وهو مسائل، في بعضها الرافعيُّ مساعدٌ للنوويِّ، ولعله الأكثر، وفي بعضها مُساعِدٌ للوالدِ، وهو كثير، وفي بعضها منفردٌ بنفسه برأي ثالث، وهو قليل، وسأبيِّنُ الكل إن شاء الله.
*مسألة: رجَّح الشيخ الإمام ﵀ أنه إن شهد طبيبان أنَّ الماءَ المُشَمَّسَ يورث البرَصَ كُرِهَ، وإلا فلا، وهذا عليه نصٌ للشافعي، ﵁، إذ قال في «المختصر» (^١): «ولا أكره الماءَ المشمس إلا من جهة الطب؛ لكراهية عمر ﵁ لذلك، وقوله: إنه يورث البَرَص».
قال الشيخ الإمام: «متى شهد طبيبان أنه يورث البرص، أو طبيب واحد؛ تعيَّنَ القول بالكراهة أو التحريم».
قلتُ: أما شهادة طبيبين فوجهٌ مشهور، وأما الاكتفاء بطبيب واحد فهو مذهبه، وسيأتي في بابه؛ وكذلك الانتهاء إلى التحريم، ورجَّح الرافعيُّ والنووي مذهبًا أنه يُكرَهُ في البلاد الحارة والأواني المنطبعة، إلا النقدين.
*مسألة: وأنَّ المنيَّ ينقض الوضوء، وفاقًا لشيخه ابن الرفعة، وللرافعي في كتابه الكبير في الفقه المسمى بـ «المحمود»، الذي أشار إليه في كتاب الحيض
_________________
(١) مختصر المزني: (٨/ ٩٣).
[ ١٧٧ ]
عند الكلام في المتحيرة، ومات ولم يتممه.
*مسألة: وأنَّ التدفُّق ليس علامةً للمني، وفاقًا لابن الصلاح، ذكره في «الرقم الإبريزي في شرح مختصر التبريزي».
*مسألة: وأنَّ الشعر على الجلد المدبوغ طاهر، إما لأنَّ الشعر طاهر، كما هي إحدى روايتي إبراهيم البلدي، وإما لأنه (^١) يطهر بالدباغ، كما صححه ابن أبي عصرون وتردد بين الأمرين، ولا شك عنده في مخالفة الشيخين في أنه ينجس، ذكره في «مجموعه»، فإن وُجِدَ نص على خلافه غير معارض بنص آخر فهو من اختياراته الخارجة عن المذهب، ولا أحسب ما اختاره إلا منصوصًا (^٢).
*مسألة: وأنَّ فضلات النبي ﷺ طاهرة، وهو رأي أبي جعفر الترمذي.
*مسألة: وأنَّ ما لا دم له سائل إن كان مما يعم كالذباب؛ فلا ينجس المائع، وإلا فينجس كالعقارب، وهو رأي صاحب (التقريب) (^٣)، ورجح الشيخان الرافعي والنووي عدم التنجيس مطلقًا (^٤).
_________________
(١) قوله: (على الجلد المدبوغ … البلدي، وإما لأنه) ليس في ظ ا، والمثبت من سائر النسخ.
(٢) قوله: (ولا أحسب ما اختاره إلا منصوصًا) من ظ ١، وم، لكن قد ضرب عليها في م، وليست في سائر النسخ. وعلّق ابن قاضي شهبة في حاشية ز: (عبارة المصنف في التوشيح: فرع: نص الشافعي على أنَّ الشعر لا يطهر بالدباغ، وعليه الجمهور، وصحح ابن أبي عصرون أنه يطهر، قال الوالد في: [محا .. هـ] وهو الذي أختاره وأفتي به، هذا لفظه، وفي نقله عن والده مخالفة لا تخفى).
(٣) جاء في حاشية ظ ٢: (أما قوله: صاحب التقريب، فهو ولد القفال الكبير الشاشي، وادعى صاحب التقريب أنه قول، وقال والده: إنه المجزوم به، وهو قوي؛ لأن محل النص وُجد فيه معنيان: مشقة الاحتراز، وعدم الدم السائل، فكيف يقاس عليه ما وُجد فيه أحدهما؟).
(٤) انظر: الشرح الكبير: (١/ ٣٢)، روضة الطالبين: (١/ ١٤).
[ ١٧٨ ]
*مسألة: وأنه إذا اختلط بالماء الكثير ماء مستعمل كان طهورًا، ولم يؤثر فيه قطعًا، إلا أن يخرج فيه وجه ضعيف من المستعمل إذا كُوثر حتى بلغ قلتين أنه لا يعود طهورًا، وقال: «إنَّ ما وقع في «الروضة» من أنَّ الصحيح أنَّ المستعمل يقدر مخالفًا = باطل قطعًا، أوقعه فيه كلام للرافعي مُوهم يتعين تأويله».
وهذا ذكرته أنا في الأرجوزة التي سميتها «الترجيح»، وجمعتُ فيها هذه المسائل، وإنما ذكرته لأنَّ من ينظر «الروضة» يحسب أنا أهملنا هذا، وأنه مما اختلف فيه النووي والوالد، والحقُّ أنَّ هذا ليس مما نحن فيه، بل هو مكان وقع على وجه الغلط، فلا يُعدُّ من المختلفات.
ولذلك قال الشيخ الإمام في كتاب (^١) «الرقم الإبريزي في شرح مختصر التبريزي» - وقد نبه على هذا المكان فيه النووي: «لو تأمل ما يَرِدُ على هذه العبارة لم يقلها، ولو صح كلام النووي لكانت البرك التي في المدارس، والبيوت غيرُ الجارية ويكثر الاستعمال فيها = لا يجوز التوضؤ بشيء منها، وهذا لا يقوله النووي ولا غيره».
ولذلك قلت أنا في الأرجوزة:
فَرُدَّ مَا قَدْ نُقِلَا … للهِ وَالحَقُّ أَنَّهُمَا لَمْ يُنْقَلَا
وإنما عبارتهما موهمة، ولا ينبغي أن تُعَدَّ أماكن السهو وطغيان الأقلام من المختلفات، بل يُضرب عنها صفحًا.
*مسألة: وأنَّ العلة في عدم طهارة ما يُلقى في الخمر لقصد التخليل (^٢):
_________________
(١) قوله: (كتاب) ليس في ظ ١، والمثبت من سائر النسخ.
(٢) في ظ ١: (التخلل)، والمثبت من سائر النسخ.
[ ١٧٩ ]
تحريم التخليل، لا نجاسة المطروح، وهو قول الإمام (^١)، واقتضى كلام الشيخين ترجيح الثاني، قال الشيخ الإمام في «شرح مختصر التبريزي»: «ولو قال قائل: كل منهما علة؛ لم يُبعد».
قلتُ: وهذا هو قضية إيراد الرافعي و«الروضة» في أول كلامهما، غير أنَّ الرافعي صرح بالخلاف في أنَّ العلة ماذا بعد أسطر.
*مسألة: وأنَّ شارب الخمر يتنجس باطنه ثم لا يمكن تطهيره أبدًا، وقد يُعَدُّ هذا خارجًا عن المذهب، وسنتكلم عليه في «الباب الثالث» إن شاء الله.
*مسألة: وأنَّ المموَّه بذهب أو فضَّةٍ حرام، وإن لم يحصل منه شيء بالعرْض على النار، ولم ينفصل منه شيء، قال: «والتمويه بما لا يحصل منه شيء بالعرْض أصعب من التمويه بما يحصل منه» (^٢). ذكر ذلك في كتاب «تَنَزَّلُ السكينة»، وصحح النووي في «شرح المهذب» (^٣) التحريم أيضا، إلا أنه جعل ما يتحصل منه شيء بالعرض على النار أشدَّ حرمةً مما لا يتحصل منه، هذا كلامه في كتاب (^٤) الزكاة، وصحح - أعني النووي - في «باب الأواني» حِلَّ المموَّه (^٥).
قال الشيخ الإمام: «فإما أن يجعل المحرَّم نفس التمويه، والمحلل استعماله بعد وقوعه، فلا يتناقض كلاماه، أو غير ذلك».
_________________
(١) انظر: نهاية المطلب: (المقدمة/ ٢٥٦).
(٢) جاء في حاشية ك: (ووجه الأصعبية أنَّ فيه آلاءة كاذبة، منضمة إلى مفسدته).
(٣) انظر: المجموع (٤/ ٤٤١).
(٤) قوله: (كتاب) ليس في ظ ١، والمثبت من سائر النسخ.
(٥) انظر: روضة الطالبين (١/ ٤٤).
[ ١٨٠ ]
*مسألة: وأن تحلية الكعبة وسائر المساجد بالذهب والفضة حلال، قال: «والمنع منه في الكعبة شاد غريب في المذاهب كلها» (^١). وأن تَحَلّي النساء بقلادة فيها نقد مثقوب حلال (^٢)، ولم يره موضع خلاف، وسنعيد الفرع في مسائل الزكاة.