ويجوز عقد الرهن بعد ثبوت الدين؛ وهو أن يرهن بالثمن بعد البيع وبعوض القرض بعد القرض.
قوله: "بالثمن بعد البيع" يشمل ما بعد قبض المبيع وقبله بعد انقضاء الخيار، ولا خلاف فيهما، وقبل انقضاء الخيار، وهو كذلك على ما أطلقه الجمهور، وقدمنا أنه على القول بأن الخيار لا يمنع انتقال الملك.
فإن قلنا: يمنع فيأتي فيه خلاف نبه عليه الإمام وغيره، ولا شك أنه لا يباع المرهون في الثمن ما لم يَمْضِ الخيار، ولا يتخيل أن الرهن إلزام للعقد، وإنما جاز الرهن قبل لزوم الثمن؛ لأن وصفه على اللزوم.
وقوله: "وبعوض القرض بعد القرض" يقتضي بإطلاقه جواز الرهن به قبل القبض وهو بعيد؛ لأنه قبل الملك، وإذا لم يملك المقترض العين المقترضة لم يملك المقرض عوضها، فلم يثبت الدين، فيصير كالثمن في مدة الخيار.
إذا قلنا: لم ينتقل الملك، أما بعد الملك فجائز، وقد قدمنا تقييده بما إذا كان الواجب المثل أو قيمة معلومة.
[ ٢ / ٥٦ ]
واعلم أن جماعة قالوا: إن من شروط المرهون به أن يكون دينًا ثابتًا لازمًا، والسابق إلى الفهم أن كل لازم ثابت، ولا ينعكس، فذكر الثابت مع اللازم، إنما هو ذكر للأعم قبل الأخص، والأولى أن يقال: إن الدينية واللزوم صفتان للشيء في نفسه، فيقال في الصداق: إنه لازم، سواء وجد أم لم يوجد، والثمر في مدة الخيار صائر إلى اللزوم وجد أم لم يوجد.
فذكر المصنف الديون اللازمة وغير اللازمة في أنفسها، وأن اللازمة يجوز الرهن بها، وغير اللازمة بخلافها. وأما الثابت، فمعناه الذي قد حصل، فبينه وبين اللازم عموم وخصوص من وجه، فذكره المصنف هنا لبيان وقت جواز الرهن فيما تقرر أنه يجوز الرهن به، وهل يجوز قبل ثبوته أو لا يجوز إلا بعده، فالكلام فيما يرهن به شيء، والكلام في وقت الرهن به شيء آخر، وحينئذٍ يكون الثابت واللازم وصفين لا يُسْتغنى بأحدهما عن الآخر إذا أريد حصر ما يجوز الرهن به على الإطلاق، فإن أريد ما يرهن به من حيث هو على تقدير ثبوته، فهي وصفان الدينية واللزوم فقط، كما اعتمده المصنف.
* * *
[ ٢ / ٥٧ ]
قال:
ويجوز عقده مع العقد على الدين، وهو أن يشترط الرهن في عقد البيع وعقد القرض؛ لأن الحاجة تدعو إلى شرطه بعد ثبوته وحال ثبوته.
جواز عقده مع العقد على الدين هو الأصح المنقول عن ظاهر النص، ووجه الحاجة إلى عقده مع العقد أنه قد يشرطه، فلا يفي بالشرط، وقال أبو إسحاق: لا يجوز عقده العقد مع وهو القياس، واحتج بأنه لو قال لعبده: كاتبتك على ألف، وبعتك هذا الثوب بكذا، فقال: قبلت الكتابة والبيع، لا يصح البيع، ووافقه الشيخ أبو محمد على هذا التخريج.
وأجيب: بفرقين؛ أحدهما: أن العبد لا يصير أهلًا للمعاملة مع مولاه حتى تتم الكتابة.
والثاني: أن الرهن من مصالح البيع، والبيع ليس من مصالح الكتابة، وقول المصنف: "وهو أن يشترط … " إلى آخره. اعلم أن الأصحاب صوروا مزج الرهن بالبيع والقرض الذي هو محل الخلاف بيننا وبين أبي إسحاق بأمثلة منها أن يقول: بعتك هذا بألف، وارتهنت هذا الثوب به، فيقول المشتري: اشتريت ورهنت.
وفي القرض يقول: أقرضتك هذه الدراهم، وارتهنت بها عبدك، فيقول: استقرضتها ورهنته، ويشترط تقدم خطاب البيع على خطاب الرهن، وجواب البيع على جواب الرهن، فلو لم يكن كذلك، لم يصح كقوله: ارتهنت وبعت، فيقول المشتري: رهنت واشتريت، أو اشتريت ورهنت، أو
[ ٢ / ٥٨ ]
يقول البائع: بعت وارتهنت، فيقول المشتري: رهنت واشتريت لتقدم الرهن على أحد شقي البيع، أو لتقدم أحد شقي الرهن على جميع البيع، قال الإمام: "وكان شيخنا أبو محمد لا يفرق بين أن يقول البائع: ارتهنت وبعت، أو بعت وارتهنت، والأحسن الفرق" (^١) أما المشترى، فلا بد أن يقدم لفظ الشراء حتى يكون تمام الرهن بعد تمام البيع إلا على الوجه الضعيف في رهن ما لم يجب، ومراد الشيخ أبي محمد بعدم الفرق أنه يفسد فيهما، ومراد الإمام بالفرق أنه يفسد في الأول، ويصح في الثاني، وبما ذكرناه يتبين لك أن انعقاد الرهن بعد انعقاد البيع لا معه.
وقال القاضي حسين: إنا نقدر وجوب الثمن وانعقاد الرهن عقيبه، كما لو قال لغيره: أعتق عبدك عني، ولا يحتاج إلى هذا لما ذكرنا، فإنه متى تأخر، شق الرهن عن شقي البيع تأخر انعقاد الرهن عن وجوب الثمن حقيقةً لا تقديرًا، ولو كان قال: تقدر العقد، لأمكن توجيهه بأن يقدر الإيجاب والقبول كلاهما متأخرين، لكنه قال: الانعقاد، وقول المصنف: مع العقد ليس مخالفًا لما قلناه، ولا لما قاله القاضي حسين، بل محمول على العقد الذي هو الإيجاب والقبول، وهو لا يوجد في زمن واحد، فبمزج الإيجابين والقبولين يصدق أن العقدين وقعا معًا، وإن كان الانعقاد الذي هو أثرهما وقع مترتبًا؛ لأنه حكم شرعي يقع عند تمام موجبه، وعقد البيع، ثم عقد الرهن، فيجب الثمن قبل حصول الرهن غاية ما في الباب أن يقال: مقتضي امتناع تقديم الرهن امتناع تقديم كل من شقّيه، فيقول: هذا هو القياس، ولكن خرجنا عنه للمصلحة كما سبق، والخصم القائل بالرهن على ما لم يجب يورد علينا هذه المسألة، وقد بان جوابها، والحكم بصحة الرهن في
_________________
(١) نهاية المطلب (٦/ ٧٧).
[ ٢ / ٥٩ ]
صورة الشراء يمكن أن يكون مفرعًا على انتقال الملك، كما سبق التنبيه عليه، إما في صورة القرض، فلا ملك قبل القبض، فكيف يصح الرهن إلا أن يفرض اقتران القبض به، فإما أن يحمل التصوير على هذا، وإما أن يكتفي بالعقد المقتضي لنقل الملك، وإن لم يوجد، ويقدح ذلك فيما قلناه من تفريع البيع على انتقال الملك، ويكون السبب في الموضعين الحاجة، ولكنه بعيد، والأقرب أن يصور إذا قارن القرض القبض، وأما الوجه الذي قدمناه أن بالقرض يحصل الملك كالبيع، فذاك لا يعرفه أكثر الأصحاب، ويفرعون عليه المثال الثاني إذا قال: بعني عبدك بكذا، ورهنت به هذا الثوب، فقال البائع: بعت وارتهنت، فيبنى على الخلاف في مسألة الإيجاب والاستيجاب إن صححناه، فيعود ما سبق.
المثال الثالث: أن يقول: بعتك عبدي بكذا على أن ترهنني دارك به، فيقول المشتري: اشتريت ورهنت. قال القاضي حسين: يشترط أن يقول بعده: أرتهنت أو قبلت؛ لأن الذي وجد منه شرط إيجاب الرهن لا استيجابه (^١).
وقال البغوي: "إنه الأصح" (^٢)؛ ولذلك قال الإمام في أول باب الرهن والحميل في البيع: "وإنه الذي ارتضاه المحققون" (^٣) ولا شك أنه أقيس؛ لأن شرط الرهن ليس برهن، لكن المشهور عن الأصحاب في أول كتاب الرهن من النهاية، وغيرها أنه يتم العقد بما جرى. وفي "التتمة" وغيرها أنه ظاهر النص. ومال إليه الرافعي، وأيده بأن أبا العباس الروياني حكى في
_________________
(١) فتح العزيز (٤/ ٤٥٩).
(٢) التهذيب (٤/ ٦).
(٣) نهاية المطلب (٦/ ٢٢٥).
[ ٢ / ٦٠ ]
"الجرجانيات" وجهًا أن شرط الرهن في البيع يغني عن استئناف رهن، ويكون الشرط بمنزلة الإيجاب والقبول، وكلام المصنف مشعر بهذا، فإنه فسر عقد الرهن مع البيع بأن يشترطه فيه، والعلة فيه أن شرط الرهن مشتمل على التماسه، فقام مقام استيجابه.
المثال الرابع: أن يقول: بعتك على أن ترهنني، فيقول: اشتريت على هذا الشرط، فلا شك أن الوجه الذي حكاه الروياني يجري فيها، بل هي محله، ولعله يجعل قبول الشرط قائمًا مقام الإيجاب، وكلام المصنف بإطلاقه يقتضي هذا، لكن الأقرب أنه لا يكتفي بذلك؛ لأن قبول اشتراط الرهن معناه التزام أن ينشئ رهنًا، فلا يصح، يحصل الرهن بهذا؛ ولهذا إن أكثر الأصحاب ما أطلقوا الصحة إلا في صورة إذا قال: رهنت لينزل مع الشرط بمنزلة الإيجاب مع الاستيجاب، فينبغي تأويل كلام المصنف على ما صوره الجمهور ولا يحمل على ما قاله الروياني؛ لعدم اتجاهه، فإذن كلامه ينطبق على المثال الثالث، ويكون مخالفًا للقاضي حسين والبغوي وموافقًا لأكثر الأصحاب، ويحتمل أن يفصل في شرط الرهن، فيقال: إن قال: على أن ترهنني، فلا بد بعد القبول أن يقول: رهنت.
وإن قال: على أن يكون الشيء الفلاني رهنًا، وحصل القبول على هذا الشرط، كان رهنًا من غير أن يقول: رهنت، والفرق أنه في الأول قبل التزام إنشاء الرهن رهنًا قبل كونه رهنًا، فيصير رهنًا؛ لأن قبوله ذلك بمنزلة الإنشاء، فإن قلت: لِمَ لا يحمل كلام المصنف على المثال الأول، أو يجعله شاملًا له ولغيره؟ قلت: يصد عنه تصريحه بالاشتراط، وتعليله بأن الحاجة تدعو إلى شرطه بعد ثبوته وحال ثبوته، وإذا جاز على وجه الشرط؛ فلأن يجوز على سبيل المزج بالإيجاب والقبول الصريحين أولى.
[ ٢ / ٦١ ]
فإن قلت: الشرط لا بد أن يقارن العقد، فكيف قال بعد ثبوته؟
قلت: إذا كان في زمن الخيار يلحق بالعقد، فيكون كالمقارن، فيحمل كلامه على هذه الحالة، ولولا تصريحه بالشرط لكان الحمل على المثال الأول أحسن على أنه يمكن على بعد أن يتجوز بالشرط عن قوله:
"ارتهنت"، ويبقى قوله: "بعد ثبوته" على إطلاقه، وكأنه قال: لأن الحاجة تدعو إلى الرهن بعد ثبوت الدين وحال ثبوته، فإن حملنا كلام المصنف على الاشتراط، فلا شك أن الحاجة داعية، كما قال، وإن حملناه على الرهن نفسه، فالحاجة إليه أولى؛ لأنه قد يشترطه، فلا يفي به، كما قلناه أول الكلام، فكان تنجيزه في ضمن العقد أجلب لحصول المقصود، لعله فرع في جواز اشتراط الرهن في الحوالة وجهان في "البحر" مبنيان على أنها بيع أو عقد إرفاق، إن قلنا: بيع جاز، وإلا فلا، فعلى هذا، هل تبطل الحوالة وجهان، وفي جواز اشتراط الرهن في الضمان، والضمان في الرهن وجهان في "البحر" أيضًا.
* * *
[ ٢ / ٦٢ ]
قال:
وأما شرطه قبل العقد فلا يصح؛ لأن الرهن تابع للدَّيْن، فلا يجوز شرطه قبله.
لا يجوز الرهن بالدَّيْن قبل ثبوته لما ذكره المصنف، وقاسوه على الشهادة؛ لأن كلًّا منهما وثيقة حق، فلا يقدم عليه. واستدلوا أيضًا بأن تعليق الرهن لا يصح، وبأن ما يداينه فيء بأي حال مجهول القدر، والرهن في المجهول لا يصح؛ قاله الماوردي، وبهذا قال أحمد.
وقال أبو حنيفة، ومالك: "يجوز الرهن بالدين قبل ثبوته" (^١)، وحكاه ابن كج وجهًا عن بعض الأصحاب إذا عين ما يستقرضه، ومنهم مَن قال: لو تراهنا بالثمن، ثم لم يتفرقا حتى تبايعا؛ صح الرهن إلحاقًا للحاصل في المجلس بالمقترن بالإيجاب والقبول (^٢)، ومفهوم الآية يرد على الوجهين؛ لأنها إنما دلت على الرهن بعد المعاملة، وحكى الإمام قولًا قديمًا بصحة ضمان ما لم يجز سبب وجوبه، ولم يحكوه في الرهن، فإن لم يطرد فيه، فالضمان على هذا القول أوسع بابًا من الرهن، ولا خلاف أنه لو قال: إن أقرضتني ألفًا؛ فهذا رهن لم يصح، وكذا إن أقرضت فلانًا ألفًا، فأنا ضامنها، لا يصح قولًا واحدًا؛ للتعليق. قاله الجوري وغيره.
واعلم أن أبا حنيفة لا يقول بأنه يصير رهنًا الآن، ولكن الفائدة عنده أنه يصير الآن مضمونًا، وإذا وجد الدين صار رهنًا بغير عقد جديد. وعندنا لا يصير رهنًا إلا بعقد جديد.
_________________
(١) انظر: البيان في مذهب الإمام الشافعي (٦/ ١٢).
(٢) فتح العزيز (٤/ ٤٥٨).
[ ٢ / ٦٣ ]
وأما الضمان، فسيأتي أن الرهن ليس بمضمون، هكذا حرر الشيخ أبو حامد الخلاف معهم في هذين الفصلين، وأن المال عندهم مأخوذ بسوم الرهن، ثم يصير رهنًا، والرافعي ﵀ حكى مذهب أبي حنيفة بجواز الرهن قبل ثبوت الدين، وأن ابن كج حكى وجهًا مثله، ثم قال: "وعلى المذهب لو ارتهن قبل ثبوت الحق وقبضه، كان مأخوذًا على جهة سوم الرهن، فإذا استقرض أو اشترى لم يصر رهنًا إلا بعقد جديد، نص عليه الشيخ أبو حامد وغيره. وفيه وجه: أنه يصير رهنًا" (^١). انتهى.
وقد علمت بنقل الشيخ أبي حامد أن هذا الوجه هو مذهب أبي حنيفة وإنما يستقيم ذكره هنا لو كان الوجه الذي قدمه عن ابن كج أنه يصير رهنًا الآن قبل ثبوت الدين، وحينئذٍ في المسألة أربعة أوجه، أصحها: بطلانه.
والثاني: صحته بعد ثبوت الدين.
والثالث: موقوف.
والرابع: صحته الآن، ولكن هذا الرابع لم يتحقق، وكيف يقال: إنه الآن رهن ولا دين، والرهن إنما يعقل بدين، ورأيت من الحنفية مَن يعترف بأنه رهن عندهم الآن؛ ولذلك إذا تلف يضمن بالدين الموعود به، فإن كان الدين لا يزيد على قيمته ضمنها، وإلا ضمن (^٢) مقدار الدين، وهذا يتفق مع ما حكاه الشيخ أبو حامد عنهم في الأحكام، ويختلفان في الحقيقة، ولكل منهما وجه هل نقول: إن الرهن انعقد الآن، أو لم ينعقد، ولكن تترتب أحكامه، فإذا وجد الدين انعقد فالذي حكاه أبو حامد الثاني، والمتبادر إلى الذهن عنهم الأول، ويظهر أنه الذي اعتمده الرافعي، وبنى عليه، وأن
_________________
(١) فتح العزيز (٤/ ٤٥٨).
(٢) كرر في المخطوطة لفظ: "ضمن".
[ ٢ / ٦٤ ]
ابن كج حكى وجهًا مثله، ويكون الوجه الثاني الذي في آخر كلامه موافقًا لما حكاه أبو حامد عنهم، وحينئذٍ يتجرد أربعة أوجه، لكن لا يبقى للخلاف بين الوجهين فائدة في العمل، وإنما تظهر الفائدة في البحث؛ فإن مَن يقول بانعقاده قبل الدين يلزمه وجود رهن بلا دين، وهو غير معقول، وما ذكرناه من الآية، وغيرها من الأسئلة الواردة عليهم، ومَن يقول: إنه يصير عند الدين منعقدًا يسلم من هذه المناقضات والأسئلة، ويلزمه تأخير مقتضى العقد عنه، وبهذا ظهر أن للحنفية بحثين سلك أبو حامد أحدهما، والرافعي الثاني، وثبت في المسألة أربعة أوجه.
واعلم أن أكثر الأصحاب فرضوا المسألة في الرهن قبل الدين بأن يقول: رهنتك على ما أستقرضه منك، أو ثمن ما أشتريه مثلًا، والمصنف فرضها في شرط الرهن، فإن أخذنا بظاهر كلامه، فالشرط المتقدم على العقد لا يصح، وفيه وفيه خلاف آخر غير هذا، ولكن يبقى عليه بكون الرهن تابعًا لا تنهض بعدم جواز تقديمه، وإن حملناه على إنشاء الرهن اقتضى أن يحمل كلامه السابق عليه أيضًا، وحينئذٍ يجتمع مع كلام الأصحاب في تصوير مزج الرهن بالمثال الأول كما سبق.
* * *
[ ٢ / ٦٥ ]
قال:
فصْل