تظهر أهمية الكتاب ومنزلته من خلال النقاط التالية:
* أولًا: ما امتاز به الكتاب من اشتماله على أنواع من نفائس الفوائد، وفرائد العجائب، والدرر المخبأة، والتنبيهات المهمة، لا سيما فيمن له اشتغال بكتب الشيخين، هذا مع جلالة قدر مصنفه، وعلو منزلته ومكانته، وسعة اطلاعه وعلمه.
وقد تقدم شيء من بيان موضوعات الكتاب المنبئة عن رتبته في المطلب الثاني، ويأتي انتخاب شيءٍ من لطائفه في ذيل هذا المطلب.
ومن هنا قال المصنف عن كتابه: «وأذكرُ أيضًا من الفوائد المهمات، ومحاسن التتمات، وعظائم التنبيهات، ونفائس المسائل الواقعات أبوابًا هي في نفسها مقصودات، وغرائب وعجائبَ نَشُوقُ إليها الأنفُسَ الزاكيات، ومباحث تأخذ بقلوب طالب التحقيقات، وأمورًا بكتاب الرافعي متعلقات، كما سترى ذلك على وجه بديع منثور، أعلى وأحسن من زهر الربيع مبددًا، يميل كذا وكذا محمولًا وموضوعًا، يجده قوم مفرقًا، وآخرون مجموعًا، ليس عُرضةً لكلِّ معترض، ناقد، ولا شِرعَةً لكلِّ منتهل وارد، ولا سبيلا يسلكها كلُّ مَنْ يروم.
[ ٢٧ ]
ولكن تأخذ الأذهان منه … على قدر القرائح والفُهُوم» (^١).
*ثانيًا: ما تقدم في المطلب الأول من نقل العلماء عنه، وإفادتهم منه.
*ثالثا: كثرة النسخ الخطية للكتاب، واحتفاء العلماء بها نسخا وتملُّكا وتعليقا.
فمن ذلك: أنَّ الكتاب قُرِئ على مصنفه في منزله بمحضر جماعة من الطلبة، وأجاز به (^٢).
ومن ذلك: ما يأتي من نقل عن العطار.
ومن ذلك: تعليقات الأذرعي (^٣) على الكتاب كما في نسخة (ظ ١) و(ز).
ومن ذلك: تعليقات ابن قاضي شهبة كما في نسخة (ز)، الذي كتب في آخرها: (طالعه جميعه أفقر عباد الله تعالى أبو بكر بن أحمد الأسدي) (^٤).
وفي طرة نسخة (م) قيَّد قراءةً على البلقيني في مجالس آخرها يوم الأربعاء ٧ رمضان/ ٨٥٤ هـ، إلى غير ذلك.
*رابعا: قال ابن قاضي شهبة: «والترشيح في اختيارات والده، وفيه فوائد غريبة، وهو أسلوب غريب» (^٥).
_________________
(١) انظر (ص/ ١٧٥).
(٢) انظر الإجازة آخر الكتاب (ص/ ٨٣٣).
(٣) وانظر: التوشيح (١/ ٥٦، ٥٧)، طبقات الشافعية الكبرى (٣/ ٦١).
(٤) وانظر: التوشيح (١/ ٥٥) (٣/ ٥٩٧، ٥٩٨).
(٥) انظر: طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة: (٣/ ١٠٦).
[ ٢٨ ]
وقال العطار: «ترشيح التوشيح من أجل كتب المصنف، وقعت لي نسخته وأنا بمدينة دمشق الشام (^١)، ومقدمة ذلك الكتاب بخطه (^٢) فاشتريتها، وقد ألف هو ذلك الكتاب بمدينة دمشق؛ فإنه قال في آخره: (فرغتُ من تصنيف هذا الكتاب في اليوم الثاني والعشرين من شعبان المكرم سنة سبعين وسبعمئة بمنزلي في الدهشة ظاهر دمشق المحروسة، وأرسلتُ في صفر سنة إحدى وسبعين وسبعمئة منه نسخةً إلى أخي الشيخ الأستاذ العلامة المحقق الحبر البحر بهاء الدين أبي حامد أحمد …) إلى آخر ما قال» (^٣).
خامسا: الإحاطة بجل علوم الإمام تقي الدين السبكي في مختلف الفنون (فقه، أصول الدين، سيرة وتاريخ، …) في سفر واحد، ويتجلى ذلك في:
- جمع ترجيحاته في مسائل لا ترجيح فيها بين الشيخين - الرافعي والنووي ـ، والحاجة إلى هذا ماسَّة للمتقيدين بمذهب الشافعي ﵁، كما أشار إليه المؤلف ﵀ في المقدمة.
_________________
(١) جاء في غلاف النسخة الأزهرية (ز): (من مِنَن الغفَّار على عبده حسن العطار الشافعي المصري الأزهري، وقت أن كان بدمشق الشام في سنة ١٢٢٦ غفر الله له)، وفي النسخة أيضًا: (وقف هذه النسخة الفقير حسن العطار على طلبة العلم بالأزهر، وجعل مقرها برواق المغاربة)، وفيها آخرها: (طالعتها وانتخبت منها شيئًا في حاشيتي على جمع الجوامع، قاله الفقير حسن بن محمد العطار الشافعي الأزهري).
(٢) جاء في حاشية آخِرِ مقدمة الكتاب المذكورة في نسخة (ز): (بخط مؤلفه الشيخ عبد الوهاب السبكي، تحقق، فليعلم)، وبمقارنة الخط بخط ابن السبكي المثبت في إجازة النسخة (ظ ١) وغيرها من الكتب التي بخطه نجد تفاوتا ظاهرا بين الخطين، سوى ما في المقدمة من سقط وتصحيف يبعد معه أن تكون بخط المؤلف.
(٣) انظر: حاشية العطار على شرح المحلي على جمع الجوامع (٢/ ٣٣٠).
[ ٢٩ ]
- جمع اختياراته التي خرج بها عن مذهب الإمام الشافعي ﵁، وهو ما خُصِّص له المؤلف الباب الثالث من أجله.
- تقييد شوارد وفوائد علميَّة سمعها التَّاجُ السبكي مشافهةً من والده في مختلف الفنون لم يسبق لها تدوين.
- استقراء كتب والده الإمام تقي الدين السبكي، ومنها ما طبع كـ «تكملة شرح المهذب» أو مخطوط كـ «كشف الغمة في ميراث أهل الذمة» أو مفقود كـ «حواشي الرافعي»، وغيرها مما سيأتي عند الحديث عن مصادر المؤلف.
* وأُذَيِّلُ هذا المطلب بسبعة نماذج منتخبة ممَّا اشتمل عليه الكتاب من النكات واللطائف والفوائد:
* «كلُّ مسألةٍ لم يُصرِّح النَّوويُّ فيها من قِبَلِ نفسه في زيادته تصريح الترجيح، بل جرى فيها في «الروضة» على متن «الشرح»، أو في «المنهاج» على متن «المحرر» = فلسنا على ثقة من موافقته للرافعي فيها، ومن ثُمَّ لا تجد الشيخ الإمام ﵀ ينقل الترجيح في المسائل إلا عن الرافعي، ولا يذكر ترجيح النووي إلا في مسألةٍ فاه في زيادته بالترجيح فيها، أو في «شرح المهذب»، وما وراء متن «الروضة» و«المنهاج» من كتبه، وهذا هو التَّحرير وأداء الأمانة في النقل، فربما لم يكن عنده هناك ترجيح ألبتة» (^١).
* «واعلم أنَّ مبسوطات مذهبنا التي تُعتمد، ويلجأ إليها في المعضلات ويستند، ولم يلحقها من الجامعين بعدها أحدٌ، ثلاثة: «الحاوي الكبير» للقاضي
_________________
(١) انظر (ص/ ٥٤٥).
[ ٣٠ ]
أبي الحسن الماوردي، و«المذهب الكبير» المسمى بـ «النهاية» لإمام الحرمين أبي المعالي الجويني، و«الشرح الكبير» للإمام الرافعي، هذه عُمَدُ المذهب، والمتداولة بين أهله كلما لاح نسيم العلم وهب، والمستضاء بنورها كلما أظلم من المشكلات غيهب» (^١).
* «وبهذا وأشباهه يتبين لك أنه لا يُعتمد على الفتاوى في الوقائع الجزئية كما يُعتمد على الكتب المصنفة، فإنَّ الفتيا قد تختص بواقعة لأمر ما رآه المفتي فيها، فلا يلحق بها غيرها، وقد قدمنا عن الشيخ الإمام ﵀ ما يؤيد ذلك، وكم من مقالة ضعيفة يختارها العالم في حادثةٍ خاصة، إما لتخفيف أو تغليظ بحسب تقارب تلك الحادثة أو بشاعتها، فلا يؤخذ من ذلك ذهابه إلى القول بها مطلقًا» (^٢).
* «حكى لي شيخنا ابن الرفعة أنه دخل على ابن دقيق العيد يوما، وكان كثير الكتب، فوجد بين يديه فتيا، وهو يُقَلِّب الكتب ظهرًا لبطن، وقد سئم من الكشف، وأعوزه النقل، وأضجره التعب، فقال لي: الله جاء بك، ما تقول في كيت وكيت؟ فذكر له مسألةً من أوضح مسائل «التنبيه»، قال: فأمسكت طويلًا، فقال لي: ما بالك؟ فقلتُ: السائل عظيم، لا يَسأَلُ إلا عن مُشْكِل، وهذه في بادئ الرأي واضحةٌ، فأنا أردد فكري في موضع الإشكال منها، فقال: لا والله، إنما هي فتيا وردت علي وأعوزني النقل فيها، فقلت: هي في «التنبيه»، وقرأتُ لفظه عليه» (^٣).
_________________
(١) انظر (ص/ ٧٣٢).
(٢) انظر (ص/ ٧١٩).
(٣) انظر (ص/ ٥١٠).
[ ٣١ ]
* «حكى لي الوالد ﵀ أن ابن الرفعة كان يحضر إلى مجلس الحافظ الدمياطي في كثير من الأحايين للاستفادة منه، قال: «وبينا نحن في درس الظاهرية بين يدي الدمياطي إذا بالفقيه - يعني شيخه ابن الرفعة - قد أقبل، فأجله الحاضرون، وقام الدمياطي منتصبا، فجلس الفقيه أمامه بين يديه كالتلميذ، وكان الشيخ الدمياطي في المحراب، فأشار إليه الدمياطي أن يأتي إلى جانبه، فأبى وقال: بل أستقبل القبلتين، فاستُحسِنَ ذلك منه»، قال: «وكان حضوره ليسأله عما يقع له في الحديث، فلم يكن يكتب ما يُشكل عليه منه حتى يحضر من مصر إلى القاهرة، ويسترشد الدمياطي» (^١).
* «قلت: ومثله اشتباه ابن جرير بابن جرير على من نقل عن ابن جرير الإمام المشهور أنه كان يرى المسح على الرجلين كقول الشيعة، حُوشِيَ ابن جرير منه، وإنما هو أبن جرير آخر رجلٌ شيعي» (^٢).
* «وعندي أنَّ هذا حرام في دين الله، ولَأَنْ يُعَدَّ قائل ذلك الرأي الشاذّ غالطا على هذا المذهب أَوْلى من أن يُلصِقَ بالمذهب ما هو ناء عنه بكل سبيل» (^٣).
إلى غير ذلك من النفائس والدرر.
_________________
(١) انظر (ص/ ١٧١).
(٢) انظر (ص/ ٥٤٠).
(٣) انظر (ص/ ٣٠٦).
[ ٣٢ ]