وإن اختلفا في شرط الخيار أو الأجل أو الرهن أو في قدرها تحالفا لما ذكرناه في الثمن.
ما تقدم من الاختلاف كان فيما لا يخلو العقد عنه كالثمن والمبيع، والمقصود هنا اختلافهما فيما يمكن خلو العقد عنه، كشرط الخيار إما ثلاثًا أو أقل، أو شرط (^١) الأجل أو الرهن بالثمن أو في قدر كل من ذلك أو شرط الإشهاد أو الضمين، ويكون دعوى كل منهما لا ينافي صحة العقد.
فمذهبنا أنهما يتحالفان كما تقدم، نص عليه الشافعي والأصحاب، ولا يكاد يعرف في المذهب خلاف في ذلك إلَّا أن المزني في "المختصر" في كتاب الإقرار نقل عن الشافعي أنه قال في المتبايعين: "إذا اختلفا في الخيار أن القول قول البائع مع يمينه" (^٢).
وابن داود في "شرحه" قال: بل يتحالفان. لكن نقل المزني عن الشافعي لا يرد بمثل هذا القول من ابن داود، فينبغي أن يتثبت في ذلك أو يُؤوَّل
_________________
(١) كرر هنا كلمة: "أو شرط". وهي زيادة.
(٢) مختصر المزني (٨/ ٢١٣).
[ ١ / ٢٢٤ ]
الكلام على أن القول قول البائع، فيحلف ثم يحلف المشتري إن لم يوافق، وذلك هو التحالف حتى يوفق بينه وبين المشهور في المذهب، ويكون مراد المزني أن البائع إذا قال: بعت بشرط الخيار لا ينقض إقراره، ويلزمه البيع بلا خيار، وهذا - والله أعلم - مراد المزني، فإنه احتج بذلك بعد تبعيض الإقرار، فلا جرم لا يتوهم منه جريان خلاف للشافعي، نعم، نقل الهروي عن ابن سريج أنه لا يثبت التحالف إذا اختلفا في الخيار والأجل، بل القول قول البائع.
وكذلك قال أبو حنيفة (^١): لا يتحالفان؛ لأن هذه الأشياء قد يخلو العقد عنها، ولأن مقصود العقد العوضان، وهذه الأشياء ليست هي المقصود منه، وأقوى ما يتقوى به مذهبه العلة الأولى، فإن قول المنكر لهذه الشروط معتضد بالأصل؛ لاتفاقهما على العقد واختلافهما في انضمام شيء إليه والأصل عدمه.
لكن أصحابنا أثبتوا التحالف في ذلك؛ تمسكًا بإطلاق الحديث الذي استدلوا به، وبأن صفات العقد ملحقة بأصله، فكان لها حُكمه في التحالف، وبأن هذه الشروط تأخذ قسطًا من الثمن، فصارت كأجزاء الثمن، وبأنها قد تكون مقصودة، ولذلك يشترط، وكون العقد قد يخلو عنها منقوض بالاختلاف في قدر المبيع والثمن، فإن الزيادة قد يخلو العقد عنها. واعلم أن الاختلاف في المقدار في هذه الأمور كالاختلاف في مقدار الثمن سواء، وليس أحد منهما معضودًا بأصل، فإن من يدعي شرط خيار يوم مخالف لمن يدعي خيار يومين من غير إلحاق.
وأما الاختلاف في الأصل، فمن ينكر شرط الخيار لا ريبة في أن الأصل معه، وغاية ما يدفع ذلك بأن المنكر مدَّع ورود البيع من غير شرط، لكنا
_________________
(١) انظر: البحر الرائق (٧/ ٢١٩)، حاشية ابن عابدين (٥/ ٥٥٩).
[ ١ / ٢٢٥ ]
نقول: أن قوله راجح بالأصل، فالوجه التمسك بإطلاق الحديث أو تقرير إلحاق الصفات بالأصل.
ولا غنى عن أن يتمسك أيضًا بأن القول قول البائع في صفة البيع الذي يدعى عليه، وهو إنما أقر ببيع موصوف بصفة، فدعوى بيع موصوف بصفة أخرى مخالف للأصل، ويدخل في هذه الشروط أيضًا شرط البراءة إذا صححنا العقد معه، وكذا شرط العتق، وكذلك الاختلاف في الكفيل أو قدره؛ إما من جهة المشتري بالثمن، وإما من جهة البائع بالعهدة، فكل ذلك يقتضي التحالف عندنا، وكذلك إذا قال: بعتني هذا الثوب على أنه هروي، فقال: بل على أنه مروي، أو العبد على أنه تركي، فقال: على أنه نوع آخر، فإن التحالف يجري.
قال الغزالي: "وكل شرط يقبله العقد" (^١)، وهذه العبارة شاطة فلا حاجة إلى تعدادها ولو قال المشتري: بعتني هذا العبد بشرط أنه كاتب وأنكره البائع، فوجهان:
أصحهما في "التتمة": أنهما يتحالفان.
والثاني: أن القول قول البائع.
فرع (^٢)
لو اتفقا على شرط الأجل وقدره، واختلفا في انقضائه، فالقول قول من يدعي بقاءه؛ لأنه الأصل، ففي بيع الأعيان: القول قول المشتري؛ لأن الأجل حقه، وفي السلم: القول قول البائع، وهو المسلم إليه؛ لأن الأجل حقه هذا هو المنقول، ونسبه الفوراني إلى النص، والأمر كما نسبه؛ لأن في "الأم" في باب اختلاف المسلف والمسلف في الثمن
_________________
(١) الوسيط في المذهب (٣/ ٢٠٦).
(٢) في المخطوطة: "فسر"، ولعل الصواب ما أثبتناه.
[ ١ / ٢٢٦ ]
قال: "ولو تصادقا على البيع والأجل فقال البائع: لم يمض من الأجل شيء، أو قال: مضى منه شيء يسير، وقال المشتري: بل قد مضى كله، أو لم يبق منه إلَّا شيء يسير كان القول قول البائع مع يمينه، وعلى المشتري البينة" (^١). انتهى.
وهذا لا خلاف فيه؛ لأنهما لم يختلفا في صفة العقد، بل اتفقا على المبيع والثمن والأجل هكذا علله الشافعي في بقية كلامه، وشبهه برجل استأجر رجلًا سنة بعشرة دنانير، فقال الأجير: قد انقضت، وقال المستأجر: لم يمض، فالقول قول المستأجر، وعلى الأجير البينة.
وفي "مختصر البويطي" في باب السلف: "وإذا اختلف المتبايعان في السلف فقال هذا: أسلمت إليك درهمًا في كُرٍّ إلى رمضان، وقد انقضى، وقال الآخر: لم ينقض بعد، تحالفا وانفسخ السلم" (^٢).
وهذا النص ظاهره يوهم خلاف ما تقدم، ولكن يجب تأويله على أن الآخر ادعى أجلًا لم ينقض غير ما ادعاه الأول حتى يكون ذلك اختلافًا في السلف، كما صدَّر المسألة به، وحينئذٍ يتحالفان.
وأما القسم الأول فحقيقة الاختلاف فيه راجعة إلى الخلاف في وقت العقد، فإنه إذا أسلمت إليك إلى شهر قد انقضى، فقال: إلى شهر لم ينقض، فالشهر متفق عليه والنزاع في وقت صدور العقد، فمن ادعى تقدمه عليه البينة؛ فلذلك لم يتحالفا.
* * *
_________________
(١) الأم (٣/ ١٣٩).
(٢) مختصر البويطي (ص: ٦٢١).
[ ١ / ٢٢٧ ]
قال المصنف ﵀:
وإن اختلفا في شرط يفسد البيع، ففيه وجهان بناء على القولين في شرط الخيار في الكفالة:
أحدهما: أن القول قول من يدعي الصحة؛ لأن الأصل عدم ما يفسد.
والثاني: أن القول قول من يدعي الفساد؛ لأن الأصل عدم العقد، فكان القول قول من يدعي ذلك.
المنصوص للشافعي ﵀ في هذه المسألة في "البويطي" أن القول قول من يدعي الصحة، فإنه قال في باب السلف: وإذا أسلفه في كُرٍّ واتفقا على الشهر الذي يقبضه وادعى له الخيار لم أقبل منه، وكذلك كل شيء أدخل في السلف مما يفسخ به السلف، ثم قال بعد ذلك: وأن الذي لا يفسد إذا اتفقا على الثمن والبيع على الأجل، ثم أدخل أحدهما في ذلك شيئًا يريد به إبطال السلف مثل أن يقول: زق خمر، ومثل أن يقول: قد كان بيني وبينك شرط متى شئت أعطيتك الطعام، ومتى شئت فسخت البيع، وما أشبهه لم يكن له أن يبطله بالكلام، ولذلك نقل القاضي أبو الطيب وغيره عن نصه في "البويطي" القول بالصحة.
وجزم به الشيخ أبو حامد، والمحاملي، والبندنيجي فيما حكى عنه، وصححه الغزالي (^١) والمنقول عن صاحب "التقريب": أن القول قول من يدعي الفساد حكاه عنه الخراسانيون القاضي حسين، والفوراني ومن
_________________
(١) الوسيط في المذهب (٣/ ٢٠٦).
[ ١ / ٢٢٨ ]
تبعهما، وهو الذي قطع به الماوردي في "الحاوي" (^١)، وتبعه ابن أبي عصرون في "المرشد" و"الوجهان".
قال القاضي أبو الطيب بعد حكايته نص "البويطي" أن أبا علي قالهما في "الإفصاح"، وأن نص الشافعي في الكفالة يدل عليهما، فاقتصر المصنف على حكاية الوجهين تبعًا لصاحب "الإفصاح"، وعلى بنائهما على شرط الخيار في الكفالة تبعًا للقاضي أبي الطيب، وقد حكى الخلاف في "التنبيه" (^٢) قولين، فيحتمل أن يكون اطلع على نص آخر مخالف لما في "البويطي"، ويحتمل أن يكون أطلق عليهما القولين؛ لأن أحدهما منصوص، والآخر مخرج، لكن المنقول عنه أن المخرج لا ينسب إلى الشافعي.
وقد نقل الفوراني عن شيخه؛ وهو القفال أن في المسألة قولين بناء على القولين، فمن أقر بمال وقرن به ما يسقطه، وزعم بعضهم موافقة ذلك لما في "التنبيه"، لكن المفهوم من عبارة الفوراني هذه أنه أطلق القولين على المخرجين بقرينة البناء المذكور، ويؤيده أن القاضي الحسين نقل ذلك عن القفال وعبارته: أنه جعلها على وجهين، وذكر الأصحاب للخلاف أصلين: أحدهما: ما ذكره القاضي أبو الطيب وتبعه المصنف فيه، وهو أن الشافعي (^٣) قال في كتاب الإقرار فيمن كفل ببدن رجل، ثم اختلفا فقال الكفيل: تكفلت على أني بالخيار ثلاثًا، وأنكر المكفول له شرط الخيار، ففيه قولان:
أحدهما: أن القول قول الكفيل مع يمينه، وتفسد الكفالة.
_________________
(١) الحاوي الكبير (٥/ ٣٠٦).
(٢) التنبيه (ص: ٩٧).
(٣) الأم (٧/ ١٠٦).
[ ١ / ٢٢٩ ]
والثاني: أن القول قول المكفول له مع يمينه، وتكون الكفالة صحيحة، ويطالب بتسليم المكفول ببدنه.
والأصل الثاني: ما تقدم عن القفال أن أصلهما القولان، فيمن قال لفلان: علي ألف من ثمن خمر، هل يؤاخذ بأول كلامه أم يقبل كونه من ثمن خمر ويلغو؟! فإن قلنا: بالثاني، فالقول قول مدعي الفساد، وإن قلنا: بالأول، فالقول قول مدعي الصحة.
ونقل الرافعي ﵀، عن الأئمة تخريج الوجهين على هذين الأصلين، ثم قال: "ولمخرج أن يخرج الوجهين على قولي تقابل الأصل والظاهر" (^١).
قلت: أما الأصلان اللذان ذكرهما القاضي (^٢) أبو الطيب والقفال فهما راجعان إلى شيء واحد، وهو أنا هل نعتبر كلام المقر بجملته أو نبعِّضه، فإن اعتبرناه بجملته قبلنا قول مدعي الفساد، وإن بعَّضنَا، فالقول قول مدعي الصحة، فليس بين ما ذكره أبو الطيب وما ذكره القفال اختلاف إِلَّا في المثال خاصة، ويدلك على ذلك لفظ المزني في "المختصر" الذي تمسك به القاضي أبو الطيب، فإنه قال: ولو أقر أنه كفل له بمال على أنه بالخيار وأنكر المكفول له الخيار، فمن جعل الإقرار واحدًا أحلفه على الخيار وأبرأه؛ لأنه لا يجوز بخيار.
ومن زعم أنه يبعض إقراره ألزمه ما نصره، وأسقط ما ادعى المخرج به، ولعل هذا مستند المصنف في حكايته الخلاف في المسألة قولين في "التنبيه" (^٣)، فإن هذا أيضًا مثال من جملة الأمثلة التي يقال فيها بتبعيض الإقرار وباتخاذه، وقد ثبت القولان في القاعدة، فيجري في جميع أمثلتها،
_________________
(١) فتح العزيز (٩/ ١٦٦).
(٢) كرر هنا كلمة "القاضي" وهي زيادة بدون فائدة.
(٣) التنبيه (ص: ٩٧).
[ ١ / ٢٣٠ ]
ويكون القاضي أبو الطيب أراد التنصيص على المسألة المنقولة عن الشافعي.
والقفال ذكر مثالًا آخر من تلك القاعدة، وكل ذلك راجع إلى أصل واحد، وليس هذا من الأقوال المخرجة التي يمتنع المصنف من نسبتها إلى الشافعي.
وأما الذي ذكره الرافعي من التخريج على قولي تقابل الأصل والظاهر، فليس فيه مخالفة لذلك وكلاهما صحيح، فإن المقصود بما تقدم ذكر أصل الوجهين من كلام الشافعي؛ إثباتًا لنقلهما في المذهب، ثم بعد ذلك يتصدى للنظر في توجيههما، وكذلك نقل القاضي أبو الطيب فوجههما بعد ثباتهما على مسألة الكفالة وجه قول مدعي الصحة بالظاهر، وقول مدعي الفساد بالأصل.
والمصنف وجه كلًّا منهما بالأصل وجعلهما من تقابل الأصلين، وكلا المسلكين صحيح.
أما الأول: فلأن الظاهر من العقود الصادرة من أربابها أنها على الصحة والسلامة، والأصل عدم العقد بينهما، فكان ذلك من باب تقابل الأصل والظاهر.
وأما الثاني: فلأنه كما أن الأصل عدم العقد الصحيح، كذلك الأصل عدم الشرط المفسد، فكان ذلك من باب تقابل الأصلين.
وبهذا التقرير يعلم أن جانب الصحة اجتمع فيه أمران: الأصل والظاهر، وجانب الفساد اعتضد بأصل مجرد، فلذلك كان الأصح أن القول قول مدعي الصحة ترجيحًا للأصل، والظاهر على الأصل وحده، لكن ما ذكره القاضي أبو الطيب والرافعي من التخريج على الأصل، والظاهر مطرد في جميع الصور.
[ ١ / ٢٣١ ]
وما ذكره المصنف من التخريج على الأصلين لا يطرد، فإن الشرط الذي وجوده مفسد يصح أن يقال: الأصل عدمه، وفيه يتجه ما قلناه ويقوي قول مدعي الصحة.
وأما الشرط الذي عدمه مفسد كالرؤية، فالأصل عدم الرؤية، وذلك يقتضي الفساد، وقول مدعي الصحة لا يعضده أصل، وإنما يعضده ظاهر، فلا جرم قبول قول مدعي الفساد هنا أظهر منه في القسم المتقدم، وعند هذا يقول: الاختلاف في الصحة والفساد له مراتب:
الأولى: أن يجري الاختلاف في صفة المعقود عليه، مثل: أن يقول العبد الذي وقع العقد عليه: كان حرًا، أو حر الأصل، أو الأمة: كانت أم ولد، أو المبيع: كان ملكًا لغير البائع.
فالذي جزم به القاضي أبو الطيب، وابن الصباغ، وغيرهما من العراقيين أن القول قول مدعي الصحة، وجعلوا ذلك أصلًا فأثبتوا عليه أحد الوجهين هنا، وكأنهم يرون أن ذلك لا خلاف فيه، وذلك لأن قول مدعي الفساد في هذه المرتبة لم يعتضد بأصل، فاعتضاد قول مدعي الصحة بالظاهر سالم عن المعارض، وليس هنا تقابل أصلين ولا أصل وظاهر، وأيضًا فإن مقتضى الإقدام على شراء العبد الاعتراف برقِّه، هذا ما ذكره هؤلاء.
لكن الجرجاني في "الشافي" قال فيما إذا قال المشتري: بعتني هذا العصير وهو خمر، وقال البائع: بعتكه وهو عصير، ثم صار خمرًا، أن القول قول من يدعي الفساد؛ لأن الأصل عدم العقد ولم يحك في ذلك خلافًا، والرافعي (^١) جعلها من صور الاختلاف في الصحة والفساد، وأظن ذلك تفقهًا منه لا نقلًا ولا ملمح فرق بين ذلك وبين الاختلاف في ملك المبيع إلَّا أن الموجود في يد البائع خمر، ودعوى كونه كان عند العقد
_________________
(١) فتح العزيز (٩/ ١٦٦).
[ ١ / ٢٣٢ ]
عصيرًا على خلاف الظاهر، بخلاف الحرية وعدم ملك المبيع ليس معنا دليل عليه، فلم نقبل قول مدعيه، لكن ملاحظة هذا المعنى تقتضي الجزم بقبول قول مدعي الفساد، كما قاله الجرجاني أو ترجيحه، ومقتضى تخريج الرافعي على ما سبق أن الأصح قبول قول مدعي الصحة.
وقال الروياني في "البحر": "إذا كان في يد المشتري خل، فقال: باعنيه خمرًا وصار في يدي خلًّا، وقال: ما بعته إلَّا خلًّا، فالقول قول المشتري ولا بيع بينهما" (^١)، وهذا مشكل جدًّا، فإن وجوده الآن خلًّا يصدق لدعوى الصحة بالطريق الذي قررت بها كلام الجرجاني، والرافعي فيما إذا كان الآن خمرًا، وقياس ذلك قبول دعوى الصحة، فالجزم بقبول دعوى الفساد لخل، ويعسر الفرق بينه وبين دعوى حرية المبيع، إلَّا أن يحمل ما قاله الروياني على أن البائع لم يوافقه على أنه باعه ذلك، وإنما باعه خلًّا آخر، فيتجه ما قاله، ولا يبقى مما نحن فيه؛ لعدم تواردهما على شيء واحد. المرتبة الثانية: أن يختلفا في صفة العقد، فيدعي أحدهما وروده على وجه مفسد، وهذا على قسمين أن يكون المفسد زائدًا بحيث لو لم يوجد؛ لصح العقد بما اتفقا عليه كالاختلاف في شرط أجل مجهول أو خيار مجهول أو زائد على الثلاث، وكل شرط يقتضي انضمامه للعقد فساد العقد، أو في انضمام فاسد إلى الثمن كخمر ودراهم ثمنه أو غير ذلك مما لا يصح بيعه، ويدعي الآخر البيع بما هو قابل للبيع، فهذا محل الخلاف المتقدم، والأصح فيه قول مدعي الصحة.
أما في الشروط فلاعتضاده بالأصل، والظاهر على ما قدمناه هو أخذ صور تبعيض الإقرار وصاحب التهذيب صحح هذا الباب: أن الإقرار لا يتبعض، وأن القول قول مدعي الفساد، والأصح عند الجمهور خلافة فيهما.
_________________
(١) بحر المذهب (٥/ ١٦).
[ ١ / ٢٣٣ ]
القسم الثاني: أن يدعي أحدهما أن الثمن كله فاسد، كما إذا قال: بعتك بألف درهم، فقال: بل بخمر، ففيه طريقان: أحدهما: إجراء الوجهين كما تقدم، والثانية: أن القول قول مدعي الفساد بلا خلاف نقلها صاحب "التهذيب" (^١)؛ لأنه لم يقر بشيء يلزمه، ولك أن تقول: هو أقر بالبيع والأصل عدم ورود البيع بما يدعيه كل واحد من الثمن وجانب الصحة معتضد بالظاهر على ما تقدم.
المرتبة الثالثة: أن يختلفا في شيء يكون وجوده شرط لصحة العقد كالرؤية، فالذي جزم به القاضي حسين أن المشتري إذا قال: لم أر المبيع، إن القول قوله؛ لأن الأصل عدم الرؤية.
وقال الغزالي في "فتاويه": القول قول البائع؛ لأن إقدام المشتري على العقد اعتراف بصحته.
وقال النووي في "الروضة" (^٢): إنها مسألة اختلافهما في شرط مفسد، وأن الأصح أن القول قول مدعي الصحة، وعليه فرعهما الغزالي (^٣)، وما ذكره القاضي حسين أظهر، أما إذا قلنا: ليست الرؤية بشرط، واختلفا هكذا لأجل ثبوت الخيار.
قال الغزالي: الأصح أن القول قول المشتري، وهو ظاهر، ومن جملة ما استدل به الأصحاب؛ لقبول قول مدعي الصحة القياس على من فرغ من الصلاة، ثم شك هل ترك ركنًا، فإنه لا يجب عليه الإتيان به؛ لأن الظاهر صحة الصلاة، التفريع إذا ادعى البائع ثمنًا صحيحًا، والمشتري ثمنًا فاسدًا، وقبلنا قول مدعي الصحة، فكيف نعمل؟!
_________________
(١) التهذيب (٣/ ٥٠٥).
(٢) روضة الطالبين (٤/ ٣٩١).
(٣) الوسيط في المذهب (٣/ ٢٠٦).
[ ١ / ٢٣٤ ]
قال القاضي حسين: لا يمكننا أن نجعل القول قول البائع، فالوجه أن يقال بحبس المشتري حتى يبين ما يكون ثمنًا، وجعل قبول قول مدعي الصحة مطردًا إِلَّا في هذه المسألة.
وقال صاحب "التتمة": إذا قلنا: القول قول مدعي الصحة، فإن اتفقا على أن إيجاب البائع سابق، فيحكم بصحة العقد؛ لأنه إذا أسقط تسمية الخمر يبقى قوله: اشتريت، فيترتب على إيجاب البائع، وإن اتفقا على أن لفظ المشتري سابق، فلا يصح العقد؛ لأن قوله: اشتريت لا يوجب حكمًا ما لم يكن معه ذكر الثمن، وإن اختلفا في السابق منهما، فالمسألة على وجهين:
أحدهما: القول قول مدعي الصحة.
والثاني: القول قول مدعي الفساد.
وقد يستشكل قوله: بالفساد تفريعًا على القول بالصحة، وأجاب ابن الرفعة: بأن ذلك عند الإمكان، أما إذا لم يمكن فنقول: ارجع إلى القول الآخر، كما هو رأي بعض الأصحاب في أقوال الاستعمال عند تعارض البينتين إذا صرنا إلى قول منها، فلم تمكن في بعض الصور يعدل إلى الآخر في الاستعمال، ولا نقول بالتساقط.
قلت: وما قاله القاضي حسين أقوى مما قاله صاحب "التتمة".
فرع
إذا ادعى أحدهما البيع بألف، وقال الآخر: بل بخمسمائة وزق خمر، وقلنا: القول قول مدعي الصحة، قال في "التتمة":
فيحلف بالله ما كان في العقد تسمية الخمر، فينتفي ذلك وتبقى المنازعة بينهما في قدر الثمن فيتحالفان، وكذا قال صاحب "التهذيب" تفريعًا على قبول قول مدعي الصحة.
ونقل ابن الرفعة عن "مختصر البويطي": "أنه إذا قال: اشتريت بألف،
[ ١ / ٢٣٥ ]
فقال: بل بعت بألف وزق خمر أو جلد ميتة، وما أشبه ذلك تحالفا وتفاسخا؛ لأن هذه زيادة ادعاها رب الثوب حرامًا كانت أو حلالًا" (^١).
قلت: وجريان التحالف في هذه الصورة مشكل، وليست هذه كالصورة التي قالها صاحب "التتمة"؛ لأنا إذا أسقطنا الخمر في هذه الصورة صار الثمن بدعواهما ألفًا، فلا اختلاف ولا تحالف بخلاف المسألة الأولى فليتأمل ذلك.
فرع
إذا فرعنا على قبول قول مدعي الصحة، فقد يكون مدعيًا شرطًا صحيحًا مخالفًا لما ادعاه الآخر من الشرط المفسد، كما إذا قال البائع: بعتك بشرط أجل مجهول، فيفسد العقد، فيقول المشتري: بل بأجل إلى سنة، وقياس قبول قوله على ما يقتضيه إطلاق القاضي حسين فيما تقدم أن يقبل قوله، ويثبت الأجل الذي ادعاه، وكذلك في سائر الشروط.
أما حيث لا يصدر من مدعي الصحة إلَّا إنكار الشرط الفاسد فقط بقبول قوله ظاهر، وليعلم أنا قدمنا أن الذي ينكر الشرط الفاسد الوجودي قوله معتضد بالأصل والظاهر معًا، وذلك فيما إذا اقتصر على الإنكار.
أما إذا ادعى شرطًا صحيحًا مخالفًا له، فيمتحض الظاهر في جانبه، ولا يبقى إلَّا تقابل الأصل والظاهر فقط؛ ولذلك قلنا: إن ما قاله أبو الطيب والرافعي مطرد في سائر الصور، وما قاله المصنف غير مطرد.
تنبيه:
نقل الرافعي (^٢) عن ابن الصباغ، أنه اختار أن القول قول مدعي الصحة،
_________________
(١) كفاية النبيه (٩/ ٣١١). بمعناه.
(٢) فتح العزيز (٩/ ١٦٤).
[ ١ / ٢٣٦ ]
ولا شك أن كلامه في "الشامل" مائل إلى ذلك، فإنه نقل نص البويطي واستدل له، وذكر بعد ذلك الخلاف، ولكن ليس في عبارته تصريح باختياره.
تنبيه:
ما تقدم من الكلام ينبهك على صورة المسألة فيما إذا لم يصدر إقرار متقدم بمطلق البيع، بل أقر به مقترنًا بالمفسد حتى يكون ذلك من باب تعقب الإقرار بما يرفعه، أما لو أقر بالبيع مطلقًا، ثم ادعى بعد ذلك أنه كان مقترنًا بشرط مفسد لم يسمع جزمًا، إلا أن يقال: إن الإقرار بالبيع لا يستلزم الإقرار بصحته، ويكون البيع صادقًا على الصحيح والفاسد.
فرع
إذا باع الثمرة قبل بدو الصلاح ثم اختلفا هل شرط القطع أو لا؟!
فالقياس أنه كاختلافهما في الرؤية، وقد تقدم حكمه، ولم أر في هذه نقلًا.
* * *
[ ١ / ٢٣٧ ]
قال المصنف ﵀:
وإن اختلفا في الصرف بعد التفرق، فقال أحدهما: تفرقنا قبل القبض، وقال الآخر: تفرقنا بعد القبض ففيه وجهان:
أحدهما: أن القول قول [مدعي] (^١) التفرق قبل القبض؛ لأن الأصل عدم القبض.
والثاني: أن القول قول من يدعي التفرق بعد القبض؛ لأن الأصل صحة العقد.
قطع الماوردي (^٢) بأن القول قول من ينكر القبض ويبطل العقد، وفصل ابن أبي عصرون، فقال: إن كان ما باع كل واحد منهما في يده، فالقول قول من يدعي عدم حصول القبض؛ لأن الحال يشهد به، وإن كان المالان في يد أمين لا تعلم الحال، أو في موضع التبايع، فالقول قول من يدعي حصول القبض؛ لأن الأصل صحة العقد ووجود ما يقتضيها، وكذلك لو أقام كل واحد منهما بينة قدمت بينة الصحة؛ لأن معها زيادة علم، هكذا ذكر في "الانتصار"، ووقع في النسخة [التي] (^٣) وقفت عليها من "المرشد" في القسم الأول: أن القول قول من يدعي حصول القبض، فنقله ابن الرفعة (^٤) عنه كذلك، وجعل القول قول من يدعي حصول القبض في القسمين، وذلك محمول على غلط من النسخة سقط منها "عدم" من النسخة التي رأيتها، ومن النسخة التي وقعت لابن الرفعة، وليس في "المرشد"
_________________
(١) في المطبوع من المهذب: "من يدَّعي".
(٢) الحاوي الكبير (٥/ ٣٠٥).
(٣) زيادة يقتضيها السياق.
(٤) كفاية النبيه (٩/ ١٣٤).
[ ١ / ٢٣٨ ]
تعليل مرشد إلى المعنى، فلذلك وقع الوهم لابن الرفعة، وأما "الانتصار" فوقع الكلام فيه على الصواب.
فالقسم الأول: الماوردي وابن أبي عصرون متفقان على أن القول قول من ينكر القبض، ويختلفان في القسم الثاني، وعضد ابن الرفعة ما قاله ابن أبي عصرون بما حكاه ابن الصباغ في السلم فيما إذا اختلفا في قبض رأس المال قبل التفرق أو بعده: أن القول قول من يدعي الصحة، قال: ولم يحك سواه وطرده فيما إذا كان في يد المسلم وادعى المسلم إليه أنه أودعه إياه أو غصبه.
قلت: فابن الصباغ يخالف الماوردي في القسمين بمقتضى كلامه، وإن لم يتكلم في عين المسألة، واعلم أن كلام المصنف وغيره مطلق، ولابد من التفصيل، فإن اتفقا على التفرق واختلفا في أصل القبض فادعاه أحدهما وأنكره الآخر فيترجح الحكم بأن القول قول المنكر؛ لأن الأصل عدم القبض، ومعارضة هذا بأن الأصل صحة العقد ضعيفة، وإن كان محتملًا ومحل احتماله على ضعفه إذا ادعى أنه قبضه، ثم أعاده إلى يده بوديعة أو غيرها.
أما إذا ادعى البائع أن المشتري قبض واستمر في يده، والمشتري منكر، فلا أعتقد أن أحدًا يقبل قول البائع على المشتري في هذه الصورة، وإن اتفقا على التفرق والقبض جميعًا ولكن اختلفا في السابق، فها هنا يتقابل الأصلان ويظهر الحكم بصحة العقد؛ لأن الأصل عدم سبق التفرق، والأصل عدم سبق القبض فيتعارضان، ويبقى الأصل صحة العقد سالمًا عن المعارض.
ويحتمل: أن يقال: القبض في الربويات شرط، فلا بد من تحققه، والأول أظهر؛ لأن الصحة ناجزة قبل القبض، وأن يوقف اللزوم عليه، وليس ذلك كما لو اتفق الزوجان على الرجعة وانقضاء العدة، واختلفا في
[ ١ / ٢٣٩ ]
السابق.
أما أولًا: فلأن قول كل من المتبايعين في التفرق والقبض لو انفرد غير مقبول، وقول الزوج في الرجعة والمرأة في انقضاء العدة بمفرده مقبول.
وأما ثانيًا: فلأن التعارض موجب؛ لأنا لا نثبت الرجعة بالشك هنا، وكذا لا ينفسخ البيع بالشك هنا، فيبقى كل على ما كان عليه.
وهذان القسمان يندرجان في قول المصنف إن اختلفا بعد التفرق، فالوجهان جاريان في القسمين، وهما وإن كانا مطلقين في كلام المصنف وغيره، ولكن الأول أرجح في القسم الأول، والثاني أرجح في الثاني، وإن اتفقا على القبض واختلفا هل تفرقا أو لا، فالقول قول المنكر للتفرق ويصح العقد، ومعارضة هذا بأن الأصل عدم القبض ضعيفة.
وليس في كلام المصنف ولا غيره ما يقتضي جريان خلاف في هذا القسم، وسيأتي في نظيره في الخيار أن القول قول منكر التفرق قطعًا، وقياسه القطع هنا أيضًا، فإن القول قول منكر التفرق، وإن كان الرافعي أورد سؤالًا ستقف عليه.
وهذا التفصيل والتمييز بين الأقسام لا بد منه، فالأولان محل الخلاف، والثالث لا خلاف فيه إلا ما سيأتي من إشكال الرافعي.
وقد ذكر الروياني (^١) في نظير المسألة من السلم أن القول قول مدعي الصحة، وأن بينته تقدم عند التعارض، وسنذكره في باب السلم إن شاء الله تعالى.
* * *
_________________
(١) بحر المذهب (٥/ ١٦).
[ ١ / ٢٤٠ ]
قال المصنف ﵀:
وإن اختلفا بعد التفرق فقال أحدهما: تفرقنا عن تراضٍ، وقال الآخر: تفرقنا عن فسخ البيع ففيه وجهان:
أحدهما: أن القول قول من يدعي التراضي؛ لأن الأصل عدم الفسخ وبقاء العقد.
والثاني: أن القول قول من يدعي الفسخ؛ لأن الأصل عدم اللزوم ومنع المشتري من التصرف.
هذه المسألة كالمسألة السابقة، غير أن ها هنا مدعي الفسخ لو انفرد قوله قبل بخلاف مدعي القبض إذا عرف ذلك، فالوجهان مشهوران في هذه المسألة.
وذكر القاضي أبو الطيب أن أبا عليّ ذكرها في "الإفصاح"، وأطلقها المصنف وغيره (^١) هكذا، فدخل في هذا الإطلاق صورتان:
إحداهما: أن يتفقا على التفرق ويختلفا في الفسخ، والذي يتجه فيها أن القول قول المنكر للفسخ؛ لأنه الأصل، ومعارضة هذا بأن الأصل عدم اللزوم، وإن كانت محتملة فهي بعيدة، وبذلك جزم القاضي الحسين، وقال: يحتاج أن يشهد شاهدي عدل أنه على ما ادعاه.
قلت: وهو نظير ما اتفق الزوجان على وقت انقضاء العدة، واختلفا في سبق الرجعة، فالأصح أن القول قول المرأة في إنكار الرجعة، وادعى صاحب "التقريب" أنه لا خلاف فيه.
_________________
(١) كرر هنا كلمة: "وغيره". وهي زيادة بدون فائدة.
[ ١ / ٢٤١ ]
الثانية: أن يتفقا على التفرق وصورة الفسخ، ويختلفا في السابق، فالأصل عدم التفرق قبل الفسخ، والأصل عدم الفسخ قبل التفرق، فهما أصلان متقابلان.
فقد يقال: إن وراءهما أصلًا آخر، وهو جواز العقد، ولم يتحقق انقطاعه قبل الفسخ؛ لأن تعارض الأصلين في تقدم التفرق على الفسخ وعكسه ألغى اعتبارهما فيتمسك بالأصل السابق، وهو جواز العقد ويقبل قول مدعي الفسخ، وهو نظير البحث الذي تقدم في القبض والتفرق، ورجحنا به قول مدعي الصحة فيما إذا اتفقا عليها.
وقد يقال: بأن ذلك معارض بأن الأصل دوام الملك، والعقد مقيض للُّزوم، ويؤول إليه بنفسه من غير احتياج إلى سبب جديد، فلو حكمنا بالفسخ لكنا قد حكمنا بالشك، وقطعنا الملك المستصحب وخالفنا ما اقتضاه العقد من اللزوم بلا دليل، وهذا بخلاف ما تقدم في القبض، فإن القبض في الصرف أمر وجودي لا بد منه لدوام الصحة والأصل عدمه.
والفسخ هنا أمر وجودي لا بد منه في ارتفاع العقد، فكان قياس القول بالفساد هناك القول باللزوم هنا، ولا جرم هو الذي صححه الرافعي (^١) كما يدل عليه إطلاق كلامه، وهو الراجح لما قلناه.
واعلم بعد ذلك أمورًا: أحدها: أن المصنف لم يفصل بين هاتين الصورتين، وكذلك الماوردي (^٢) والرافعي (^٣) وغيرهم، وذكروا الوجهين والأصح على ما قاله الماوردي في باب الربا، وابن أبي عصرون أن القول قول مدعي الفسخ، وهو قول صاحب "التقريب" على ما حكاه
_________________
(١) فتح العزيز (٩/ ٢٤٦).
(٢) الحاوي الكبير (٥/ ٨٠).
(٣) فتح العزيز (٨/ ٣٠٩).
[ ١ / ٢٤٢ ]
الخراسانيون.
والأصح عند الرافعي وغيره أن القول قول المنكر للفسخ، وهو جار في الصورتين لما قدمناه، وأما قول صاحب "التقريب" الذي صححه الماوردي وابن أبي عصرون، فلا شك أنه يقول به في الصورة الثانية؛ لأن دعوى الفسخ فيها أظهر منه في الأول.
وأما أنهم هل يقولون بذلك في الصورة الأولى أو لا؟! ففيه نظر في نظير هاتين الصورتين في الاختلاف في الرجعة وانقضاء العدة أن القول قول المرأة، وقياسه هنا أن يقول: القول منكر الفسخ، كما قاله الرافعي، وعندي أن ذلك لا يرد على صاحب "التقريب" إلا إذا ثبت عنه القول بذلك أعني بقبول دعوى الفسخ في الصورة الأولى هنا، فإنه في الرجعة قائل بقبول قول المرأة في الصورتين.
[وأما هنا، فإن إلى الثاني] (^١) أن الأصحاب قالوا في اختلاف الزوجين في الرجعة وانقضاء العدة أنه إن اتفقا على وقت الانقضاء، واختلفا في سبق الرجعة، فالقول قولها أو على وقت الرجعة واختلفا في سبق الانقضاء فالقول قوله، وإن تنازعا في السبق بلا اتفاق، فالأصح أنه إن سبق الرجل بدعوى الرجعة، فالقول قوله، وإن سبقت المرأة بدعوى انقضاء العدة، فالقول قولها، وإن ادعيا معًا صدقت المرأة، فهل يأتي هذا التفصيل ها هنا أو لا؟!
والجواب: بعضه يأتي وبعضه لا يأتي، وذلك أنا نقول هنا إن أتفقا على وقت التفرق واختلفا في سبق الفسخ، فالقول قول منكر الفسخ، وإن اتفقا على وقت الفسخ، واختلفا في سبق التفرق، فالقول قول منكر التفرق، وإن تنازعا في الفسخ والتفرق والسابق منهما من غير تعيين وقت، فإن سبق
_________________
(١) كذا في المخطوطة.
[ ١ / ٢٤٣ ]
أحدهما وادعى الفسخ، ثم ادعى الآخر سبق التفرق.
فقياس ما قالوه في الرجعة، أن يكون القول قول مدعي الفسخ؛ لأنه حالة دعواه الفسخ لم يكن له معارض، وقوله في الفسخ: مقبول، فيثبت الفسخ بقوله، ولا يقبل بعد ذلك قول مدعي التفرق، وإن سبق أحدهما وادعى التفرق، فلا نقول هنا: إن القول قوله؛ لأن التفرق لا يثبت بقوله وحده بخلاف انقضاء العدة، فهذا مما تفارق فيه هذه المسألة تلك، فإذا ادعى الآخر بعد ذلك الفسخ أو معه كان معارضًا لدعواه.
وقياس قولهم: إن القول قول المرأة في إنكار الرجعة أن يكون القول ها هنا قول مدعي اللزوم ومنكر الفسخ؛ لأن الفسخ نظير الرجعة، لكنا قدمنا عن صاحب "التقريب"؛ أن القول قضاء قول مدعي الفسخ، وهو من المصرحين في مسألة الرجعة أن القول قول المرأة؛ وكذلك أورد بعض الشارحين عليه.
وقال: كما وافق الأصحاب في الرجعة يلزمه موافقتهم هنا، وما قاله الأصحاب في الرجعة عامٌّ في الصورتين، وصاحب "التقريب" يصرح بذلك فيهما، ولم أتحقق عنه ها هنا هل يقول بقبول دعوى الفسخ في الصورتين، حتى يكون مخالفًا للرجعة من كل وجه أو في إحداهما، كما أشرت لذلك فيما تقدم، فالرافعي في ترجيحه هنا لقبول دعوى اللزوم مطلقًا موافق لظاهر ما قيل في الرجعة في الصورتين، وصاحب "التقريب" يحتمل أن يكون كذلك، ويحتمل أن يكون مخالفًا فيهما معًا.
فأما المخالفة في الصورة الأولى فلا وجه لها، وإن كان يقول بذلك، فيلزمه الإيراد الذي ورد عليه.
وأما المخالفة في الصورة الثانية، فلا بد من الفرق بينه وبين الرجعة على رأيه، والذي يتجه فيه أن سبق الرجعة معارض بسبق العدة، وعدم كل منهما
[ ١ / ٢٤٤ ]
معتضد بأصل، فالرجعة غير محققة والتحريم وتشعث النكاح محقق، والحكم بالبينونة من مقتضيات الطلاق الذي لم يثبت ارتفاع أثره، فلا جرم قوي قول المرأة، وتأكد بأن الأصل في الأبضاع الحرمة، ولم يلتفت إلى ما يحققانه من العصمة قبل الطلاق؛ لتحقق ورود الطلاق عليه المفضي إلى البينونة ما لم يثبت الرجعة.
وأما هنا فلما تعارض التفرق والفسخ ولم يثبت سبق واحد منهما بعينه، ومعنا جواز العقد، ونمكن كل منهما من الفسخ مستصحب هذا غاية ما يظهر له في الفرق وهو بعيد، فإن الأصل دوام، والعقد سبب ظاهر في اقتضاء اللزوم، ولم يتحقق ما يرفعه، فالأصول متعارضة ليس فيه ما يتخيل إلا حرمة الأبضاع، فلعلة الفرق عنده، هذا كله إذا اتفقا على التفرق.
أما إذا اختلفا في التفرق وهي صورة ثالثة لم يشملها كلام المصنف، كما إذا جاءا جميعًا إلى الحاكم، فادعى أحدهما التفرق وأنكره الآخر ليفسخ، أو كان قد فسخ، فالقول قوله في إنكار التفرق مع يمينه؛ لأن الأصل عدمه، ولا خلاف نعلمه في ذلك.
قال الرافعي: "ولك أن تقول: هذا بين إن قصرت المدة، ولكنها إن طالت فدوام الاجتماع خلاف الظاهر، وإن كان على وفاق الأصل فلا يبعد تخريجه على الخلاف المشهور في تعارض الأصل والظاهر، والأصحاب لم يفرقوا بين الحالتين" (^١).
قلت: وفي هذا نظر؛ لأنه إذا تعارض الأصل والظاهر، فكيف يقطع حق العاقد من الفسخ، وقد تحققنا من تمكنه منه، والظاهر المقتضي لرفعه معارض بالأصل، ويستصحب ما كان قبل ذلك، ولا يرفعه بالشك، وزاد ابن الرفعة على الرافعي، فقال: "إنَّ هنا ترجح قول من يدعي اللزوم؛ لأنه
_________________
(١) فتح العزيز (٨/ ٣٠٩).
[ ١ / ٢٤٥ ]
الأصل، فينبغي القطع بقبول قوله على خلاف ما قطع به الأصحاب" (^١).
قلت: وقوله: إن الأصل اللزوم ممنوع، بل الأصل الجواز، والغزالي (^٢) حيث أطلق هذه العبارة مراده بها ما وضع العقد له، فليس ذلك مما نحن فيه.
فرع
لو اتفقا على عدم التفرق وتنازعا في الفسخ، ففي "التهذيب": "أن دعوى مدعي الفسخ فسخ" (^٣).
قلت: وقد قال الأصحاب فيما إذا ادعى الزوج الرجعة، والعدة باقية أنه يقبل قوله، وقيل: لا، وإذا قبلنا قوله فعن صاحب "التهذيب" (^٤) وغيره أن إقراره يجعل إنشاء، واستبعده الإمام، ولعل ما ذكروه في الرجعة يأتي ها هنا، إلا أن يقال: إن إنشاء الفسخ يحصل بكل ما يدل عليه، وهذا منه وفيه نظر.
* * *
_________________
(١) كفاية النبيه (٩/ ١٣٤). بمعناه.
(٢) الوسيط في المذهب (٣/ ٢٠٧).
(٣) التهذيب (٣/ ٢٩١).
(٤) التهذيب (٣/ ٢٩١).
[ ١ / ٢٤٦ ]
قال المصنف ﵀:
فأما إذا اختلفا في عيب في المبيع، ومثله يجوز أن يحدث، فقال البائع: عندك حدث العيب.
وقال المشتري: بل حدث عندك، فالقول قول البائع؛ لأن الأصل عدم العيب.
أكثر الأصحاب والمزني في "المختصر" (^١) والمصنف في "التنبيه" (^٢) ذكروا هذه المسألة في باب الرد بالعيب، وذكرها المصنف في هذا الكتاب هنا؛ لدخولها تحت اختلاف المتبايعين.
والعيب على ثلاثة أقسام:
أحدها: ما لا يحتمل حدوثه في يد المشتري كالأصبع الزائدة أو قطع أصبع أو [مسبحة] (^٣) اندمل موضعها، وقد اشتراه من يومه أو أمسه، ولا يحتمل أن تبرأ الجراحة في مثله، فالقول قول المشتري بغير يمين؛ لأنا نعلم أنه كان موجودًا عند البائع.
الثاني: ما لا يحتمل تقدمه في يد البائع كجراحة طريَّة، وقد جرى البيع والقبض منذ سنة، فالقول قول البائع من غير يمين.
الثالث: مَا يحتمل حدوثه وتقدمه، وهو المراد من مسألة الكتاب، وإليه أشار المصنف بقوله: "يجوز أن يحدث"؛ أي: في يد المشتري، ويجوز ألا يحدث في يده، مثل: تخريق الثوب، وكسر الإناء، والمرض، وما أشبه ذلك مما يحتمل الأمرين.
_________________
(١) (٨/ ١٨١).
(٢) (ص: ٩٥).
(٣) في المخطوطة: "سبحة"، ولعل الصواب ما أثبتناه.
[ ١ / ٢٤٧ ]
وقوله: فقال البائع: عندك حدث العيب، أي: في يدك بعد القبض.
وقوله: وقال المشتري: بل حدث عندك، أي: في يدك؛ إما قبل البيع، وإما بعد البيع وقبل القبض، فإن مدار الرد على وجود العيب عند القبض، فلو لم يكن معيبًا عند البيع وتعيب قبل القبض، ثبت الرد، ولو كان معيبًا عند البيع وقبضه وقد زال العيب، فلا رد له بما كان، بل مهما زال العيب قبل العلم أو بعده وقبل الرد سقط حق الرد.
وقوله: "فالقول قول البائع"، أي: مع يمينه، وقد اتفق الأصحاب على ذلك.
وقوله: "لأن الأصل عدم العيب"؛ أي: فيستصحب ذلك الأصل إلى وقت خروجه عن يد البائع، وذلك مطرد في كل ما يشك في حدوثه، وفي كل أصل كان في الماضي أنه يستصحب عدميًّا كان أو وجوديًّا يستصحب الماضي إلى الحال.
وقد استعمل بعض المتأخرين من الأصوليين والجدليين: الاستصحاب من الحال إلى الماضي في كل ما تحقق وجوده الآن، واحتمل وجوده في زمان ماض، فيستدل بوجوده الآن على وجوده في ذلك الزمان، وإذا استعملت هذه الطريقة هنا حصل منها معارضة الأصل الذي ذكره المصنف؛ لدلالتها على وجوده في يد البائع، لكنا نقول: ولو سلمنا ذلك فيتعارض هذان الأصلان، ويبقى معنا أصل آخر، وهو لزوم العقد واستمراره، وعلى هذا الأصل اقتصر الرافعي (^١) في الاستدلال فخلص من الإيراد المذكور، لكنه لم يخلص من المعارضة في الجملة، فإنه قد يجعل الأصل الدال على وجوده في يد البائع معارضًا للأصل الدال على لزوم العقد حتى يذكر الترجيح بعد ذلك.
_________________
(١) فتح العزيز. ط العلمية (٤/ ٢٧٤).
[ ١ / ٢٤٨ ]
والقاضي أبو الطيب جمع بينهما، فعلل بأن الأصل السلامة من العيب، والأصل لزوم العقد، وكذلك الشيخ أبو حامد، وهو أحسن لسلامته عن الإيراد مطلقًا، وذلك إذا جعلنا العلة مركبة من الأصلين، أو إحداهما علة والأخرى منبهة على دفع المعارضة (^١).
ويحتمل أن يجعل قول المصنف يجوز أن يحدث مطلقًا ولا يقدر فيه، ويجوز ألا يحدث فيشمل القسمين الثاني والثالث، والقول فيها قول البائع، لكن في أحدهما بغير يمين، وفي الآخر بيمين.
والمصنف لم يتعرض لليمين في كلامه؛ فلذلك احتمل، لكن الأول أولى وهو مراده إن شاء الله، وإنما لم يذكر اليمين إحالة على ظهور ذلك، والعلم به من مكان آخر، هذا ما يتعلق بشرح كلام المصنف.
ثم إن الشافعي والمزني والأصحاب تكلموا هنا في كيفية اليمين فقال الشافعي ﵀: "القول قول البائع مع يمينه على البت لقد باعه بريئًا من هذا العيب" (^٢).
قال المزني: "ينبغي في أصله أن يُحَلِّفه، لقد أقبضه إياه وما به هذا العيب من قِبَلِ أنَّهُ يضمن ما حدث عنده قبل دفعه إلى المشتري، ويجعل للمشتري ردَّه لما حدث عند البائع، ولو لم يحلفه إلا على أنه باعه بريئًا من هذا العيب أمكن أن يكون صادقًا، وقد حدث العيب عنده قبل الدفع، فنكون قد ظلمنا المشتري؛ لأن له الرد بما حدث بعد البيع في يد البائع، فهذا يبين لك ما وصفت أنه لازم في أصله على ما وصفنا من مذهبه" (^٣). هذا كلام المزني - رحمة الله -.
_________________
(١) انظر: الوسيط في المذهب (٣/ ٩٨).
(٢) الأم (٧/ ١٠٤).
(٣) مختصر المزني (٨/ ١٨١).
[ ١ / ٢٤٩ ]
وأخذ الأصحاب في الجواب عنه بعد تمهيد أصل، وهو أن كل من ادعى عليه دعوى؛ كغصب، أو سرقة، أو بيع، أو غير ذلك، فإن اقتصر في الجواب على نفي الاستحقاق كفاه، وليس للحاكم أن يقول له: أجبه عما سأل؛ لأنه قد يغصب عينًا أو يسرقها، ثم يشتريها منه، فلو كلفناه الجواب لأدى إلى أن يكذب أو يقر، فلا يقبل قوله في الشراء، فكان نفي الاستحقاق أحوط له وللبائع أيضًا؛ لأنه لا يكون غاصبًا وهو لا يستحق عليه شيئًا، فيحلفه أنه مَا يستحق عليه شيئًا ويبرأ، وإن أجاب على وفق الدعوى مثل أن يقول: ما غصبت وما سرقت، فكيف يحلفه؟! فيه وجهان؛ أصحهما: أنه يلزمه التعرض في اليمين لما تعرض له في الجواب؛ ليكون اليمين مطابقة للجواب، ولو كان له غرض في الاقتصار لاقتصر عليه في الجواب، فلما أجاب مفصلًا دل على أنه علم أنه يمكنه الحلف عليه، وقال الشيخ أبو حامد: إن هذا الوجه هو ظاهر المذهب.
والثاني: أنه يكفيه الإطلاق في اليمين كما يكفيه الإطلاق في الجواب، وهذا أصل مطرد في جميع الدعاوى (^١).
ففي مسألتنا هنا: إن قال البائع في الجواب: إن المشتري لا يستحق الرد بهذا العيب، كان جوابًا صحيحًا وحلف عليه خاصته؛ لأنه قد يبيعه وبه العيب، ثم يسقط رده بالرضا به، فلو أمره الحاكم بالحلف على أنه باعه وما به عيب.
فإما أن يحلف كاذبًا، وإما أن ينكل فيرد اليمين على المشتري، فيحلف ظالمًا، وإن قال: بعته بريئًا من هذا العيب، فهل يحلف عليه أو يقتصر في التحليف على نفي الاستحقاق؟! فيه وجهان؛ أصحهما الأول.
_________________
(١) انظر: الوسيط في المذهب (٧/ ٤٣٦).
[ ١ / ٢٥٠ ]
إذا تقرر ذلك عدنا إلى جواب المزني (^١)، فمن اعتبر كون اليمين على وفق الجواب، قال مراد الشافعي ﵀: ما إذا ادعى المشتري عيبًا سابقًا على البيع، وأراد الرد به، وقال البائع في الجواب: بعته وما به هذا العيب، فيحلف كذلك، ولو قال المشتري: قبضته معيبًا ونفاه البائع في الجواب، حلفه كما ذكره المزني، ولو اقتصر في الجواب على أنه لا يستحق الرد، لم يلزمه ذكر هذا ولا ذاك.
ومن قال: يكفي اليمين على نفي الاستحقاق بكل حال، قال: لم يقصد الشافعي ﵁ أنه الآن على ماذا يحلف ولأي شيء يتعرض، ولكن أراد أن يبين أنه يحلف على البتِّ، فلا يقول مثلًا: بعته وما أعلم به عيبًا، ولكن يقول: بعته وما به عيب، ويجوز اليمين على البت إذا اختبر حال العبد واطلع على خفايا أمره، كما يجوز بمثله الشهادة على الإعسار وعدالة الشهود وغيرهما، وعند عدم الاختبار يجوز الاعتماد على ظاهر السلامة إذا لم يعرف، ولا أظن خلافه، فهذان جوابان جيدان، والأول أحسنهما.
وقال ابن داود في "شرح المختصر": إذا ادعى المشتري أنه قبضه معيبًا خلفنا البائع، كما قال المزني (^٢)، ثم لا يرضى أن يكتفي بقوله: لقد أقبضته بريئًا من هذا العيب؛ إذ قد يقبضه وديعة أو عارية، ثم يحدث العيب، ثم يبيعه منه، فيكون العيب من ضمان البائع، لكن يقول: لقد أقبضته بعد البيع بريئًا إن ذكر أن الإقباض كان بعد البيع، أو يقول: لقد حصل مقبوضًا له بعد البيع وهو بريء من البيع، وهذا اعتراض حسن على المزني كاعتراضه على الشافعي، والمراد من الإطلاقين ما تقدم تحريره.
_________________
(١) مختصر المزني (٨/ ١٨١).
(٢) المصدر السابق.
[ ١ / ٢٥١ ]
فرع
حلف البائع أنه لا يستحق عليه الرد، ثم اختلفا في الثمن وتحالفا وفسخ العقد، فطلب البائع الأرش لا يجاب إليه؛ لأن يمينه سمعت للدفع عنه حين كان مُدَّعًى عليه، والآن هو مُدَّعٍ والمشتري مدعًى عليه، فيحلف ولا شيء عليه، ونظيره الوكيل إذا ادعى تسليم الثمن إلى الموكل تقبل يمينه؛ لأنه أمين، فلو حلف ثم خرج المبيع مستحقًّا، وغرم الوكيل لم يرجع بالغرم على الموكل.
فرع
لو كان بالمبيع تغيُّر عما هو المعهود في جنسه واختلفا في أنه عُيِّب أو لا؟ فالقول قول البائع مع يمينه إلا أن يقيم المشتري شاهدين من أهل الخبرة.