﷽
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين
قال مولانا وسيدنا قاضي القضاة، شيخ الإسلام، خطيب خطباء الأعلام، الشيخ الإمام، العالم العلامة، تاج الدين، أوحد المجتهدين، سيف المناظرين، سلطان الأصوليين، أبو نصر عبد الوهاب الأنصاري الخزرجي السبكي الشافعي، أدام الله ظله ونعماه، وحفظ به الدين الحنيفي وحماه، آمين يا رب العالمين:
من عبد الوهاب بن علي بن عبد الكافي بن علي بن تمام السبكي - غفر الله له ذنوبه، وستر عليه عيوبه، وأناله ما يترجاه، وزاد في طاعته قواه، واستعمله فيها على ما يُحبه ويرضاه، وختم له بخير - إلى جميع إخوانه المؤمنين، ورفقته المسلمين، من عموم الناس أجمعين، أهل القبلة المشاركين له في الملة المنسوبين إلى العصابة المحمدية عمومًا، وإلى الفقهاء الشافعيين الموافقين له في المذهب المطلبي، والرأي القرشي، والمناضلين عن الإمام محمد بن إدريس الشافعي خُصوصًا.
أما بعد، فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو رب كل شيء، ومليك كل شيء، والآخذ بناصية كل شيء، والقادر على كل شيء، وأصلي على نبيه محمد المصطفى المبعوث إلى كل شيء، المفضّل على كل شيء، وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم في كل شيء.
فالحمد لله عودًا على بدء، رب العالمين، قيوم السماوات والأرضين، الأول فليس قبله شيء، والآخر فليس بعده شيء، الظاهر فليس فوقه شيء،
[ ٩٩ ]
الباطن فليس دونه شيءٌ، الحي محيي كل شيءٍ، العليم لا يخفى عليه شيء، القدير لا يعجزه شيء، السميع وَسِعَ سمعه الأصوات، فلا يختلف عليه شيء، البصير يرى أدق من الشعر في أشد ظلاما من الليل من وراء الأستار والحجب، واضحا كوضوح كل شيء، الباقي الذي لا يؤثر فيه شيء، وهو المؤثر في كل شيء.
كل شيء هالك إلا وجهه، خالق كل شيء، لم يخلق الأشياء بأصول أولية، ولا بأوائل كانت قبل، بل خلق ما خلق فأقام خلقه، وصوّر ما صور فأحسن صورته، له الإرادة القديمة، ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، ليس لشيء منه امتناع، ولا له بطاعة شيء من خلقه انتفاع، لا يجري في الوجود نفع أو ضُر، عطاء أو منع، موت أو حياة، إلا بإرادته.
الواحد (^١) الأحد، الفرد الصمد، الذي ليس بجسم مصور، ولا جوهر محدَّد (^٢)، من زعم أنَّ إلهنا محدود فقد جهل الخالق المعبود، ومن زعم أن الأماكن به تحيط، فقد لزمته الحيرة والتخليط، بل هو المحيط بكل مكان، مُقَدَّس عن الجهات، منزه عن المماشات، رفيع الدرجات، ذو العرش، يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده، استوى على العرش على الوجه الذي قاله، وبالمعنى الذي أراده، لا ننقص منه، ولا نزيده.
لا يحمله العرش، بل العرش وحَمَلتُه محمولون بعظيم قدرته، ولطيف صنعته، القرآن كلامه غير مخلوق، كلَّم موسى تكليما بلا جوارح ولا أدوات،
_________________
(١) في ز، ك، م: (هو الواحد).
(٢) في ظ ٢: (محدود).
[ ١٠٠ ]
ولا شفة ولا لهوات (^١)، سبحانه عن تكييف الصفات، والمؤمنون يرونه في دار الخلود، قريب فنناجيه، لا بعيد فنناديه، إن تقرب منه العبد شبرا تقرب منه ذراعًا، وإن تقرب منه ذراعا تقرب منه باعًا، وإن أتاه يمشي أتاه هرولة.
مقدس عن صفات المخلوق، وسمات المحدث، لا كشف يُظهره، ولا حجاب يستره، ولا وزير يُدبّره، ولا مُشير يُبَصّره، ولا مكان يحصره، ولا تحييز يُقدّره، كان قبل أن يكون الأين والمكان، وهو الآن على ما عليه كان، أقرب من حبل الوريد، وأبعد من كل بعيد، لا يخفى عنه شخوص لحظة، ولا كرور لفظة، ولا ازدلاف رتْوَة (^٢)، ولا انبساط خطوة.
لا تسبقه الأكوان، ولا تلحقه الأزمان، ولا تعضده (^٣) الأعوان، لا تدركه الأفهام، ولا تحيط به الأوهام، ولا يدرك كنه حقيقته الأنام، ولا يأخذه المنام، ولا يسري إليه الملام، لا أول يسبقه، ولا ثاني يلحقه، ولا تحت يُقِلُّه، ولا فوق يُظلُّه، ولا قُطر يشمله، ولا زمن يعدله.
العقول عن الإحاطة بحقيقته معقولة، وأيدي المريدين إلى الأعناق مغلولة، وقلوب القاصدين لغير وجهه الكريم معلولة، ديان السماوات والأرض، فويل لديان الأرض من ديان السماء، ألا له الخلق والأمر، وإليه يرجع الأمر كله، ﴿يَسْئَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن: ٢٩].
يغفر ذنبًا، ويُفرّج هما، ويكشف كربًا، ويجبر كسيرا، ويُغني فقيرًا، ويفك
_________________
(١) جمع: لهاة، وهي اللحمة المشرفة على الحلق، انظر: تاج العروس: (٣٩/ ٤٩٩).
(٢) الرتوة: الخطوة، انظر: تاج العروس: (٣٨/ ١٢٣).
(٣) ضبطها في ظ ١ بالتاء والياء معا.
[ ١٠١ ]
عانيًا، ويُشبع جائعًا، ويجزي محسنًا، وينصر مظلومًا، ويقصم جبَّارًا، ويُقيل عثرة، ويستر عورة، ويؤمن روعة، ويُرشد حيران، ويغيث لهفان، ويرفع أقوامًا ويضع آخرين.
لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يُرفع إليه عمل الليل قبل (^١) النهار، وعمل النهار قبل الليل، حجابه النور، لو كشفه لأحرقت سُبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه، أمره وسلطانه نافذ في السماوات وأبراجها، والأرضين وأقطارها، والبحار وظلماتها (^٢)، والقفار وجنباتها، وسائر جزئيات العالم وذراتها، يُقَلِّبه ويُصَرِّفه كما يشاء برا وبحرًا، ويُنفِذُ فيه قضاء محكمًا، وأمرًا مبرما، يأمر وينهى، يخلق ويرزق، إنه والجن والإنس لفي نبا عظيم.
يخلق ويُعبد غيره، ويرزق ويُشكر غيره، سبحانه من ملك ما أحكمه (^٣)! وعزيز ما أعظمه! يعطي ويمنع، يخفض ويرفع، يحيي ويميت، يُعز ويُذل، يُقَلِّب الليل والنهار، ويداول الأيام بين الناس، ويقلب الدول، قلوب العباد ونواصيهم بيده، وأزمة العقود معقودة بقضائه وقدره، بدأ الدنيا ولم تك شيئًا، ثم هو الذي يعيدها كما بدأها.
صبور ما من أحد أصبر على أذى منه، يَدْعُون له ولدًا ثم هو يعافيهم ويرزقهم، ويقول: «كذَّبني ابن آدم ولم يكن له أن يكذبني، وشتمني ولم يكن له أن يشتمني، أما تكذيبه إياي فقوله (^٤): إني لا أُعيده كما بدأته، وليس آخر
_________________
(١) زاد في ز: (عمل).
(٢) ضبطها في ظ ١: (وظلمائها)، و(وظلماتها).
(٣) في ظ ٢: (أجله).
(٤) في ظ ٢: (فيقول).
[ ١٠٢ ]
الخلق بأعز عليَّ من أوله، وأما شتمه إياي فقوله: اتخذ الله ولدا، وأنا الله الأحد الصمد، الذي لم ألد ولم أولد، ولم يكن لي كفوا أحدٌ» (^١).
ولا أحد أغير منه؛ ولذلك حرَّم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ولا أحد أحبُّ إليه المدح منه؛ ولذلك مدح نفسه، عظيم الكرم لا يتعاظمه ذنب أن يغفره، ولا حاجة يُسألها أن يعطيها، من لم يسأله يغضب عليه، وليس شيء أكرم عليه من الدعاء، لا يتبرم بإلحاح السائلين، ولا تُغَلِّطه (^٢) المسائل، لو أن أول خلقه وآخرهم، وإنسَهم وجنهم، وحيَّهم وميتهم قاموا في صعيد واحد فسألوه، فأعطى كلا منهم ما سأله، ما نقص من ملكه شيئًا إلا كما ينقص البحر أن يُغمس فيه المخيط غمسةً واحدةً.
يمينُهُ مَلْأَى لا تغيضها نفقة، سحاء الليل والنهار، أرأيتم ما أنفق منذ خَلَق الخلق، فإنه لم يغض ما في يمينه، واسع المغفرة، لو لقيه العبد بقراب الأرض خطايا لقيه بقرابها مغفرة، ولو عمل من الذنوب والخطايا حتى يبلغ عنان السماء، ثم استغفره؛ غفرها له على ما كان منه ولا يُبالي، حَيِيٌّ كريم يستحي من عبده إذا رفع يديه إلى السماء أن يردهما صفرا، يقول كل ليلة: «من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له» (^٣).
جواد لا يبخل، كريم يعطي قبل أن يُسأل، حليم لا يجهل، يحلم على ابن آدم وإن تجبر وطغى وقال: مالي مالي، وهل له من ماله إلا ما أكله فأفناه، أو لبسه
_________________
(١) رواه النسائي (٧٦٢٠)، وهو صحيح إسناده على شرط الشيخين.
(٢) ضبطها في ظ ١ بالتاء والياء معا.
(٣) رواه البخاري (١١٤٥).
[ ١٠٣ ]
فأبلاه، أو تصدق به فأبقاه.
عزيز عزت ألوهيته أن تقاس بقياس، وتقدست أُحَدِيَّته أن تُشَبَّه بالناس، وتنزهت إحاطته أن تخفى عليه خافيةٌ ذاتُ إلباس (^١)، لن يطاع إلا بإذنه، ولن يُعصَى إلا بعلمه، يُطاعُ فيشكر، ويُعصَى فيغفر، أقرب شهيد، وأدنى حفيظ، حال دون النفوس، وأخذ النواصي، ونَسخَ الآثار، وكتب الآجال (^٢).
كل العباد ضال إلا من هداه، جائع ظامئ إلا من أطعمه وسقاه، عار إلا من كساه، إليه المنقلب والمثوى، يعلم السر والنجوى، يكشف السوء والبلوى، يزجر النفس كيلا تهوي فيما تهوى، ولو شاء لآتى كل نفس هداها، لكنه يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، يُسعد هذا، ويُشقي هذا، يُبعد هذا، ويدني هذا، يُضل هذا، ويهدي هذا، ينسى أهل الغفلة كما نسوه، ويذكر أهل الحضرة إذا قام قائمهم يدعوه.
عزيز حكيم، ليس لأحد عليه امتناع، ولا له به قدرة، حكم عدل لا يُبَدِّل أحد قوله، ولا يراجع أمره، حسيب يؤتى بأمثال الجبال، فيحاسب بمثقال الذرة، يقابل (^٣) قوما بكبريائه فلا يسمع لهم شكوى، ولا يعيرهم نظرة، ولا يلبي لهم دعوة، ولا يرحم عبرة، ولا يقيل عثرة، ويعامل (^٤) قوما برأفته، فيكفي كلا منهم أمره، ويُوليه نجاته وفوزه ونصره، ويُبَدِّل بيسارٍ عُسره، وينادي الفريقين: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام: ٩٤].
_________________
(١) في ك: (الناس).
(٢) في ظ ٢: (وكتب الآثار، ونسخ الآجال).
(٣) في ز: (يعامل).
(٤) في م: (ويقابل)، وفي ظ ٢: (ويعاجل).
[ ١٠٤ ]
حكمة بالغة، وعدل شامل، شَمِلَ بعدله كلَّ الفِرق، ودلَّ مَنْ أسعده عليه من أقرب الطرق، وقرَّبَ مَنْ ارتضاه من العارفين بما ألم بقلبه من المعارف وطرق، واختار من اصطفاه ولطف به ورفق، وأعز من وقف على قدم عبوديته تذللا وانكسارا وصدق، وأذل عبدًا حاد عن سبيل هداه وأبق، وأذاق أهل الصفوة من حلاوة معرفته ما شغلهم عن الكرى والأرق، وأراهم من جمال صفاته ما هيج عندهم القلق، وأنالهم من عاطفته (^١) ما جمع وفرق، فربما زال ففني القلب واحترق، وربما عاد فطار (^٢) القلب فرحا وانطلق (^٣).
وجعل السبل إليه شتى، فمن سار في أوضح من القمر إذا اتسق، ناء عن التقليد لا يخبط عشواء تحت الغسق؛ ومن سابح في بحار المعرفة لكن أحاط به الغرق، فأفناه عن الوجود بحق وأي حق، فغاب ولا عاب (^٤) غير أن الحاضر أحق؛ ومن مُصطَلَم (^٥) في أوائل مجاهدته أدركته ذرَّةٌ من الحال فصعق.
أمم تتقلب بهم الأحوال، على حسب الإرادة من الكبير المتعال، فيركبون طَبَقًا عن طبق، سائرين إلى من خلق ورزق، ﷻ، وتعاظم شانه، وعَذِّبَت بذكره الأفواه، وتاهت في بيداء ألوهيته العقول، وتشرفت بالسجود له الجباه، وغَرِقت في بحار وحدانيته جموع المريدين، وقالوا: لا نعبد إلا إياه، وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله.
_________________
(١) في ز: (عاطفه).
(٢) في ك: (فطاب).
(٣) في ص: (وأنطق).
(٤) كذا في ظ ١، م، وفي ز: (غان)، وفي بقية النسخ: (غاب).
(٥) الاصطلام: قطع الشيء من أصله. انظر تهذيب اللغة (١٢/ ١٣٩).
[ ١٠٥ ]
آثَارُهُ تُنْبِيكَ عَنْ سُلْطَانِهِ … حَتَّى كَأَنَّكَ بِالعَيَانِ تَرَاهُ
فَانْظُرْ بِعَيْنِكَ هَلْ تَرَى مِنْ آيَةٍ … إِلَّا وَتَشْهَدُ بِالَّذِي قُلْنَاهُ
إلا تكن تراه فإنه يراك، وإلا تنته عما نهاك فما أَضْعَفَ نُهاك، وإلا تعلم أنه معك أينما كنت فما أبعدك من مولاك، يسمع ويرى، يعلم بلا شك ولا مرى، يعفو وقد لا يسأل عما جرى، يؤاخذ ولا يُعجزه الورى، وقد يحاسب على مثقال الذرة مُحَرّرًا، وقد يغفر أمثال الجبال مُيَسِّرًا، يغفر (^١) ويصفح، يعطي ويمنح، يشكر على الحسنة ويمدح.
يحب المدحة، فليشرح الواصف من محامده وممادحه ما يشرح القُلُوبَ، ويفتح بعلم الغيوب، يقلب القلوب، يغفر الذنوب، يستر العيوب، يحب من أناب إليه وأصلح، متوحد في ملكه، متفرد لا والد له (^٢) ولا ولد، من أشرك معه غيره تركه وشركه، فويل للمشرك به ولشركه، غني عن عبودية العبيد وعبادة العباد، في السماء وفَلَكها، والبحر وفُلكه.
لَا جُنْدَ يَنْصُرُهُ لَا ضِدَّ يَحْصُرُهُ … ولَا حَدَّ يَقْصُرُهُ لَا قُطْرَ يَحْوِيهِ
لَا وَصْفَ يَقْدُرُهُ لَا رَصْفَ يَحْشُرُهُ … ولَا كَشْفَ يُظْهِرُهُ لَا سِتْرَ يُخْفِيهِ
لَا عَيْنَ تُدْرِكُهُ لَا أَيْنَ يَسْلُكُهُ … لَا حَيْنَ يُهْلِكُهُ لَا شَيْءَ يُفْنِيهِ
لَا كَوْنَ يَدْهَشُهُ لَا أَوْنَ يَنْعَسُهُ (^٣) … ٥ لا صونَ يَعْرِشُهُ (^٤) لَا عَوْنَ يُعْلِيهِ
_________________
(١) في ك، م: (يعفو).
(٢) قوله: (له) زيادة من ز.
(٣) في ز: (يُنعشه)، وفي م، ص: (يَنعشه).
(٤) في ظ ٢: (يغرسه).
[ ١٠٦ ]
لَا نَوْمٌ يَأْخُذُهُ لَا رَوْمٌ يَنْفُذُهُ … وَلَا لَوْمٌ يَنْبِذُهُ لَا فَهْمٌ يَقُصِّيهِ
لَا فَوْقَ يَصْعَدُهُ لَا تَحْتَ يُبْعِدُهُ … وَلَا شَخْصٌ يُرْشِدُهُ لَا فِكْرٌ يُدْنِيهِ (^١)
لَا دَهْرٌ يُخْلِفُهُ لَا سَيْرٌ يَسْبِقُهُ … وَلَا ضُرٌّ يَلْحَقُهُ لَا وِزْرٌ يَأْتِيهِ
سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ، ربُّ الملائكةِ والرُّوح، عَدْلُهُ (^٢) مشروح، فضله ممنوح، بابه مفتوح، ما أقربه في أعلى عُلُوِّهِ، وما أبعده في أدنى دُنُوِّهِ، له الملك والملكوت، والعِزَّةُ (^٣) والجبروت، لا يهلك عليه إلا هالك، ولا يذهب عليه ذاهب ولا يفوت، وهو الحيُّ الذي لا يموت، والجن والإنس يموتون، وليوم لا ريب فيه يُجمعون، «يُدني المؤمنَ، ويضع عليه كنفه، ويستره ويقول: أتعرف ذنب كذا، حتى إذا قرَّره بذنوبه، ورأى في نفسه أنه هلك قال: سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم» (^٤).
هو الحقُّ المبين، ذو القوة المتين، والملك المكين، يُحْصَرُ (^٥) الهارب، ولو طار لم يَفُتْهُ، يُمهِل الظالم، حتى إذا أخذه لم يُفْلِتْهُ، يجمع العظام النَّخِرة، ويحشر الخلق أجمعين في الآخرة، يفرح بتوبة عبده ويقبلها، ويعفو عنه.
ما تردد في شيء تَرَدُّدُهُ في قَبْضِ رُوح عبده المؤمن، يكره الموت ويكره مساءَتَهُ، ولا بد له منه، إجابتُهُ للداعين سريعة، والملائكة في السماوات
_________________
(١) في ز: (يُقعِدُهُ).
(٢) في ك: (عَذْلُهُ).
(٣) في ك: (والقوة).
(٤) رواه البخاري (٢٤٤١).
(٥) في ز: (يُحْضَرُ).
[ ١٠٧ ]
والأرض له مطيعة، من واصله وصَلَه، مَنْ جادَلَه جدَلَه (^١)، من جانبه قتله بالبعد والصدود، والنار ذاتِ الوَقُود، من تدانى منه وجده، من تباعد عنه فقده، من اعتصم به سدَّده، من أوى إليه أرشده، وأولاه فوق ما يتمناه، لا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع.
والحمد لله ذي الجلال والإكرام، والعزة التي لا ترام، ربنا ورب كل شيء، غافر الذنب، وقابل التوب، شديد العقاب، ذي الطول، لا إله إلا هو إليه المصير، لا إله إلا هو وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد (^٢)، وهو على كل شيء قدير، والحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، كما يُحب ربُّنا ويرضى، والحمد لله على كل حال، ونعوذ بالله من حال أهل النار.
سبحان الله عدد ما خلق، سبحان الله مثل ما خلق، سبحان الله عدد ما في السماء والأرض، سبحان الله ملء ما في الأرض والسماء، وسبحان الله عدد ما أحصى كتابه، وسبحان الله مِلْءَ ما أحصى كتابه، وسبحان الله عدد كل شيء، وسبحان الله مِلْءَ كل شيء، والحمد لله مثل ذلك، سبحان الله رضا نفسه، وزنة عرشه، سبحان الله مداد كلماته، تعالى الله عما يقول المبطلون (^٣) علوا كبيرا، وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعًا قبضته يوم القيامة، والسماوات مطويات بيمينه.
له الحجاب المنيع، والخَلق البديع، والحكم والتشريع، والحساب السريع، فاز العارفون، وجاز العابدون، وحاز الطائعون، وسُعِد المُوَفِّقُون، ورَشَد
_________________
(١) أي: صَرَعَه. انظر: تهذيب اللغة (١٠/ ٣٤٢).
(٢) زاد في ك: (يحيي ويميت).
(٣) في ز: (الظالمون).
[ ١٠٨ ]
المخلصون، وتعس المبطلون، وخسر الجاحدون، وندم العاصون، وهلك الكافرون، وخسئ الطاعنون، وضل المعطلون، وعمي المشبهون، وذلَّ لعزّه المتكبرون، وصغر لعظمته الشامخون، تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن، وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون (^١).
فيا عجبًا كيف يُعصَى الإله … ولن أم كيف يجحده الجاحد
والله في كل تحريكة لك … وتسكينة في الورى شاهد
وفي كل شيء له آيةٌ … الله تدل على أنه واحد (^٢)
وسبحان من لا يَبْلُغ الواصفون كُنّه عظمته، ولا يصل الحامدون (^٣) إلى الإحاطة بحقيقته، ولا ينتهي المادحون إلى ذرَّةٍ من حقائق صفته، ولا يترقى العارفون إلى غير التراقي على مسامحته.
لو لم يحب المدح لم نتجاسر على التفوه بمدحته، ولو لم يرشدنا نبيه محمد ﷺ إلى حسن الثناء عليه لما أحسن اللسان أن يدور بشفته (^٤)، عَزَّ جنابه أن يكون شَرَعَه لكل وارد، وفتح بابه فلم يدخله إلا من حسنت منه المصادر والموارد، واشتد عقابه، وما أوقعه إلا على حقيق به خليق بالشدائد، وكثر ثوابه فله الحمد بأنواع المحامد.
والصلاة والسلام على التمام والدوام، ما دامت الليالي والأيام، والسنين والأعوام، من غير انقطاع ولا انصرام على سيد الأنام، ومصباح الظلام، أفضل
_________________
(١) زاد في ظ ٢: (تسبيحهم)، وبدونها ينتظم سجع الكلام.
(٢) انظر: المحاسن والأضداد صـ ١٦٨.
(٣) كذا ز، م، وفي سائر النسخ: (الجاحدون)، والمثبت أظهر سياقا.
(٤) كذا في ظ ١، ظ ٢، وفي بقية النسخ: (على شفته).
[ ١٠٩ ]
الخلائق، والداعي إلى أرشد الطرائق، والمرشد إلى نهج الحقائق، النبي الأمي الموجود مكتوبًا في التوراة والإنجيل، محمد، أحمد، صاحب لواء الحمد الذي تحمده الأولون والآخرون، الحاشر، العاقب، الماحي، المقفي، نبي الرحمة، نبي التوبة، نبي الملاحم، الشاهد، المبشر (^١)، النذير، الضحوك، القتال، المتوكل، الفاتح، الأمين، الخاتم، المصطفى، الرسول، النبي، الأمي، القثم (^٢)، الذي أُنزل عليه القرآن، ودعا إلى خير الأديان، أول شافع وأول مشفّع، الطاهر المطهر، الوجيه القول، المقبوله (^٣)، المبعوث بالحنيفية السمحة، الذي دنا فتدلى، فكان (^٤) قاب قوسين أو أدنى.
المبعوث إلى الجن والإنس والخلق كافة، بالمعجزات الباهرات، والآيات البينات، انشقّ له القمر، وكلَّمَهُ الحَجَر، وأطاعه الشجر، وسبح الحصى في كفه، ونبع الماء من بين أصابعه، وحنَّ الجذع إليه، وسلَّمَ البعير عليه، وكلَّمَتْهُ الذراع، جاء والناس في عِوَج وشَكٍّ لا يعرفون اليقين، ونار فتن مؤججة في أقطار الأرضين، وعين عدوان ساهرة بين المعتدين، فشيّد عمود الدين، وبين المحجة البيضاء، وأقام الحجة الزهراء بالحق المبين.
وما استأثر الله بروحه الزكية حتى أكمل الله لنا الدين، ولم يُحوج إلى غير كتابه وسنته، وهدى به (^٥) من يُحسن النظر في الخلق أجمعين، ثم جعل للمصيب
_________________
(١) في ظ ٢: (البشير).
(٢) في ك، ص: (القيم)، والقثم كثير العطاء من المال. انظر تهذيب اللغة (٩/ ٨٣).
(٣) كذا في ك، م، ص، وفي بقية النسخ: (المقبول).
(٤) في ظ ١، ص: (وكان)، والمثبت من بقية النسخ.
(٥) في ز، ك، م: (وهديه).
[ ١١٠ ]
إذا اجتهد أجرين، وللمخطئ أجرًا، فإن لم يكن كلُّ مجتهد مصيب فلكل مجتهد نصيب من عطاء سيد المرسلين، وسبيل يصل بها إلى شفاعته يوم الدين.
فهو صاحب الشفاعة، أترونها للمؤمنين المتقين؟! لا، ولكنها للمذنبين المتلوثين الخطّائين، فهو أعلى العالمين قدرًا، وأنفذهم نهيًا وأمرًا، والذي فتح الله به عيونًا عُميًا، وآذانا صُمَّا، بعد أن عمتها (^١) الضلالة دهرا، والذي إذا كرعت العلماء من (^٢) مناهل علمه قالوا: إن وجدناه لبحرًا، وإن شرعت الحكماء (^٣) في التقاط كلامه علموا أنه الذي يقذف درا.
أرسله الله إلى قوم بدلوا نعمة الله كفرًا، فوصل لهم القول لعلهم يتقون أو يُحدث لهم ذكرًا، فدعاهم إلى الله سرا وجهرا، وصبر على أذاهم، وهو مع ذلك يرحمهم فيقول (^٤): «اللهم اغفر لقومي؛ فإنهم لا يعلمون» (^٥)، كأنه يقيم لهم عُذرا، يصفح عن مسيئهم، ويجزي بالحسنة عشرًا، ومن صلى عليه واحدةً صلى الله عليه عشرا.
كريم على ربه، جعلت له الأرض مسجدًا وطهورًا، وزويت له مشارقها ومغاربها، فبلغ ملك أمته ما زُوي له منها، وظهر دينه فيها ظهورا، وغفر الله له ما تقدَّم (^٦) وما تأخر، ولم يترك الجد والتشمير، وقال: «أفلا أكون عبدًا شكورا» (^٧).
_________________
(١) في ز، ك، م، ص: (بعدما أعمتها).
(٢) صورتها في ظ ١: (مؤ)، والمثبت من سائر النسخ.
(٣) في ظ ٢: (العلماء).
(٤) زاد في ظ ٢: (مع ذلك).
(٥) رواه البخاري (٣٤٧٧).
(٦) زاد في ك: (من ذنبه).
(٧) رواه البخاري (١١٣٠).
[ ١١١ ]
أفصح من نطق بالضاد، وأسمح من روى كل صاد، وكثر القليل فلا يقول: ما زاد إلا ما نقص، ولكن ما نقص إلا ما زاد، كان نبيًّا وإنَّ آدم لمنجدل في طينته، وختمت محامد إبراهيم بـ ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ [النحل: ١٢٣]، فكان ذلك رِفعةً لأَبَوِيَّتِه، ولو كان موسى حيًّا لما وسعه إلا اتباع ملته، وإذا نزل عيسى فلا يحكم إلا بشريعته.
جبينه الأزهر، ووجهه الأنور، وحوضه الكوثر، ميمون نقيبة (^١)، ولد مختونا، مختوم السُّرَّة، ساجدا الله، معتمدًا على يديه، خمدت بمولده نار فارس، وانكسر إيوان كسرى، وغاضت بحيرة ساوة، وفاض وادي سماوة، وحرست السماء بالشهب من كل شيطان.
حبيب الله وصفيه، الشفيع المشفّع، الشريف النفس والأصل والمحتد، عُرضت عليه كنوز الأرض فأباها، وقنع بأن يشبع يوما ويجوع يومًا، وعَبَدَ الله حتى تورمت قدماه، مع كونه أقرب الخلق وأوفرهم عنده حظا وقسمًا، وهو الفاتح لما أغلق، والخاتم لما سبق، والمعلن الحق بالحق، والدامغ جيشات الأباطيل، حمل فاضطلع بأمر الله، مستوفزًا في مرضاته، لغير نكل في قدم، ولا وهن في عزم، داعيًا لوحي الله، حافظًا لعهده، ماضيًا على نفاذ أمره، حتى أورى قبسا لقابس، آلاء الله تصل بأهله أسبابه به هديت القلوب بعد خوضات الفتن والإثم، موضحات الأعلام، ونائرات الأحكام، ومنيرات الإسلام، فهو أمين الله المأمون، وخازن علمه المخزون، وشهيده يوم الدين، وبعثته نعمة، ورسوله بالحق رحمة (^٢)، من نسي الصلاة عليه خطئ طريق الجنة، ومن سلّم عليه سلّم.
_________________
(١) ميمون النقيبة هو الذي ينال الظفر حيث توجه. انظر: تهذيب اللغة (٩/ ١٦١).
(٢) قوله: (وهو الفاتح لما أغلق … ورسوله بالحق رحمة) زيادة من ز، ك، ص، م.
[ ١١٢ ]
الله عليه، ومن صلى عليه واحدةً صلى الله عليه عشرًا، فصلى الله عليه، وعلى آله وأصحابه أجمعين كلما ذكره الذاكرون، وكلما غفل عن ذكره الغافلون.
ثم الداعي إلى كتابة هذه الأوراق التي سميتها: «ترشيح التوشيح، وترجيح التصحيح» أني لما انتهيت من تصنيف كتاب «توشيح التصحيح وحجاج المنهاج» الذي التزمت فيه ذكر ما يحضرني من ترجيحات الشيخ الإمام الوالد تغمده الله برحمته ورضوانه، وجمعني معه في فسيح جنانه، وكان ذلك الكتاب مقصورًا على مسائل «التنبيه» و«المنهاج» التي وقع في الترجيح فيها خلاف بين الأئمة الثلاثة: الرافعي، والنووي، والوالدُ، ﵃ = عن (^١) لي أن أعقد له ختامًا ثلاثة أبواب:
الباب الأول: في سرد المسائل التي خالف فيها الشيخ الإمام الرافعي ﵀، والشيخ الزاهد أبا زكريا النووي ﵁، سواء كان النووي موافقا للرافعي أم مخالفًا، وأبين رأي الرافعي في تلك المسألة أيضًا، فربما كان مع أحدهما، وربما كان في جانب منفرد، وذلك قليل.
وهذا الباب سبق (^٢) أكثره في «التوشيح»، ولكنا أردنا أن نعيده سردًا مضمومًا إليه ما لعله لم يسبق، وأذكر في هذا الباب ما تحصل عندي من ذلك، وقد يشد (^٣) عني من ترجيحات الوالد بعض الصُّور، فإنَّ ترجيحاته لا يحيط بها كتاب، بل هي مفرقة في تصانيفه، والغالب عليها «شرح المنهاج» و«شرح
_________________
(١) في ظ ١، ظ ٢، ص: (أعنَّ)، والمثبت من بقية النسخ.
(٢) قوله: (سبق) زيادة من ز.
(٣) في ظ ٢: (ويشت).
[ ١١٣ ]
المهذب»، وليس الفقه فيهما بكماله؛ لأنهما لم يتما.
والباب الثاني: في مسائل حكى فيها الشيخان - الرافعي والنووي - أو غيرهما الخلاف مرسلًا بدون ترجيح، رجح فيه الشيخ الإمام، وربما رجح فيه الرافعي أيضا، وذلك في مسائل معدودة، أهملها النووي في «الروضة» مع كونها في «الرافعي»، أو رجَّح فيها الرافعي في «الشرح الصغير»؛ فإنَّ النووي لم يقف عليه.
والباب الثالث: فيما اختاره لنفسه مذهبًا، وارتضاه رأيا واجتهادا، مع اعترافه بخروجه عن مذهب الشافعي ﵁.
وهذا الباب يقل جدواه بالنسبة إلى المتقيدين بمذهب الشافعي، الواقفين مع التقليد الذين قلدوه، مع وقوفهم على قول المزني في أول «مختصره»: «هذا مختصر اختصرته من علم الشافعي، ومن معنى قَوْلِهِ مع إعلاميه نهيه عن تقليده وتقليد غيره؛ لينظر فيه لنفسه ويحتاط لدينه» (^١)، فما نظر الكثير منهم لنفسه ولا احتاط لدينه، بل جمد على التقليد جمودًا، ولسنا هنا لإشباع الكلام مع هؤلاء.
وأما البابان الأولان فقد تكرر مني أن حاجة الشافعية إليهما شديدة، وضرورة المذهبية لديهما عتيدة، فإني لا أشك أن متابعته فيما خالف فيه الشيخين - الرافعي والنووي - متعينة، فما ظنك بترجيحه حيث لا ترجيح لهما، فينبغي تلقي هذين البابين بكلتا اليدين، والعض عليهما بالنواجذ.
فإني لست أشك أنه لا يجوز لأحدٍ من نَقَلَةِ زماننا مخالفته؛ لأنه إمام عظيم القدر، رفيع المحل، مُطَّلِعُ على نصوص الشافعي، وكلام الأصحاب، ومآخذ
_________________
(١) انظر: مختصر المزني: (٨/ ٩٣).
[ ١١٤ ]
الرافعي والنووي، وسائرِ حَمَلَةِ (^١) المذهب، قادر على الترجيح، ندرة الزمان ذكاء وفطنة، وحفظًا ودينا، وورعًا وتحريًا.
فمن لم تنته رتبته إلى رتبته، وحسبه من الفتيا النقل المحض = حق عليه أن يتقيد بما قاله، وأما من هو من أهل النظر والترجيح، والبصر والمعرفة، فذاك مُحَالٌ على نظرِهِ لا على فتيا واحد من هؤلاء.
فإن قلت: أَتَأخُرُه عن زمان الشيخين مع قدرته على الترجيح هو الموجب لاتباعه، أم شيء غير ذلك؟ إن قلتم: غير ذلك، فبينوه، وإلا فهذا يلزمكم فيمن يتأخّر عنه، فهل تنطقون فيمن يجيء بعده بأنه يتبع ويُترك له قوله، كما تُرِك قول الشيخين له؟
قلت: ليس شيئًا غير ذلك، ونحن نقول فيمن يتأخر بعده ما قاله الإمام والغزالي، وقد سلكنا (^٢) هذا المسلك في تقليد الشافعي ﵁ فيمن يتأخر بعده، إن بلغ أحد رتبته فيما ذكرناه كان اتباعه متعيّنا، ولا نتحاشى من ذلك، والله قادر أن يخلق أمثاله، غير أنا لم نجد إلى الآن من يدانيه فضلا عن أن يشابهه، فإن ولدت النساء مثله فهلموا إليه معاشر إخواني، وتدبّروا قوله.
فإن قلت: لقد عظمتم أمر والدكم هذا الذي تلقبونه الشيخ الإمام، وأعرضتم عن غيره صفحا، وكدتم تُطرونه مدحًا، وتعقدون له لواء بين المذاهب، وترفعون له رايةً تخفق على المشارق والمغارب، وتدعون الجَفَلَى (^٣) إليه (^٤)،
_________________
(١) في ك: (نقَلَةِ).
(٢) في م: (سَلَكَا).
(٣) أي: الجماعة. انظر: تاج العروس: (٢٨/ ٢١٤).
(٤) في ز، م: (وراءه).
[ ١١٥ ]
وتدعون خلاف قوله، غير ناظرين إليه (^١)، بحيث خَشِينا عليكم غائلة (^٢) الإطراء، وطرقنا إليكم سوء الظن، لولا جانب المسامحة والإغضاء، وجوزنا عليكم كل عصبية أمدتها عروق البعضية، ودعتها حمية الجاهلية، وما رأينا تلميذا فعل مع أستاذه في هذه الأعصار المتأخرة ما فعلتم أنتم في حق أبيكم، وقد أنذرناكم الوقيعة - بهذا السبب - فيكم.
قلتُ: تمهل قليلا، واسمع لما أقوله وإن كان عليك ثقيلا، واعلم أني أخاف على نفسي، وأخشى أن يكون لميل الولد إلى والده، والتلميذ إلى أستاذه، والمعتقد في معتقده مدخلًا داخلني في بعض ما أصف الشيخ الإمام ﵀ به (^٣).
ولقد اتفق لي من تعظيمه نحو ذلك في حياته، فأنكره علي، وذلك الإزجار (^٤) من موجبات خوفي على نفسي، فإني كنتُ قد تخلَّفتُ عنه ليلةً من الليالي، وبات هو في بيته، وبتُّ أنا في المدرسة (^٥) لأمر اقتضى ذلك، كان مني فيه ما يكون من تدلّل الولد على أبيه، ثم لعظيم اعتقادي فيه، وخشيتي من تشوش خاطره علي، أدركتُ نفسي في أثناء الليل برسالة كتبتها إليه، من جملتها: «إني أعتقد أنك في رتبة سفيان الثوري، ومحمد بن إدريس الشافعي وأمثالهما، وإني أعتقد أنك من الأولياء»، في كلماتٍ كثيرة ذكرتها، وقلتُ في آخرها: «أشتهي
_________________
(١) في ز، م: (إناءَهُ).
(٢) في ظ ٢: (غاية).
(٣) قوله: (به) زيادة من م، ك.
(٤) كذا في ظ ١، ظ ٢، وفي بقية النسخ: (الإنكار).
(٥) صورتها في ظ ١: (المقادسة)، والمثبت من سائر النسخ، ولعله اسم مدرسة بدمشق، وقد كان للمقادسة مدارس بها، كالمدرسة الشيخية العمرية التي أنشأها كبير المقادسة الشيخ أبو عمر.
[ ١١٦ ]
منكم الجواب فيما فضل من (^١) هذه الأوراق؛ ليكون حجةً لي (^٢) عليكم يوم القيامة، وسجلا يشهد برضاكم عني، ودعائكم لي».
فكتب لي الجواب، وهو عندي بخطه ﵀، وها أنا أنقل منه ما يتعلق بغرضي هنا، قال ﵀:
«الحمد لله، وقفت على هذه الفضائل التي (^٣) رسمها الولد، والفوائد التي فاتت العدد، ولا يصل إليها أحد، وحلت في قلبي (^٤) حلول الزلال على الكبد، وريح الصبا على الجسد، فحمدت الله وشكرته، إذ جعل نجلي يأتي منه مثل ذلك، وإني مقصر عما هنالك، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، ولا يهلك على الله إلا هالك، ولقد سلكت في إرسالك هذه الرسالة أحسن المسالك، وعلوت فيها أدبا، واتخذت من كل فنّ سببًا، ولم تُبقِ شيئًا، والمجيب (^٥) وإن كان أبا، حتى قضى من حسنها وما قضى عجبا.
فكأنها وكأن رقة لفظها … وله ذكرى حبيب فوق كل حبيب
ما منكم (^٦) إلا صريع عندها (^٧) … ولَشِعرُها يزهو بكلِّ نَسِيبٍ.
فأفديك من ولد بما أجد، وأعيذك بالواحد الأحد من شر ما يرد».
_________________
(١) كذا في ظ ١، ص، وفي ز: (حصل في)، وفي ك، م: (فصل في)، وفي ظ ٢ بلا نقط.
(٢) قوله: (لي) زيادة من ز، م.
(٣) كذا في ز، ك، م، وفي بقية النسخ: (الذي).
(٤) في ك: (كبدي).
(٥) في ك: (والمحب).
(٦) في م، ز، ك: (مسلم).
(٧) في ك: (عبدها).
[ ١١٧ ]
إلى أن قال:
«وأما العلم فأنا عنه بمعزل، ولا يعجبني من الولد أن يظن أني منه بمنزل، فضلا عن أن يذكر سفيان الثوري، وابن إدريس، هيهات، اشتهيت أن أسلم من إبليس، فالولد لا يرجع يتفوه بمثل ذلك، أخاف أن يقال لي: أنت بهذا.
وأما الدين فوالله أكبر مُنايَ أن أموت مسلما، وإياك ثم إياك أن تقول هذه الكلمة: الولاية، بعد هذا، أو تتخيلها بذهنك، فأين نحن وتلك المرتبة، فلا تغلط، ففيه مفسدتان: أُخروية من جهة الله تعالى، أخاف من المؤاخذة لي ولك بها، ودنيوية؛ لأن الناس ينتقدون دون ذلك».
إلى أن قال:
«فخذ فيما ينفع، وتعوذ بالله من علم لا ينفع، ودعاء لا يُسمع، وأنت ما تعلم أنَّ الإطراء يضر القائل والمقول فيه، فشفقتك على نفسك وعلى والدك أن لا تذكر بعد اليوم شيئًا من هذا، بل تسأل الله لكما الصفح وترك المؤاخذة، وأن يسترنا في الدارين، ويزيدنا من فضله كما يشاء ﷾.
وأما رضاي فكلُّ أحدٍ يعلم بطبيعة البشرية منزلة الولد من الوالد، ولي من ذلك - إن شاء الله - أعظم شاهد، وأنا في غاية الرضا والحنو».
إلى أن قال: - وهو مما أعتده من مكاشفاته -:
«والوالد إذا كان حيًّا يمكنه أن يتلقَّى عن الولد بعض ما ينوبه، وإذا مات احتاج الولد يتلقى كل ما ينوبه، فالولد يغتنم حياة والده ويرمي كله عليه، ويُفرغ
[ ١١٨ ]
باله بقدر إمكانه (^١) لما ينفعه فيما سيأتي، فمصيره يتعب، ولا يُعجل لنفسه التعب الآن، والفكرة فيما لا ينفع».
إلى أن قال - بعد نصائح علَّمَنِيها، وحثني على اعتمادها:
«فاجتهد فيما ينفعك، والله يبارك فيك ويكون في عونك، وأنا كنت أطلب أجيء إليك بكرة، فجيد (^٢) الذي سيرت (^٣) إليَّ هذا، حتى عرفت طيبة خاطرك، فما يصل الإنسان إلى مصالح دنياه وآخرته إلا بطيب خلقه، وحسن خُلقه، واعتدال مزاجه، والشيطان يستفز الإنسان حال غضبه، يُخرج منه ما ليس بجيد، ولا سيما عند من لا يرحمه، فأعيذك بالله من شياطين الإنس والجن، وأسأل الله أن يكون في عونك، ويعلي قدرك، ويزيدك ولا ينقصك، ويعطيك ولا يخزيك (^٤)، ويهبك من موارد فضله، إنه هو الوهاب إن شاء الله تعالى».
انتهى ما أردتُ نقله من جوابه، وفيه زائد عما احتجت إليه هنا، ذكرته لأنه يحلو لي سماعه.
يُرَبِّحُنِي إِلَيْهِ الْوَجْدُ حَتَّى … أَمِيلَ مِنَ الْيَمِينِ إِلَى الشِّمَالُ
وَيَأْخُذُنِي لِذِكْرَاهُ اهْتِزَازُ … وكَمَا نَشِطَ الْأَسِيرُ مِنَ الْعِقَالْ
ولاشتماله على دعائه لي، وأنا أرجو بركة دعائه، فما أحببتُ حَذفه، ولم أكن شبهته بسفيان والشافعي حتى شبهه قبلي شيخنا الذهبي - وهو من أقرانه
_________________
(١) في ز: (الكفاية).
(٢) في ظ ٢: (فحبذا)، وفي ك: (محبدا).
(٣) في ز: (أرسلت).
(٤) في ك، م: (يحرمك).
[ ١١٩ ]
بسفيان، ومالك، ويحيى بن معين، وقال فيما أنشدنيه (^١) لنفسه:
تَقِيَّ الدِّينِ يَا قَاضِي الْمَمَالِكُ … وَمَنْ نَحْنُ الْعَبِيدُ وَأَنْتَ مَالِكْ
إلى أن قال:
وَكَابْنِ مَعِينِ فِي حِفْظٍ وَنَقْدٍ (^٢) … وَفِي الْفُتْيَا كَسُفْيَانِ وَمَالِكْ
وَفَخْرُ الدِّينِ فِي جَدَلٍ وَبَحْثٍ … وَفِي النَّحْوِ الْمُبَرِّدُ وَابْنُ مَالِكُ (^٣)
في أبياتٍ أُخَرَ.
وقد وقف ﵀ على ترجمته في كتابي «الطبقات الوسطى»، وقولي فيه بعدما وصفته ببعض ما أعتقد فيه [أ/ ٧/ أ]:
وَمَا عَلَيَّ إِذَا مَا قُلْتُ مَعْتَقَدِي … دَعِ الْحَسُودَ يَظُنُّ السُّوءَ عُدْوَانَا
هَذَا الَّذِي تَعْرِفُ الْأَمْلَاكُ سِيرَتَهُ … إِذَا ادْلَهَمَّ دُجَى لَمْ يُبْقِ سَهْرَانَا
هَذَا الَّذِي يَسْمَعُ الرَّحْمَنُ صَائِحَهُ … إِذَا بَكَى وَأَفَاضَ الدَّمْعَ أَلْوَانَا
هَذَا الَّذِي يَسْمَعُ الرَّحْمَنُ دَعْوَتَهُ … إِذَا تَقَارَبَ وَقْتُ الْفَجْرِ أَوْ حَانَا
هَذَا الَّذِي تَعْرِفُ الْغَبْرَاءُ جَبْهَتَهُ … مِنَ السُّجُودِ طَوَالَ اللَّيْلِ عِرْفَانَا
هَذَا الَّذِي لَمْ يُغَادِرُ سَيْلُ مَدْمَعِهِ … أَرْكَانَ شَيْبَتِهِ الْبَيْضَاءِ أَحْيَانَا
وَاللهِ وَاللهِ وَاللهِ الْعَظِيمِ وَمَنْ … أَقَامَهُ حُجَّةٌ فِي الْعَصْرِ بُرْهَانَا
_________________
(١) زاد في م، ك، ز: (من لفظه)، وهي في معنى: (لنفسه).
(٢) في ك: (ونقل).
(٣) سير أعلام النبلاء: (١/ ١٠٤).
[ ١٢٠ ]
وَحَافِظًا لِنظَامِ الشَّرْعِ يَنْصُرُهُ … وَنَصْرًا يُلَقِّيهِ مِنْ ذِي الْعَرْشِ غُفْرَانَا
كُلُّ الَّذِي قُلْتُ بَعْضُ مِنْ مَنَاقِبِهِ … مَا زِدْتُ إِلَّا لَعَلِّي زِدْتُ نُقْصَانَا (^١)
فكتب ﵀ بخطه على حاشية كتابي:
عَبْدَ الْوَهَّابِ نَظَرْتَ إِلَى … وَرَمِ بَادٍ يَحْكِي مَنَا
وَشَغَافٌ بِي يَدْعُوكَ إِلَى … حُسْبَانِكَ فِي حَالِي حَسَنَا
يَا رَبِّ اغْفِرْ لِابْنِي فِيمَا … قَدْ خَطَّ وَقَالَ هَوَى وَخَنَا
والله إني في نفسي أحقر من أن أنتسب إلى واحد من غلمان واحد من المذكورين، ومن أنا في الغابرين؟! أسأل الله خاتمة حسنة بمنه وكرمه، وبمحمد ﷺ.
كتبه علي السبكي، في يوم السبت مُستهل جُمادى الآخرة سنة ثلاث وخمسين وسبع مائة، بظاهر دمشق.
هذا صورة خطه، ولو كان شيء مما وصفته به عنده غير صحيح لكان ورعه ودينه جديرا بأن يضرب عليه، وأن يأمرني بمحوه، أمرًا لا أستطيع معه مخالفته، بل لم يزد على ما أنشده من هضم النفس، وقد أنشده صلاح الدين خليل بن أيبك الصفدي ﵀:
يَا سَعْدَ هَذَا الشَّافِعِيِّ الَّذِي … بَلَغَهُ اللهُ تَعَالَى رِضَاهُ
يَكْفِيهِ يَوْمَ الْحَشْرِ أَنْ عُدَّ فِي … أَصْحَابِهِ السُّبْكِيُّ قَاضِي الْقُضَاهُ (^٢)
_________________
(١) طبقات الشافعية الكبرى للسبكي: (١٠/ ١٤٣).
(٢) أعيان العصر: (٣/ ٤١٧).
[ ١٢١ ]
وأنشده أيضا:
ثَلَاثَةٌ لَيْسَ لَهُمْ رَابِعٌ … لله فِي الْعِلْمِ وَالدِّينِ وَفِي النَّسْكِ
وَكُلُّهُمْ مُنْتَسِبْ لِلتَّقَى … له وَدَافِعُ لِلزَّيْعُ وَالْإِفْكِ
فَقُلْ إِذَا شِئْتَ ابْنُ تَيْمِيَّةٍ … وَابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ وَالسُّبْكِي (^١)
فأقره على إنشاده، وكان من الورع بحيث لا يقرُّ على باطل، يعرف ذلك منه من عرفه، وكم سمع أبلغ من هذا المدح وسكت عليه، فلله در زمانه عصرًا، يُؤذن بفخارِهِ كلَّ عصر ظهرًا، لقد أخرج منه في هذا القرن (^٢) الثامن فردا، أعيذه بالسبع المثاني، وبديعًا لا يقوم ببيان وصفه ما تقعده ألسنتنا وقلوبنا من الألفاظ والمعاني.
وأما قول السائل: «ما رأينا تلميذا في هذه الأعصار فعل في حق أستاذه ما فعلتم أنتم في حق أبيكم»، فإنه كلام جاهل بحال (^٣) أبينا، فهل خلق الله في هذه الأعصار مثله حتى يقال لنا مثل هذا الكلام؟!
فإن قال: كم (^٤) تبكي عظما رميمًا، ولا ينفك عزاؤك مقعدًا ومقيما، على مَنْ أُودع التراب من بضعة عشر عامًا، ومضى كما مضى من هو أجل منه، من العلماء الذين لا تستعمل (^٥) في الثناء عليهم ألسنةً ولا أقلامًا، فهل ذلك إلا مجرد
_________________
(١) أعيان العصر: (١/ ٢٥٣).
(٢) كذا ضبطها في ظ ١ بالضم، وتكون فاعلًا، وقوله قبله (في) ليس في ز، ك، م، ولعله أولى.
(٣) في ظ ٢: (بحق).
(٤) في ك: (لم).
(٥) كذا في ز، وفي ظ ١، ص: (يستعمل)، وبلا نقط في بقية النسخ.
[ ١٢٢ ]
غرض (^١) نشر ذكره، وطي (^٢) سواه طيًا، وصرف أوقاتك (^٣) فيه، وشغلك به عما يعنيك، ولن يغني عنك من الله شيئًا؟
فالجواب: أجل، إن عزائي فيه، وضيق عطني (^٤) بالأسف عليه أوسع مما تصف وتشرح، مقيم مقعدًا، لا ينفك يبرح ولا يبرح، وذكره ينشر من عظامي كل ميت، ويبعثني على أن أصفه بكلي، فلكل جارحة مني صوت صيت، وما أنا
- كما قلت أيها السائل - على ذي الرمة إلا كما قال ذو الرمة:
إِذَا غَيَّرَ النَّأْيُ المُحِبِّينَ لَمْ يَكُدْ … رَسِيسُ الهَوَى مِنْ حُبِّ مَيَّةَ يَبْرَحُ
فَلا [القُرْبُ] (^٥) يُبْدِي مِنْ هَوَاهَا مَلَالَةً … وَلَا حُبُّهَا إِنْ تَنْزِحُ الدَّارُ يَنْزِحُ
إِذَا خَطَرَتْ مِنْ ذِكْرِ مَيَّةَ خَطْرَةٌ … عَلَى القَلْبِ كَادَتْ فِي فُؤَادِي تَجْرَحُ (^٦)
وما أنا - إذا تذكرت ترابًا ضم أعظمه، وقبرًا شمل منه خير أهل زمانه وأعظمه، وانحدر مني دمع أكبره الدم وأعظمه - بقائل:
أَلا هَلْ أَخْبَرَ القَبْرُ سَائِلِيهِ … أَمْ قَدْ رَعَيْنَا بِزَائِرِيهِ
أَمْ هَلْ تَرَاهُ أَحَاطَ عِلْمًا … بِالجَسَدِ المُسْتَكِنِّ فِيهِ
لَو يَعْلَمُ القَبْرُ مَنْ يُوَارِي … لَتَاهَا عَلَى كُلِّ مَنْ يَلِيهِ
_________________
(١) في ظ ٢، ص: (عرض).
(٢) كذا في ظ ا، ظ ٢، وفي بقية النسخ: (وطوي).
(٣) في ز: (أقاويل).
(٤) العطن: المبرك والمجلس. انظر: تاج العروس: (٣٥/ ٤٠٢).
(٥) في النسخ: (البعد)، والتصويب من ديوان ذي الرمة (٢/ ١١٩٤).
(٦) التذكرة الحمدونية: (٦/ ٥٦).
[ ١٢٣ ]
أَنْدُبُ مَنْ لَا يُحِيطُ مِنْهُ بِوَصْفِهِ … شَرْحُ وَاصِفِيهِ
يَا جَبَلًا كَانَ ذَا امْتِنَاعِ … وَرُكْنَ عِلْمِ لِأَمِلِيهِ
يَا نَخْلَةً طَلْعُهَا نَضِيدٌ … لَا يَقْرُبُ مِنْ كَفَّ مُجْتَنِيهِ
آمَنَكَ اللهُ كُلَّ رَوْعِ …، وَكُلَّ مَا كُنْتَ تَتَّقِيهِ (^١)
فلله قبر بمصر ولا قبر جُرجان، إنه لعزيز مصر، ولقد كادت الناس بعده تتساوى، فاليوم كل عزيز بعده هان، ورُبَّ داهية قام، والحرب بيننا على ساق، يُبدي عذله (^٢)، فنمت عنه معرضًا لا ألوي عليه، ولا أقول له إلا ما قال شاعر عَصْرِنا (^٣) مضمنًا:
وَرُبَّ عَذُولٍ لَسْتُ أَفْهَمُ قَوْلَهُ … وَإِنْ كُنْتُ عَيْنَ السَّامِعِ الْمُتَفَهِّمِ
فَإِنْ شَاءَ فَلْيَسْكُتْ وَإِنْ شَاءَ فَلْيَقُلْ … إِلَى حَيْثُ أَلْقَتْ رَحْلَهَا أُمُّ قَشْعَمِ
فأقل اللوم عاذل والعتابَن، ولا تهج العيونَ الذُّرَّفَنْ، واعلم بأنَّ اللوم إذا لاح من كلّ لاح فهو إن لم يُغرِ الأرواح، أهون على المحب من مرور الرياح. [أ/٨/أ]
وَهَانَ عَلَيَّ اللَّوْمُ فِي جَنْبِ حُبّهَا … وَوَقَوْلُ الْأَعَادِي إِنَّهُ لَخَلِيعُ
أَصَمُّ إِذَا نُودِيتُ بِاسْمِي وَإِنَّنِي … إِذَا قِيلَ لِي يَا عَبْدَهَا لَسَمِيعُ (^٤)
ولا تؤجج بذكراه في القلب نار أسف، ولا تُثخن جرحًا كلما قلت قد اندمل
_________________
(١) الجليس الصالح الكافي ص ٣٠٩.
(٢) كذا في م، وفي سائر النسخ: (عدله)، والمثبت أظهر سياقًا.
(٣) في ظ ٢: (مصرنا).
(٤) القصيدة لأبي نواس، انظر: الدر الفريد: (٣/ ٤١٠).
[ ١٢٤ ]
أشرف به التذكار على التلف.
وَبَدَا لَهُ مِنْ بَعْدِ مَا انْدَمَلَ الْهَوَى … بَرْقٌ تَأَلَّقَ مَوهِنَا لَمَعَانُهُ
يَبْدُو كَحَاشِيَةِ الرِّدَاءِ وَدُونَهُ … وصَعْبُ الدُّرَا مُتَمَنِّعُ أَرْكَانُهُ (^١)
فَبَدَا لِيَنْظُرَ كَيْفَ لَاحَ فَلَمْ يُطِقْ … نَظَرًا إِلَيْهِ وَرَدَّهُ أَشْجَانُهُ
فَالنَّارُ مَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ ضُلُوعُهُ … وَالْمَاءُ مَا سَمَحَتْ بِهِ أَجْفَانُهُ (^٢)
إيها والله، إنَّ لي لقلبا يتأجج بذكر جنَّاتِ الشيخ الإمام نيرانه، وتتبرح تبرُّحَ الجاهلية الأولى محبته التي لا يضمرها كتمانه، وتتأرجُ ولا أَرَجَ النسيم نفحات شوقه التي إذا سكنها البعد تحرك بنسيمها جثمانه، وكم أحاول كتمان ما عندي، وترك التذكر لتلك الخلال الطاهرة التي كلما ذكرت تعيد الهم وتبدي، وأقول: سكونًا أيها النفس سكونًا، فإنَّ غيره لا يجدي.
وفي الدَّمعِ إِنْ كَذَبْتُ بالحُب شاهد … له يُبين ما أُخفي كَمَا بينَ البدر
أَمَا وَالَّذِي أَبْكَى وَأَضْحَكَ وَالَّذِي … أَمَاتَ وَأَحْيَا وَالَّذِي أَمْرُهُ الْأَمْرُ
إِذَا ذُكِرَتْ يَرْتَاحُ قَلْبِي لِذِكْرِهَا … وكَمَا انْتَفَضَ الْعُصْفُورُ بِلَّلَهُ الْقَطْرُ (^٣)
أكتم حتى يقال: سكن الأمر، وأبثُ حتى يقال: ليس له صبر، وأتقلب حتى يقال: هل هو على الجمر؟
كَتَمْتُ الْهَوَى فِي الْقَلْبِ حَتَّى خَتَمْتُهُ … فَبَاحَتْ بِهِ الْعَيْنَانِ وَالْقَلْبُ مُطْرِقُ
_________________
(١) في م، ص: (أردانه).
(٢) مصارع العشاق: (١/ ٢٤٤).
(٣) الدر الفريد: (١/ ٩٢، ٩١).
[ ١٢٥ ]
وَمَنْ كَانَ ذَا عِشْقٍ وَإِنْ كَانَ جَاحِدًا … فَإِنَّ الْهَوَى فِي عَيْنِهِ حِينَ يَنْطِقُ
فما للجحود معنى، ولا للكتمان حاصل، بل يتعنى به من به يُعنى، فكيف يكتمه من اكتال منه بالمكيال الأوفى، ولم ير له وزنا.
لم يبق إلا نفس … خَافِتُ ومُقْلة إنسانُها باهت
ومُغرَمُ تُضرَمُ أَحشَاؤه … بالنَّارِ إلا أنه ساكِتُ
ذابَ فَمَا في الجسمِ مِنْ مَفصل … إلَّا وفيه سقَمْ ثَابِتُ
يرثي له الشامتُ ممَّا بِهِ … يا ويحَ مَنْ يرثي له الشَّامِتُ (^١)
إن تكلم فهو متكلّم (^٢)، وإن سكت فهو متألم.
فَإِنْ لَمْ أَزُرْهَا عَادَنِي الشَّوْقُ وَالْهَوَى … وَإِنْ زُرْتُهَا شَفَّ الْفُؤَادَ لِقَاؤُهَا
وَإِنْ قُلْتُ أَسْلُوهَا تَعَرَّضَ طَيْفُهَا … وَعَاوَدَ قَلْبِي مِنْ بُثَيْنَةَ دَاؤُهَا (^٣)
إيها والله، لقد شَرِبتُ من حبّيه كأسًا بعد كأس.
شَرِبْتُ الْحُبَّ كَأْسًا بَعْدَ كَأْسٍ … فَمَا نَفِدَ الشَّرَابُ وَلَا رَوِيتُ (^٤)
ولقيت من وجهه برهانا قام بالنص والقياس.
وَكَمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَجْهِ مَلِيحٍ … وَلَكِنْ مِثْلَ ذَلِكَ مَا لَقِيتُ
فكيف لا أُجري عليه طول السنين دموعًا، في وقوفها ساعةً ألفُ
_________________
(١) مصارع العشاق: (١/ ٩١).
(٢) في ز: (مكلَّم)، وهو من الكلم، وهو الجرح. انظر: العين (٥/ ٣٧٨).
(٣) مسالك الأبصار في ممالك الأمصار: (١٠/ ٦٠٩).
(٤) الدر الفريد: (٧/ ١٧).
[ ١٢٦ ]
بأس، وأُنشد:
أَيُّهَا الرَّاحِلُ عَنَّا لَا أَرَى … لِبِلَادٍ سِرْتَ عَنْهَا مِنْ خَلَفْ
وَلَدٌ فَارَقْتَهُ حَقٌّ لَهُ … أَنْ يُفِيضَ الدَّمْعَ وَجْدًا وَالْأَسَفْ
فَلَهُ اللهُ حَبًّا زادَنِي الله فيه … واعتقادًا لا شك يعتريه
ومَاءَ دَمعِ تَفَجَّرَ عيونا … فسقى الغَضَا (^١) والساكنيه
ولا معنى لشكوى الشَّوقِ يومًا (^٢) … إلى مَنْ لا يَزُولُ عَنِ العِيانِ
فإن قلت: كيف، وإنما تأسف على عظم رميم؟
قلتُ: بل على علم عظيم.
خَلِيلَيَّ لَوْ أَحْبَبْتُمَا لَعَلِمْتُمَا … مَكَانَ الْهَوَى مِنْ مُغْرَمِ الْقَلْبِ صَبِّهِ
تَذَكَّرَ وَالذِّكْرَى تَشُوقُ وَذُو الْهَوَى … يَتُوقُ وَمَنْ يَعْلَقُ بِهِ الْحُبُّ يُصْبِهِ
غَرَامٌ عَلَى يَأْسِ الْهَوَى وَرَجَائِهِ … وَحُبُّ عَلَى بُعْدِ الْمَزَارِ (^٣) وَقُرْبِهِ (^٤)
وأما قول السائل: إني لا أذكر من هو أجل منه من الماضين كما أذكره = فصحيح، غير أن المدد الحاصل لي منه ليس كالحاصل من غيره من العلماء، وأن من منحني فضلا وغيره فلا متشابهان ولا سواء، وما معرفتي لمن خالطته
_________________
(١) الغضا: شجر من الأثل، خشبه وفحمه صُلب، وجمره يبقى زمانًا طويلًا لا ينطفئ. انظر: معجم اللغة العربية المعاصرة (٢/ ١٦٢٦).
(٢) في ظ ٢: (قوما).
(٣) في ظ ٢: (الزمان).
(٤) نفح الأزهار صـ ١٢.
[ ١٢٧ ]
الليل والنهار كثيره، وإن كان أجلُّ، ولا من أستغني عن التعريف به - لسبق الناس إلى التعريف به - كغيره، وإن كان دون ذلك المحل، أيولا ومن عَلِقَ به القلب حبا وإن قضى نحبا، كمن لم يكن بينهما معرفة، فَلَيْلُمُ ما شاء من شاء، فلستُ براجع لغير ذي نُصْفَة.
وَقَفَ الهَوى بي حيثُ أنتَ فَلَيسَ لي … هَوَى مُتَأَخَّرٌ عَنهُ وَلا مُتَقَدَّمُ
أجدُ المَلامَةَ في هَوَاكَ لَذِيذَةً … وَحُبًّا لِذِكْرِكَ فَلْيَلُمْنِي اللَّوَّمُ
وأما قوله: «لَنْ يغني عنك من الله شيئًا» فكلمة حق وضعت في غير موضعها، وإنا لنتخذه حنانًا، ونرجو بحبه من الله جنة ورضوانا (^١)، ونسأل الله أن يجمعه في الجنة وإيانا، وما السائل عارفًا بما حُيِّث عليه أضالُعُ المسؤول، ولا وافقًا على ما أضمره قلبه مما يعتقده الحق المقبول.
إِذَا شِئتُ أَنْ أُرضِيَ وَتُرْضِيَ وَتَمْلِكِي … وَلَكِ زمَامِي مَا عِشْنَا مَعًا وَعِنَانِيَا
أَلَا فَارْفُقِي الدُّنيَا بِعَيْنَيَّ وَاسْمَعِي … وَلَكِ بِإِذْنِي فِيْهَا وَأَنْطِقِي بِلِسَانِيَا (^٢)
وإلا فالخلاف بيننا لا يبرح ولا يزول، وليس في المجادلة إلا كثرة الفضول، ولنمسك عن خطاب العدو المخذول، الجَهول العدول، فإن رجوعه بالملام والعذل غير مرجو ولا مأمول، وتشوِيشه على القلوب صعب، وإنما كلام العدا ضرب، وعذل عبيد السوء الجاهلين بلاء مبين، وبيننا وبينهم يوم القيامة ربُّ العالمين.
_________________
(١) في ز، م: (من الله جنانا).
(٢) الدر الفريد: (٥/ ٣٣٥).
[ ١٢٨ ]
وَمِنَ الْبَلِيَّةِ عَزْلُ مَنْ لَا يَرْعَوِي له عَنْ جَهْلِهِ وَخِطَابُ مَنْ لَا يَفْهَمُ (^١)
والكلام في هذا يطول، وربما كانت فيه مخالفةٌ لما أمرني به في هذا الجواب، ومن أحب أن يعرف (^٢) ما أعتقده فيه فلينظر ترجمته من «الطبقات الكبرى» (^٣).
ثم أنا مع ذلك كله أسأل الله تعالى وله الحمد، أن يصلي على نبيه سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم، وأن يسلم عليهم، وأن يغفر لي ولأبي، ويجمعني معه في دار كرامته، على موائد رحمته، وبساط مسامحته، وما أبرئ نفسي من عيب وميل إلى جانبه، أخشى أن يجرها إلى إعطائه فوق حقه، ولكن كيف سبيلي وما حيلتي، واعتقادي فيه ما وصفت؟!
وأنا كلُّ مشكلة ترد عليَّ ولم أجد له فيها كلاما لا تنشرح نفسي (^٤) للفتيا فيها، وأتحير كأني أخبط في ظلام، ولا أقدر أدفع عن نفسي ذلك، ولا حيلة لي فيه، بخلاف ما أجد فيها كلامه، وإن كنتُ ربما خالفته في وقت.
ولقد سألني سائل من أيام عن مسألة كنت سألته عنها، وكتب لي بخطه في ذيل سؤالي جوابًا أحفظ القدر المشترك منه، ولم أجد خطه، ثم هي مذكورة في كلامه في ثلاثة مواضع من «شرح المنهاج»، ومع هذا لم أجد نفسي تنشرح لكتابة شيء عليها من أجل فقدان ما كتبه، وتجويز أن يكون هناك شيء غاب عني.
_________________
(١) الأمثال السائرة صـ ٣٤.
(٢) في ك: (ينظر).
(٣) انظر: الطبقات الكبرى (١٠/ ١٣٩).
(٤) في ك: (لا ينشرح صدري).
[ ١٢٩ ]
هذا، وعندي أن من شروط الفتيا إذا وقعت حادثة، وبلغ المفتي أنَّ لِعالم أهل للنظر والمناظرة فيها كلاما؛ أن ينظر في كلامه، فلعله يجد هناك مساعًا لشيء غاب عنه، فلا أشك أنَّ هذا شرط من شروط الفتيا، لا أُجَوِّزُ لمفت أن يُفتي دونه متى جُوّز أن يكون في كلام ذاك المتكلم ما لعله يغيب عنه مما يجب اعتباره، ومن جوز أن يكون عند نازل في أخريات البلدة (^١) أو أُخريات الإقليم كتاب أو سنة في حادثة وقعت له، ثم أخذ يُخَرِّجُها بذهنه، ولا يستفحص ما عند ذلك الرجل؛ فهو أَخْرَق، قليل الدين، كثير التهاون.
فإن قلت: اعتقادكم أنه لم يخلق الله في هذه الأعصار مثله، مع تجويزكم على نفسكم الميل الذي يجرُّ إلى غير الحق؛ مما لا يجتمعان.
قلتُ: الاعتقاد واقع لا محالة، لا سبيل لي إلى دفعه عني، والميل واقع لا محالة، لا حيلة لي في انصرافه مني، ولا استحالة في اجتماعهما، فرُبَّ معتقد أمرًا يجوز في أسبابه ما ليس بواقع، وهذا يجده الإنسان في الأمور الوجدانيات فضلا عن (^٢) الاجتهاديات، فإنك تجد العطش من نفسك، وتجوز في أسبابه أمورًا قد يكون بعضها هو الواقع دون بعض.
فإن قلت: إذا جوزت على نفسك مداخلة الميل المقتضي لخطا في الاعتقاد، فقد تطرق ذلك إلى شك في الاعتقاد، وهو مع الجزم لا يجتمع.
قلتُ: تجويز مداخلة الميل لا يلزم منه اعتقاد دخوله ولا ظنُّ دخوله في هذا الأمر بخصوصه، وإنما هو احتمال أرجو أن لا يكون داخل في هذا الكتاب (^٣).
_________________
(١) في ز: (البلد).
(٢) زاد في ز: (الأمور).
(٣) في م،: (المكان).
[ ١٣٠ ]
وبالجملة هذا الرجل كان من أحبار (^١) هذه الأمة علما ودينا، فهما ونقلا، ورعا وتحريا، جبلا من الجبال في الذكاء وحسن التصرف، فتاحا لأبواب المباحث، معروفًا بتحقيق المشكلات وكشف عوارها، بحرا من البحار في حفظ الكتاب والسنة، وأقوال السلف، ومذاهب العلماء، قيّما بمذهب الشافعي، يكاد يأتي على نصوصه حفظًا، وعلى مقالات أصحابه المتقدمين والمتأخرين، متضلّعًا بكلّ علم، لا يُعرف علم بين الناس إلا وقد كان يقال: إنه فرد زمانه فيه، تقيًّا نقيًّا، ورِعًا متحريا، ذا همةٍ عليَّة، ونفس أبيَّةٍ في نصر الحق والدعوة إليه، وكلُّ هذا الذي نقوله لا يشك فيه معدود من الناس.
ومن بلغه أن لعالم من العلماء - وإن لم يصل إلى هذا المقام، فضلا عن الواصل إليه - كلاما في حادثة وقعت، وأقدم على الفتيا فيها من غير أن يتأمل مغزاه، ولا ينظر فيما قاله وما تمسك به = فهو جريء، هجوم، غير موثوق بدينه، ولا هو من طالبي الغايات، ومحبي التحقيقات في شيء.
فإن قلت: يا هذا، الشيخ الإمام أعرفُ منك بنفسه، وقد قال لك فيما حكيت (^٢) لنا: أنا عن العلم بمعزل، وأنه أحقر في نفسه من أن يُنسب إلى غلمان واحد من المذكورين = في «الطبقات»، ونهاك أن تُطريه (^٣)، وحذرك وعنفك، وشيخك هو القائل لك في أجوبة سؤالات سألته عنها، فذكرت أنت أنَّ جواب ابن عبد السلام في مسألة ذكرتها عنه إقناعي: «الأدب مع الشيخ عز الدين:
_________________
(١) في ص: (أخيار).
(٢) زاد في ظ ٢: (عنه).
(٣) في ظ ٢: (عن نظيره).
[ ١٣١ ]
الاقتصار على جوابه». وهو المقصر نفسه في خطبة تكملة «شرح المهذب» عن مقام النووي، المنادي عليها بالقصور والعجز عن الإتيان بمثل شرحه، وهو المنكر على شاعر العصر ابن نباتة قوله فيه:
وأين الدقيق من الجليل … وأين العلامي من الخزرجي
فأغلظ له القول حيث عرض بنقصان درجة القاضي تاج الدين ابن بنت الأعز، وهو العلامي، وشيخ الإسلام ابن دقيق العيد = عن درجته، وهو - أعني الشيخ الإمام (^١) - الخزرجي، فما هذا الأمر العظيم الذي تذكر أنت؟!
قلتُ: ما أجهل هذا السائل، وما أبعده عن فهم مقاصد العلماء وما يفعلونه من هضم أنفسهم تارة، وبيان محلّها إرشادا للخلق تارةً أخرى، ولا يخفى على ذي لب أنَّ هذا شأن أهل الورع والتقوى، لا يرون أنفسهم شيئًا، وإذا أحبوا جمع الناس على الهدى، وإرشادهم إلى الصواب بإعلامهم ما هو الحق في نفس الأمر؛ عرفوهم مقامهم؛ ليقتدي بهم الخلق، ويأخذوا عنهم العلم، ويحملوه إلى المكلفين، لا فخرا ورياءً وسمعة.
وكذلك إذا أرادوا تربية التلميذ وتعليمه هضم النفس، وترك تزكيتها؛ تزكيةً لها = علموه بطرق التعليم التي منها هضمهم أنفسهم بمحضر منه، ونَهْيُهم إياه عن إطرائه إياهم، والشريعة طافحة بمثل هذا، وقد قال سيد الأولين والآخرين صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين وسلم - تارةً: «أنا سيد ولد آدم ولا فخر» (^٢)؛ ليبين الشرع، ويعرّف الخَلقَ ما هو الواقع من سيادته لولد آدم،
_________________
(١) قوله: (أعني الشيخ الإمام) زيادة من ز، م.
(٢) رواه ابن ماجة (٤٣٠٨)، والحديث صحيح.
[ ١٣٢ ]
لا للفخر كما نبه عليه ﷺ.
وقال عليه أفضل الصلاة والسلام: «لا تفضلوني على يونس بن متى» (^١)؛ ليبين ما ينبغي من عدم التعرض إلى الميز بين مقامات الكبار من قبل الأنفس، وإليه الإشارة إن شاء الله بقوله ﵇: «لا تفضلوني»، ولم يقل: لستُ فاضلا.
وقد أشكل الحديث على كثير من الناس، وحاولوا الجواب عنه بأمور مقبولة، وأمور مردودة، ولو تأملوا لفظة: «تفضلوني» لانزاح الإشكال، فالمنهي أنا نحن نُقدّم على التفضيل من قِبل أنفسنا، لا أنَّا نعتقد ما هو الواقع من تفضيل ربه إياه على يونس وغير يونس من الأنبياء والملائكة، عليهم أجمعين سلام الله ورحمته، فهذا الجواب عن أصل التفضيل.
وأما تخصيص يونس ﵇ بالذكر من بين سائر الأنبياء ﵈، فللناس فيه كلام كثير لسنا له الآن، ومقصدنا أنَّ ما ذكره الشيخ الإمام من هضمه لنفسه؛ دينا وتورعًا، وتعليمًا لولده وتربية، لا يدل على غير ذلك، وهو القائل في كتاب «عقود الجمان في عقود الرهن والضمان» (^٢) - بعد ذكر مباحث قررها - ما نصه، ومن خطه نقلته: «وهذا الكلام أعلى (^٣) وأبهى من أن نقوله لغالب أبناء الزمان، المشمرين عن ساق الجد في الاشتغال، فضلًا عن غيرهم، وإنما نُعطي العلم حقه من
_________________
(١) رواه البخاري (٤٦٣١)، ومسلم (٢٣٧٧)، بلفظ: «ما ينبغي لعبد أن يقول: أنا خير من يونس بن متى»، وجاء في حاشية ١: (متى اسم أبيه، صرح به بعضهم، لا أمه كما توهمه آخرون).
(٢) الكتاب لم يزل مخطوطًا.
(٣) في ظ ٢: (أغلى).
[ ١٣٣ ]
الكلام، ولعلَّ حُيًّا (^١) يندر وجوده يقع منه بموقع، وينتفع به، ويتنبه به على أمثاله من فتح مُرتَجِ العلوم، واستدراج (^٢) نتائج الفهوم، ونعلم أن أكثر من نراه يتكلم في العلم أجنبي عنه وإن اتسم بسمته، وتحلَّى ظاهره بصفته، وهم في ذلك كما قال القائل:
وَكُلٌّ يَدَّعُونَ وِصَالَ لَيْلَى … وَلَيْلَى لَا تُقِرُّ لَهُمْ بِذَاكَا»، انتهى.
وله مثله وأبلغ منه كثير، وهو السامع قول ابن فضل الله في «تاريخه»: «إنه مثل التابعين إن لم يكن منهم»، وأنا لا أدعي ولا هو يدعي مقام واحد من أدنى التابعين، كلا والله، وإنما الكلام محمول على أنه بين أهل زمانه وأمثال زمانه بالنسبة إليهم كتابعي بينهم.
وهو المفتتح درسه في الشامية البرانية بقوله تعالى: ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِي﴾ [ص: ٣٥] مشيرًا إلى أنَّ الباب قد سُدَّ بعده، فلن يصل أحدٌ إلى مقامه، إما لاطلاع أطلعه الله عليه، أو لغير ذلك.
وهو الناطق عندما تكلم في أصول الفقه في مسألة الاشتقاق، وقد خطأ الأرموي (^٣) صاحب «التحصيل» في شيء فهمه عن الإمام: «أين علم سراج الدين من علمي، وأين فهمه من فهمي؟» ثم رأيته ضرب على هذا بعدما كتبه بخطه، فما أدري هل ضرب عليه إعظامًا لنفسه أن يقيسها بسراج الدين، فبون عظيم بين
_________________
(١) في ك: (حَبرًا).
(٢) في ز، ك، م: (استدرار).
(٣) هو: محمود بن أبي بكر بن أحمد الأرموي، توفي سنة: ٦٨٢ هـ، انظر: طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة: (٢/ ٢٠٢).
[ ١٣٤ ]
النفسين، أو هضمًا واحتقارًا تأدُّبًا وتورُّعًا! كلُّ من الأمرين عندي محتمل، قد (^١) كان يعتقد أبلغ من الأول، ويفعل أبلغ من الثاني.
وبلغه مرَّةً أن بعض المعاندين انتقد عليه ما يكتبه الموقعون في الإسجالات من الألقاب، ومنها: أوحد المجتهدين، وهي لفظة لم تُكتب إلا له وللشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد، ومما بلغ الشيخ الإمام عنه أنه قال: لو اشتهيت لتكلمتُ، يعني بما يؤذي الوالد، فكتب إليه رسالةً وقال: كتبتها لتبلغه فينتفع في دينه ودنياه إن شاء الله، أو تقوم الحجة عليه، أولها: «ربنا لا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا»، وفيها ومن خطه نقلت:
«إنَّ الله يعلم مني أني لا أقصد أذى مخلوق، ولا أجد في قلبي بغضًا لأحد، وإذا توقعت من أحد أنه يؤذيني أقصد الله أن يدفعه عني بما يشاء، ولقد إني أتعجب من قول الفقهاء: إنَّ العدو هو الذي يفرح بمساءة عدوه، ويُساء بمسرتّه، وأقول في نفسي: كيف يتفق هذا، وإنَّ الشخص يسوءه مسرَّة غيره، ويسره مساءته من حيث هي؟! فإني لا أجد ذلك في نفسي لأحد، وأتعجب إن كان يقع ذلك لأحد، نعم، قد يتفق إذا كان لا يحصل للإنسان خير أو لا يندفع عنه شر إلا بها، فيحصل له ذلك ليتوصل به إلى خيره أو دفع ضُره، أما من حيث هو فلا، ولا بد من تحقيق هذا، فإنَّ العداوة قد ورد بها القرآن».
ثم أطال في الكلام على ما ورد من لفظ العداوة، والحب في الله، والبغض في الله في الكتاب والسنة، ثم قال:
«وأما قوله: إنه لو اشتهى تكلم، فإن كان الذي يتكلم به هو الشرع - واجبًا
_________________
(١) في ز: (فقد).
[ ١٣٥ ]
أو مندوبًا - فلا ينبغي أن يوقفه على شهوته، وإن كان مباحًا فهو بحسب نيته، وإن كان غير ذلك فنعوذ بالله منه، والقاضي لا يتكلم بالشهوة، وإنما يتكلم بلسان الشرع، فلسانه لسان الشرع، وقلمه قلم الشرع، فينبغي أن يصون قلم الشرع ولسانه عما لا يُرضيه.
وأما ذكره الألقاب في الإسجالات فوالله إني غير راض بشيء منها، لكني لا أغير شيئًا فعله غيري، والألقاب ليست مني، ولا هي داخل فيما يُشهد به عليَّ، وإنما المشهود به عليَّ: القاضي ما بعد قوله: إنه، وكُل الألقاب من الكاتب (^١)، نعم، إذا كانت حراما ينبغي للقاضي أن ينكرها».
إلى أن قال:
«وهذه الألقاب التي تُكتب لي كان الشيخ عَلَمُ الدين البرزالي (^٢) هو الذي كتب نسختها، وأعطاها للموقعين اعتمدوها، ولم أكن أشرتُ له بشيء من ذلك، لكنه هو الذي تصرف فيها». انتهى ما أردتُ نقله من هذه الرسالة، وقد عُرف المقصود منه.
وقد قرأها ﵀ علي، وقلتُ له: إنه ليس في كلام الفقهاء ما يقتضي أن يكون من شرط العَدُوِّ أن يكره مسرَّة عدوه ويحب مساءته من حيث هي، بل هذا القدر كافٍ، وإن كان إنما يفعل ذلك لتوقعه اندفاع شرّه أو حصوله بذلك.
_________________
(١) في العبارة غموض، ولعل يريد أنَّ ما يُشهد به عليه هو لقب القاضي لأنه تولى هذا المنصب، وأما غيره من الألقاب فمن الكاتب لا منه.
(٢) هو: القاسم بن محمد بن يوسف بن محمد بن يوسف بن محمد، الإمام الحافظ المؤرخ المفيد. علم الدين، أبو محمد البرزالي الإشبيلي، توفي: ٧٣٩ هـ، انظر: طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة: (٢/ ٢٧٩).
[ ١٣٦ ]
وأقول الآن: هذا أيضًا لا يفعله إلا خسيس الهمة، ولا ينبغي لمسلم أن يكره مسلمًا وإن توقع شرَّه، وأنه لا يندفع إلا بضرره، فهو غالط، فالله قادر على دفعه بأمور تخرج عن حد الحصر لا تنحصر، فينبغي أن يكون سؤاله لله، وتعلق قلبه بأنَّ الله يدفع عنه شره بما شاء في خير وعافية بلا محنة، فإن ذلك قد يحصل بانقلاب العدو صديقًا، أو بعوارض تعرض للعبد (^١) وتمنعه عن أذى عدوه، وإن لم يتأذ هو، ثم هذا خارج عما نحن بصدده، فلنعد إلى المقصود فأقول:
وبلغني أنه توجه مرَّةً إلى خزانة المدرسة الفاضلية بالقاهرة، وطلب من الخازن أن يُعيره شيئًا من الكتب، فامتنع عليه، فانزعج الشيخ الإمام وقال: «هذه الكتب تحتاج إلى أنَّ مثلي يحررها، ولا يحتاج مثلي إليها»، أو ما يقارب هذه العبارة، فتوجّه الخازن إلى الشيخ قطب الدين السنباطي (^٢) مدرسها (^٣)، وكان إن لم يُعدَّ في رتبة مشايخ الوالد، فما هو من أقرانه، بل بين مشايخه وأقرانه، وكان من جلة الفقهاء المحققين، فقال الشيخ قطب الدين للخازن: دع الرجل، فما رأى مثل نفسه.
ولو عددنا ثناء مشايخه وأقرانه عليه لطال الخطاب، وقد أوردنا منه كثيرًا في «الطبقات الكبرى»، ولم يختلف أهل عصره في أنه عالم ذلك العصر، وأنَّ للزمان آمادًا لم يسمح بمثله.
_________________
(١) في ز: (للعدو).
(٢) هو: محمد بن عبد الصمد بن عبد القادر بن صالح الشيخ قطب الدين أبو عبد الله السنباطي المصري الشافعي الفقيه الحافظ للمذهب الزاهد، توفي: ٧٢٢ هـ، انظر: طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة: (٢/ ٢٨٨).
(٣) قوله: (مدرسها) زيادة من ز، ك، م.
[ ١٣٧ ]
وقال لي الشيخ الإمام العلامة الورع الزاهد شهاب الدين أحمد بن النقيب الشافعي صاحب «مختصر الكفاية» وغيرها من المصنفات في الفقه: «جلستُ بمكة بين طائفة من العلماء، وقعدنا نقول: لو قدر الله بعد الأئمة الأربعة في هذا الزمان مجتهدًا عارفًا بمذاهبهم أجمعين، يركّب لنفسه مذهبًا من الأربعة بعد اعتبار هذه المذاهب المختلفة كلها = لازدان (^١) الزمان به، وانقاد الناس، فاتفق رأينا على (^٢) أن هذه الرتبة لا تعدو الشيخ تقي الدين السبكي، ولا ينتهي لها سواه، ولا معنى للتطويل في هذا المعنى، وعلو قدر الشيخ الإمام علمًا ودينا مما لا يخفى على ذي بصيرة.
وَقَدْ ظَهَرْتَ فَمَا تَخْفَى عَلَى أَحَدٍ … إِلَّا عَلَى أَحَدٍ (^٣) لَا يَعْرِفُ الْقَمَرَا
وأما إنكاره على ابن نباتة، فأنا أعرفه، وكنتُ حاضره، وإنما أنكر قوله: وأين فلان وفلان منه؛ لأنها في معنى الغيبة لهما والتنقيص، وما كان مزاجه يحمل الغيبة ولا التنقيص لأحد، لا سيما مثل هذين، وقد كان شديد التعظيم لهما، أما القاضي تاج الدين فكان يقول: إنه من قضاة العدل، وأما شيخ الإسلام ابن دقيق العيد فكان من تعظيمه وتبجيله إلى حد يطول شرحه، فما أعجبه أن يُمدَح مدحا يتضمَّن الغض من هذين الكبيرين.
وأما قضية سلطان العلماء عز الدين بن عبد السلام فما كان مني إلا أني سألته أنَّ المنقول عن الشافعي تعميم المفرد المعرَّف، وأنه لم يوقع الثلاث على من حلف بالطلاق، وأنَّ القرافي سأل ابن عبد السلام عن ذلك، فأجابه بأنها
_________________
(١) في ز، ظ ٢: (لازداد).
(٢) قوله: (على) زيادة من ز، ك، م.
(٣) في ك: (أكمه).
[ ١٣٨ ]
يمين يُراعى فيها العُرف، فقلت: هل ثَمَّ غير هذا الجواب الإقناعي؟ فقال: لا مزيد على جواب الشيخ عز الدين، ومن يجسر يزيد عليه؟! وقد يقال: إنَّ الطلاق حقيقته واحدة، إلى آخر ما ذكره من ذلك الجواب المطرب الذي يعلم سامعه إذا تدبّره أنه هو الجواب، وأنه لم يقصد بما ذكره قبله إلا التأدب مع الشيخ عز الدين، وتعليم ولده الأدب مع العلماء، وقد كان الشيخ الإمام كثير الإجلال للشيخ عز الدين، وكان يحب تعليمي اتِّباعَ (^١) الخير، فأراد أن يُنبت لحمي ودمي على الأدب مع الشيخ عز الدين، واعتقاد علو قدره، أنا قاطع بذلك.
وأما اعترافه في «تكملة شرح المهذب» بالقصور عن مقام الشيخ محيي الدين النووي ﵁، فما زال ﵀ الكثير الأدب معه، والمحبة فيه والاعتقاد، قال لي مرات: «ما اجتمع بعد التابعين المجموع الذي اجتمع في النووي، والتيسير الذي يُسر له».
ورافق مرَّةً في مسيره - وهو راكب على بغلة - شيخا ماشيًا، فتحادثا، فوقع في كلام ذلك الشيخ أنه رأى النووي، ففي الحال نزل عن بغلته، وقبل يد ذلك الشيخ العامي الجلف، وسأله الدعاء، ثم دعاه إلى أن يُردفه خلفه، وقال: «لا أركب وعين رأت وجه النووي تمشي بين يدي أبدا».
ولقد سكن دار الحديث الأشرفية، وكان يخرج في الليل يتهجد تجاه الأثر الشريف، ويُمرّغ خدَّه على الأرض فوق البساط الذي يقال: إنه من زمان الواقف، ويقال: إنَّ النووي كان يُدرّس عليه، وأنشدني لنفسه في ذلك:
وَفِي دَارِ الْحَدِيثِ لَطِيفُ مَعْنَى … عَلَى بُسُطٍ لَهَا أَصْبُو وَآوِي
_________________
(١) كذا في ظ ١، ظ ٢، وفي بقية النسخ: (أنواع).
[ ١٣٩ ]
عَسَى أَنِّي أَمَسُّ بِحُرِّ وَجْهِي … مَكَانًا مَسَّهُ قَدَمُ النَّوَاوِي
فهذه حاله معه، وكان ﵀ كثير الأدب مع الماضين والقيام بحقهم، عفيف اللسان، طاهر القول، كثير التعظيم لهم بظاهره وباطنه، حافظا للأدب معهم، وهذا شأن العلماء مع أكابرهم، وبذلك حُفِظُوا، وبورك في أعمارهم وعلومهم، وعليه مضوا كراما مشكورين، رزقنا الله اقتفاء آثارهم الصالحة.
ثم ليت شعري، من ذكر هؤلاء الذين سبقوا الوالد في الزمان، وليس كلامنا إلا مع من عاصره ومن جاء بعده، فالذي نعتقده ولا نتحاشى من ذكره، ونعتقد المخالف فيه جهولًا أنه كان بالنسبة إلى علماء زمانه كالنجم بالنسبة إلى سكان الأرض، والذين جاؤوا بعد زمانه دون الذين كانوا في زمانه بكثير، فقد كان زمانه الذي كان فيه مشحونا بالعلماء في أصناف العلوم، ما من صاحب فن منهم إلا وهو معترف بأنه لا يدرك له غبارا في ذلك الفن.
فإن قلت: قولكم: «ليس الكلام إلا مع من عاصره أو جاء بعده»، يعود بالنقض على قولكم: «إِنَّ ترجيحه مُقدَّم على ترجيح الشيخين: الرافعي والنووي»؛ فإنهما قبله، وقد قضيتم بأنَّ الحق المبين: اتباعه ومخالفتهما لمن لم يكن من أهل النظر والبصر.
قلت: لتأخر زمانه عنهما، ونظره في مآخذهما، وقدرته على الترجيح كما بيناه، وهي قاعدة مطردة في كل متأخر شارك المتقدم في القدرة على الاستنباط والترجيح، إذا نظر فيما نظر فيه المتقدم، وأحاط بما ذكره في المسألة، ثم أقدم على مخالفته، فيكون إذا كان بهذه الصفة أولى منه بالاتباع، وفي نحو هذا قال إمام الحرمين - وقد عيَّن تقدم الشافعي على السابقين من المجتهدين -: «هذا
[ ١٤٠ ]
واضح (^١) في الحِرَف والصناعات، فضلًا عن مسائل (^٢) العلوم» (^٣). كذا قال، وهو حق لا مراء فيه.
فإن قلت: أتطردون هذا في كل متأخر؟
قلت: كلا والله، لا يُفتح هذا الباب لكل متأخر يَنعِقُ كما يَنعِقُ الحمار، ويتشبع بما لم يُعط، ويزعم - وقد شدَا طَرَفًا يسيرًا من العلم، حَسِبَهُ لِحُبِّهِ في نفسه جانبًا عظيما - أنه أهل لهذا المنصب الرفيع، إنما نقول هذا فيمن صفته ما وصفناه، فهذا الرجل الذي نَصِفُهُ كان من العلم نقلا وتفقها، ومن الدين المتين تحريا وتورعا، ومن الإعراض عن محبَّة أن يقال، ومن إعظام مخالفة السالفين (^٤) وتهويل أمرها = على جانب يعرفه من يعرف حاله.
ثم كان من التحري في ألفاظه بحيث لا أعرف له نظيرا في زمانه، وكان إذا مر بمسألة قد تقدم له فيها اختيار لا يستجيز أن يقول: هي المختار عندي، إن لم يجدد نظرًا جديدًا، بل يقول فيما هذا شأنه مما لم يجدد فيه نظرًا جديدًا: «وهذا قد اخترته فيما مضى»، أو «في المكان الفلاني».
ثم كان رجلا عاقلًا ثبتًا، محاسبًا لنفسه على الفلتة واللفتة، غير محبّ للسمعة، أبعد الناس عن ذلك، يتحقق هذا منه المخالطون له، عارفًا بأن القول في الدين، والإقدام على مخالفة ما استقرت عليه فتوى الأكثرين من سنين ليس
_________________
(١) زاد في ك: (موجود).
(٢) في م، ك: (مسالك).
(٣) انظر: البرهان في أصول الفقه (٢/ ١٧٧).
(٤) في م، ك: (السابقين).
[ ١٤١ ]
بالهين، إنما هي دماء تُسفَك وتُسفَح، وأعراض تُهتك وتفضح، وأبضاعٌ تُحلَّل وتنكح، وصدور تضيق أو تُشرَح، وقلوب تُكسر أو تُجبر وتُفسح، وأموال يُباذل بها ويُسمح، ونظام وجودٍ يُفسد أو يُصلح، وأماناتٌ تُنزع أو تودع، ومقادير تُرفع أو تُوضع، وأعمال يشهد على الله أنها صالحة أو طالحة، وكرَّةٌ يحكم بأنها خاسرة أو رابحة، وأن ذلك كله في الحقيقة منسوب إلى الله، إليه يعزوه، وعنه يقوله، وعلى نفسه ينادي بأنه الشرع الذي جاء به عن الله رسوله ﷺ.
وهو القائل في مسألة أنَّ القاضي لا يُحلّف ولا يُطلب بيمين: «قد كنت أكاد أُمسك عن الفتيا في ذلك؛ خشية أن يداخلني فيه شيء؛ لكوني قاضيًا، ثم لم أقدم حتى رأيتُ خطي بذلك من نحو أربعين سنة»، هذا أو ما يؤدي معناه، سمعناه منه وشاهدناه.
ولما أذن لي بالفتيا ناولني رقعة وقال: اكتب عليها، فلما أمسكت القلم قبض على يدي وقال: «أمسك؛ فإنك لا تدري أين يؤديك قلمك»، ثم قال: هكذا فعل معي شيخي لما أذِنَ لي، وقال لي شيخي: «هكذا فعل معي شيخي»، فهذا شأنه ﵀ في تحريه.
ثم أنا لا أقول: يُحجَر على من لم يصل إلى هذه الرتبة، فإنا نحسب أنَّ الزمان عقيم بها، ولن نقطع على الله، بل أقول: من وصل إلى عشر معشاره علما ودينا، فدونه ومقالبة (^١) المتقدمين، والخوض معهم في بحار الفتيا، أما من لم يُدانِ هذا المقام بعشر المعشار - وهم غالب علماء وقتنا هذا - فتعسًا لهم وضلالًا مبينا، ثم هوانا بهم إن حدثتهم أنفسهم باقتحام مخالفة الأولين من غير نظر متين، (^٢) من ذي
_________________
(١) في ك: (مقالة) بلا واو.
(٢) في ص: (مبين).
[ ١٤٢ ]
قوة عند ذي العرش مكين، فليفهم الفاهم ما يُلقى إليه.
فإن قلت: حسبانك أنَّ الزمان بمثل أبيك عقيم، هل عليه دليل قويم، أو هو من وساوس الشيطان الرجيم، وتخرص على الغيب ذميم؟
قلت: بل هو ظن وهاجس أوقعه الله في النفس، إن يكن صوابا فمن الله، وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان، وأما قولك: «تخرص على الغيب» فهل تعتقد أيها السائل أنَّ الزمان عقيم بمثل الشافعي وأبي حنيفة، بل بمثل الإمام، والغزالي، أو لا (^١)؟
فإن قلت: لا أعتقد ذلك، بل يقرب عندي وجود مثلهم، فلا كلام لي مع من هذا مبلغ عقله (^٢)، ولقد أعظم الفرية على الله جهول هذه مقالته.
وإن قلت: بل هذا بعيد، فالذي سوّغ لك استبعاده ثم لم تعتقده تخرُّصا على الغيب سوغ لي أنا أيضا مثله، ولستُ لا أنا ولا أنت بقائلين: إنَّ ذلك ممتنع على القدرة - معاذ الله - بل إنه أمر لم تَجْرِ به العادة.
فإن قلت: إنما سوغ لي استبعاد مثل أولئك لما مضى عليهم من الزمان المديد، ولم نجد مثلهم، فقسنا ما سيأتي على ما كان.
قلتُ: وهذا الرجل نحن على قطع بأنه لم يُخلق بعد الغزالي نظيره، لسنا من ذلك في شك، فنحن في الحقيقة قد اعتبرنا فيه كما اعتبرت أنت في الغزالي، فكما اعتقدت أنه لا يجيء للغزالي (^٣) نظير؛ لأنه ما جاء له نظير منذ مات،
_________________
(١) في ك، ص: (أولى).
(٢) في ز: (علمه).
(٣) في ز: (بعد الغزالي).
[ ١٤٣ ]
كذلك نعتقد نحن أنه لا يجيء لهذا نظير؛ لأنه ما جاء له نظير بعد موت الغزالي، ويعتضد هذا بحديث: «لا يأتي زمان إلا الذي بعده شر منه»، رواه البخاري (^١)، وعقد له بابا، وحديث: «لا تزداد الدنيا إلا إدبارا» (^٢). وحديث: «إِنَّ الله لا يقبض العلم انتزاعا» (^٣)، وما دلت عليه الأدلة من تقارب الزمان، وظهور أوائل الجهل، واندراس كثير من العلوم، وأنه لا يأتي زمان إلا والذي بعده دونه، وهكذا شاهدناه وأخبرنا مَشيخَتُنا أنهم هكذا شاهدوا ذاكرين أنَّ شيوخهم قالوا لهم مثل ما قالوا لنا.
فإن قلت: قف هنا فعليك اعتراض، أليس قد قلت: كلُّ زمان دون الزمان الذي قبله، وهذا مسجل عليك بنقصان درجة أبيك عن مشايخه فضلا عن أشياخ أشياخه إلى أن ينتهي الحال إلى الطبقة التالية لطبقة الغزالي.
قلت: نحن لم نقل: كلُّ عالم في زمان تأخَّر فهو دون كل عالم في زمان تقدمه، وهذا لا يقوله عاقل، وإنما قلنا: كلُّ زمانٍ فهو بجملته دون الزمان السابق قبله، وقد يكون في هذا الزمان عالم لم يكن مثله في العصر الذي قبله وإن كان ذلك العصر أرفع، إما لكثرة عدد العلماء فيه، وإن لم يكن فيهم واحد يقاوم هذا الآتي بعدهم فجملتهم يقاومونه ويربون (^٤) عليه، إن لم يقاومه كلُّ فرد منهم (^٥).
فلزماننا فخر على الأزمنة السابقة عليه (^٦) زمنا زمنا (^٧) إلى سنة خمس
_________________
(١) رواه البخاري (٧٠٦٨).
(٢) رواه ابن ماجه (٤٠٣٩)، وضعفه الألباني.
(٣) رواه البخاري (١٠٠).
(٤) في ظ ٢: (ويزكون).
(٥) جاء في حاشية ظ ٢: (يؤدي إلى أن الشيخ تقي الدين فاق الرافعي والنووي، وهذا نقض قوله قبل هذا الموضع).
(٦) زاد في ظ ٢: (زمانًا).
(٧) في م: (سنة سنة).
[ ١٤٤ ]
وخمسمئة - وهي (^١) التي مات فيها الغزالي - بوجود هذا الحبر، ولتلك الأزمنة فخر على هذا الزمان بكثرة العدد من العلماء فيها، فقد كان هذا غريبا في زمانه لا كغرابة عالم القرن قبله في زمانه، إذ كان عند ذاك من يدانيه، ولم يكن عند هذا من يدانيه، وقد اعتبرت الأزمنة بعد الغزالي فوجدتُ الأمر على ما أَصِفُ لك.
فإن قلت: مَنْ تعتقد أنه كان يداني ابن الرفعة في عصره؟
قلتُ: كلا والله، لم يكن له في عصره مُدَانٍ غير أنه كان فقيها، وليس تَضَلُّعُه (^٢) في سائر العلوم كالفقه، وهذا الذي نَصِفُهُ كان قد خاض (^٣) العلوم بأسرها، والعدول عن هذا الفصل أولى؛ لما فيه من نشر الموتى بغير سبب طائل، رضي الله عن أهل العلم أجمعين.
فإن قلت: قولكم: إنَّ الأحاديث إنما دلت على تفضيل الزمان السابق على الآتي بعده بجملته لا على تفضيل كلّ فردٍ في الزمان المتقدم على كل فرد في المتأخر = مردودٌ؛ لِما حُكِيَ أَنَّ بعض السلف - إما الحسن البصري أو غيره (^٤) - ذُكِرَ له حديث الزبير بن عدي: أتينا أنس بن مالك، فشكونا إليه ما نلقى من الحَجاج، فقال: «اصبروا، فإنه لا يأتي عليكم زمان إلا الذي بعده شر منه، حتى تلقوا ربكم»، سمعته من نبيكم ﷺ، وقيل له: كيف هذا، وقد جاء عمر بن عبد العزيز بعد الحجاج؟ فقال: «لا بد للزمان أن يتنفس».
_________________
(١) زاد في م، ك، ص: (السنة).
(٢) في ز: (بصفة).
(٣) في ز: (فاق).
(٤) ذكره الزمخشري في ربيع الأبرار ونصوص الأخيار عن الحسن البصري (١/ ٣٤).
[ ١٤٥ ]
فقد فهم أنَّ المراد: كل فرد، وإلا فكان بسبيل من أن يقول: الحَجَّاج وإن كان ظالما، ففي زمانه من بقايا صحابة رسول الله ﷺ وجلتهم ما ليس في زمان عمر بن عبد العزيز، وإن كان إمامَ هُدًى، والمُفضّل زمانُ الحَجَّاج على زمان عمر (^١)، لا نفس الحجاج على نفس عمر.
قلت: إنما قيل هذا في الحَجَّاج وعمر؛ لأن الحجاج كان أميرا ذا شوكة من جهة عبد الملك، وعمر بن عبد العزيز كان خليفةً، وصلاح الخليفة والأمير صلاح الناس، وفسادهما فساد يسري في الناس، فزمان عمر - لما كان عليه عمر من الصلاح - خير من زمان الحجاج الذي كان فيه صَلْبُ عبد الله بن الزبير، وسم عبد الله بن عمر، وهلم جرا إلى قتل سعيد بن جبير، فلا والله ما الزمان كالزمان، ولا الخليفة كالأمير، وإن كان في زمن ذاك الأمير سادات ليسوا في هذا الزمان، فقد كانوا مقهورين غير مسموع منهم، ولا مشار عنده إليهم.
فإن قلت: إذا رأيتم مثله بعد أن لم يكن من قريب ثلاثمئة سنة، فقد يكون أيضا مثله وإن لم يكن الآن بعد نحو هذه المدة، فكما جاء هذا الرجل بعد هذه الفترة التي لم يخرج مثله، جاز أن يجيء أعلى درجةً منه بعد فترة تُقارِبُ هذه الفترة، أو تزيد عليها، أو تنقص عنها.
قلتُ: لسنا ننكر ذلك، ولكن لما رأينا غلبة الجهل، والقنوع (^٢) بيسير من العلم، وقعود الزمان بأهله = ظننا ظنًا ولسنا بمستيقنين، وهو هاجس أوقعه الله في النفس، وستمضي المُدَد، ويطول الزمن، ويرتفع الحسد بموت الحاسد
_________________
(١) زاد في ز: (بن عبد العزيز).
(٢) في م، ز: (والاكتفاء)، وفي ك: (والاجتزاء).
[ ١٤٦ ]
والمحسود، والسائل والمجيب، ثم يأتي الله بأقوام ينظرون: هل جاء مثله أو لا؟ وهل هذا الخاطر حقٌّ أو باطل؟ ثم هذا كله خروج عما نحن بصدده.
ونحن قانعون ممن يتصدَّى للترجيح أن يَعْشُرَ هذا الرجل في علمه ودينه، ولسنا نستبعد مجيء مَنْ يَعْشُرُه على قُرب من الزمان، فمن جاء بهذه المثابة فليُرَبِّح، وإن لا يَعْشُرْه في علمه ودينه فلا ينبغي أن يُجعَل الدين ملعبةً لمن شَدَا يَسِيرًا من الفقه، أو يَسِيرًا من الحديث، فيُقدِم على الترجيح بذلك القدر اليسير، الذي لو عرضه على الراسخين لأبانوا له فساد ما ظنه.
فإن قلت: إني لأجد من نفسي - على قصورها - قوةً على الترجيح في فروع كثيرة، نظرًا أو استنباطًا، ثم نقلا واطلاعًا.
قلتُ: إنما تجد هذه القوة - إن وجدتها، وسلمت عن رؤية النفس - في فروع معدودة، ولست تستطيع أن تدعي وجدانها على حد سواء بالنسبة إلى مسائل الشريعة بأسرها، ولن يصل إلى ذلك إلا من تضلع بعلوم ثلاثة هي: الفقه، والحديث، وأصول الفقه، وشارك في علوم أُخر، ثم كان الغاية في صحة الذهن وجودة النظر، وتقدمت له ممارسة في العلوم، بحيث كسبه مرور الزمان على الممارسة ودوام النظر، مع كثرة الحاصل في العلوم التي ذكرناها = قوةً وجد بها من نفسه القدرة على استواء في مسائل الشريعة، وأنه بالمرصاد لكل حادثة تقع من غير ميز بين حادثة وحادثة، أنه أهل لكشف غوارها، وتبيين مذهب الشافعي فيها.
فإن قلت: الشيخان يتبعان فيما يرجحانه الأكثر، فإذا خالفهما الشيخ الإمام ﵀، وكان مدعيًا أيضًا اتباع الأكثر؛ فقد اختلفا في النقل لا في البحث
[ ١٤٧ ]
والاستنباط، وكتب المذهب - والله الحمد - بين أيدينا، ولا يعجز كثير من فقهاء وقتنا (^١) أن يكشف عن هذه المسائل، ويحيط علما يقينا بالجانب الذي عليه الأكثر.
قلتُ: دعويان (^٢) ممنوعتان، لا الشيخان يتقيدان بالأكثر، ولا الشيخ الإمام يدعي إذا خالفهما أنهما خالفا الأكثر، إلا فيما لعلهما خالفا فيه الأكثر من غير تقيد منه أيضًا بالأكثر، وقد قال هو في كتاب «الطوالع المشرقة»: «إنهما لم يتقيَّدا بالأكثر»، ونقلنا نحن عنه ذلك في كتاب «التوشيح».
فإن قلت: قد قال الشيخ الإمام في «باب الرد بالعيب»، عند الكلام في تبعية الحمل: «إنَّ الرافعي عدَلَ عن طريقة البناء على أنه هل يقابل بقسط من الثمن؛ لأجل تصحيح الأكثرين التبعية»، والأمر كما قال، إذ قال الرافعي ما نصه: «وقضيَّة المأخذ الأول أن يكون الأصح اختصاص الرجوع بالأم؛ لأنَّ الأصح أنَّ الحمل يُعرف، وكذلك ذكر بعض شارحي «المفتاح»، إلا أنَّ الأكثرين مالوا إلى ترجيح القول الآخر، كما رجحه صاحب الكتاب، وذكروا أنه المنصوص، فليوجه بالمأخذ الثاني»، انتهى (^٣).
وهذا يدلُّ على أنَّ الرافعي يتقيد بالأكثرين، وأن الشيخ الإمام يعرف منه هذا، فكيف ساغ له أن يقول في «الطوالع المشرقة»: «إنه لم يتقيد بالأكثر»؟
قلت: اعلم أني كثيرا ما كنت أسمع الشيخ الإمام يقول ما ذكره في الطوالع
_________________
(١) في ز: (زماننا).
(٢) ضبطها في ظ ١ بالياء والتاء معا.
(٣) الشرح الكبير: (٥/ ٤٨).
[ ١٤٨ ]
المشرقة» من أنَّ الشيخين لم يتقيدا بالأكثر، ويحكي لنا مجلسه في ذلك مع ابن العطار تلميذ النووي، في سنة سبع وسبعمئة بدمشق، وقوله له:
- لِمَ اتَّبَعَ شيخُك ترجيح الأكثر؟
وقول ابن العطار في جوابه:
- لأن المذهب نقل، والنقل يُرجّح بالأكثر.
ثم ردَّ الشيخ الإمام عليه بما ذكره في كتاب «الطوالع»، وقوله:
- لا أتباعهما للأكثر بواقع، ولا هذا لو اتَّبَعَا الأكثر بجواب.
ثم الآن جدَّدتُ النظر، والذي يَرْجَحُ عندي: أنَّ الخلاف إن كان من الطرق فلا بأس بالترجيح بالأكثر؛ لأنَّ الطرق محض نقل، فلا يُستبعد أن يُرجح فيه بالكثرة كالرواية، وبهذا يندفع ترجيح طريقة البناء المذكورة في هذا السؤال؛ لأنَّ الأكثر - كما نقل الرافعي - على التبعية، لا سيما وقد ذكروا أنه المنصوص، فهذا نقل مجرد خالٍ عن التفقه، فهو رواية محضة، ومن ثم رجح ابن أبي عصرون الطريقة القاطعة بجواز رهن المدبر؛ لقول الغزالي: «إنَّ أكثر الأصحاب عليها»، وإن كان غير موافق على ذلك، مع كونه لم يتقيد بالأكثر.
وإن لم يكن من الطرق، فإن كان من المسائل المولدة بعد الأكثر، أو من بعضهم، ويُعنى بذلك: ما ليس للأكثر فيه كلام = فلا شك أنه لم يتقيد بالأكثر في ذلك واحد من الثلاثة، ولا غيرهم ممن سبقهم إلى التصدي للترجيح كابن أبي عصرون وغيره، وكيف يتخيَّل ذلك ولا أكثر؟! وكذلك المسائل التي تكلم الأكثرون فيها، غير أنه لا أكثر في أحد الطرفين، بل الطرفان متوازيان.
[ ١٤٩ ]
وأما المسائل التي تكلم الأقدمون من علمائنا فيها، وكان أكثرهم على جانب، فهذا على ضربين:
أحدهما: أن لا يحيط الرافعي علما بذلك، فقد وقفنا له على مسائل رجح فيها ما نحن على قطع بأن الأكثر على خلافه، غير أنه لم يبلغه، بل ربما أُتي من خَلَلٍ في نسخة وقَفَ عليها، كما قال فيما إذا كان الزوج يُعاشر الرجعيَّةَ معاشرة الأزواج، وأن الراجح عدم انقضاء العِدَّة، ما نصه:
«ثم في الفرع فائدتان، إحداهما: قال الشيخ الفرّاء في «الفتاوى»: الذي عندي أنه لا رجعة للزوج بعد انقضاء الأقراء وإن لم تنقض العِدَّة؛ بسبب المفارقة أخذا بالاحتياط من الجانبين، كما لو وطئ الرجعية بعد مضي قُرْءين من وقت الطلاق، عليها أن تعتد بثلاثة أقراء من وقت الوطء، ولا تجوز الرجعة في القرء الثالث منها، وفي «فتاوى القفال» ما يوافق هذا»، انتهى (^١).
وجرى عليه في «الشرح الصغير»، ولم يقتصر على نقله عن الفراء، بل نقله عن الأئمة، وفي (المحرر)، ونسبه إلى المعتبرين، وتبعه النووي في «المنهاج» فجزم به، وجعله متن المذهب، ولم يزد ابن الرفعة في المسألة على أن تفقه فيها فيما إذا كانت المعاشرة بالوطء؛ لأنَّا إن قلنا: يثبت له الرجعة في عِدَّة الغير إذا كانت عِدَّته منتظرةً؛ فظاهر، وإن قلنا: لا يثبت فذاك؛ لأجل تلبسها بعدة الغير، وهي مفقودة هنا.
واعلم أن الذي يقتضيه الفقه أنه يراجع ما دامت العِدَّة باقية، كما تفقهه ابن الرفعة، وهو المنقول أيضًا في «فتاوى القاضي الحسين» في «كتاب الطلاق»؛ إذ
_________________
(١) الشرح الكبير: (٩/ ٤٧٤).
[ ١٥٠ ]
هناك ما نصه: «ما دام الزوج يدخل عليها ويعاشرها، سواء أكان يطؤها أم لا، لا يُحكم بانقضاء عدتها حتى يجوز له أن يراجعها وإن مضت لها أقراء»، انتهى (^١).
بل كذلك هو في «فتاوى الشيخ الفراء» نفسه، وعزاه إلى أصحابنا فقال: «إذا كان يعاشر الرجعية معاشرة الأزواج؛ قال أصحابنا: لا نحكم بانقضاء العدة وإن مضت بها أقراء، وله الرجعة، والذي عندي أنه لا يُحكم بانقضاء العدة، ولكن بعد مضي الأقراء لا رجعة له بالاحتياط في الجانبين، كما لو وطئ الرجعية بعد مضي قُرء عليها، من وقت الوطء (^٢) عليها أن تعتد بثلاثة أقراء، ثم في القرء الثالث لا يجوز له مراجعتها، وكما أن عند أبي حنيفة: الخلوة توجب العِدَّة ولا تُثبت الرجعة، وهذا لأن تحريم النكاح وإبقاء حكم العِدَّة من حيث إنه يبعد أن تكون امرأة على حكم فراش رجل يعاشرها معاشرة الأزواج، ثم تخرج وتتزوج في الحال، وتحريم الرجعة لحقيقة انقضاء العدة»، انتهى (^٣).
وما أوقع الرافعي إلا أنه فيما يغلب على الظن وقعت له نسخة سقط منها: «وله الرجعة»، وصار اللفظ هكذا: «قال أصحابنا: لا يُحكم بانقضاء العدة وإن مضت بها أقراء، والذي عندي …» إلى آخره، وقد وجدتُ أنا نسختي (^٤) على هذه الصورة التي وقعت للرافعي، ثم جمعتُ نسخًا كثيرة فوجدتُ الصواب ما
_________________
(١) فتاوى القاضي حسين ص ٣٧٣.
(٢) في ك، م، ص: (الطلاق)، ويصح في السياق مع اختلاف مواضع علامات الترقيم، فتكون العبارة: (كما لو وطئ الرجعية بعد مضي قُرء عليها من وقت الطلاق، عليها أن تعتد بثلاثة أقراء)، والمثبت من بقية النسخ يوافق المنقول عن ابن الصلاح.
(٣) فتاوى ابن الصلاح: (٢/ ٦٩٠).
(٤) في ظ ٢: (نسختين).
[ ١٥١ ]
حكيته، وأصلحت نسختي عليه.
وأما «فتاوى القفال» فلم أكشف منها ذلك إلى الآن، وقد وقع له في هذا من الغلط على البغوي كما وقع له من الغلط عليه أيضًا في مسألة: "حفصة وعمرة طالقان إن شاء الله"، وسيأتي ذكرها في الباب الأول.
فهذا وما أشبهه ـــ وهو كثير - لا يمكن أن يكون واحد منهم فيه مع الأكثر، بل غايته أنه وقف على كلام لرجل لم ير سواه، فظنه المذهب.
وقد وقع نظيره للنووي والشيخ الإمام -رحمهما الله-، ففي زيادة «الروضة»: «وأما قدر الطريق فقل من تعرَّض لضبطه، وهو مهم جدًّا» إلى أن قال: «وإن كان بين أراض يريد أصحابها إحياءها، فإن اتفقوا على شيء فذاك، وإن اختلفوا فقدره سبع أذرع»، وهذا معنى ما ثبت في صحيحي «البخاري» و«مسلم» (^١) عن أبي هريرة ﵁: قضى رسول الله ﷺ عند الاختلاف في الطريق أن يُجعل عرضه سبع أذرع، انتهى (^٢). ذكره في «الصلح»، وتبعه الوالده ﵀ في «شرح المنهاج».
واعلم أن النووي اعتمد فيما ذكره على فتوى ابن الصلاح به، ومنقول المذهب أن المرجع في ذلك إلى الحاجة، به صرَّح الماوردي في «الحاوي»، والروياني في «البحر»، كلاهما في «باب القسمة»، وذكرا الحديث وقالا: «إنه محمول على عُرف المدينة، فإنَّ البلاد تختلف طرقها بحسب اختلافها، وقد يكون في بعض البلاد ما هو أقل من هذا، وقد يكون ما هو أكثر»، قالا: «وهذا في الطريق العامة، وأما الخاصة بين شريكين يتنازعان قدر الطريق، فالشافعي ﵁ يعتبر
_________________
(١) رواه البخاري (٢٤٧٣)، ومسلم (١٦١٣).
(٢) روضة الطالبين (٤/ ٢٠٦).
[ ١٥٢ ]
الحاجة أيضًا ومَا جرت به العادة، وأبو حنيفة يُقدِّره بِمَا تسعه الحمول ولا يضيق بها» (^١).
فانظر كيف عقدًا المسألة خلافية، ولم يذكرا فيها أنَّ أحدًا قال بتعميم الحديث في كُلِّ وَرْدٍ وصَدَرٍ، وقد تكلم الخطابي على الحديث في كتاب «معالم السنن» (^٢)، وقال: «يشبه أن يكون على معنى الإرفاق والاستصلاح دون الحصر والتحديد».
وكذلك ذكر الروياني في «البحر» (^٣)، والبغوي في «شرح السنة»، في «باب وضع الخشب على جدار الجار»، لكنه قال في آخر كلامه: «ويشبه أن يكون معناه: إذا بنى، أو قعد للبيع، بحيث يبقى للمارة من عرض الطريق سبعة أذرع فلا يُمْنَع؛ لأنَّ هذا القدر يزيل ضرر المارة، وكذلك في أراضي القرى التي تُزرع إذا خرجوا من حدود أراضيهم إلى ساحتهم لم يُمْنَعوا إذا تركوا للمارة سبعة أذرع»، انتهى (^٤).
قلت: وهذا محمول على ما إذا زالت الحاجة بقدر سبعة أذرع كما هو الغالب، ولا يمكن أن يقال: لا يزاد على سبعة أذرع مع الحاجة إلى الزيادة، وعلى غير الشوارع، فأمَّا ما هو شارع مستمرُّ الطروق (^٥) فلا يَحِلُّ لأحد أن ينقص منه بوجه، وقد تبيَّن بهذا كله أنَّه لم يقل أحد: إنَّه بمعنى الحصر الذي أفتى به ابن
_________________
(١) انظر: الحاوي: (١٦/ ٢٥٨)، بحر المذهب: (١٤/ ٤٢).
(٢) انظر: معالم السنن: (٤/ ١٨٠).
(٣) بحر المذهب: (١٤/ ٤٢).
(٤) شرح السنة للبغوي: (٨/ ٢٤٩).
(٥) في ز: (مستمر مطروق).
[ ١٥٣ ]
الصلاح، وتبعه النووي والوالد، والظن بهم ﵏ أنهم لو رأوا ما قاله هؤلاء لما خالفوه، أو لذكروه ونبهوا عليه.
فإن قلت: الحديث قريب من حديث التقييد بالبلوغ إلى الكعبين في سقي الماء، وقد حكم جماهير أئمتنا بظاهره، وسَوَّغُوا حبس الأعلى إلى بلوغ الكعبين.
قلتُ: قد قال الماوردي: «ما التقدير ببلوغهما على عموم الأزمان والبلدان، بل هو متقدّر بالحاجة» (^١)، وجزم به المتولي، وقال الوالد ﵀: «إنه قوي» (^٢)، قال: «ولولا هيبة الحديث، وخوفي من سرعة تأويله وحمله = لكنتُ أختاره، لكني أستخير الله فيه حتى ينشرح صدري، ويقذف الله فيه نورا بمراد نبيه ﷺ» (^٣).
يعني: يتبين له أنه ﷺ هل أراد التحديد بالكعبين، أو خرج على مقدار الحاجة في تلك الواقعة بخصوصها، فلم يجرِ على ظاهر اللفظ لما ذكرناه، وهذا في حديث الماء، وأما حديث الطريق فلم نَرَ مَنْ جرى على ظاهره، والظنُّ بمَن حاول ذلك أن يذكر خلاف المخالفين فيه ويدفعه، ثم لا يوجب له ذلك أن يكون هو المذهب.
فقد تبين أنَّ ما أفتوا به في قدر الطريق خلاف جادة المذهب، وأنهم أتوا جميعًا من فقدان نقل في المسألة، تجاوز الله عنا وعنهم، وأنَّ إقدامهم على الفتيا بمجرد ظاهر الحديث من غير بحث عنه فيه ما فيه، فإنه ليس ظاهره في قدر الطريق بأظهر منه في التقييد بالبلوغ إلى الجَدْر في حديث: اسق يا زبير حتى يبلغ الماء
_________________
(١) انظر: الشرح الكبير: (٦/ ٢٣٥).
(٢) في ك: (أقوى).
(٣) انظر: مغني المحتاج: (٣/ ٥١٧).
[ ١٥٤ ]
الجَذْرَ» (^١)، وقد خرجوا عنه وهم حالة فتياهم بالحديث في أوسع العذر.
وقد يُحمل كلامهم على ما إذا اندفعت الحاجة بسبعة أذرع، ولا يبقى على إطلاقه، ولن يدعي عاقل الإحاطة بجزئيات المذهب وكلياته، واستحضار كباره وصغاره في كل وردٍ وصَدَرٍ، ولا صاحب المذهب رضوان الله عليه.
وقد وقع لابن الصلاح أيضًا ثم للوالد بعده مسألة تخالفا الفتيا فيها، وصنف فيها الوالد مصنفًا مستقلًا، وظنَّ كلّ منهما أنها غير منقولة، وبيَّنتُ في كتاب «الأشباه والنظائر» في قاعدة: "نقض "القضاء" أنَّ الرافعي حكى في المسألة قولين من تخريج ابن سريج، وقلت: «فليعجب من حبرين كبيرين ترددت بينهما مسألة أمعنا النظر فيها، وأداراها في دروسهما، وتمهلا فيها أيامًا، وبين وفاتيهما أزيد من مئة سنة، وهي مسطورة في «الرافعي»، لم يقنع فيها بوجهين، بل حكى قولين خرجهما ابن سريج، فلهما دائران في الوجود نحو خمسمئة سنة» (^٢)، وابنُ الصلاح أوسعُ عُذرًا من الوالد؛ لأنه لم ينظر «شرح الرافعي».
وهذا نظير ما كان يحكيه لنا الشيخ الإمام عن ابن الرفعة قال: دخلت عليه (^٣)، فجرى بيني وبينه ذكر الطلاق في الذمة الذي (^٤) يؤثر عن القاضي الحسين، فقال: عمري ما سمعتُ طلاقًا في الذمة، قال الشيخ الإمام: ولقد سمعه وكتبه مرارًا، وهو في (الرافعي وغيره، غير أنه لم يتذكره حالة المذاكرة.
_________________
(١) رواه البخاري (٢٣٦١).
(٢) الأشباه والنظائر للسبكي: (١/ ٤٠٥)، وجاء في حاشية ظ ٢: (كيف يقول عن ابن الصلاح أنه حبر كبير ويقرنه مع والده، ويقول قبل هذا أن زمنه زمن فترة مع زمن غيره كالرافعي والنووي).
(٣) قوله: (عليه) من ز، وساقط من ك، وفي بقية النسخ: (له).
(٤) في ظ ١: (التي)، والمثبت من سائر النسخ.
[ ١٥٥ ]
وربما (^١) وقع للنووي الكثير من ذكر خلاف المذهب عند اختصاره لكلام الرافعي، لا عن قصد، بل عن سبق قلم، كما قال في «باب التفليس»: «إنَّ المشهور حلول الدين بالجنون» (^٢)، وفي «باب الغصب»: «إنَّ المشتري لا يرجع بقيمة الولد» (^٣)، والذي في «الرافعي» عكس ذلك، وكذلك هو في «المنهاج»، وما قاله النووي في «الروضة» إلا عن سبق قَلَمٍ.
وهذان المكانان يردان في الباب الأول من هذا المجموع للتنبيه عليهما، لا لأنَّ النووي يخالف فيهما، فأنا على قطع بأنه غير مخالف فيهما، ولو خالف لبيَّنَ ذلك، وإنما وقع من طغيان القلم، كما وقع له في (^٤) الشفعة فيما إذا عين الشفيع قدرًا، وقال المشتري: نسيتُ قدْرَ الثمن، فإنه قال: «إنه كالنكول»، والذي في «الرافعي» أنه على رأي كالنكول، يعني: والصحيح خلافه، نبه عليه الوالد أيضا، ومثله تحلي النساء بالنقود المثقوبة، وسيأتي (^٥).
فهذا وأمثاله (^٦) لا ينبغي إدخاله في هذا الكتاب، وإنما ذكرنا منه ما ذكرنا تنبيها على غيره، ولئلا يُغتر به، ومثله كثير، وليس في شيء مما نحن فيه.
ومثله في «الرافعي» قوله: «لو حلف لا يأكل السويق، فمائه (^٧) في الماء
_________________
(١) في ز: (وأيضًا).
(٢) انظر: روضة الطالبين: (٣/ ٣٧٥).
(٣) انظر: روضة الطالبين: (٥/ ٦٤).
(٤) زاد في ز: (باب).
(٥) قوله: (ومثله تحلّي النساء بالنقود المثقوبة، وسيأتي) زيادة من ك، م.
(٦) زاد في ز: (أيضا).
(٧) ماثه: مَرَسَه في الماء حتى ذاب فيه، انظر: تهذيب اللغة: (١٥/ ١١٨).
[ ١٥٦ ]
وشربه؛ حنث» (^١)، والذي في «الروضة» أنه لا يحنث، وكذا هو في «النهاية»، وهو الصواب (^٢)، وما في «الرافعي» محمول على سبق قلم، فأصلحه النووي، وجعله من الأصل؛ لعلمه أنَّ الرافعي غير مخالف فيه وإن طغى القلم.
وصنيعنا ذلك مع النووي كصنيع النووي مع الرافعي فيما ذكرناه، وكحذفه ما في «الرافعي» من أنَّ النبيَّ ﷺ نهى عن قتل الوزغ، فقد أصاب، وسيأتي التنبيه على هذا، وتبيين أنه ﷺ أمر بقتله.
وربما توهم النووي في مكان لا ترجيح للرافعي فيه أنه (^٣) رجح، وفي مكان رجح فيه أنه لم يُرجح، فيرجح هو، ويكون الأمر بخلاف ما توهم، كما سيأتي في استيفاء الراهن ما يطلق له من المنافع بنفسه، فإنَّ الرافعي رجح أن له ذلك مطلقا، سواء كان ثقةً أم لم يكن، وتوهم النووي أنه لم يرجح شيئًا، فقال: «قلت: المذهب الجواز مطلقا، وفي المسألة طريقان، إحداهما: الفرق بين الثقة وغيره، والثانية: إجراء القولين، لم يرجح الرافعي منهما شيئًا».
وتوهم النووي أنه رجح طريقة إجراء القولين، وجعل قوله: ويُشبه أن يكون هذا أظهر إشارة إليها، وإنما هو إشارة إلى جواز الاستيفاء مطلقا الذي جعله هو المذهب.
الضرب الثاني: أن يحيط علما بأنَّ الأكثر على مقالة ثم يذهب إلى خلافها، فهذا قليلا ما رأيت الرافعي يفعله، ثم إذا فعله فقليلا ما رأيته يأتي بلفظ: "الصحيح"
_________________
(١) انظر: التهذيب: (٨/ ١٢٩).
(٢) قوله: (وهو الصواب) زيادة من ز، ك، م.
(٣) في ز، م: (أن الرافعي).
[ ١٥٧ ]
في مقابلتهم، بل لم أر ذلك (^١)، فهذا صنيع الرافعي ﵀، وسأذكر بعض ذلك تنبيها على ما عداه.
وأما النووي ﵀ فلا ضابط له في هذا، بل ربما أتى بلفظ: "الصحيح" مع اعترافه بأنَّ الأكثر على خلافه، لا سيما إذا اعتضد بنص للشافعي.
وأما الشيخ الإمام فبعيد أن تلفظ شفتاه فيما يرجحه هو بلفظ: "الصحيح"، لم أرَ له ذلك إلا في نادرٍ من المسائل، سواء أكان ما رجحه عليه الأكثر أم لم يكن، ثم هو ينادي أنه لا يخرج عما يقتضيه نظره في المذهب واجتهاده فيما يتكلم فيه مذهبًا عن قاعدة إمامه، وما دلت عليه نصوصه، غير متقيد بالكثير ولا بالأكثر في ورد ولا صدر.
وبالجملة أقرب الثلاثة إلى التقيد بالأكثر الرافعي، وهو مع ذلك غير متقيد، غير أنه عند مخالفتهم يأتي بأسهل العبارات، ولم أره يذكر لفظ: "الصحيح" مع الاعتراف بمخالفة الأكثر في واحدة من المسائل.
فإن قلت: قد قال في «باب سجود السهو»: «الجلوس بين السجدتين ركن طويل أو قصير؟ وجهان؛ أحدهما طويل، حكاه إمام الحرمين عن ابن سريج والجمهور، والثاني: قصير، حكاه عن الشيخ أبي علي، وهذا هو الذي ذكره الشيخ أبو محمد في «الفروق»، وتابعه صاحب «التهذيب» وغيره، وهو الأصح»، انتهى (^٢). فقد جعل الأصح مقابل قول الجمهور.
قلت: فرق بين "الأصح " و"الصحيح"، ثم إنما جعله الأصح حتى أشار إلى
_________________
(١) قوله: (بل لم أر ذلك) زيادة من ك، م.
(٢) الشرح الكبير: (٢/ ٦٨).
[ ١٥٨ ]
عدم موافقة الإمام في دعواه أنَّ الجمهور على أنها طويلة، بدليل قوله: «وهذا هو الذي ذكره الشيخ أبو محمد …» إلى آخره، وبدليل أنه قدم في صفة الصلاة الجزم بأنه قصير، وأنه قال في «الشرح الصغير»: «إنَّ هذا الوجه هو الأصح الأقوى»، وأُراه أشار بـ «الأصح» إلى رجحانه نقلا، وبـ «الأقوى» إلى رجحانه في نظره، كما قال في كتاب النفقات في الإعسار بالمسكن: «إنَّ الأصح ثبوت الخيار» إلى أن قال: «وهو أوجه» (^١)، فجمع بين كونه أصح وأوجه؛ لما ذكرناه فيما نظن (^٢).
فإن قلت: كيف يخالف الإمام في نقله عن الجمهور وهو أمر نقلي، والإمام ثقة؟
قلتُ: قد يقع الوهم في النقل من أثبت الثقات، وكم من مكان (^٣) تخالف الناقلون فيه، وللرافعي مع الإمام من ذلك شيء كثير، ويكفيك قول الإمام في الفرع المنقول عن القاضي في نكاح المشركات: «والأصحاب كلهم على مخالفته، وهو هفوة منه …» (^٤) إلى آخر ما ذكره، ثم اقتضى كلام الرافعي أن الأمر في النقل عن الأصحاب على خلاف ما قال، وقد حفظ الرافعي في (^٥) التفليس اللسان استعمالا للأدب في نحو ذلك.
فإن قلت: ما حال الرافعي إذا أطلق: "الأصح"، أيعني به الأصح نقلًا أم نظرًا؟
_________________
(١) انظر: الشرح الكبير: (١٠/ ٥٣).
(٢) قوله: (كما قال في كتاب النفقات … ذكرناه فيما نظن) زيادة من ز، ك، م.
(٣) في ز: (كتاب).
(٤) انظر: نهاية المطلب (١٢/ ٣٣٦).
(٥) زاد في ز، ك: (باب).
[ ١٥٩ ]
قلت: إنما يعني - فيما أحسب - الأصح نقلا، ثم الغالب أن نظره يوافق ما رجحه نقلًا، وربما صرح فضم إلى الأصح نحو ما أسمعناك من الألفاظ، وربما اكتفى بذكر الأصح وتبرأ عن عهدة النظر، وربما خالف فأتى بنحو ما داناه (^١) أيضا من الألفاظ.
فإن قلت: أله قدوة في إطلاق الأصح مع كونه لا يراه راجحًا في نظره؟
قلتُ: الباز الأشهب، عَلَمُ المذهب، أبو العباس ابن سريج، ألا تراه صحح رواية الربيع: أن السيد إذا كاتب عبده المجنون، ونقد المال المسمى؛ أنه يعتق، ويثبت التراجع بالقيمة، وصحح أبو إسحاق رواية المزني أنه لا يثبت التراجع، قال المحققون من أئمتنا - منهم إمام الحرمين (^٢) -: لم يصحح أبو العباس ما رواه الربيع فقها ولكن نقلًا؛ لأنه رآه أوثق في النقل، مع علو قدر المزني، وما استرابوا في ميل منقول الربيع عن قاعدة المذهب (^٣)، وأنَّ القياس منقول المزني.
فإن قلت: قد قال الرافعي في أوائل صلاة الجماعة في إمامة الرجل بالنساء: «لكن لا يجوز أن يخلو بهنَّ» (^٤)، مع قوله في أواخر العدد: «إنّ الحكاية عن الأصحاب جواز خلو رجل بامرأتين ونسوة إذا كن ثقات» (^٥)، فمنعه في صلاة الجماعة مع اعترافه في العدد بأن الأصحاب على الجواز مخالفة للأصحاب قاطبةً، فضلًا عن أكثرهم.
_________________
(١) كذا في م، ص، وفي ز، ك: (ذكرنا).
(٢) نهاية المطلب: (١٩/ ٣٦٦).
(٣) كذا في م، ص، وفي ز، ك: (الفقه)، وساقط من ظ ١، ظ ٢.
(٤) الشرح الكبير: (٢/ ١٤٣).
(٥) الشرح الكبير: (٩/ ٥١٤).
[ ١٦٠ ]
قلتُ: إنما مَنَعَ في صلاة الجماعة خلو الرجل بالواحدة من النساء، وقوله: («بهنَّ») يعني: بجنسهنَّ، أما الثنتان فصاعدًا فلم يمنعه، وهو الذي نُقل في العدد عن الأصحاب جوازه، وهو المعتمد، فإنَّ ذلك ليس بِخُلُو ألبتة، إذ لا يقال لمن كان بين نسوة أو امرأتين: إنه مختل بهن (^١).
فإن قلت: قد ذكر أنَّ الأكثرين قالوا فيمن مات وخلف ألفًا، فادعى عليه إنسان بألف، وادعى آخر أنه أوصى له بثلث ماله، وصدقهما الوارث معا: إنَّ المال يُقسم بينهما أرباعًا، وأنَّ الصيدلاني قال: «يُقدَّم صاحب الدين، وتسقط الوصية»، قال: «وهو الحق»، وقال النووي: «إنه الصواب»، ذكراه في «باب الإقرار»، ولعلَّ لفظ "الحق" المقابل للباطل والضلال، أبلغ من لفظ: "الصحيح" المقابل للفاسد.
قلتُ: إنما عبّر بلفظ الحق؛ لأنه قضيَّة (^٢) قواعد الأكثرين، وقولهم: إِنَّ الدين يُقدَّم في غير هذه المسألة، وإن كان لمنازع أن ينازعه ويقول: لا نسلّم أَنَّ الوارث يصدق على الموصى له، بل ينبغي أن يأخذ صاحب الدين ما وراء الثلث، ويُوقف أمر الثلث، أو تقع فيه القسمة، وهذا شيء قد يُحَدُّ (^٣) إليه النظر، والأظهر تقدم صاحب الدين، وقواعد الأكثر تدلُّ له، فما نحن على ثقة من مخالفتهم (^٤)، وإن وقع في هذه العبارة فقد يقع في أثناء الكلام ما لو تأمله قائله لما قاله.
_________________
(١) من قوله: (فإن قلت ما حال الرافعي …) إلى: (… إنه مختل بهن)، ليس في ظ ١، ٢، والمثبت من بقية النسخ.
(٢) في ز: (تضمنه).
(٣) كذا في ظ ١، ٢، وتحتمل في ظ ١: (يُحَبُّ)، وفي بقية النسخ: (يجر) إلا أنها غير منقوطة في ز، ك، ص.
(٤) زاد في ز: (بل في كلام القاضي أبي سعد في الإشراف ما ينازع فيه).
[ ١٦١ ]
ومثله قال في باب الحجر (^١) في الخنثى المشكل يوجد منه أحد الأمرين: من المني والحيض، أو يُمني ويحيض من الفرج: «جواب عامة الأصحاب أن لا يُحكم ببلوغه، وقال الإمام - وهو الحق - ينبغي أن يحكم به» (^٢).
وبالجملة فقد تبين لك أنه لا يتقيد بالجمهور، غير أنه عند مخالفتهم قلَّما يأتي بلفظ "الأصح "، أو "الصحيح "؛ تأدبا معهم ﵀، فإنه كان طاهر اللسان.
وهذه مسائل أُخر (^٣) أشار فيها إلى مخالفة الأكثر: منها: قال في «المحرر» فيما إذا دَمِيَ سلاحُ المحارب وهو في صلاته، واحتاج إلى إمساكه: «إنه يمسكه، ولا قضاء في الأقيس»، مع قوله في (الشرح) (^٤): (إنَّ الإمام حكى عن الأصحاب أنه يقضي)، ثم أشار - أعني الرافعي - في «الشرح» وفاقًا للإمام إلى أنَّ الأقيس نفي القضاء، والأشهر وجوبه، ووافقه كل من النووي والشيخ الإمام.
أما الشيخ الإمام فقال: «الأمر كما ذكره من أنَّ الأقيس عَدَمُ القضاء، لكن الأشهر وجوبه»، وأما النووي فقال: «إنَّ ظاهر كلام الأصحاب القطع بوجوب القضاء» (^٥)، فانظر كيف صرحا بمخالفة الأكثر والأشهر، إلا أن الأكثرية والأشهريَّة ليست مصرحًا بها في كلام الرافعي إلا حكاية عن الإمام، فليتأمل كلامه.
_________________
(١) الشرح الكبير: (٥/ ٧١).
(٢) قوله: (ومثله قال في باب … أن يحكم به)، ليس في ظ ١، ظ ٢، ص، والمثبت من بقية النسخ.
(٣) قوله: (أخر) زيادة من ز، ك، م.
(٤) الشرح الكبير: (٢/ ٣٤٠).
(٥) انظر: روضة الطالبين: (٢/ ٦١).
[ ١٦٢ ]
ومنها: إذا قالت: طلقني ثلاثًا بألف، فقال: أنت طالق واحدةً بألف، وثنتين مجانًا، قال الرافعي (^١): «فالذي نقله الفوراني، وحكي عن القاضي الحسين والصيدلاني وغيرهما: أنَّ الأولى تقع بثلث الألف ولا تقع الأخريان»، وقال الإمام (^٢): «القياس الحقُّ أن لا تقع الأولى وتقع الأخريان رجعيتين». قال الرافعي (^٣): «وهو حسن متوجه، والأول بعيد». لكن الرافعي لم يعترف بأنَّ الأكثر على الأول، بل قال: إن الغزالي وغيره تابعوا الإمام، وبتقدير اعترافه فلم يصحح، وإنما استحسن واستبعد (^٤).
ومنها: قال (^٥) في «الشرح الصغير» (^٦): «إنَّ أظهر القولين عند أكثرهم أن ولد المدبرة مدبَّر، مع أنَّ الذي صححه في «المحرر» أنه قن مملوك للسيد، وقال الوالد في «باب الرهن» من «شرح المهذب»: «إنه المختار»، وقال النووي (^٧): إنه الأظهر»، غير أنه نسبه إلى الأكثرين.
ومنها: قال (^٨) في «كتاب الكفارات» (^٩): «إنَّ الشيخ الكبير يجزئ في كفارة الظهار، إلا أن يعجز عن العمل والكسب». قال: «وفي «التجربة» للروياني: أنَّ
_________________
(١) الشرح الكبير: (٨/ ٤٥٣).
(٢) نهاية المطلب: (١٣/ ٤٠٠).
(٣) الشرح الكبير: (٨/ ٤٥٤).
(٤) من قوله: (ومنها: إذا قالت طلقني …) إلى: (… وإنما استحسن واستبعد)، ليس في ظ ١، ظ ٢، والمثبت من بقية النسخ.
(٥) زاد في ز، ك: (الرافعي).
(٦) الشرح الكبير: (١٣/ ٤٣٤).
(٧) روضة الطالبين: (١٢/ ٢٠٣).
(٨) زاد في ك: (الرافعي).
(٩) الشرح الكبير: (٩/ ٣٠٠).
[ ١٦٣ ]
الأصحاب قالوا: يجزئ الشيخ الكبير، ومنعه القفال إذا عجز عن العمل، وهو الأصح. قال الرافعي: «وفي هذا إثبات خلافٍ في الشيخ العاجز».
قلت: ومخالفة منك للأكثر؛ لأنه إذا ثبت أن الأصحاب قالوا: يجزئ العاجز، وخالفهم القفال، وذهبت أنت إلى تصحيحه = كنتَ مصرّحًا بمخالفة الأكثر.
وقد رأيتُ ما نقله عن «التجربة» فيها، وهذا نصه في «باب الظهار»: «مسألة: الشيخ الكبير يجوز عتقه، ذكره أصحابنا، وقال القفال: إن عجز عن الكسب والعمل لا يجوز، وهذا أصح (^١)»، انتهى.
وأنا أقول: إنما هذا من القفال تقييد لما أطلقه الأصحاب، فلا تصريح عنهم بهذه الحالة، وقوله: «أصح» يعني: أنه حُرّر وقيد في موضع الإطلاق فكان لفظه أصح، ولا يلزم منه مخالفة لهم في موضع القيد، ويوضحه أنه قال في «البحر» ما نصه: «قال أصحابنا: والشيخ الكبير إن كان يُرجى عمله يجوز، فإن كان عاجزًا عن الكسب والعمل لا يجوز» (^٢)، انتهى. فقد نقل مقالة القفال عن الأصحاب، فدل أنه نزل إطلاقهم عليها، وإلا لتعارض نقلاه، فما هنا مخالفة للأكثر ولا للأقل، نعم، الرافعي منازع في مباحثته حيث قال: «وفي هذا إثبات خلاف في الشيخ العاجز»، فقد تبين أنه ليس فيه ما يقتضي ذلك.
ومنها: إذا اشترى شاة وجعلها أضحية، ثم وجد بها عيبًا؛ رجع على البائع بالأرش، وأكثرهم على أنه يصرفه إلى جهة الأضحية، والأقوى: أنه يكون له.
_________________
(١) زاد في ك: (عندنا).
(٢) انظر: بحر المذهب: (١٠/ ٢٨٩).
[ ١٦٤ ]
قاله الرافعي في باب الضحايا (^١).
ومنها: في «باب المسابقة»: «لا يضر اختلاف النوع، فيجوز بين فرس عربي وعجمي وتركي، وعن أبي إسحاق: أنه إذا تباعد النوعان كالعتيق والهجين من الخيل، أو النجيب والبختي من الإبل؛ لم يجز»، قال الرافعي: «وهذا ما ينبغي أن يُرجَّح وإن كان الأول أشهر؛ لأنه إذا تحقق التخلف، فأي فرق بين أن يكون لضعف أو عارض، أو لرداءة نوع» (^٢).
هذا كلامه في «الشرح الكبير»، وليس فيه أن الأول عليه الأكثر، بل أنه أشهر، ولا يلزم من الشهرة أن يكون عليها الأكثر، ولا جزم بترجيحه جزمًا، بل ذكر ذلك بحثًا، ولم يستمر عليه في «الشرح الصغير»، بل قال: «وتجوز المسابقة على الفرس العربي والعجمي، وعلى العربي والتركي، وقيل: إذا تباعد النوعان كالعتيق والهجين لم تجز»، انتهى مختصرًا.
والنووي فَهِمَ أنَّ الأشهر عليه الأكثر فقال (^٣): «قول الأكثرين محمول على ما إذا لم يقطع بسبق العتيق والنجيب، فقول أبي إسحاق ضعيف إن لم يرد به هذا، فإن أراده ارتفع الخلاف».
وقد تباعدت به وبابن الرفعة الأنحاء، فإنه فهم أنَّ المسألة فيما إذا لم يتحقق سبق العتيق أو النجيب، وابنُ الرفعة فهم من قول الرافعي: «لأنه إذا تحقق
_________________
(١) انظر: الشرح الكبير: (١٢/ ١١٤)، وقوله: (ومنها إذا اشترى … في باب الضحايا) زيادة من ز، م، ك.
(٢) انظر: الشرح الكبير: (١٢/ ١٨٦).
(٣) روضة الطالبين: (١٠/ ٣٥٧).
[ ١٦٥ ]
التخلف …» إلى آخره، أنَّ الرافعي فهم أنَّ المسألة في أعم من ذلك، فقال: «وهذا منه - يعني الرافعي - مؤذن بجريان الخلاف مع تحقق التخلف، وهذا لم أظفر به».
ومنها: إذا نقص الوكيل بالاختلاع عن المقدَّر فالنص أنه لا يقع، وإن نقص عن مهر المثل عند الإطلاق فالنص أنه يقع، ومن الأصحاب من قرَّر النصين، ومنهم من نقل وخرج.
قال الرافعي (^١): «واتفق الناقلون على أنَّ الأصح من القولين فيما إذا نقص عن المقدر: عدم وقوع الطلاق، فأما إذا نقص عن مهر المثل في صورة الإطلاق، فكذلك رجح صاحب «التهذيب» عدم الوقوع، وكأنه أقوى توجيها، لكن العراقيين والقاضي الروياني وغيرهم رجحوا الوقوع»، انتهى.
فلم يزد عند مخالفة هؤلاء على أن قال: «كأنه أقوى توجيها»، مع كونه لم يَنقُل عن الأكثر، وإنما أومًا إلى أن الأكثر عليه، وهو الذي رجحه في «المحرر»، ورجحه النووي في «المنهاج»، والوالد في «شرحه»، غير أنَّ النووي جعل في متن الروضة الأظهر بقاء النصين، وذلك مدخول، وسيأتي هذا الفرع في الباب الأول لأجل ذلك.
ومنها: [استخلاف] (^٢) القاضي في أمرٍ خاص، كتحليفٍ وسماع بَيِّنَةٍ، قال الرافعي (^٣): «منهم من جعله على الخلاف» يعني: في الاستخلاف في أمر عام، قال: «وهو قضيَّة إطلاق الأكثر، وعن القفال القطع بجوازه؛ لأنَّ القاضي
_________________
(١) الشرح الكبير: (٨/ ٤٢١).
(٢) في النسخ: (استحلاف)، وفي بعضها بلا نقط، والمثبت ما يقتضيه السياق.
(٣) الشرح الكبير: (١٢/ ٤٣٣).
[ ١٦٦ ]
لا يستغني عنه، وهو جار مجرى التوكيل»، انتهى.
وهذا التعليل إن كان من الرافعي تأييدا لمقالة القفال؛ ففيه إشعار بترجيحها على ما ذكر أنه قضيَّة إطلاق الأكثر، غير أنه لم يصرح بأنه قول (^١) الأكثر، ولا بترجيح مقالة القفال، وقد حَذَفَ في «الروضة» قوله: «وهو جارٍ مجرى التوكيل»، واقتصر على احتجاجه بالضرورة، ونِعْمَ ما فَعَل، فلا يجري هذا مجرى التوكيل، وليس في أفعال القاضي على وجه القضاء ما يجري مجرى الوكالة.
ووددت لو رجح جواز الاستخلاف في التحليف دون سماع البيّنة، فإنها من منصب القضاء، وبهذا جرت عادة الحكام، فلم نرهم يستخلفون في سماعها، ورأيناهم يستخلفون في التحليف.
ومنها: إذا كان العلو لواحد والسفل لآخر، وتنازعا المرقى الداخل المنقول، فنقل (^٢) الرافعي (^٣) عن ابن كج عن الأكثرين: أنه لصاحب العلو، وعن ابن خيران: أنه لصاحب السفل، قال: «وهو الوجه». وليس في نقله عن ابن كج اعتراف بموافقته في النقل عن الأكثر، ولا في قوله: «وهو الوجه» غير مجرد إيماء إلى الترجيح، وقد نوزع في ذلك، وسيأتي في «الباب الأول».
ومنها: تجويز النظر إلى الأجنبية، ذكر أنَّ أكثر الأصحاب - سيما المتقدمين - عليه، وقال في «المحرر»: «الأولى التحريم».
ومنها: إذا رهن ما يتسارع إليه الفساد بدين مؤجل؛ رجح في «المحرر»
_________________
(١) في ك: (إطلاق).
(٢) كذا في م، ز، ك، وفي ظ ١، ٢، ص: (فقال)، والمثبت أظهر سياقًا.
(٣) الشرح الكبير: (٥/ ١٢٣).
[ ١٦٧ ]
فساده، وهو ما رجّحه النووي (^١)، وقال في «الشرح الصغير»: «إنَّ الصحة أظهر عند الأكثرين»، وقال في «الشرح الكبير» (^٢): «إنَّ ميل من سوى العراقيين إليه»، وهو الموافق للنص في المختصر» (^٣).
ومنها: إذا بيعت العين المستعارة للرهن فيه بأكثر من القيمة، وقلنا: سبيله سبيل العارية؛ قال الرافعي (^٤): «ذهب الأكثرون إلى أنه لا يرجع إلا بالقيمة؛ لأنَّ العارية بها تُضمن، وقال القاضي أبو الطيب: يرجع بما بيع؛ لأنه ثمن ملكه، وقد صرف إلى دين الراهن، وهذا أحسن، واختاره ابن الصباغ والإمام والروياني»، انتهى.
فانظر كيف يُعبّر عند مخالفته الأكثر تارةً بـ «الأحسن»، وتارةً بـ «الأولى»، وتارةً «كأنه أقوى»، وتارةً «ينبغي أن يُرَجَّح»، وأمثال هذه العبارات الخفيفة، فهو أحق الثلاثة عندي بالتقيد بالأكثرين، ﵀.
فإن قلت: أتمنعون اعتماد الأكثر وقد نص الأصوليون على أنه من المرجحات، وصرّح ابن الصلاح - وتبعه النووي - بأن من ليس أهلا للتخريج (^٥) إذا وجد خلافًا اعتمد ما صححه الأكثر والأعلم والأورع؟
قلتُ: لسنا نمنع كونه من المرجحات، بل نحن جازمون في مكان لا يظهر
_________________
(١) روضة الطالبين: (٤/ ٤٣).
(٢) الشرح الكبير: (٤/ ٤٤٦).
(٣) قوله: (ومنها: إذا رهن ما … للنص في المختصر)، ليس في ظ ١، ظ ٢، ص، والمثبت من بقية النسخ.
(٤) الشرح الكبير: (٤/ ٤٥٥).
(٥) في ظ ٢، ك: (للترجيح).
[ ١٦٨ ]
فيه بين المقالتين تفاوت أنَّ اتباع الأكثر أولى، وإنما نمنع تقيد من هو أهل للترجيح به، مع قدرته على الترجيح بالاعتبار والنظر، وبذلك صرح أيضا (^١) ابن الصلاح والنووي وغيرهما، فقالوا فيمن هو أهل أن يتعرف الأرجح من النصوص والمآخذ والقواعد، فإن فقد ذلك نقله عن الأصحاب الموصوفين بهذه الصفة.
وأما إذا تعارض قول الأكثر والأقل عند غير متأهل، والأكثر متقدمون، والأقل متأخرون = فهذا عندنا موضع النظر، والأرجح عندي في حق من ليس بأهل: اعتماد المتأخّرِ إن عُلِمَ أنه اطلع على مقالة المتقدم ومأخذه وموافقة الأكثر له ثم خالفه، فإنه - إن شاء الله - إنما خالفه والحالة هذه لمُقْتَض أقوى من الاعتضاد بالأكثر.
فإن قلت: لم حجرتم على العامي ومن يفتي بالمنقول أن يتعدى ترجيح المتأخّرِ، ومِن ثَمَّ قلتم: يُقدَّم ترجيح الشيخ الإمام على ترجيح النووي لتأخره، وترجيح النووي على ترجيح الرافعي، وترجيح الرافعي على صاحب «التهذيب»، وهلم جرا؟!
هذا مساق قولكم، وقد يقال: بل الأعلم أولى، والأقدَمُ غالبًا أَعْلَمُ، فهلا نظرتم ترجيحات الشيخ أبي حامد، والقفال، والقاضي أبي الطيب، والشيخ أبي علي، والقاضي الحسين، وهذه الطبقة التي لم يخلق الله تعالى بعدها أفقه نفسا منها، ولا أقعد بمذهب الشافعي!
قلتُ: اعلم أنَّ المتقدمين لم يكن شوقهم إلى الترجيح من الخلاف، ولا اعتنوا ببيان الصحيح، وسبب ذلك أنَّ العلم كان كثيرًا، وكان كُلٌّ عند الفتيا يفتي بما يؤدي إليه نظره، وقد يؤدي نظره اليوم إلى خلاف ما أدى إليه أمس، فما كان
_________________
(١) قوله: (أيضا) زيادة من ز، ك، م.
[ ١٦٩ ]
الأمر عندهم مستقرا على شيء؛ لتضلّعهم بالعلم، فمن ثَمَّ ما كان المصنفون يكلونهم إلى تصحيحاتهم، بل يشتغلون عن الترجيح (^١) بذكر المآخذ، وفتح أبواب الاستنباط والمباحث، من غير اعتناء بما هو الأرجح، إنما كُلُّ ينظر لنفسه، فلما قل العلم، وأشرف على التبدُّد، واحتيج إلى ضَرْب من التقليد، وأن الفقيه يتبع من هو أفقه منه وإن تشاركا في أصل النظر = اعتني بالراجح.
فإن قلت: قد ألفينا للشيخ أبي علي تصحيحات، وكثرت تصحيحات صاحب «التنبيه»، ولو تتبع متتبع تصحيحات المتقدمين لألفى منها الكثير.
قلت: صحيح، غير أنَّ التصحيح لم يكن مقصودهم الأعظم، ولا مرادهم الأهم، ولن تستطيع أن تقول: إن أكثر ما يحكون من الخلاف مذكور فيه التصحيح (^٢)، وما نجد من ذلك فلا يكاد يبلغ العشر، والفوراني وإن كان التزم في «إبانته» التصحيح فما استوعب ولا كاد، ولا على كل ما صحح الاعتماد (^٣)، وما اعتنى به إلا من بعد هؤلاء، ممن قصر نظرًا في نفسه عمَّن تقدمه، فاعتنى صاحب «التهذيب» بذلك شيئًا كثيرًا، ثم تصدى قاضي القضاة أبو سعد بن أبي عصرون لذلك، فصحح الكثير من الخلاف، وسمعت الوالد ﵀ يقول: «كان الناس - شاما - ومصرا وعراقا - لا يُفتون إلا بترجيحه، ولم يزالوا كذلك حتى ظهر كتاب الرافعي».
قلتُ: ولمَّا أحب الرافعي - الذي هو سيد المصنفين - جمع شمل هذا المذهب، وما جاء إلا وقد فقد الناس أصحاب الوجوه = اعتنى ببيان الراجح اعتناء
_________________
(١) في ٢: (التصحيح).
(٢) في ز، ك، م: (الصحيح).
(٣) قوله: (والفوراني وإن كان … ما صحح الاعتماد) زيادة من ز، م.
[ ١٧٠ ]
تاما، ثم زاد عليه النووي زيادةً جيدة، وكان قصدهما -رحمهما الله- إرشاد الخلق، والإتيان بما يناسب الزمان، فإنَّ العلم وإن لم يُعدَم بالكلية فقد قل، وصار المفتون نقلةً عن الكتب في الحقيقة، فبينا لهم الراجح نقلا ونظرًا عندهما.
فبان بهذا أنَّ اعتناء المتأخرين - وإن قصرت مراتبهم عن المتقدمين - بإبانة التصحيح (^١) أَكْثَرُ، فكان لذلك اتباعهم أولى، ولذلك لا نقول في ترجيحات ابن الرفعة ما نقوله في ترجيحات هؤلاء الثلاثة؛ لأنه ﵀ وإن كان جَبَلَ فِقْهِ إلا أن شوقه الأعظم إلى ما كان عليه المتقدمون، فلم يُعنَ غالبًا ببيان الراجح من الخلاف، ولم يشتغل بذلك إلا قليلا، وكانت نفسه عنده أرفع من هذا المقام، ثم لم يكن عنده من علم الحديث ما كان عند النووي، ولا ما كان عند الشيخ الإمام، فإنه وإن اعتنى بمتون الأحاديث عند تصنيفه فلم يكن مثلهما فيه، والسلام.
حكى لي الوالد ﵀ أن ابن الرفعة كان يحضر إلى مجلس الحافظ الدمياطي في كثير من الأحايين للاستفادة منه، قال: «وبينا نحن في درس الظاهرية بين يدي الدمياطي إذا بالفقيه - يعني شيخه ابن الرفعة - قد أقبل، فأجله الحاضرون، وقام الدمياطي منتصبا، فجلس الفقيه أمامه بين يديه كالتلميذ، وكان الشيخ الدمياطي في المحراب، فأشار إليه الدمياطي أن يأتي إلى جانبه، فأبى وقال: بل أستقبل القبلتين، فاستحسن ذلك منه».
قال: «وكان حضوره ليسأله عما يقع له في الحديث، فلم يكن يكتب ما يُشكل عليه منه حتى يحضر من مصر إلى القاهرة، ويسترشد الدمياطي». وهذا دليل علمه ودينه وتحريه، وواضح أنه لم يكن في الحديث مثل هؤلاء، وفي هذا كفاية.
_________________
(١) في ز، ك، م: (الصحيح).
[ ١٧١ ]
ولسنا هنا للتفضيل بين أئمة الزمان، وحظ (^١) المكان، أنَّ قصور الناس (^٢) عن العلم أوجَبَ أن يُقيم الله تعالى لهم مَنْ يُبَيِّنُ الراجح ليقفوا عنده، فأقام هؤلاء الثلاثة المتأخرين، وهم: الرافعي، والنووي، والشيخ الإمام، وما في المتأخرين إن شاء الله - أفقه منهم، إلا أن يكون ابن الرفعة، وقد ذكرنا أن شوقه لم يكن إلى هذا النوع.
ولسنا نقول: إنه أفقه منهم، ولا نقول أيضًا (^٣): إنهم أفقه منه، فإنَّا أقل من التفضيل بينهم، ولكن نقول: إنَّ شوقه لم يكن إلى نحو الترجيح.
وهم أربعة: كان النووي شوقه إلى الترجيح غالبًا على شوقه إلى التفقه والتخريج، وكان ابن الرفعة بالعكس، وأما الرافعي والشيخ الإمام فشوقهما - كما تراه في كلامهما - إلى الأمرين جميعًا، ثم الغالب على الرافعي شوقه إلى الترجيح، وأما الشيخ الإمام ﵀ فلا نستطيع أن نقول: إنَّ أحد الأمرين يغلب فيه على الآخر، كما لم يستطع أحدٌ في عصره أن يقول: إنَّ علما يغلب فيه على علم.
وهذه الأمور التي فصلتها فيهم لا يستطيع فَطِنٌ فَهِمْ إذا تأمل (^٤) مصنفاتهم أن يجحد منها شيئًا، ولم نجالس منهم غير الشيخ الإمام، فرضي الله عنه، وجزاه عن شريعة الإسلام خيرا، وجمعني وإياه وسائر محبيه في دار كرامته، على موائد رحمته، ببركة نبيه (^٥) سيدنا محمد المصطفى صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
_________________
(١) في ص: (وحفظ).
(٢) في ظ ٢: (الزمان).
(٣) قوله: (أيضا) زيادة من ز، ك، م.
(٤) كذا في م، ز، ك، وفي ظ ١، ٢، ص: (فهم)، والمثبت أظهر سياقا.
(٥) قوله: (نبيه) زيادة من ز، ك، م.
[ ١٧٢ ]
فإني لم أَرْوَ مِنْ ماء مُحَيَّاه، مع كثرة مخالطتي له الليل والنهار، ولم أقدر أيامه حقَّ قَدْرِها، مع ملازمتي له صباح مساء، ولم أُعْطِ أنفاسه الطاهرة حق إعطائها، مع اجتماعي معه في وقتي اليقظة والمنام، وإن خوفي من مؤاخذة الله إياي بالتقصير في الأخذ عنه، والفتور عن كثير من خدمته، مع كوني لا أعرف ولدًا لازم أباه كملازمتي له = أَكْثَرُ أو مِثْلُ أو قَرِيبٌ من خوفي على نفسي أن يكون الميل استفزها من حيث لا تشعر في مدحه، وقادها من حيث لا تحسب إلى الإطناب في ذكره.
وقد أخذ القول من هذا الفصل غايته، واستوفى نهايته، فلنمسك عنان الكلام، ونقول ما قال الأول:
أَبَى الْقَلْبُ إِلَّا أُمَّ عَمْرٍو فَأَصْبَحَتْ … صَفِيَّتَهُ إِنْ زَارَهَا أَوْ تَجَنَّبَا
عَدُوٌّ لِمَنْ عَادَتْ وَسِلْمٌ لِسِلْمِهَا … وَمَنْ قَرَّبَتْ لَيْلَى أَحَبَّ وَقَرَّبَا (^١)
اللهم صل على سيدنا، وعلى آله وصحبه وسلم، اللهم ارزقني حبك، وحبّ من ينفعني حبه عندك، اللهم ما رزقتني مما أحِبُّ فاجعله قوَّةً لي فيما تحب، اللهم وما زَوَيْتَ عني مما أحب فاجعله فراغا فيما تحب.
اللهم اغفر لي جدي وهزلي، وخطئي وعمدي، وكلُّ ذلك عندي، اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرتُ، وما أسررت وما أعلنت، وما أنت أعلم به مني، أنت المقدم وأنت المؤخّر، وأنت على كل شيء قدير.
اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك، اللهم ألف بين قلوبنا، وأصلح ذات بيننا، واهدنا سُبل السلام، ونجنا من الظلمات إلى النور، وجنبنا
_________________
(١) البيان والتبيين: (١/ ١٩١).
[ ١٧٣ ]
الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وبارك لنا في أسماعنا، وأبصارنا، وقلوبنا، وأزواجنا وذرياتنا، وتب علينا، إنك أنت التواب الرحيم، واجعلنا شاكرين لنعمك، مثنين بها، قائليها (^١)، وأتمها علينا.
اللهم إنك أخذت بقلبي وناصيتي، فلم تملكني منهما شيئًا، فكما فعلت ذلك بهما فاهدني إلى سواء السبيل، اللهم إنَّ عزيمتك عزيمة لا ترد، وقولك قول لا يكذب، فأمر طاعتك فلتدخل في كلّ شيء مني أبدا ما بقيتُ، اللهم إنَّ عزيمتك عزيمة لا ترد، وقولك قول لا يُكذب، فأَمر معاصيك فلتخرج من كلّ شيء مني، ثم حَرّم عليها الدخول في كلِّ شيءٍ مني أبدًا ما أبقيتني يا أرحم الراحمين (^٢)!
اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن نفس لا تشبع، ومن دعوة لا يُستجاب لها، اللهم إني أعوذ بك من الشيطان، من همزه، ونفثه، ونفخه.
وصلى الله على سيدنا محمد عودًا على بَدْءٍ، والحمد لله أولا وآخرا.
واعلموا معاشر إخواني، جمَعَ الله قلوبنا على تقواه، ورزقنا فعل
_________________
(١) كذا في ك، وفي ص: (قابليها)، وفي م غير منقوطة، فتحتمل الوجهين، وصورتها في ظ ١، ظ ٢: (فالها)، وغير واضحة في ز.
(٢) جاء في حاشية ز بخط غير خط الناسخ: (بخط مؤلفه الشيخ عبد الوهاب السبكي، محقق فليعلم) وجاء فيها كذلك بخط آخر يبدو أنه خط الشيخ حسن العطار: (رأيتُ طبقات الشافعية الكبرى في الخزانة المؤيدية بخط المؤلف، وهي مسودته وخطها كهذا، ورأيتُ له أيضا بعض مؤلفات بهذا الخط، ورأيتُ تأليفا لوالده بخط والده وكتب اسمه في آخره بقوله: كتبه علي بن عبد الكافي، وهو عندي، رحمهم الله تعالى)، وقد سبق في مقدمة التحقيق أنَّ مقدمة ز - وإن كتب فيها هذا - فهو بعيد عن خط المصنف لا يثبت.
[ ١٧٤ ]
الخيرات، وترك المنكرات، وحب المساكين، وأعاذنا من الشقاق والنفاق وسوء الأخلاق، وهدانا لما اختلف فيه من الحق بإذنه، إنه يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم = أني كنتُ قد نظمتُ وأنا في السجن أرجوزة تشتمل على الأبواب الثلاثة التي ذكرتها، وقد خشيت أن يعترض عليَّ معترض في مبالغتي في ذكر ترجيحات الوالد وتقديمها، فذكرت ما ذكرت في هذا المصنف جوابًا عن اعتراضه، وبدأتُ بالخطبة على النحو الذي أبصرت؛ لمعنى اقتضى ذلك أيضا، وذكرتُ من معترضاتي على الوالد، وسأذكر في آخر الكتاب أيضًا منه؛ ليُعلم أنا إن شاء الله لا نحابي في دين الله أحدا، ولو حابينا لحابينا الوالد، ونقول كما قال إمامنا الشافعي ﵁: «يقولون نحابي، ولو حابينا لحابينا الزهري» (^١).
ولما كانت تلك الأرجوزة حيث أنا مسجون مهموم، قليل الكتب أو عديمها، إنما تملي علي حافظتي فأكتب، وأنا ذاكر تلك المسائل - وما لعلي كنتُ أغفلته - في هذه الأوراق سردًا ليستفاد نثرا كما استفيد نظما، ويكون في الحقيقة كتوضيح لذلك النظم المسمى بـ «الترجيح»، فلعلي أبسُطُ هنا في بعض المسائل الكلامَ بسطًا يسيرًا مع المحافظة على الاختصار، وأذكر أيضا من الفوائد المهمات، ومحاسن التتمات، وعظائم التنبيهات، ونفائس المسائل الواقعات = أبوابًا هي في نفسها مقصودات، وغرائب وعجائب نَشُوقُ إليها الأنفس الزاكيات، ومباحث تأخذ بقلوب طالب التحقيقات، وأمورًا بكتاب الرافعي متعلقات، كما سترى ذلك على وجه بديع منثور، أعلى وأحسن من زهر الربيع مبددًا، يميل كذا وكذا محمولا وموضوعًا، يجده قوم مفرَّقًا، وآخرون مجموعًا، ليس عرضةً لكل معترِض ناقد، ولا شرعَةً لكلِّ منتهل وارد، ولا سبيلا يسلكها كلُّ مَنْ يروم.
_________________
(١) آداب الشافعي ومناقبه، لابن أبي حاتم، ص ٦١.
[ ١٧٥ ]
ولكن تأخذ الأذهان (^١) منه … على قدر القرائح والفهوم (^٢)
وسميت هذه الأوراق: «ترشيح التوشيح، وتوضيح الترجيح»، فأقول (^٣):
الحمد لله المستحق للحمد والثناء، والصلاة على سيدنا محمد خاتم الأنبياء، وعلى آله وأصحابه الأصفياء، ربَّنا إنك تعلم ما نخفي وما تعلن، وما يخفى على الله من شيء في الأرض ولا في السماء.
_________________
(١) في ك: (يأخذ الأذكياء).
(٢) انظر: الأمثال السائرة في شعر المتنبي صـ ٣٥. ومن قوله: (وأذكر أيضا من الفوائد …) إلى: (… قدر القرائح والفهوم) زيادة من م، ك.
(٣) زاد في ص: (مستعينًا بالله، وهو حسبي ونعم الوكيل)، وزاد في ز، ك: (بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم).
[ ١٧٦ ]