ولا يلزم الرهن من جهة المرتهن؛ لأن العقد لحظِّه ولا حظ فيه [للراهن] (^١)؛ فجاز له فسخه إذا شاء، وأما من جهة الراهن، فلا يلزم إلا بالقبض، والدليل عليه قوله تعالى: "فرُهن مقبوضة" فوصف الرهن بالقبض، فدل على أنه لا يلزم إلا به، ولأنه عقد إرفاق يفتقر إلى القبول [والقبض] (^٢) فلم يلزم من غير قبض كالهبة.
العقود خمسة أضرب: لازم من الطرفين؛ كالبيع والإجارة والسلم والصلح والحوالة والمساقاة والهبة بعد القبض والخلع، وجائز من الطرفين كالشركة والوكالة والجعالة والقرض والقراض والعارية والهبة قبل القبض، وكذا الرهن قبل القبض، ولازم من أحد الطرفين دون الآخر؛ كالرهن بعد القبض، والكفالة، والكتابة.
ومختلف فيه وهو المسابقة ولازم من أحدهما، وفي الآخر وجهان، وهو النكاح، والأصح: أنه لازم منهما.
_________________
(١) ما أثبتناه من المطبوع من المهذب، وفي المخطوطة: "للمراهن".
(٢) زيادة من المطبوع.
[ ٢ / ٦٩ ]
والثاني: لازم من جهة المرأة جائز من جهة الزوج، عدنا إلى الرهن، أما كونه لا يلزم من جهة المرتهن، فلا خلاف فيه، فيجوز فسخه متى شاء لما ذكره المصنف.
قال الشافعي في "الأم": "لو قال المرتهن بعد القبض: فسخت الرهن انفسخ" (^١). انتهى. وتعليل المصنف جيد، وإذا جاز للمكاتب فسخ الكتابة وللسيد حظ فيها، والمرتهن ولا حظ للراهن أولى، وقاسه الأصحاب أيضًا على صاحب الدين، له أن يبرئ وفيه نظر لأن الإبراء تصرف في الدين الثابت، فلا فسخ، وقياسه في الرهن أن يقال للمرتهن: قطع حقه وإبطاله، ولا نسميه فسخًا، ولا يتحقق معه معنى الجواز، وتحرير الفرق بين المعنيين في هذا الباب لا طائل تحته، وإن ظهر أثره في الطلاق وغيره، وعلى مساق قياسهم على الإبراء فرقوا بينه وبين إسقاط الأجل لا يصحُّ على أحد الوجهين، بأن الأجل لا يتصور ثبوته بعد ثبوت الدين، فلا ينفرد عنه في السقوط، والرهن بعد ثبوت الدين، جائز على الانفراد، فيجوز إسقاطه على الانفراد، ولو أسقط المضمون له الضمان، فلا شك في سقوطه، ولكن هل هو فسخ أو بمنزلة الإبراء، فيه نظر، والأقرب الثاني، وعلة المصنف موجودة فيه؛ لأنه لا حظ للضامن فيه.
وقوله: "وأما من جهة الراهن … " إلى آخره، ففيه حكمان؛ أحدهما: أنه بعد القبض لازم وهذا لا خلاف فيه، وسيأتي ما يتعلق به الثاني أنه قبل القبض لا يلزم، وبه قال أبو حنيفة (^٢) وأحمد.
وقال أبو ثور ومالك (^٣): يلزم بالعقد ويجري على الإقباض، وكذلك
_________________
(١) الأم (٣/ ١٤٦).
(٢) انظر: البيان (٦/ ١٣).
(٣) انظر المصدر السابق.
[ ٢ / ٧٠ ]
الهبة، وعن أحمد مثله إلا في المكيلات، والموزونات.
وعنه: إن كان معينًا لزم من غير قبض (^١) والصحيح عنه كمذهبنا، والاستدلال بالآية ذكر الأصحاب له أربع طرق أحسنها: أن الله تعالى أمر بالاستيثاق بالإشهاد والكتابة، فإن فقد فبالرُّهُن المقبوضة، فدل على أن الوثيقة هي الرُّهُن المقبوضة، فقبل القبض لا وثيقة، ويرد عليه أن الأمر أمر إرشاد، فقد يكون المراد الإرشاد إلى الوثيقة الكاملة، وهي المقبوضة.
نعم، يقوى هذا الاستدلال إذا قيل: أن الآية دلت على أن الرُّهن المقبوضة وثيقة، وغير المقبوض لا دليل على كونه وثيقة، فيبقى على الأصل حتى يقوم دليل على لزومه من غير قبض، ويصعب على الخصم إقامته وبعبارة أخرى أن يقول: مدلول الآية أن المشروع رهن مقبوضة، فما ليس مقبوضًا ليس بمشروع، لكن هذه العبارة تضرُّ في الحكم بالصحة قبل القبض، وقوله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] لا يدل على القبض، فإنه إن كان المراد العقود نفسها؛ سقط الاحتجاج، وإن كان المراد الوفاء بأحكامها، فالجواز من أحكامها؛ كالشركة والوكالة، وأيضًا - فهو عامٌّ يمكن تخصيصه، وللمالكية أن تمام الاستيثاق إنما يحصل بالقبض؛ لجواز التجاحد، فيكون الرهن شاهدًا على أصلهم؛ ولذلك قال: إذا قال المرتهن: ديني مائة، وقال الراهن: خمسون؛ جعل الرهن شاهدًا، فيكون القول قول المرتهن، ما بينه وبين قيمة الرهن، ويحلف معه كما يحلف مع الشاهد، وتحمل الآية على الإرشاد، وقول المصنف: "فوصف الرهن بالقبض" إشارة إلى بحث بيننا وبين المخالف، هم يقولون: إن المأمور به الرهن، وأما القبض، فمِن أحكامه بمعنى: أنه يجب على الراهن الإقباض،
_________________
(١) انظر: بحر المذهب (٥/ ١٩١).
[ ٢ / ٧١ ]
وأصحابنا يقولون: إن قوله تعالى: ﴿مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣] صفة لـ "رُهُنٌ" لا بيان لحكمها، فيكون المأمور به الرُّهُن الموصوفة بالقبض، فلا وثيقة بدونها، كما أنه عند وجود الشهيدين أو الكاتب لا وثيقة بدونه.
وقوله: "عقد إرفاق"؛ احتراز من البيع والإجارة.
وقوله: يفتقر إلى القبول احتراز من الوقف والضمان، وقياسه على الهبة فيه نظر؛ لأن الخصم لا يسلمه، والخلاف فيهما واحد، وعذر المصنف أن اشتراط القبض في لزوم الهبة؛ لما ثبت بأثر أبي بكر وغيره كانت المخالفية فيه ضعيفة، فصح القياس عليه؛ لأنه أظهر وأبينُ من محل النزاع، وغيره من الأصحاب قاس على القرض، وأورد على الوصف الوصية إذا كانت لمعين، فإنها عقد إرفاق يفتقر إلى القبول، ولا يفتقر إلى القبض.
وجوابه: أن عقد الوصية من حيث الجملة لا يحتاج إلى قبول، وإنما يحتاج إليه إذا كان لمعين، فهي كالوقف على أحد الوجهين، والرهن يحتاج إلى القبول مطلقًا، ثم إنه يشترط في لزومها الموت، والرهن يبطل بالموت قبل القبض على قول، فهي عكسه، واستدل الأصحاب أيضًا بأنه لو مات الراهن قبل القبض؛ لم يلزم وارثه الإقباض بالاتفاق، ولو كان لازمًا؛ كالبيع لوجب عليه، لا سيما والورثة يلزمهم ما لا يلزم المورث من وفاء الدين المؤجل، وتنفيذ الوصية، فكل ما لا يجب على الوارث، لا يجب على المورث، وهذا الاستدلال هو الذي اعتمده الشافعي على مالك، وفرقوا بين الرهن والبيع، بأن مقصود الرهن: الاستيثاق، وهو لا يحصل إلا بالقبض فاشترط فيه، ومقصود البيع الملك، وهو حاصل بدون القبض، فلم يشترط في لزومه.
* * *
[ ٢ / ٧٢ ]
فرع
في كلام المصنف إشارة إلى أن الرهن قبل القبض صحيح، وإن كان غير لازم، وهذا لا شكَّ فيه إلا أن الإمام عند الكلام في موت الراهن قبل القبض قال: "إنه يبطل الرهن على رأي هو المنصوص" (^١)، والذي تحقق القول ببطلانه أن القبض فيما يشترط فيه القبض يقع موقع أحد جوابي البيع وغيره، فإنه رُكْنٌ في تحصيل مقصود العقد، فهذا الكلام من الإمام يقتضي أن القبض على هذا القول ركن في الصحة، فلا يوصف قبله بالصحة؛ ولذلك أطلق الغزالي اسم الركن عليه (^٢)؛ ولذلك الماوردي في تقرير اشتراط القبض، اقتضى كلامه: أنه شرط في الصحة (^٣)، بل في كلام الشافعي ما يشعر بذلك، فإنه قال في "المختصر" (^٤): ولا معنى للرهن حتى يكون مقبوضًا، والتمسك بظاهر هذه العبارة يقتضي أنه لا يحكم عليه بالصحة، والمشهور: خلاف ذلك، وأن القبض ركن في اللزوم لا في الصحة؛ وعلى ذلك يُتَأَوَّل كلام الغزالي، وهذا البحث هنا وفي الهبة يقتضي الصرف، وكل ما يشترط فيه القبض، إلا أن في الهبة والرهن لا معنى للحكم بالصحة بدون اللزوم والملك، وفي الصرف يظهر ذلك لحصول الملك، فهو مُتَرتِّب على الصحة، ومعظم آثارها، وإن تأخر اللزوم، وجعل الكاساني من الحنفية قياس قول زفر، وفي أن قبض الهبة ركن فيها، يعني: في صحتها عند من لا يقول بحنثه؛ إذا حلف لا يهب، فوهب ولم يقبض، ونحن نوافقه في عدم الحنث على أحد الوجهين، ولكن لأنه قبل القبض لما
_________________
(١) نهاية المطلب (٦/ ٧٩)، قال: "وحكى بعض أصحابنا نصًّا … ".
(٢) الوسيط في المذهب (٣/ ٤٧٠).
(٣) الحاوي الكبير (٦/ ٧).
(٤) (٨/ ١٩١).
[ ٢ / ٧٣ ]
لم يوجد مقصود الهبة قد لا يسمى يمينًا فلا يحنث بها، وإن وجدت الصحة شرعًا، فمآخذ الإيمان مخالف لما نحن فيه.
فرع
لا فرق في كون الرهن قبل القبض جائزًا بين أن يكون مشروطًا في بيع أو رهن درع، كما سيأتي في كلام المصنف، فإن أقبض لزم، وإن امتنع الراهن، فإن كان الرهن تبرعًا، فلا شيء عليه، وإن كان مشروطًا في بيع، فالبائع بالخيار بين فسخ البيع، والرضا به بدون الرهن. قال ابن الرفعة: "وفي النفس منه شيء، إذا قلنا: البيع يفسد بفساد الرهن المشروط فيه؛ لأجل أنه قابله جزء من الثمن، ولا يقال ذلك ينجر بإثبات الخيار؛ تنزيلًا لذلك منزلة الاطلاع على عيب المبيع؛ فإن السلامة لا يقابلها جزء من الثمن، ولأن الإجبار على التسليم ممكن، وبه تتم المعاملة ولا لذلك السلامة". انتهى. وهذا ضعيف؛ لأن الفساد إنما جاء عند شرط الرهن الفاسد؛ لجهالة الثمن بفساده وهنا الشرط صحيح، فلا وجه للفساد، وأما الخيار فلفوات وصف التزمه في المبيع والإجبار على الرهن مع إمكان الفسخ بعيد؛ لما فيه من الحجر على الشخص في ملكه وتغيير مقتضى العقد. وأيضًا الأصل يقتضي أنه لا يجوز شرط عقد في عقد خالفناه في الرهن والضمان؛ لأنهما من مصلحة البيع حتى لا يخرج الملك بغير توثقه، فلم يكن المقصود إيجاب الرهن، بل حفظ البيع، فيكون أثره ثبوت الخيار؛ ولأنه المعهود في خلف الشرط لا إيجاب عقد آخر، لأنه لم يُعْهَد.
* * *
[ ٢ / ٧٤ ]
قال:
وإن كان المرهون في يد الراهن لم يجز للمرتهن قبضه إلا بإذن الراهن؛ لأن للراهن أن يفسخه قبل القبض، فلا يملك المرتهن إسقاط حقه من غير إذنه.
هذا بخلاف البيع حيث يجوز للمشتري الانفراد يقبض المبيع بعد توفير الثمن والفرق ما ذكره المصنف، ولو دفعه الراهن إليه بعد الرهن ونوى أن يكون وديعة ثم اختلفا، فقال المرتهن: قبضته عن الرهن، وقال الراهن: بل وديعة، فمن القبول قوله وجهان في "النهاية"، والقبض هنا كالقبض في البيع، واستثنى القاضي حسين التخلية في المنقول إذا جعلناها قبضًا في البيع (^١)؛ لأن القبض فيه مستحق فقوىٌّ، وما قاله حسن، ولكن كلام الأصحاب يقتضي أنه لا فرق؛ وما قاله القاضي حسين يشبه قول أبي يوسف، فإن الحنفية يلتغي عندهم بالتخلية في المنقول في البيع، وهنا الصحيح عندهم؛ لذلك قال أبو يوسف: "لا يلتغي بها؛ لأن هذا قبض موجب الضمان ابتداء؛ كالغصب والبيع القبض فيه ناقل للضمان" (^٢).
وهذا الفرق على أصلهم ينبه أنه عند من لا يقول بالضمان يكون أولى بأن يلتغي بالتخلية فيه، وذكروا عن أبي يوسف فرقًا آخر يقتضي العكس؛ وهو أن التخلية قبض حكمي، فاكتفى بها في البيع، ولم يكتف في الرهن إلا بقبض حقيقي لاشتراطه في الآية، وهذا المعنى يقتضي أن يقال به سواء
_________________
(١) انظر: نهاية المطلب (٦/ ٩٨).
(٢) البداية شرح الهداية (١٢/ ٤٧٠).
[ ٢ / ٧٥ ]
جعلناه مضمونًا أم أمانة، وهو الذي لحظه القاضي حسين، ونحن في غنية عن إطناب القول فيه؛ لأنه على قول الاكتفاء بالتخلية في المنقول، والمشهور عندنا خلافه، واشترط الحنفية في قبض الرهن أن يكون مجوزًا مفرعًا مميزًا، واحترز بالمجوز عن الثمرة على رؤوس النخل، وبالمفرع عن الشجرة بدون الثمر، والأرض بدون الزرع، وبالمميز عن الشائع.
فرع
قال الروياني: "لو خُلي بينه وبين الدار وفيها قماش للراهن؛ صح التسليم في الدار. وقال أبو حنيفة: لا يصحُّ؛ لأنها مشغولة بملك الراهن قال: يعني أبا حنيفة؛ ولذلك إذا رهن دابة وعليها حمل للراهن وسلم الكل إليه؛ لم يصحَّ قبض الدابة". قال الروياني: "وهذا لا يصح لأن كل ما كان قبضًا في البيع كان قبضًا في الرهن" (^١). انتهى.
وهذا الذي قاله الروياني إما أن يكون بناء على أن تسليم الدار المشحونة بأمتعة البائع يصحُّ، كما ادعى الإمام أنه المذهب (^٢) لكن الصحيح عند غيره خلافه، وإما أن يقال ذلك الخلاف إذا لم يدخل الأمتعة في التسليم، فإن أدخلها لتكون الدار مسلمة عن البيع والأمتعة وديعة، فيصح كما اقتضاه كلام الروياني هنا، وهذا الفرع الذي قاله الروياني ذكره ابن الصباغ بنصه (^٣)، والذي تحرر عندي في تسليم الدار المشتملة على أمتعة والسفينة ونحوهما في البيع والرهن، أنه إن خلَّى بينه وبين الدار وما فيها على أن تكون الدار مقبوضة عن البيع، والرهن والأمتعة وديعة أو عارية
_________________
(١) بحر المذهب (٥/ ٢٠٧).
(٢) نهاية المطلب (٨/ ٢٤١).
(٣) انظر: البيان (٦/ ١٨).
[ ٢ / ٧٦ ]
ورضي بذلك، صح القبض وصارت الدار بمجرد ذلك مقبوضة، وإن خلَّى بينه وبين الدار ولم يتعرض لما فيها، فإن كان ما فيها قليلًا بحيث لا يمنع من ثبوت اليد على جميع الدار كحصر وبعض ماعون ونحوه؛ لم يقدح في التخلية وكانت الدار مقبوضة بمجرد ذلك، وهذان القسمان لا أرى فيهما خلافًا، وإن كانت الأمتعة بحيث لا يتمكن معها من الانتفاع، فهذا محل الخلاف في قبض الدار المشحونة، ومأخذ المنع أن التخلية لا تتحقق مع استمرار اليد على ما فيها، ومع ذلك ينبغي إذا أزالها نحكم حينئذ بصحة القبض مع التخلية المتقدمة، فإنهم قالوا: لو خُلي الراهن وهو في الدار بينها وبين المرتهن، ثم خرج منها صح القبض عندنا.
وقال أبو حنيفة: لابد من تخلية جديدة، وما ذكرناه في الأمتعة مثله ومن خطر بباله منازعة فيما ذكرناه، فليتأمل متفرق كلام الأصحاب هنا، وفي البيع وبيع الدار مع ما فيها والدار المشتملة على الحجارة، ثم ينظر بعد ذلك.
* * *
[ ٢ / ٧٧ ]
قال:
وإن كان في يد المرتهن، فقد قال في الرهن: إنه لا يصير مقبوضًا بحكم الرهن، إلا بإذن الراهن.
وقال في "الإقرار والمواهب": إذا وهب له عينًا في يده صارت مقبوضة من غير إذن، فمن أصحابنا من نقل جوابه في الرهن إلى الهبة، وجوابه في الهبة إلى الرهن، فجعلهما على قولين؛ أحدهما: لا يفتقر واحد منهما إلى الإذن في القبض؛ لأنه لما لم يفتقر إلى نقل مستأنف، لم يفتقر إلى إذن مستأنف.
والثاني: أنه يفتقر وهو الصحيح؛ لأنه عقد يفتقر لزومه إلى القبض، فافتقر [القبض] (^١) إلى الإذن كما لو لم تكن العين في يده.
وقولهم: إنه لا يحتاج إلى نقل مستأنف لا يصحُّ؛ لأن النقل يراد ليصير في يده وذلك موجود، والإذن يراد؛ ليتميز قبض الهبة والرهن عن قبض الوديعة والغصب، وذلك لا يحصل إلا بالإذن، ومن أصحابنا من حمل المسألتين على ظاهرهما، فقال في الهبة: لا تفتقر إلى الإذن، وفي الرهن يفتقر؛ لأن الهبة عقد يزيل الملك فلم يفتقر الإذن لقوته، والرهن لا يزيل الملك فافتقر إلى الإذن لضعفه، والصحيح هو الطريق الأول؛ لأن هذا الفرق يبطل به إذا لم تكن العين في يده، فإنه يفتقر إلى الإذن في الرهن والهبة مع ضعف أحدهما وقوة الآخر.
إذا كان له عين في يد غيره جاز أن يرهنها منه، إن تحقق وجودها عنده،
_________________
(١) زيادة من المطبوع من المهذب.
[ ٢ / ٧٨ ]
بلا خلاف، وكذا إن شك إلا على وجه سنحكيه عن الماوردي، ومن الدليل على صحة أن يرهنه ما في يد المرتهن؛ أنه إذا صح فيما في يد الراهن فلأن يصح فيما في يد المرتهن أولى، وأما قبضه فما نقله المصنف عن الرهن هو في "مختصر المزني" بالمفهوم لا بالمنطوق، فإنه قال: "لو رهنه وديعة له في يده وأذن له بقبضه، فجاءت عليه مدة يمكنه فيها أن يقبضه فهو قبض؛ لأن قبضه وديعة من غير قبضه رهنًا" (^١). ولذلك هو في "الأم" (^٢) ولعل المصنف وقف على نصٍّ آخر، وما نقله عن "الإقرار والمواهب" فيه ما يدل عليه فإنه قال: "لو قال: وهبتها له أو خرجت إليه منها نظرت، فإن كانت في يدي الموهوب له، فذلك قبض بعد الإقرار وهي له، وفيه أيضًا ولو وهب رجل لرجل هبة في يد المرهون له فقبلها؛ تمت لأنه قابض لها بعد الهبة" (^٣). وهذا صريح فيما ذكره المصنف، هذا ما عليه أكثر الأصحاب في حكاية نصوص الشافعي، ومنهم الشيخ أبو حامد وقال في تعليقه بعد حكايته لذلك: كنت حكيت أنه نص في الهبة على قولين، وذكرهما أبو إسحاق، والذي حكيته اليوم هو الصحيح، وممَّن حكى ما كان يحكيه أبو حامد أبو الفضل بن عبدان ولا تعويل عليه لما قاله أبو حامد، فإنه رجع عنه بعد علم، ثم اختلف الأصحاب على ثلاث طرق: الطريقين اللَّذَيْن في الكتاب، وهما المشهوران.
وطريقة ثالثة: حكاها المصنف في "التنبيه"، وحكاها القاضي أبو الطيب، وابن الصباغ، وذكر الرافعي أن ابن كجٍّ حكاها عن ابن خيران،
_________________
(١) مختصر المزني (٨/ ١٩٢).
(٢) الأم (٣/ ١٤٤).
(٣) الأم (٦/ ٢٣٧).
[ ٢ / ٧٩ ]
وهي القطع باعتبار الإذن الجديد فيهما، ومحاولة تأويل نصه في الهبة (^١) واستغربها الرافعي، والصحيح من الطرق عند الأكثرين طريقة القولين ونسبها ابن الصباغ وغيره إلى أبي إسحاق، والأصح من القولين: أنه يفتقر إلى الإذن كما ذكره المصنف، وبه قال أبو إسحاق، لكن نصه في الهبة ينبو عنه، ويكاد يجسر على ارتكاب طريقة تقرير النصين، وإن كانت عند أكثر الأصحاب ضعيفة، ويقول المنتصر لها لا يلزم من افتقارهما إلى الإذن فيما إذا لم يكن في يده يساويهما، فقد تكون تلك القوة مع اليد أوجبت الاستغناء عن الإذن، وجعل الغزالي مآخذ القولين أنَّا هل نجعل قوله: رهنت بقرينة الحال رضًا بالقبض، أو ننظر إلى مجرد الصيغة وهي لا تدل، ولو باعه شيئًا في يده، ففيه تفصيل في موضعه بين أن يوفر الثمن أو لا، والفرق بينه وبين ما نحن فيه أن البيع موجب للإقباض في الجملة، فإذا أورد المالك على ما في يد المشتري، فقد أوجب له القبض حيث نقول به هناك، والرهن والهبة ليس القبض مستحقًّا فيهما بحال، وقول المصنف لما لم يفتقر إلى نقل مستأنف هو على طريقة العراقيين، فإنهم اتفقوا على أنه لا يفتقر إلى نقل مستأنف وعند غيرهم خلاف سنذكره وقوله بعد ذلك: قولهم أنه لا يحتاج إلى نقل مستأنف لا يصح، يعني: لا يصح الاحتجاج به على عدم الإذن؛ لما ذكر من الفرق، وليس مراده: أنه لا يصح القول به؛ ولأن الكلام لا يلتئم مع ذلك.
* * *
_________________
(١) فتح العزيز (٤/ ٤٧٣).
[ ٢ / ٨٠ ]
فرع
لا فرق فيما ذكرناه بين أن يكون في يد المرتهن عن وديعة أو عارية أو غصب على ما صرح به الأكثرون ومنهم من قطع في المغصوب بافتقاره إلى إذن جديد؛ لأن يد الغاصب غير صادرة عن إذن المالك أصلًا ولا يبرأ الغاصب بالرهن، وإن تم ولزم عن الغصب خلافًا لأبي حنيفة ومالك وأحمد والمزني، وقد ذكره المصنف في باب الغصب.
لنا: أن الدوام أقوى من الابتداء، ودوام الرهن لا يمنع ابتداء الضمان بالتعدي في المرهون، ويبقى الرهن بحاله، فلأن لا يرفع ابتداء الرهن دوام الضمان أولى بخلاف البيع، فإنه يزيل الملك وبخلاف الوديعة.
إن قلنا: يبرأ بها وهو الأصح؛ لأنها منافية للضمان، فإن المودع يده للمالك والمرتهن يده لنفسه، وقد اعترض الإمام بأن طريان الضمان يتعدى المرتهن سببه إحداث المرتهن ما لم يكن له أن يحدثه، وليس سببه هذا إذن المالك للغاصب في الإمساك، قال: "ومن لا يستشعر غموض هذه المسألة فليس من الفقه في شيء فإن سبب الضمان التعدي وقد انقطع بالإذن في الإمساك في جهة غير مضمونة" (^١)، وقال الجوري: ما معناه: فإن قيل: إن حصل القبض عن الرهن، فلا ضمان وإن لم يحصل فلا رهن.
قلنا: إن قبض الغاصب ذو وجهين، فمن حيث جاز أن يكون قابضًا من غيره لنفسه جاز إذا أمره الراهن بالقبض أن يقبض لنفسه مرتهنًا، ومن حيث أنه قابض لغيره من نفسه، لم يبرأ عن الضمان فصار قابضًا من جهة غير قابض من جهة؛ كالثمرة على رؤوس النخل مقبوضة بالتخلية من وجه دون وجه. انتهى.
_________________
(١) نهاية المطلب (٦/ ٩٩).
[ ٢ / ٨١ ]
فطريق المرتهن إذا أراد البراءة أن يرده إلى الراهن، ثم له الاسترداد بحكم الراهن، فلو امتنع الراهن من أخذه، ففي إجباره عليه لتبرئة ذمة المرتهن وجهان؛ ولو طالبه الراهن وامتنع المرتهن.
قال الإمام: "القياس أنه ليس الراهن ذلك؛ لأنه أثبت للمرتهن يدًا لأزمة والمسألة ظاهرة الاحتمال" (^١).
فرع
إذا رهن المعير العارية من المستعير ولزم الرهن، كما سبق، ففي البراءة عن ضمان العارية وجهان عن صاحب "التقريب"؛ أصحهما عند الرافعي: أنه لا يبرأ (^٢). ورجح الإمام: البراءة وفرق بينه وبين المغصوب (^٣).
وقال الماوردي (^٤)، والمتولي (^٥): "أن الوجهين ينبنيان على بطلان العارية بالرهن. إن قلنا: يبطل زال الضمان وإلا فلا".
وقال ابن الصباغ: "إذا رهن العارية عند المستعير لم يزل ضمانها، وكان له الانتفاع، فإن منعه الانتفاع، ففي زوال الضمان وجهان" (^٦). وما ذكر ابن الصباغ من الانتفاع، وإشارته بذلك إلى عدم بطلان العارية بالرهن؛ حكاه القاضي أبو الطيب عن صاحب "الإفصاح"، ورأيته في "الإفصاح" احتمالًا له مع قطعه بأن الضمان لا يزول، ثم حكى أنه قيل بزواله، قال: ولا وجه له،
_________________
(١) نهاية المطلب (٦/ ١٠٢).
(٢) فتح العزيز (٤/ ٤٧٧).
(٣) نهاية المطلب (٦/ ١٠٣).
(٤) الحاوي الكبير (٦/ ٤٢).
(٥) انظر: كفاية النبيه (١٠/ ٤٨٤).
(٦) انظر: روضة الطالبين (٤/ ٦٩).
[ ٢ / ٨٢ ]
وبنى آخرون الوجهين على أن العارية تضمن ضمان الغصوب أولًا (^١).
فرع
رهن المقبوض على سبيل السَّوم والشراء الفاسد من المستام والمشترى كرهن العارية من المستعير.
فرع
لو أجر المغصوب من الغاصب فوجهان مرتَّبان على إيداعه منه، والإجارة أولى ألا تفيد البراءة: قال الرافعي: "وهو الظاهر" (^٢) وفي "روضة الطالبين" (^٣) أنه المذهب؛ لأنه ليس الغرض منها الائتمان، وقد ذكر المصنف المسألة في باب الغصب ولو وكله ببيعه أو إعتاقه فوجهان مرتَّبان على الإجارة وأولى بعدم البراءة؛ لأن في ضمن الإجارة تسليطًا على القبض والإمساك والتوكل بخلافه، وفي معنى الإجارة والتوكيل ما إذا قارضه على المال المغصوب، أو كانت جارية فزوَّجها منه.
وقال الماوردي: الأصح في القراض أنه لا يبرأ ما لم يتصرف، وإذا تصرف، فإن وقع العقد بعين المال سقط عنه الضمان بتسليمه، وإن وقع على الذمة، ونقد الثمن لم يبرأ والفرق أنه إذا اشترى بالعين صار دافعًا المال لمستحقه بإذن مالكه، وإذا اشترى في ذمته صار قابضًا لدين تعلق بذمته، ولو صرح بإبراء الغاصب عن ضمان الغاصب والمال باقٍ في يده، ففي براءته وصيرورة يده يد أمانة وجهان مبنيان على القولين في الإبراء عما لم يجب ووجد سبب وجوبه؛ لأن الغصب سبب وجوب القيمة عند التلف، والظاهر عدم حصول البراءة؛ كذا قاله الرافعي (^٤) والبناء في
_________________
(١) انظر: نهاية المطلب (٦/ ٢١٠).
(٢) فتح العزيز (٤/ ٤٧٦).
(٣) روضة الطالبين (٤/ ٦٨).
(٤) فتح العزيز (٤/ ٤٧٦).
[ ٢ / ٨٣ ]
"النهاية".
وقال ابن الرفعة: ظاهر النص في "المختصر" و"الأم" صحة البراءة، ولأجل ذلك اقتصر عليه الماوردي.
وقال في "الشامل": إنه الظاهر قال: ويجوز أن يقال: مأخذ الوجهين أن الإبراء في الضمان: هل يتضمن الإذن في الإمساك على حكم الوديعة أو لا؟ كالوجهين فيما إذا حفر الغاصب بئرًا في الأرض المغصوبة، وأبرأه المالك من ضمانها هل يصح ويصير كأنه حفر بالإذن، فلا يضمن ما يسقط فيها أو لا؟
فرع
وهب لرجل عبدًا وأذن له في رهنه صحّ ولم تتم الهبة؛ لأن الإذن في الرهن ليس يقبض، ثم إن أقبض المرتهن تم الرهن بالعقد السابق عن إذنه، والقبض الحادث عن إذنه، ولم تتم الهبة؛ لأن قبضه رهنًا غير قبضه هبةً، ويكون حكم هذا العبد حكم المعار في الرهن؛ قاله الروياني (^١).
* * *
_________________
(١) بحر المذهب (٥/ ٢٩٣).
[ ٢ / ٨٤ ]
قال:
فإن عقد على عين رهنًا وإجارة، وأذن له في القبض عن الرهن والإجارة صار مقبوضًا عنهما.
يجوز اجتماع الرهن والإجارة عندنا.
وقال أبو حنيفة: "لا يجتمعان وأيهما تأخَّر رفع الأول" (^١) لنا أنهما واردان على محلين: الإجارة على المنفعة، والرهن على الرقبة، فلم يتنافيا كالإجارة والنكاح وكما لو أعار من المرتهن لا يرتفع الرهن اتفاقًا إذا عرف هذا، فإن أذن له في القبض عنهما صار مقبوضًا عنهما بلا إشكال، ولا فرق بين أن تتقدم الإجارة أو تتأخر، ولا فرق بين أن يكون في يد الراهن فيأذن ويقبض، أو في يد المرتهن المستأجر فيأذن له.
* * *
_________________
(١) انظر: فتح العزيز (٤/ ٤٨٥).
[ ٢ / ٨٥ ]
قال:
وإن أذن له في القبض عن الإجارة دون الرهن، لم يصر مقبوضًا عن الرهن؛ لأنه لم يأذن له في قبض الرهن.
هذا أيضًا ظاهر، وهو إذا كانت العين في يد الراهن لا خلاف فيه، وإذا كانت في يد المرتهن فرهنها وأجرها منه وأذن له في قبضها عن الإجارة دون الرهن، فينبغي أن يكون في قبضها عن الرهن أيضًا للخلاف السابق في أنه هل يفتقر إلى إذن أو لا؟ وكان المصنف فرع على الأصح، وهو أنه لابد من الإذن.
* * *
[ ٢ / ٨٦ ]
قال:
وإن أذن في القبض عن الرهن دون الإجارة، صار مقبوضًا عنهما؛ لأنه إذن في قبض الرهن، وقبض الإجارة لا يفتقر إلى الإذن؛ لأنه مستحقٌّ عليه.
هذا ظاهر إذا أوجبنا البداءة بالمؤجر أو لم يوجبها، ولكن وفر المستأجر الأجرة، أما إذا لم يكن كذلك، وأثبتنا للمؤجر حق الحبس، فيحتمل أن يقال: إنه بتسليمه عن الرهن قاطع بحق الحبس ويحتمل أن ينازع فيه، وهو قريب مما إذا أودع البائع المبيع من المشتري، وفي سقوط الحبس بذلك وجهان؛ أصحهما: عدم السقوط، وهو الذي قاله القاضي أبو الطيب في كتاب الشفعة، حتى إذا تلف في يد المشتري تلف من ضمان البائع، وقد يقال: الرهن أولى بإسقاط حق الحبس؛ لأن يد المرتهن مستقلة، ويد المودع بائنة عن المالك، فأشبه المرتهن المستعير والإعارة تسقط حق الحبس في الأصح، وبهذا يستمر إطلاق المصنف أنه يصير مقبوضًا عنهما، لكن تعليله يرشد إلى أن الصورة حيث يكون قبض الإجارة مستحقًّا، وإنما يكون كذلك إذا وفر الأجرة، أو كانت مؤجلة، أو قلنا: البداءة بالمؤجر.
* * *
[ ٢ / ٨٧ ]
قال:
فصْل