وإذا فسخ أو انفسخ، فهل ينفسخ ظاهرًا وباطنًا أم لا؟
فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: ينفسخ ظاهرًا وباطنًا؛ لأنه فسخ بالتحالف، فوقع ظاهرًا وباطنًا كفسخ النكاح باللعان، ولأنه فسخ بيع؛ لاستدراك الظُّلامة، فصح ظاهرًا وباطنًا، كالرد بالعيب.
والثاني: أنه ينفسخ في الظاهر دون الباطن؛ لأن سبب الفسخ هو الجهل بالثمن، والثمن معلوم في الباطن مجهول في الظاهر، فلما اختصت الجهالة بالظاهر دون الباطن اختص البطلان بالظاهر دون الباطن.
والثالث: [أنه] (^١) إن كان البائع هو الظالم وقع الفسخ في الظاهر دون الباطن؛ لأنه يمكنه أن يصدق المشتري، ويأخذ منه الثمن ويسلم إليه المبيع؛ فإذا لم يفعل كان ممتنعًا من تسليم المبيع بظلم، فلم ينفسخ البيع، وإن كان البائع مظلومًا، انفسخ ظاهرًا وباطنًا؛ لأنه تعذر عليه أخذ الثمن ووجد عين ماله، فجاز له أن يفسخ ويأخذ عين ماله، كما لو أفلس [المشتري] (^٢)، ووجد البائع عين ماله.
_________________
(١) أثبتناه من المطبوع من المهذب.
(٢) أثبتناه من المطبوع من المهذب.
[ ١ / ١٢١ ]
فإن قلنا: إن الفسخ يقع في الظاهر والباطن، عاد المبيع إلى ملك البائع، وإلى تصرفه.
وإن قلنا: أن الفسخ في الظاهر دون الباطن نظرتَ: فإن كان البائع هو الظالم، لم يجز له قبض المبيع والتصرف فيه، بل يلزمه [أن يأخذ] (^١) ما أقرّ به المشتري من الثمن، ويسلم المبيع إليه، وإن كان مظلومًا، لم يجز له التصرف في المبيع بالوطء والهبة؛ لأنه على ملك المشتري، ولكن يستحق البائع الثمن في ذمة المشتري، ولا يقدر على أخذه منه، فيبيع من المبيع بقدر حقه، كما نقول فيمن له على رجل دين، ولا يقدر على أخذه منه، ووجد شيئًا من مالِه.
الأوجه الثلاثة في حالة الفسخ مشهورة في الطرق، وأما في حالة الانفساخ إذا قلنا به بنفس التحالف، فكذلك على ما قاله المصنف، والشيخ أبو حامد، والقاضي أبو الطيب، والماوردي (^٢) والمحاملي، وابن الصباغ، وصاحب "التتمة" وغيرهم (^٣).
وجزم طائفة بالانفساخ ظاهرًا وباطنًا منهم القاضي حسين، والفوراني، والإمام (^٤)، ولأجل ذلك قال الرافعي: "إنهم اختلفوا في جريان الخلاف" (^٥)، وسمى النووي في "الروضة" (^٦) اختلافهم في ذلك
_________________
(١) ما بين المعقوفين أثبتناه من المطبوع من المهذب. وهو ساقط من المخطوطة.
(٢) الحاوي الكبير (٥/ ٣٠٣).
(٣) انظر: بحر المذهب للروياني (٥/ ١٣)، البيان في مذهب الإمام الشافعي (٥/ ٣٦٥)، أسنى المطالب (٢/ ١١٩).
(٤) نهاية المطلب (٥/ ٣٥٤).
(٥) فتح العزيز (٩/ ٢٢٨).
(٦) انظر: روضة الطالبين (٣/ ٥٨٤).
[ ١ / ١٢٢ ]
وجهين، والأصح طريقة إجراء الخلاف؛ لأن الأكثرين عليها، ولأن مدارك الخلاف موجودة في الحالتين.
وأما الترجيح فمختلف كما سيأتي، وهل يطرد الخلاف في جميع صور إنشاء الفسخ سواء أصدر من القاضي أم من المتعاقدين أو مختص ببعض الأحوال الذي دل عليه كلام الشيخ أبي حامد في "التعليقة الكبرى"، والمحاملي في "المجموع": أنه جاز مطلقًا، ورأى الإمام (^١) أنه يختص من صور النسخ بفسخ القاضي، فإن فسخه يرجع إلى مصلحة.
قال الغزالي: "والظاهر الانفساخ باطنًا؛ لينتفع به المحق" (^٢).
وأما فسخ المتعاقدين إذا رأيناه، قال الإمام (^٣): فإن صدر من المحق، فالوجه بتقيده باطنًا، وإن صدر من المبطل، فالوجه القطع بمنعه، وإن صدر منهما، فلا شك في الانفساخ باطنًا، وليس كذلك موضع الخلاف؛ لأنه صدر من محق بيقين، فإن كان هو البائع، فكالرجوع بالفلس، وإن كان المشتري فالمبيع لم يسلم بالثمن الواقع في علم الله تعالى، فإذا تعذر استيفاء المبيع على الجهة المستحقة في العقد، فثبوت الخيار للمشتري أوجه، فإِنَّ مَنْ لم يثبت الخيار للبائع تعذر الفلس، أثبت الخيار للمشتري بتعذرات؛ نظرًا على المبيع، وعلل في "الوسيط" (^٤)، فيما إذا صدر منهما بأن ذلك كالإقالة، وهو بعيد، فإن الإقالة يشترط فيها أن تكون واردة منهما على هبة العقود من الإيجاب والقبول.
والفسخ ها هنا قد لا يكون على هذه الصفة، بل يكون صادرًا من كل منها
_________________
(١) نهاية المطلب (٥/ ٣٥٥).
(٢) الوسيط في المذهب (٣/ ٢١٤).
(٣) نهاية المطلب (٥/ ٣٥٥).
(٤) الوسيط في المذهب (٣/ ٢١٤).
[ ١ / ١٢٣ ]
على وجه الاستقلال مع تراخي أحدهما عن الآخر، وتعليل الإمام سالم عن هذه الأعراض، غير أنه إنما يتم له ذلك في الصور الثلاث بعد تقرير أن فسخ البائع إذا كان محقًّا كرجوع المفلس، وفسخ المشتري المحق أولى، والذي يخص الانفساخ بالظاهر مطلقًا قد سارع في ذلك؛ لأنه إنما تعذر بتقيده في الظاهر دون الباطن، وكل منهما قد يتوصل إلى الظَّفَر بحقه، بخلاف الفلس والتعذرات المحققة الموجبة لفسخ المشتري، ولو أن أحد المتبايعين جحد الآخر البيع بالكلية وحلف عليه ولم يكن للمدعي بينة فما أظن الأصحاب يسمحون بإثبات الفسخ له فضلًا عن القطع به، ولو كان التعذر في الظاهر مبنيًّا لذلك لكنا نقول للمدعي: إن كنت محقًّا، فلك فيما بينك وبين الله تعالى أن تفسخ.
نعم قد تقدم من نقل الهروي عن الشافعي نص (^١) يقتضي التعريض يقول: إنه بالجحود والحلف ينفسخ العقد، والمشهور خلافه، وأيضًا فليس فيه إثبات الفسخ لأحدهما، لكن قد يقال: إن الشرع لما جوز الفسخ بعد التحالف فالأليق أن يعوض ذلك إلى المحق ونتيجته الانفساخ باطنًا، ولما كان المحق غير معلوم كان لنا في الطريق إليه أمران؛ إما أن يقول بفسخ كل منهما، فيتحقق صدور الفسخ من المحق، كما نبهت عليه فيما تقدم، وقلت: إنه لم يصرح به أحد من الأصحاب مع حسنة واحدة من كلام ابن الصباغ، وإما أن يقال: إنا نعوضه في الظاهر إليهما ونحكم بانفساخه بكل منهما ظاهرًا، فمن كان هو المحق، وفسخ؛ فقد نفذ ظاهرًا وباطنًا، والحاكم كالمحق؛ لأنَّا نقطع بتفويض الفسخ إليه؛ إما استقلالًا: إما على وجه، وإما بحكم امتناعهما على وجه.
والطريقة الأولى أقرب إلى التحقيق، والثانية أقرب إلى كلام الأصحاب، وعلى كل حال، فيظهر في فسخ المحق الانفساخ ظاهرًا وباطنًا ولا يلزم
_________________
(١) انظر: كفاية النبيه (٩/ ٣٠٨).
[ ١ / ١٢٤ ]
القطع بذلك ونفي الخلاف، بل إن هذا هو الراجح، وفي فسخ المبطل عدم الانفساخ باطنًا، وفي نسخ الحاكم أنه كفسخ المحق.
واعلم أن إطلاق الوجه الثالث يشمل ما إذا كان الفاسخ هو البائع أو المشتري أو الحاكم، لكن الحكم بالانفساخ باطنًا؛ لكون البائع مظلومًا، وقد صدر الفسخ من المشتري وحده مشكل، وعلة الوجه المذكور لا يقتضيه، وقد تقدم التنبيه على ذلك، والحكم بعدم الانفساخ باطنًا إذا كان البائع ظالمًا، وقد صدر الفسخ منه صحيح.
لكن إذا صدر الفسخ من المشتري أو الحاكم، ينبغي النفوذ باطنًا؛ لأن المشتري مظلوم، فكما رفعنا العقد؛ مراعاة لحق البائع يرفعه؛ مراعاة لحق المشتري، إلَّا فما الفرق؟ وكيف يجري الوجه المفصل في فسخ الحاكم أو المشتري؟
وقد خطر لي في حل هذا الإشكال أمور غير سالمة من نظر:
أحدها: أن يحمل كلام الأصحاب على صورة واحدة، وهي: ما إذا كان الفاسخ هو البائع كما يرشد إليه علة الوجه المذكور التي ذكرها المصنف حتى إذا كان الفاسخ هو المشتري ينعكس الحكم، وهذا يرده قول المصنف في أول الفصل، إذا فسخ أو انفسخ، فإن ذلك يقتضي جريان الوجه الثالث على القول بالانفساخ.
وثانيها: أن يحمله على ما إذا كان الاختلاف والثمن في الذمة، وحينئذ يرجح جانب البائع على جانب المشتري، فإن البائع لو لم يفسخ بقيت العين على ملك المشتري، وحصل للبائع الضرر، والمشتري إذا لم يفسخ لم يحصل له ضرر؛ لأن الثمن الذي في ذمته لا يجب عليه تسليم ما لم يتسلم العين، فكذلك مكنا البائع من الفسخ دون المشتري، وينطبق عليه تفصيل صاحب الوجه المذكور، وكونه خص ذلك بالبائع، واستشعرت هذا من
[ ١ / ١٢٥ ]
قول الرافعي عقب حكاية الأوجه المذكورة: "أن هذا كله مفرغ في قالب واحد، وهو أن يكون الاختلاف في قدر الثمن، وللإمام عبارة تحوي هذه الصورة وغيرها من الصور" (^١).
وذكر تفصيل الإمام (^٢) بين فسخ المحق وغيره، وهذا الحمل لو صح لاقتضى القول بالفسخ باطنًا فيما إذا كان المحق هو المشتري، والثمن معين، فإنه حينئذ يكون كالبائع، وحينئذ يقال: الفسخ ينفذ باطنًا، إذا صدر من المحق، وكان يتوصل إلى استرجاع عين، وفي ذلك موافقة للإمام من وجه دون وجه، لكن هذا يخدشه أن المشتري أيضًا قد يكون له غرض في ارتفاع العقد باطنًا، وإن كان الثمن في الذمة؛ لأن المبيع إذا بقي على ملكه تلحقه جنايته وتجب عليه فطرته، وقد يقال: تجب عليه نفقته كالمغصوب؛ لأن المنع من التمكن ليس منه، وإذا كان للمشتري اتجه أن يمكنه من الفسخ ورفعه باطنًا لحقه كالبائع.
وثالثها: إذا جعل الوجهين الأولين عامَّين في حالة الفسخ والانفساخ، ورخص الوجه الثالث بحالة الفسخ، وهذا وإن كان صدر كلام المصنف يخالفه فهو أقرب من حيث المعنى؛ لأن الانفساخ لا فرق فيه بين البائع والمشتري، إلَّا أن يقال: جانب البيع أرجح، كما بدأنا به في اليمين، وهو بعيد في هذا الموضع.
وعند هذا يتبين الأقرب أنا إذا قلنا بالانفساخ ارتفع باطنًا، وإن قلنا بالفسخ نفذ من المحق أو الحاكم دون غيرهما، ولا يلتزم نفي الخلاف في شيء من ذلك، كما اقتضاه كلام الإمام (^٣).
_________________
(١) فتح العزيز (٩/ ١٩٠). بتصرف يسير.
(٢) نهاية المطلب (٥/ ٣٥٦).
(٣) نهاية المطلب (٥/ ٣٥٥).
[ ١ / ١٢٦ ]
وقد ذكر الرافعي (^١) ﵀ الأوجه الثلاثة، ولم يصحح منها، ثم ذكر ما قلناه إن [ذُكِر مفرع في قالب واحد] (^٢)، وهو أن يكون الاختلاف في قدر الثمن، وللإمام عبارة تحوي هذه الصورة وغيرها إلى آخره، وهذا الكلام منه يشعر بأن كلام الإمام التحالف ما تقدم في المعنى، وأنت قد بان لك أنه مخالف، وأنه يحسن أن تَجعل وجهًا غير الثلاثة المتقدمة في كلام الرافعي وغيره.
ثم الرافعي ﵀ إن أراد أن يكون الثمن في الذمة؛ فهو متجه بعض اتجاه على ما قدمته في تخريج كلام الأصحاب، وأنه لا ضرورة للمشتري إلى الفسخ حينئذ، لكني أوردت عليه ما تقدم، وأيضًا فعبارة الرافعي ليست موفية بذلك؛ إذ الاختلاف في قدر الثمن قد يكون وهو معين، وقد يكون الثمن في الذمة، ولا يختلفان في قدره، بل في جنسه أو صفته.
ثم إن النووي ﵀ أسقط في "الروضة" (^٣) هذا الكلام، واقتصر حكاية كلام الإمام مخالف، وهو وإن سلم من هذا الإشكال، فلم يوف بالاختصار، وأوهم أن كلام الإمام مخالف للأوجه الثلاثة، وذلك وإن كان حقًّا، فهو مخالف لمدلول كلام الرافعي (^٤).
ثم إن النووي أسقط في "الروضة" (^٥) نسبة تعليل نفوذ الفسخ منهما إلى "الوسيط" (^٦)، وجعله مدرجًا مع كلام الإمام، وعطف عليه أنه إن صدر من المبطل، فطريق إنشاء الفسخ، وإن صدر من القاضي، فالظاهر الانفساخ باطنًا ويقويه من عبارة "الروضة" أن ذلك بقية كلام الرافعي، وهو من كلام الغزالي ذكره الرافعي بعد حكايته عنه التعليل المذكور عن "الوسيط" (^٧)،
_________________
(١) فتح العزيز (٩/ ١٩٠).
(٢) كذا في المخطوطة.
(٣) انظر: روضة الطالبين (٣/ ٥٨٤).
(٤) فتح العزيز (٩/ ١٩٠).
(٥) روضة الطالبين (٣/ ٥٨٤).
(٦) الوسيط في المذهب (٣/ ٢١٣).
(٧) المصدر السابق نفس الموضع.
[ ١ / ١٢٧ ]
وإذا أردت ذلك، فانظر "الشرح" (^١) و"النهاية" (^٢) و"الروضة" (^٣).
وقد بقي من شرح هذه المسألة أمران:
أحدهما: أن العراقيين أطبقوا على حكاية الأوجه الثلاثة، هكذا مرسلة في الأموال كلها في هذا الباب، والماوردي (^٤) وغيره من العراقيين قالوا في كتاب الدعاوى: إن قلنا: العقد ينفسخ بنفس التحالف؛ انفسخ ظاهرًا وباطنًا.
وإن قلنا: يفسخه الحاكم، فهو لا يجوز له ما لم يعرض عليهما الرضا بأحد الأمرين، فإذا عرض عليهما ذلك وأبياه وفسخه، هل ينفسخ ظاهرًا فقط أو ظاهرًا وباطنًا فيه وجهان، وفي هذا بعض الموافقة لطريقة الخراسانيين، [والخراسانيون] (^٥) لم يرسلوا الأوجه الثلاثة هكذا، بل لهم طريقان على القول بالفسخ:
إحداهما: إن كان المشتري كاذبًا انفسخ باطنًا، وإن كان البائع كاذبًا فوجهان، وهذه طريقة القاضي حسين والفوراني.
والثانية: إن كان البائع كاذبًا فلا ينفسخ باطنًا وجهًا واحدًا، وإن كان صادقًا فوجهان، وهذه طريقة الشيخ أبي محمد.
قال الإمام: "والطريقة المشهورة هي الأولى" (^٦)، ومن الطريقتين ينتظم ثلاثة أوجه تفريعًا على قولنا: إن العقد لا ينفسخ بنفس التحالف، وأما إذا قلنا: ينفسخ بنفس التحالف، فالمراوزة المذكورون يطبقون على الانفساخ باطنًا.
_________________
(١) فتح العزيز (٩/ ١٩٠).
(٢) نهاية المطلب (٥/ ٣٥٥).
(٣) روضة الطالبين (٣/ ٥٨٤).
(٤) الحاوي الكبير (١٧/ ٣١٨).
(٥) في المخطوطة: "والخراسيون".
(٦) نهاية المطلب (٥/ ٣٥٤) بمعناه.
[ ١ / ١٢٨ ]
والوجه الثالث المذكور، قال الماوردي: "إن أبا إسحاق المروزي أشار إليه" (^١)، والوجهان الأولان أطلق في "التعليق" عن ابن أبي هريرة أنهما قولان، وإذا قلنا بأن الفسخ لا ينفذ باطنًا إذا صدر من المبطل على الأصح، فطريق الصادق أنشأ الفسخ إن أراد الملك فيما عاد إليه هكذا، قاله الغزالي (^٢) والرافعي (^٣) عنه كما تقدم، وهو مستمر على قولنا: إن الفسخ من الصادق نافذ أو منهما.
أما من يقول: بأن الفسخ يختص بالظاهر مطلقًا، كما هو الوجه الثاني، فلا نقول بذلك، وإذا صدر الفسخ من الحاكم.
وقلنا: بالوجه الضعيف أنه لا ينفذ باطنًا.
قال الإمام: "فالظاهر أنه ينفذ فسخ المحق باطنًا، وإن كان لا يستقل به في الظاهر. هكذا ذكره شيخي، والدليل الباتُّ فيه: أنا لو لم نثبت هذا المسلَك، لما كان في الحكم بالفسخ ظاهرًا فائدة" (^٤).
قلت: وهذا على قوله: إن الفسخ إذا صدر من المحق حيث يفوضه إلى المتعاقدين نافذ قطعًا، أما من يخصه بالظاهر مطلقًا، فلاءَمَ على طريقته الاحتمال منقدح فيه إذا قلنا: الفسخ يختص بالقاضي، ودعوى الإمام أنا لو لم نثبت هذا المسلك لم يكن في الفسخ فائدة قد يمنع بأن فائدته الظفر بمال من له عليه حق.
الأمر الثاني: في الاستدلال للأوجه المذكورة:
أما الأول: القائل بالانفساخ باطنًا، فقاسه في الكتاب على اللعان، والرد
_________________
(١) الحاوي الكبير (٥/ ٣٠٤).
(٢) الوسيط في المذهب (٣/ ٢١٤).
(٣) فتح العزيز (٩/ ١٩١).
(٤) نهاية المطلب (٥/ ٣٥٦).
[ ١ / ١٢٩ ]
بالعيب.
وقاسه الشيخ أبو حامد مع ذلك على النكاحين إذا لم يعلم السابق منهما، فإنا نفسخ العقد في الظاهر والباطن.
وأجاب عنه: بأنا جهلنا عين السابق ولا نرجو التوصل إليه فيما بعد، وها هنا وإن جهلنا عين الثمن، فلم نأيس من الوقوف عليه فور أنه أن يعلم عين السابق في النكاح، ولكن أشكل بعد ذلك، فتوقف، ولأجل ظهور والجواب عن هذا القياس - والله أعلم - تركه المصنف.
والجواب: عن قياسه على اللعان تقدم في تقرير أنه لا ينفسخ بنفس التحالف، وأما قياسه على العيب: ففيما إذا صدر الفسخ من المحق قياس صحيح، بل هو فرد من أفراد العيب، فلا جرم نقول بالانفساخ باطنًا.
وأما إذا صدر من غير المحق، فالجواب: أن الموجب للانفساخ باطنًا هو العيب، وهو حاصل في الباطن، ولا كذلك هنا، وبهذا نعلم تقرير الوجه الثاني، فيما إذا صدرَ الفسخ من غير المحق.
وجوابه إذا صدر من المحق: فالحق من الوجهين التفصيل كما ذكره الإمام، لا كما أطلقه صاحب الوجه الثالث، ولا شك أن هذا التفصيل في الانفساخ باطنًا بين المحق وغيره هو الصحيح.
أما الانفساخ ظاهرًا: إذا صدر من غير المحق، ففي النفس منه مسألة قد تقدم التنبيه عليها ولم ينج منها من القائلين بالفسخ إلَّا من قال: بأن الفسخ يختص بالحاكم، كما رجحه ابن الصباغ وغيره أو من يقول بأنه لا ينفذ الفسخ ظاهرًا ولا باطنًا إلا باجتماعهما عليه أو الحاكم كما قدمته.
وقلت: إني لم أر أحدًا قال به غير ما نقله الشاشي، وإما أنا نقول: ينفسخ ظاهرًا بفسخ أحدهما، ثم يتردد هل ينفسخ باطنًا أو لا؟ فما الداعي إلى ذلك.
[ ١ / ١٣٠ ]
فإن قلت: التحالف موجب الفسخ، فجريانه كوجود العيب بالنسبة إليهما.
قلت: لم يقم على ذلك دليل، فإنا إن أخذنا ذلك من جهة التعذر لم يستمر إلى فَيْءِ المحق خاصة، وإن أخذناه من الحديث، فهو إنما يقتضي أن المشتري بالخيار بعد حلف البائع، فإن أخذنا بظاهره اقتضى إثبات الخيار للمشتري فقط، وأنه إذا فسخ نفذ ظاهرًا وباطنًا، محقًّا (^١) كان أو مبطلًا، ولا ينفذ من البائع ظاهرًا ولا باطنًا محقًّا كان أو مبطلًا، وهذا لا يُعرف من قال به، وإن قلنا بما قاله الأصحاب في تفسيره من أنه مخير إن شاء أخذه بما حلف عليه البائع، وإن شاء حلف، لم يكن فيه دليل على الحكم بعد التحالف لا في فسخ ولا انفساخ، ومن جملة ما استدل به للوجه الثاني: أن حكم الحاكم لا يُحيل الأمور عما هي عليه، وهو الاستدلال ضعيف؛ لأن هذا إنشاء فسخ كإنشائه الفسوخ والعقود، وليس كالحكم والإلزام الذي نقول بأنه لا يعبر ما في نفس الأمر.
وممن صحح الانفساخ ظاهرًا وباطنًا الروياني في "الحلية" على قوله: إن الفاسخ هو الحاكم وهو صحيح؛ لأن الحاكم كالمحق.
وأيدَّ الهروي الوجه الثالث بما تقدم عن الشافعي: أن البائع إذا ادعى البيع بثمن وأنكره المشتري وحلف عليه، يأمرهما الحاكم بالفسخ، فإن لم يفعل، فإن ذهب ذاهب إلى أنه يصير ملكًا للبائع بالجحود، والحلف كان مذهبًا، وقال: إن التفصيل المذكور أخذ من هذا النص، ولم يتبين لي وجه أخذه من ذلك تبينًا واضحًا.
ثم قال الهروي: إذا قلنا: الفسخ ينفذ في الظاهر دون الباطن من غير تفصيل، فلو كان البائع مظلومًا هل يثبت له فسخ البيع، "فيدخلوا بان] (^٢)
_________________
(١) في المخطوطة: "فحقا" والصواب ما أثبتناه.
(٢) كذا في المخطوطة.
[ ١ / ١٣١ ]
أحدهما، وهو المنصوص عليه في الإقرار: نعم، كما لو أفلس المشتري.
والثاني: لا؛ لأن الاستبقاء من الظالم يتيسر بأن يوجد منه سرًّا أو علانية بخلاف المفلس.
قلت: وفي إثبات هذين الوجهين مع التفريع على أنه لا ينفسخ في الباطن.
قلت: وجعله على أحد الجوابين كغريم المفلس يقتضي الانفساخ باطنًا، فلا يظهر إجراء الوجهين مع هذا التفريع لا في الباطن، ولا في الظاهر.
والتفريع الذي ذكره المصنف كما قال: إذا قلنا بالانفساخ باطنًا تصرف كل منهما فيما عاد إليه بأنواع التصرفات، وإن كانت جارية جاز له أن يطأها ويعتقها، ولا يجوز لهما أن يتقارَّا على العقد.
وإن قلنا: الفسخ يختص بالظاهر دون الباطن، فإن تقارَّا على العقد قال المحاملي والروياني (^١) جاز، وقل من نبه عليه في هذا الموضع غيرهما، وإن لم يتقارَّا فقد ذكر المصنف وغيره من العراقيين العبارة التي في الكتاب.
وذكر الرافعي عبارة أخرى وهي: "أنه لا يجوز لهما التصرف، لكن إن كان البائع صادقًا، فقد ظَفِرَ بمال من ظلمه، وهو المبيع الذي استرده، فله بيعه بالحاكم على وجه، وبنفسه على الأصح، ويستوفي حقه من ثمنه" (^٢) ويرد الباقي، وإن كان أقل من حقه فالباقي دين له في ذمة المشتري؛ أي: فيما بينه وبين الله، والمقصود من العبارتين واحد، وأحسن من العبارتين وأوفى بالمقصود أن يقال: أنه لا يجوز للظالم منهما التصرف، فيما عاد إليه.
_________________
(١) بحر المذهب (٥/ ١٣).
(٢) فتح العزيز (٩/ ١٩٠). بتصرف يسير.
[ ١ / ١٣٢ ]
بشيء من التصرفات ولا بالقبض، فطريقه أن يسأل الآخر الإقالة أو يسلم إليه ماله، ويتسلم العوض، هكذا أطلقه الشيخ أبو حامد، وينبغي أن يتعين عليه أن يسلم المال؛ لأنه إقرار بالحق، فلا يخير بينه وبين طلب الإقالة، وهو مقتضى كلام المحاملي والمصنف، وأما المظلوم فلا يتصرف بالوطء والهبة والعتق، ولكن حكمه حكم من ظفر بمال من ظلمه، فإن كان المظلوم البائع، فيأخذ مقدار الثمن، وإن كان المشتري، فيأخذ مقدار المبيع بطريقه، وإن تلف هذا المأخوذ في يد آخذه كان من ضمانه.
قال ابن الصباغ: وليكن ذلك على الخلاف، والمأخوذ بالظَّفَر، وفي ضمانه وجهان، والمقصود بذلك كله فيما بينه وبين الله تعالى.
وكلام المصنف يقتضي أنه يبيع بعض المبيع إذا كان يفي بحقه، وذلك صحيح فيما يتحرى أما ما لا يتحرى فيبيعه كله، ويستوفي منه قدر حقه ويحفظ الباقي، وذلك مبين في بابه.
واعلم أن شرط ذلك ألَّا يظفر البائع للمشتري بجنس، فلو ظفر بجنس ثمنه لم يكن له استبقاؤه من المبيع المخالف للجنس على الأصح، كما هو مبين في بابه. والله أعلم.
وليس فرض المصنف وغيره الكلام والتفصيل في البائع؛ لأن ذلك مختص به، ولا حرج على الحاكم في تسليمه لكل منهما ما عاد إليه، وإن قلنا باختصاص الفسخ بالظاهر؛ لأن كلًّا منهما يحتمل أن يكون هو المظلوم، فيستحق وضع يده بطريق الظَّفَر لا بطريق الانفساخ في الباطن، ولم يتعين الظلم في واحد حتى يقطع بعدم استحقاقه في الباطن، فافهم ذلك، فإنه يزيل عند الإشكال في الحكم للبائع بالمبيع مع قولنا بعدم الانفساخ باطنًا، والقطع بانتقال الملك للمشتري.
نعم في الحكم لما حكمه للظالم بوضع يده على ما يأخذه، وإن لم
[ ١ / ١٣٣ ]
يتعين، وفيه إشكال، وهذا مما يضعف القول باقتصار الفسخ على الظاهر.
وقول المصنف: فيبيع من المبيع بقدر حقه محمول على الخلاف المتقدم هل يبيع بنفسه أو بالحاكم، ولا حاجة [إلى على] (^١) الوجه الثالث؛ لأنه إن كان البائع مظلومًا، فهو كالأول، وإن كان ظالمًا، فهو كالثاني، فعند التفريع تعود الثلاثة إلى وجهين، ويدخل الثالث فيهما.
وأيضًا فإنا قلنا: إذا قلنا بالفسخ وقد تقدم متى نقول بذلك، وهو الوجه الأول مطلقًا.
وعلى الثالث: إذا كان البائع مظلومًا. وعلى المختار، وهو قول الإمام (^٢) إذا كان الفاسخ محقًّا من كلٍّ منهما، وقد علمت بما نبه عليه المحاملي أن محل ما ذكره المصنف وغيره فيما إذا لم يتقارَّا على العقد، وأنه ليس الحكم بالانفساخ ظاهرًا فقط مانعًا من تقارّهما.
فرع
قال القاضي الحسين: "لو قال البائع: أنا كالمتردد لست أتيقن كوني كاذبًا ولا صادقًا حل له أن يمسكها بناء للأمر على ظاهر أنه لا يكذب" (^٣).
فرع
المبيع بعد الانفساخ في يد المشتري هل هو بمنزلة المستام أو كيف حكمه، ويظهر أثر ذلك في كيفية ضمانه إذا تلف، بعد ذلك كلام صاحب "التتمة" يقتضي أنه والتالف قبل التحالف على حد سواء وسنذكره فرعًا (^٤) على المشتري في الحكم الظاهر جزمًا، وفي الباطن حيث نقول به
_________________
(١) كذا في المخطوطة: ولعل الصواب: "إلا على".
(٢) نهاية المطلب (٥/ ٣٥٦).
(٣) نقله عنه أيضًا ابن الرفعة في كفاية النبيه (٩/ ٣٠٢).
(٤) في المخطوطة: "فرع".
[ ١ / ١٣٤ ]
رده إن كان باقيًا بحاله، وأما الزوائد كالولد والمهر، فما حدث قبل التحالف قد تقدم الكلام فيه على قول الانفساخ، وحكينا الخلاف في ردها، والمشهور أنها تبقى للمشتري، وعلى قول الفسخ تقدم منا بحث يقتضي إثبات الخلاف وإن لم نره منقولًا، وما حدث بعد التحالف وقبل الفسخ إذا قلنا: لا بد من الفسخ على الصحيح، فالظاهر أنه كالحادث قبل التحالف، وفيه احتمال لإشرافه على الزوال، وما حدث بعد التحالف على القول بالانفساخ، أو بعد الفسخ، فلا شك أنه للبائع، وإن كان المبيع فسيأتي حكمه.
فرع
هل يحل وطء الجارية المبيعة بعد الترافع والتنازع وقبل التحالف؟! فيه وجهان:
أصحهما: نعم؛ لقيام الملك.
والثاني: لا؛ لإشرافه على الزوال، وفي الوطء بعد التحالف، وقبل الفسخ وجهان مرتبان، وأولى تقدم الحل.
فرع
ذكر الهروي هنا لو كان المشتري ممتنعًا عن أداء الثمن بطريق التغيب بعد الإقرار واليسار، فهل يثبت للبائع فسخ البيع؟! فيه وجهان:
أصحهما: لا، وهكذا إذا امتنع الزوج عن الإنفاق تغيبًا! فيه وجهان:
الأصح: أنه لا يثبت لها فسخ النكاح.
* * *
[ ١ / ١٣٥ ]
قال المصنف ﵀:
فصْل