ويجوز السلم في كل [ما] (^١) يجوز بيعه، وتضبط صفاته، كالأثمان، والحبوب، والثمار، والثياب، والعبيد، والجواري، والأصواف، والأشعار، والأخشاب، والأحجار، والطين، والفخار، والحديد، والرصاص، والبلور، والزجاج، وغير ذلك من الأموال التي تباع وتضبط بالصفات.
والدليل عليه حديث ابن عباس في الثمار، وروى عبد الله بن أبي أوفى قال: "كنا نسلف ورسول الله ﷺ فينا في الزيت، والحنطة".
وروى عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ أن النبي ﷺ أمره أن يجهز جيشًا فنفدت الإبل، فأمره أن يأخذ على قلاص صدقة، فكان يأخذ البعير بالبعيرين إلى إبل الصدقة.
وعن ابن عباس ﵁ أنه قال: - في السلم في الكرابيس - إذا كان ذراعًا معلومًا إلى أجل معلوم، فلا بأس.
وعن أبي النضر قال: سُئل عمر ﵁ عن السلم في السرق، فقال: لا بأس - والسرق: الحرير -، فيثبت جواز السلم فيما رويناه بالأخبار، وثبت فيما سواه مما يباع ويضبط بالصفات بالقياس على ما ثبت بالأخبار؛ لأنه في معناه.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) في المطبوع من المهذب: "مال".
[ ١ / ٣٩٧ ]
حديث ابن عباس في الثمار تقدم (^١)، وحديث ابن أبي أوفى في البخاري (^٢)، وقد ذكرناه قريبًا، وفيه - أيضًا - الشعير والتمر، ولم يذكرهما المصنف، وفي رواية سفيان الثوري: الزيت كما ذكر المصنف، وفي رواية سليمان الشيباني: الزبيب بدل الزيت، وفي رواية شعبة: الزبيب أو التمر على الشك.
وقول الصحابي: كنا نفعل على عهد رسول الله ﷺ كذا حجة عند المحدثين والأصوليين.
وفي البخاري - أيضًا - أن الذي سأل ابن أبي أوفى عن ذلك سأل عبد الرحمن بن أبزى، فقال: كان أصحاب رسول الله ﷺ، وهذه أصرح من قول ابن أبي أوفى: كنا، وبيان لمعناها، وحديث عبد الله بن عمرو بن العاص رواه أبو داود (^٣) بسند فيه محمد بن إسحاق، واختلف عليه في إسناده ولفظه كما ذكر المصنف.
ورُوي من طريق أخرى صحيحة إلى عمرو بن شعيب عن أبيه عن عبد الله ابن عمرو تقريب من معناه، ورواه الحاكم (^٤) من طريق أخرى، وقال: إنه على شرط مسلم، وعلى كل حال، فليس فيه دليل على السلم في الحيوان، بل على أنه يثبت في الذمة ثمنًا، وقد تقدم أن الشافعي وغيره استدلوا بمثل ذلك على السلم؛ لاشتراكهما في الدَّينية، وفيه نظر. نعم لفظ الحديث.
وقوله: "أخذ على إبل الصدقة"، يحتمل أن يكون إبلًا في ذمته بإبل يأخذها عاجلًا، وهذا معنى السلم، فيصح الاستدلال، ويحتمل أن يأخذ
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢٢٤٠)، ومسلم (١٦٠٤).
(٢) أخرجه البخاري (٢٢٥٤).
(٣) أبو داود (٣/ ٢٩٢) (برقم: ٣٤٦٨).
(٤) في المستدرك (٢٢٩٠).
[ ١ / ٣٩٨ ]
الإبل المعجلة بالإبل التي في ذمته على وجه الشراء، وهو الذي رواه الدارقطني في "سننه" (^١)، فينبني على أن الثمن ماذا؟ فإن قلنا: النقد، فها هنا لا ثمن، فيكون سلمًا - أيضًا - كما يقتضيه كلام الإمام (^٢)، فيما إذا أسلم، وإن كان فيه نظر؛ لأنه يلزم أن كل بيع بعوض في الذمة غير النقود يشترط قبض المبيع فيه في المجلس، فإن ثبت؛ ذلك صح الاستدلال أيضًا.
وإن (^٣) قلنا: الثمن ما دخلت عليه الباء، فلا يلزم من جعلها ثمنًا جواز السلم فيها، إلا أن يثبت أن كل ما صح ثبوته في الذمة بالمعاوضة صح السلم فيه، لكن المقصود بيان أن الحيوان يجوز أن يكون دينًا في الجملة.
وقد اتفق الشافعي والأصحاب على جواز السلم في الحيوان (^٤)، واستدلوا من هذا الجنس بإبل الدية، وبأن النبي ﷺ "اسْتَسْلَفَ بَكْرًا" (^٥)، وهو حديث صحيح، "وَعَنْ عَلِيٍّ: أَنَّهُ بَاعَ جَمَلًا لَهُ يُقَالُ لَهُ: عُصَيْفِيرِ بِعِشْرِينَ بَعِيرًا إِلَى أَجَلٍ" (^٦)، "وَاشْتَرَى ابْنُ عُمَرَ رَاحِلَةً بِأَرْبَعَةِ أَبْعِرَةٍ مَضْمُونَةٍ عَلَيْهِ، يُوفِيهَا صَاحِبَهَا بِالرَّبَذَةِ" (^٧)، وعن ابن شهاب: "لَا بَأْسَ بِالْحَيَوَانِ اثْنَيْنِ بِوَاحِدٍ إِلَى أَجَلٍ".
وكان ابن عمر، وابن عباس، والحسن، وسعيد بن جبير، والشعبي، وسعيد بن المسيب، وطاوس، وعطاء، ومجاهد، والزهري، ومالك (^٨)،
_________________
(١) سنن الدارقطني (٣/ ٦٩) (برقم: ٢٦٢).
(٢) نهاية المطلب (٦/ ٢١).
(٣) كرر هنا "وإن"، وهي زيادة بدون فائدة.
(٤) انظر: الأم (٣/ ١١٨)، الحاوي (٥/ ٣٩٩)، نهاية المطلب (٦/ ٢٠)، البيان (٥/ ٣٩٨).
(٥) أخرجه مسلم (١٦٠٠).
(٦) أخرجه مالك (١٣٣٠)، عبد الرزاق (١٤١٤٢) بسند منقطع. وانظر: الإرواء (١٣٧٢).
(٧) أخرجه البخاري معلقًا (٣/ ٨٣).
(٨) انظر: التمهيد (٤/ ٦٢ - ٦٤)، البيان والتحصيل (٧/ ١١٠)، بداية المجتهد (٣/ ٢١٧، ٢١٨).
[ ١ / ٣٩٩ ]
والأوزاعي، وأحمد (^١)، وإسحاق (^٢): لا يرون بأسًا بالسلف في الحيوان. ورُوي عن ابن مسعود: كراهيته بسند فيه مقال (^٣). واحتجت الحنفية (^٤) بذلك، فمنعوا السلم في الحيوان.
قال الشافعي: "قلت لمحمد بن الحسن أنت أخبرتني عن أبي يوسف عن عطاء بن السائب عن أبي البختري أن بني عمٍّ لعثمان بن عفان أتوا واديًا، فصنعوا شيئًا في إبل وجل قطعوا به لبن إبله وقتلوا فصالها، فأتى عثمان بن عفان وعنده ابن مسعود فرضي بحكم ابن مسعود، فحكم أن يعطي بواديه إبلًا مثل إبله، وفصالًا مثل فصاله، فأنفذ ذلك عثمان" (^٥)، ومراد الشافعي من ذلك ثبوته دينًا كما سبق.
وقد رُوي عن عمر منقطعًا، وحذيفة، وسريج، والضحاك في آخر قوليه، وسعيد بن جبير: كراهة السلم في الحيوان (^٦)، وممن قال به: النووي (^٧) وأصحاب الرأي (^٨)، وعندهم أن الحيوان لا يضبط بالصفة مع أنهم قد أثبتوه في الذمة في الصداق والخلع وغيرهما.
_________________
(١) انظر: الروايتين والوجهين (١/ ٢٠٤)، الإنصاف (٥/ ٦٧)، كشاف القناع (٣/ ٢٩٠)، مطالب أولي النهى (٣/ ٢٠٩).
(٢) مسائل إسحاق بن منصور (١٨٦٠).
(٣) انظر: الإشراف على مذاهب العلماء لابن المنذر (٦/ ١٠٦).
(٤) انظر: المبسوط (١٢/ ٢٢٩، ٢٣٠)، تبيين الحقائق (٤/ ١١٢)، الهداية (٣/ ٧١ - ٧٢)، المحيط البرهاني (٧/ ١٦٢)، فتح القدير (٧/ ٧٩)، البحر الرائق (٦/ ١٧١)، مجمع الأنهر (٣/ ١٤٠).
(٥) الأم (٣/ ١٢٣).
(٦) انظر: الإشراف على مذاهب العلماء لابن المنذر (٦/ ١٠٦).
(٧) لم أجد في كتب النووي القول بكراهية السلم في الحيوان. فقال في روضة الطالبين (٤/ ١٨): "يجوز السلم في الحيوان". وفي منهاج الطالبين (ص: ١١١): "يصح في الحيوان".
(٨) انظر مصادر الأحناف السابقة.
[ ١ / ٤٠٠ ]
ومن جملة ما استدل به أصحابنا على وصفه؛ قوله ﷺ: "لَا تُبَاشِرُ المَرْأَةُ المَرْأَةَ، فَتَنْعَتَهَا (^١) لِزَوْجِهَا كَأَنَّهُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا" (^٢).
وقد روى يحيى بن أبي كثير عن عكرمة عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ "نَهَى عَنِ السَّلَفِ فِي الْحَيَوَانِ"، قال الحاكم في "المستدرك" (^٣) " هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
قلت: وفي حكمه بصحته نظر، فإن ابن السمعاني قال: إنه لم يثبت ذكر ذلك في "الاصطلام" (^٤)، وأيضًا - فإني نظرته في حديث يحيى بن أبي كثير مع أحاديث في النهي عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة، والناس تكلموا على بيع الحيوان نسيئة، وقالوا: الصحيح أنه مرسل.
والقلاص جمع قلوص، وهي الناقة يقال: هي الباقية من النوق على السير، ويقال: بل هي الطويلة القوائم (^٥)، وأما أخذه إلى إبل الصدقة، فلعل المقصود أنه إذا جاءت إبل الصدقة كثرت الإبل، وأمكنه تحصيل ما التزمه، وإلا فكيف يجوز أن نعطي من إبل الصدقة، وهي لأصناف مخصوصين، فيحمل على ما ذكرناه، وعلى أنه كان أجلًا معلومًا، فقد جاء في رواية أخرى: "إلَى خُرُوجِ الْمُصَدِّقِ" (^٦)، ويقال: إن خروج المصدق كان في أول المحرم.
وأَثَرُ ابن عباس في الكاربيس رواه البيهقي من طريق سعيد بن منصور بسند صحيح إلى القسم بن محمد عنه، والكرابيس جمع كرباس، قال
_________________
(١) في المخطوطة: "فتبعها"، والصواب ما أثبتناه؛ كما في مصادر التخريج.
(٢) أخرجه البخاري (٥٢٤٠).
(٣) المستدرك (٢/ ٦٥) (برقم: ٢٣٤١).
(٤) "الاصطلام في الخلاف بين الإمامين الشافعي وأبي حنيفة".
(٥) انظر: تفسير غريب ما في الصحيحين البخاري ومسلم (ص: ٤٥)، شمس العلوم ودواء كلام العرب من الكلوم (٨/ ٥٦٠٧).
(٦) أخرجه الدارقطني (٣٠٥٢)، ومن طريقه البيهقي (٥/ ٢٨٧).
[ ١ / ٤٠١ ]
صاحب «التنقيب» وهو النصافي، وكذلك قال ابن البزري وابن باطيش وغيرهم.
وذكر الشافعي: «أنه لا يعرف خلافًا في أنه يحل أن يسلم في الثياب بصفة» (^١)، وذكر في ذلك الحديث المعروف أن النبي ﷺ جعل علَى أهل نجران ثيابًا، وهو كما تقدم مراده أنها صارت دَينًا، ونقل ابن المنذر (^٢) الإجماع على السلم في الثياب، وأثر عمر ﵁ لم أجده.
وفي «مصنف ابن أبي شيبة» (^٣) أنه رخص في السلم في الحرير ابن تيم، وسالم، والقاسم، وطاوس، ومجاهد، ومحمد بن عطاء، ووكيع، ولرشقق هو ابن معقل ومسروق (^٤) والشعبي.
والسرق -بالسين والراء المفتوحتين-: الحرير الأبيض، أصله بالفارسية سره، أي: جيد، فعربوه، واحده سرقة، ومنهم مَن يطلق أن السرق الحرير، كما أطلق المصنف.
قال ابن فارس: «السرقة الحريرة، والجمع سرقة» (^٥).
وأبو النضر -بفتح النون، وسكون الضاد المعجمة -اسمه: سالم بين أبي أمية مولى عمر بن عبد الله التيمي، تابعي، ليس له ذكر في الكتاب إلَّا في هذه الموضع، وثبوت جواز السلم فيما رواه بالأخبار المرفوعة ظاهر.
وأما الآثار التي من أقوال الصحابة، فعند لا من يحتج بقول الصحابي محمول على أنها اعتضدت لما يوجب الاحتجاج بها، وثبوته فيما سواه على الوجه الذي ذكره صحيح، واشتراط كونه مما يباع؛ لأن السلم بيع واشتراط
_________________
(١) الأم (٣/ ١٢٤).
(٢) الإجماع (ص: ١٣٥)، الإشراف (٦/ ١١٠).
(٣) مصنف ابن أبي شيبة (٧/ ٢٢٠).
(٤) وردت في المخطوطة: «مسرق»، ولعل الصواب ما أثبتناه.
(٥) مجمل اللغة لابن فارس (ص: ٤٩٣).
[ ١ / ٤٠٢ ]
كونه مما يضبط بالصفة؛ لأن بها يتميز ويصح إيراد العقد عليه.
وخرج بقول المصنف: «يجوز بيعه» النجس، وما لا ينتفع به، وجميع ما ذكره المصنف وهو ستة عشر لا خلاف عندنا في جواز السلم فيها.
إلا الأثمان، فالأصح الذي قطع به الأكثرون الجواز، وعليه نص الشافعي (^١).
وفي طريقة الخراسانيين وجه غريب حكاه الإمام (^٢) والغزالي (^٣) أنه لا يجوز، وهو مذهب أبي حنيفة (^٤)؛ لأنها ثمن فلا تكون مثمنًا، فعلى الصحيح المنصوص يشترط أن يكون رأس المال عرضًا، فلو كان نقدًا كإسلام أحد النقدين في الآخر، فإن كان مؤجلًا لم يجز قطعًا، وإن كان حالًا، فكذلك خلافًا للقاضي أبي الطيب، والشيخ أبي حامد في أحد احتماليه.
وإذا أسلم في النقود، فهل يلغى الإطلاق وينزل على الغالب؟ كما في سائر العقود حيث يكون ثمنًا أو لا بد من وصفها؟ فيه وجهان، اقتضى كلام الإمام (^٥) في كتاب القاضي إلى القاضي أن الراجح: أنه لا بد من الوصف، وأن في كلام الأصحاب الاكتفاء بالإطلاق في رأس المال، ولأجل ذلك أثبت فيها وهي سلم فيها وجهان، وسيأتي أن المفهوم من كلام الأصحاب الاكتفاء بإطلاقها، إذا كانت رأس مال؛ كما قال، فينبغي أن يكون الراجح عندهم على مقتضى ذلك إطلاقها، وهي سلم فيها؛ إذ لا فرق.
_________________
(١) انظر: نهاية المطلب (٦/ ٢١)، مغني المحتاج (٢/ ١١٤).
(٢) نهاية المطلب (٦/ ٢١).
(٣) الوسيط في المذهب (٣/ ١٥٠).
(٤) انظر: المبسوط (١٢/ ١٣٦)، بدائع الصنائع (٥/ ٢٠٨)، مجمع الأنهر (٣/ ١٣٩)، حاشية ابن عابدين (٥/ ١٨٠).
(٥) نهاية المطلب (١٨/ ٤٩٩).
[ ١ / ٤٠٣ ]
قال الماوردي: «إنه يذكر في الذهب والفضة النوع واللون والخشونة أو اللين والجيد والرديء، وأنه في الدراهم ينسب الضرب إلى تميُّز به، وليس يحتاج إلى غير ذلك الأوصاف».
واعلم أن الأصحاب أطلقوا أن النقد متى كان في صفقة، فهو الثمن على الأصح، وأطلقوا أن الاستبدال عن الثمن جائز على الصحيح، ومن المعلوم أن الاستبدال عن المسلم فيه لا يجوز، والجمع بين ذلك يتقيد إطلاقهم أن النقد ثمن، فإنه إذا جعل مسلمًا فيه انتقل من كونه ثمنًا إلى كونه مثمنًا؛ ولهذا لما استدلت الحنفية على امتناع السلم فيها بأنها أثمان، فلا يجوز أن تصير مثمنة.
قال المصنف في «النكت» في الجواب: إنه يجوز ذلك، كما يجوز أن يصير العروض أثمانًا.
فهذا الكلام من المصنف يقتضي أنَّا في هذه الصورة لا نسميها ثمنًا، ومن هذا يُعْلَمُ أنه إذا عقد هذا العقد بلفظ الشراء، فإن نظرنا إلى اللفظ؛ كما صححه البغوي (^١)، والرافعي (^٢) جعلناها ثمنًا، وكان الاستبدال عنها كالاستبدال عن الثمن، وإن نظرنا إلى المعنى كما هو الأصح عند العراقيين كانت مثمنًا، فلا يجوز الاستبدال عنها، والقاضي حسين أطلق القول: «بأنا إذا جعلنا الثمن النقد كان الاستبدال عنها كالاستبدال عن الثمن»، وذلك على ما تقدم من أصله أنه ينبني كون العقد سلمًا أو بيعًا على أن الثمن ماذا؟ والأكثرون لم يبنوه على ذلك.
وتابع الإمام القاضي على ذلك، وقال: «إن لم يجعلها ثمنًا، لم يجز
_________________
(١) التهذيب (٣/ ٥٧٠).
(٢) فتح العزيز (٨/ ٤٣٢).
[ ١ / ٤٠٤ ]
الاعتياض عنها، وفي وجوب تسليم رأس المال الخلاف في كونه سَلَمًا أو بيعًا» (^١)، ومما تقدم يُعْرَفُ ضعف الطريقة التي سلكاها، وهذا كله إذا كان بلفظ الشراء.
أما إذا عقد على الدراهم في الذمة بلفظ السلم، فهو سلم، ويمتنع الاستدلال عنه، ولا نسميه ثمنًا كما تقدم.
وعلى الوجه المتقدم عن طريقة المراوزة، يفسد.
وهذه أنواع من غير ما ذكره المصنف مما يجوز السلم فيه، وإن كان لا حصر له الفلوس خلافًا لبعض العلماء حيث كره السلم فيها، وإذا أبطل السلطان المعاملة بها، فهي من العروض بلا خلاف، وإن راجت في المعاملة، فكذلك على الصحيح.
ونقل ابن المنذر: «عن أبي ثور وأصحاب الرأي أنه يسلم فيها عددًا، إذا لم يكن تباينها شديدًا» (^٢)
وأما عندنا فالشافعي والأصحاب خرجوا بجواز السلم فيها من غير تقييد، والأقرب أنه يشترط فيها الوزن.
لكن القاضي حسين، والإمام في «النهاية» قال: «إذا قال: اشتريت منك مائة فلس بهذا الثوب، فإن قلنا: هي عروض فلا ثمن» (^٣).
فأخذنا من هذا الكلام أنه يجوز ثبوتها في الذمة بالعدد.
وصرح القاضي بجواز الإطلاق، ولا شك أن ذلك فيما إذا لم يختلف، ثم في طرده في السَّلَمِ فيها نظر.
_________________
(١) نهاية المطلب (٦/ ٦). بمعناه.
(٢) الإشراف على مذاهب العلماء لابن المنذر (٦/ ١١٤).
(٣) نهاية المطلب (٦/ ٢١).
[ ١ / ٤٠٥ ]
واللحم (^١) وفاقًا لعطاء، والزهري، ومالك (^٢)، والأوزاعي، وأحمد (^٣)، وأبي يوسف، ومحمد، وأبي ثور، خلافًا لأبي حنيفة (^٤)،
وعن إبراهيم النَّخَعي: كراهيته.
والشحم نقل ابن المنذر الإجماع عليه (^٥).
والألية، والكبد، والطحال، والكلية، والرئة، كلها بالوزن.
وصفة اللحم، والسمك، والجراد حيًّا وميتًا، عند عموم وجوده، والمنافع، نقله الشيخ أبو حامد عن «البويطي»؛ فيجوز أن يسلم في تعليم القرآن قاله أبو حامد، والروياني (^٦).
قال أصحابنا: من منع السلم في تعليم القرآن، قال: «وقال والدي: الأول أجود؛ لأن الشافعي نص على جواز السلم في المنافع ولم يفصل» (^٧).
قلت: وينبغي أن يستثني منافع العقار؛ فيكون السلم فيها ممتنعًا كالسلم في العقار، وكذا منافع كل عين معينة.
ومنها: أنواع العطر كالمسك، وقد ذهب بعض أهل العلم بالمسك إلى أنه سره دابة كالظبي تلقيه في وقت، وأنه لا يحل التطيب به، وكان يحيى بن
_________________
(١) انظر: الأم (٣/ ١١٤)، البيان (٥/ ٤١٩)، فتح العزيز (٩/ ٢٩٧)، نهاية المطلب (٦/ ٤٣)، روضة الطالبين (٤/ ٢٠)، مغني المحتاج (٢/ ١١١، ١١٢).
(٢) انظر: المدونة (٣/ ٦٦)، الكافي لابن عبد البر (٢/ ٦٩٢)، بداية المجتهد (٣/ ٢١٨)، الذخيرة (٥/ ٢٤٩)، حاشية الخرشي (٥/ ٢١٢).
(٣) انظر: الإنصاف (٥/ ٦٧)، كشاف القناع (٣/ ٢٨٩) مطالب أولي النهى (٢/ ٢٠٨، ٢٠٩).
(٤) انظر: المبسوط (١٢/ ٢٣٨ - ٢٣٩)، بدائع الصنائع (٥/ ٢١٠)، الهداية شرح البداية (٣/ ٧٢، ٧٣)، المحيط البرهاني (٧/ ١٧٨) تبيين الحقائق (٤/ ١١٣)، فتح القدير (٧/ ٨٤).
(٥) الإجماع (ص: ١٣٥)، الأوسط (١٠/ ٣٠٥) طبعة الفلاح.
(٦) بحر المذهب (٥/ ١٧١).
(٧) المصدر السابق.
[ ١ / ٤٠٦ ]
يحيى التميمي، لا يرى الصلاة فيه، ويذهب إلى أنه دم وميتة؛ لسقوطه لما من حي حتى لما مات أرسل ابن طاهر مسكًا، فامتنعوا من استعماله فيه؛ لكراهته له في حياته.
ورد الشافعي هذا القول بأن المسك تستحيل إلى طيب، فكان طاهرًا؛ كاللبن والبيض والولد، وإنما النجس ما استحال إلى نتن كالبول والرجيع والدم، فإنه ليس من الطيبات، وبالخبر الذي ورد فيه، وبالإجماع قال الشافعي: «لم أرَ الناس عندنا اختلفوا في إباحته قط» (^١).
والعنبر: وهو نبات يخلقه الله في حشاف في البحر، وقد يجده حوت أو طير فيأكله.
وقيل: أنه لا تأكله دابة إلا ماتت، فيموت الحوت الذي يأكله، فينبذه البحر، فيوجد فتشق بطنه ويستخرج منه.
قال الشافعي: فيغسل ما ظهر منه إن أصابه شيء من أذاه؛ لأنه متجسد غليظ، ولا أعلم أحدًا خالف في بيعه قال الأصحاب: يصفه، فيقول: عنبر أشهب أو أخضر أو أبيض، وبلده إن كان يختلف بها، وقطعة أو قطعتين أو قطعًا أو فتاتًا، فإن شرط قطعًا فأحضر فتاتًا لم يقبل، ويذكر فيه وفي غيره من أنواع العطر العامة: الوزن، والنوع؛ ويجوز الكافور، واللبان، والمصطكى، وصمغ الشجر كله، والطين الأرمني، والمختوم، وطين البحيرية إن وجد عدلان يعرفانها، فإنه قل مَن يعرفها على الحقيقة، والشب، والكبريت، وعود البخور إذا لم يكن رطبًا، وحجارة الكحل، ولبن الآدميات، والوحوش كالضبع، والثعلب، والفهد، والصقر، والشاهين إذا كانت مأمونة الانقطاع، والطين، والجص، والنَّوْرة، وحجارة الأرجية، والأبنية، والسم الذي يدخل الأدوية كالسقمونيا،
_________________
(١) الأم (٣/ ١١٥).
[ ١ / ٤٠٧ ]
والزنجبيل، وغيره مما لا يقتل قليله؛ فأما ما يقتل قليله، فالصحيح منع بيعه، وفيه وجه: أنه يجوز بيعه لقتل الكفار به.
ويجوز في الذوقي السلم في الطلع وجهان في «البحر» أصحهما: الجواز (^١).
قال الروياني: «ويجوز في الدروع والحلي مجوفًا ومصمتًا ما لم يُحْشَ برمل، ولا يكون رأس المال ناضًّا» (^٢).
«ولا يجوز في العود الرطب ولا في التوتيا الهندي؛ لأن وجودهما نادر» (^٣).
قلت: إن كان وجودهما في محلهما غالبًا، فيجوز السلم في ذلك المحل، ولا يجوز في كل ما له كمام من أرز، وعلس، وحنطة وذرة؛ لاستتاره، نص عليه، ولا في الكَرِش مع ما تعلق به، قاله الروياني (^٤).
وهذه الأمثلة كلها مجموعة من كلام الشافعي والأصحاب، ولم أذكر إلَّا ما ذكروه، وسيأتي غير ذلك.
فرع: أطلق المصنف جواز السلم في البلور، والمعيار فيه الوزن، وقال الماوردي: إنه إن كان عتيقًا، لم يجز السلم فيه.
* * *
_________________
(١) بحر المذهب (٥/ ١٢٩).
(٢) المصدر السابق (٥/ ١٣٣).
(٣) المصدر السابق (٥/ ١٦٢).
(٤) المصدر السابق (٥/ ١٤٨).
[ ١ / ٤٠٨ ]
قال: