخة (ظ ١)، حيث قال:
«الحمد لله، اعلم أني وقفت على نسخ بالترشيح فيها زيادات كثيرة على هذه النسخة، مناسبة غير مخالفة، ولم [أتجسر على] إلحاقها بهذه النسخة؛ لقراءتها على مصنفها، فلما غلب على ظني أن المصنف زادها بعد قراءة هذه النسخة عليه ألحقت الزيادات بها من نسختين بحسب الإمكان، ولم أكتب عليها «صح»، بل كتبت عليها (نسخة)؛ ليمتيز ما ألحقته عما قرئ على المصنف، وعما كتبته عليها من الحواشي، فاعلم ذلك وحرره، والله أعلم».
فمن عناية تلميذه ودقته أن استدرك تلك الزيادات في حواشي الكتاب وصدرها بقوله: «نسخة»، ولعل هذه الزيادات تربو على سدس حجم الكتاب، وهي متفاوتة بين بضع كلمات وعدة صفحات.
والجدير بالذكر كذلك أن هذه الزيادات التي استدركها في حواشي (ظ ١) ساقطة في أغلبها من نسختي (س) و(م)، ومثبتة في متن نسخ (ظ ٢) (ز) (ك) (ق)، وأما نسخة (ص) فبعضها مثبت في متنها، وبعضها مستدرك في حاشيتها بخط مغاير لخط الناسخ، لقارئ قرأ النسخة وقابلها على نسخة أخرى كما علق في آخرها.
_________________
(١) في المطبوع: (التوشيح).
(٢) انظر: طبقات الشافعية لابن هداية الله (ص/ ٢٣٥). لكنه أرخ وفاة ابن السبكي سنة (٧٦٩) وهو غلط.
[ ٢٦ ]