ويجوز مؤجلًا للآية (^١).
الآية الكريمة دالة على ذلك بالطريق السابق، وحديث ابن عباس الذي سيأتي صريح في ذلك، وإجماع القائلين به.
* * *
_________________
(١) وهي قوله تعالى: ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [البقرة: ٢٨٢].
[ ١ / ٣٨٨ ]
قال:
ويجوز حالًا؛ لأنه إذا جاز مؤجلًا فِلأَنْ يجوز حالًا، وهو من الغرر (^١) أبعد، أولى.
لا خلاف عندنا في ذلك (^٢)، وممن قال به: عطاء في آخر أمره، والأوزاعي، وأبو ثور.
وقال أبو حنيفة (^٣) وغيره من فقهاء العراق: والظاهر به لا يجوز حالًا؛ لحديث ابن عباس الآتي؛ إذ فيه: "مَنْ أَسْلَفَ فَلْيُسْلِفْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ، وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ" (^٤). وقياسًا على الإجارة؛ لأن كلًّا منهما لا يشترط فيه ملك المعقود عليه في الحال، وتمسكًا بدلالة اسم السلم على التأجيل، وحكى ذلك عن [الأوزاعي] (^٥) وأحمد (^٦)، والمشهور عن مالك كمذهبنا (^٧). وقال عبد الوهاب: إن الصحيح من مذهبه اشتراط الأجل (^٨).
والجواب عن الحديث: أن المراد كون الأجل معلومًا إذا كان إلى أجل،
_________________
(١) زاد في المخطوطة: "أولى"، والصواب ما أثبتناه كما في المهذب.
(٢) الحاوي (٥/ ٣٩٦)، أسنى المطالب (٢/ ١٢٤)، مغني المحتاج (٢/ ١٠٥)، البجيرمي على المنهج (٢/ ٣٢٩).
(٣) انظر: المبسوط (١٢/ ١٢٧)، تبيين الحقائق (٤/ ١١٤)، فتح القدير (٧/ ٨٦).
(٤) أخرجه البخاري (٢٢٤٠)، ومسلم (١٦٠٤).
(٥) في المخطوطة: "والأوزاعي".
(٦) انظر: الفروع (٦/ ١٤٥)، الإنصاف (٥/ ٧٧)، المبدع (٣/ ٣٦٦).
(٧) انظر: التاج والإكليل (٦/ ٤٩٩)، حاشية الخرشي (٥/ ٢١٢)، الفواكه الدواني (٢/ ٩٨).
(٨) المعونة على مذهب عالم المدينة (ص: ٩٨٨).
[ ١ / ٣٨٩ ]
وأما اشتراط الأجل فلا، كما لا يشترط أن يكون مكيلًا أو موزونًا.
وقد وافق أبو حنيفة (^١) على جواز السلم في المزروع، وزاد فقال في المعدود بالعدد، فإن قالوا الحديث في الثمار، وهي إما مكيلة أو موزونة.
قلنا: فإذا اختص (^٢) بسببه، فهي بسلم فيها، وهي معدومة، وحينئذٍ الأجل شرط فيها عندنا وعندكم، ولعل الحديث ورد وهي معدومة، وعن الإجارة أن ذلك ليس بتأجيل، بل لتقدير المعقود عليه؛ ولذلك إذا أمكن التقدير بالعمل لا يشترط، وعن التمسك بالاسم، فإن اسم السلم وضع لتعجيل عاجل، وأما كون مقابله مؤجلًا، فلا دلالة له عليه، ولئن سلمناه، فكونه دينًا كافٍ في ذلك.
واستدل الأصحاب أيضًا: بأنه عقد معاوضة لا يشترط فيه التنجيم، فلا يشترط فيه التأجيل كالبيع، والمسلم فيه لا يجب تعيينه، فهو كالثمن يجوز حالًّا ومؤجلًا، ورأس المال يجب تعيينه، فأشبه المبيع لا يدخل فيه الأجل.
والدليل المذكور في الكتاب [هو] (^٣) دليل الشافعي. وقد استدل الشافعي والبيهقي بأشياء لم يظهر لي الاستدلال بها إلَّا إن ثبت أن حكم المسلم فيه حكم الأثمان الثابتة في الذمة.
منها: أن رسول الله ابتاع من أعرابي جزورًا بتمر، وكان يرى أن التمر عنده، فإذا بعضه عنده وبعضه ليس عنده فَأَبَى، فاستسلف له النبي ﷺ تمره فدفعه إليه.
واستدلال المصنف يسبقه به الشافعي، واعترضوا بالكتابة، فإنها جوزت
_________________
(١) انظر: بدائع الصنائع (٥/ ٢٠٨، ٢٠٩)، المحيط البرهاني (٧/ ١٧٣)، الهداية شرح البداية (٣/ ٧١)، البحر الرائق (٦/ ١٧٠)، مجمع الأنهر (٣/ ١٣٩).
(٢) زيدَ هنا في المخطوطة: "فإذا اختص". وهي زيادة بدون فائدة.
(٣) في المخطوطة: "هي"، والصواب ما أثبتناه.
[ ١ / ٣٩٠ ]
مؤجلة مع الغرر، ولم يجر حاله.
وأجاب الأصحاب: أن الأجل فيها نفي للغرر، والحلول إثبات له؛ لعدم قدرة العبد، ولم [ير نص الإمام ذلك] (^١)، وأجاب بأن السلم موضوع لمصالح المعاملات وليس نائبًا عنها؛ أي: الكتابة، فلما تعذر الكتابة، وكان ذلك لأجل الرفق، فإذا زال الرفق فارقت موردها الشرعي.
فرع
إذا ثبت جوازه حالًّا ومؤجلًا، فما الأصل فيه منهما فيه ثلاثة أوجه في "الحاوي": "أحدها: التأجيل، والحلول رخصة.
والثاني: عكسه.
والثالث: هما سواء؛ لقيام الدليل عليهما" (^٢).
فلو شرط في حلول أو تأجيل اتبع، وإن أطلق فقيل: يبطل، والأصح الصحة، ويحمل على الحلول، وسيأتي ذلك في كلام المصنف.
* * *
_________________
(١) كذا في المخطوطة.
(٢) الحاوي (٥/ ٣٩٦، ٣٩٧). بمعناه.
[ ١ / ٣٩١ ]
قال:
ويجوز في [المعدوم] (^١) إذا كان موجودًا عند المحل؛ لما روى ابن عباس ﵁ قال: قدم رسول الله ﷺ المدينة وهم يُسلفونَ في الثمار السنتين والثلاث، فقال: "أَسْلِفُوا فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ، وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ، إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ"، فلو لم يجز السلف في المعدوم لنهاهم عن السلف في الثمار السنتين والثلاث.
هذا الحديث متفق عليه، رواه البخاري (^٢) ومسلم (^٣) واتفق أصحابنا على حكم المسألة (^٤) خلافًا لأبي حنيفة (^٥)، ومالك في رواية (^٦).
أما أبو حنيفة: فاشترط وجوده من العقد إلى المحل، ووافقه النووي (^٧) والأوزاعي، والحديث حجة عليهم؛ لأن الثمار معلوم أنها لا تبقى السنتين والثلاث، فلو اشترط ذلك لم يصح السلم في الرطب إلى هذه المدة، ولنهاهم النبي ﷺ عنه، وهذا دليل الشافعي في "الأم" (^٨).
وأما مالك، فالذي رأيته في كتب بعض أصحابه كمذهبنا، ولكن
_________________
(١) في المخطوطة: "العدوم".
(٢) البخاري (٢٢٤٠).
(٣) مسلم (١٦٠٤).
(٤) انظر: فتح العزيز (٩/ ٢٤٣)، أسنى المطالب (٢/ ٢٦)، مغني المحتاج (٢/ ١٠٦).
(٥) انظر: المبسوط (١٢/ ١١٠)، بدائع الصنائع (٥/ ٢١١)، المحيط البرهاني (٧/ ١٥٩)، تبيين الحقائق (٤/ ١١٣)، فتح القدير (٧/ ٩٠).
(٦) انظر: عيون المسائل (ص: ٤٢١)، الاستذكار (٦/ ٣٨٥)، المنتقى للباجي (٤/ ٣٠٠)، منح الجليل (٥/ ٣٧٤).
(٧) روضة الطالبين (٤/ ١١).
(٨) الأم (٣/ ١٠٢).
[ ١ / ٣٩٢ ]
أصحابنا نقلوا عنه رواية أنه اشترط وجوده عند العقد، وعند المحل دون ما بينهما، وهذا وإن لم يكن الحديث صريحًا في رده، لكنه لا معنى له.
قال الأصحاب: ما قبل المحل ليس محلًّا للتسليم، فلم يكن وجوده فيه شرطًا كما بعد المحل.
واحتجت الحنفية بحديث من رواية أبي إسحاق عن رجل من نجران عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ قال: لا تُسْلِمُوا فِي النَّخْلِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهُ".
يعني: في ثمر النخل. رواه أبو داود (^١) والبيهقي (^٢).
ونهيه ﷺ حكيمًا عن بيع ما ليس عنده، وبأنه قد يموت المسلم إليه قبل المحل، فيستحق عليه، فينبغي أن يكون شرطًا كما عند المحل.
واحتجت المالكية بقياس الابتداء على الانتهاء، فلما كانت القدرة عند المحل شرطًا كانت عند العقد شرطًا بطريق الأوْلَى، ألا ترى أن العبد الآبق تعتبر القدرة عليه عند العقد، ولا تعتبر ما بعد ذلك.
والجواب عن الحديث أنه من رواية رجل من أهل نجران وهو مجهول، ثم لو صح لحُمِلَ على بيع الأعيان، كما حمل حديث حكيم على بيع الأعيان، واحتمال موت المسلم إليه لا نظر إليه؛ لأن الأصل السلامة، وإلا لأبطلنا كل عقد لاحتمال التلف.
وأما ما ذكرته المالكية، فذلك في بيوع الأعيان، أما السلم، فحال المحل أقوى من حال العقد؛ لأنه لو كان موجودًا عند العقد معدومًا عند المحل كان باطلًا.
_________________
(١) في سنته (٣/ ٢٩٣) (برقم: ٣٤٦٩).
(٢) في الكبرى (٦/ ٢٤) (برقم: ١٠٨٩٦).
[ ١ / ٣٩٣ ]
تنبيه:
القدرة عند المحل شرط بلا خلاف عندنا وعندهم، وهي ها هنا بمثابة القدرة على التسليم في بيع الأعيان حالة العقد، فلا يجوز السلم الحال إلا في موجود عند العقد بلا خلاف.
تنبيه آخر:
المراد بالمعدوم: ألَّا يكون عند المسلم إليه ولا عند غيره، أما المعدوم عند المسلم إليه، وهو موجود عند غيره، فلا خلاف في جوازه، ففي البخاري عن ابن أبي أوفى قال: "إِنْ كُنَّا نُسْلِفُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَأَبي بَكْرٍ وَعُمَرَ فِي الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالتَّمْرِ وَالزَّبِيبِ إِلَى قَوْمٍ مَا هُوَ عِنْدَهُمْ" (^١).
وسأل محمد بن أبي المجالد عبد الرحمن بن أبزى، وعبد الله بن أبي أوفى عن السلف، فقالا: "كُنَّا نُصِيبُ الْمَغَانِمَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَكَانَ يَأْتِينَا أَنْبَاطٌ مِنَ الشَّامِ، فَنُسْلِفُهُمْ فِي الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالزَّيْتِ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى، قَالَ: أَكَانَ لَهُمْ زَرْعٌ، أَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ زَرْعٌ؟ قَالَ: مَا كُنَّا نَسْأَلُهُمْ" (^٢).
فرع
"أسلم إلى محرم في صيد إلى أجل يعلم خروجه من الإحرام عنده" (^٣)، قال في "البحر": "الأظهر جواز السلم" (^٤)، وفي النسخة سقم.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢٢٤٢) من طريق وكيع عن شعبة دون زيادة "إِلَى قَوْمٍ مَا هُوَ عِنْدَهُمْ". وأخرجه أبو داود (٣٤٦٦) من طريق ابن كثير عن شعبة بهذه الزيادة، وقال: هذه الزيادة من ابن كثير.
(٢) أخرجه البخاري (٢٢٥٤).
(٣) بحر المذهب (٥/ ١٧١).
(٤) المصدر السابق.
[ ١ / ٣٩٤ ]
والذي فهمت منه أنه على القول يحل الصيد بالتحلل الأول، وأن فوات وقت رمي الجمرة يفيد التحلل، وأن الحلق ليس بنسك، ويكون السلم بعد الوقوف؛ ليعلم يقينًا أنه لو بقي على شرط التكليف أبيح له الصيد. ومقتضى ذلك: أنه لا يصح (^١) من المحرم إلَّا بهذه الشروط.
* * *
_________________
(١) زيدَ هنا في المخطوطة: "من".
[ ١ / ٣٩٥ ]
قال:
ويجوز السلم في الموجود؛ لأنه إذا جاز [السلم] (^١) في المعدوم، فلأن يجوز في الموجود أولى؛ لأنه أبعد من الغرر.
هذا لا خلاف فيه، فهو غني عن القياس على ما هو مختلف فيه، لكن المصنف لما أثبت ذلك بالنص أحبَّ أن يقيس هذا عليه، ووجه القياس والأولوية ظاهر.
* * *
_________________
(١) من المطبوع من المهذب.
[ ١ / ٣٩٦ ]
قال:
فصل