إذا اختلف المتبايعان في مقدار الثمن، ولم تكن بينة، تحالفا؛ لما روى ابن عباس ﵁؛ أن النبي ﷺ قال: "لَوْ أَنَّ النَّاسَ أُعْطُوا بِدَعْوَاهُمْ (^١)، لادَّعَى نَاسٌ مِنَ النَّاسِ، دِمَاءَ نَاسٍ وَأَمْوَالَهُمْ، [وَلَكِنَّ] (^٢) الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ". فجعل اليمين على المدعى عليه، والبائع مدعًى عليه بيعًا بألف، والمشتري مدعًى عليه بيعًا بألفين، فوجب أن يكون على كل واحد منهما اليمينُ؛ ولأن (^٣) كل واحد منهما مدَّعٍ ومُدَّعًى (^٤) عليه ولا بينة، فتحالفا؛ كما لو ادعى رجل على رجل دينارًا، وادعى الآخر على المدعى درهمًا.
حديث ابن عباس هذا متفق على أصله، رواه مسلم (^٥) بقريب من لفظ المصنف؛ قال: "لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ لَادَّعَى نَاسٌ دِمَاءَ رِجَالٍ وَأَمْوَالَهُمْ، وَلَكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ".
_________________
(١) في المطبوع من المهذب: بدَعاويهم.
(٢) في المطبوع من المهذب: "لكن".
(٣) في نُسخ المتن المطبوعة (لأن) بحذف الواو، وهو الصحيح.
(٤) لفظة: (ومدعًى) ليست في نسخ المتن المطبوعة.
(٥) (١٧١١).
[ ١ / ٤١ ]
وفي البخاري (^١) عن ابن أَبِي مُلَيْكَةَ قال: "كتب ابن عباس إليَّ أن النبي ﷺ قضى باليمين على المدعى عليه".
قال عبد الحق (^٢): "وذكر أبو عمر بن عبد البر من طريق مسلم بن خالد الزَّنْجِيِّ، عن ابن جريج، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال:
قال رسول الله ﷺ: "الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي، وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ، إِلَّا فِي الْقَسَامَةِ".
قال: ورواه أبو أحمد من حديث مُسلم بن خالد، عن ابن جريج، عن عطاء، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ بمثله سواء، وقال: "إِلَّا فِي الْقَسَامَةِ".
ورواه أيضًا من حديث مُسلم بن خالد، عن ابن جريج، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﷺ.
قال: [وهذان] (^٣) الإسنادان يُعْرفان بمسلم بن خالد، عن ابن جريج، وفي المتن زيادة قوله: "إِلَّا فِي الْقَسَامَةِ". كذا قال أبو أحمد، ومسلم بن خالد لا يحتج به" (^٤).
وقد جعل المصنف عمدته في الباب حديث ابن عباس هذا، وأكثر الأصحاب جعلوا عمدتهم في ذلك حديث ابن مسعود - الذي سنذكره إن شاء الله -، وما فعله المصنف أولى؛ لأمرين:
أحدهما: صحة حديث ابن عباس، والكلام في حديث ابن مسعود، كما سيتبين.
_________________
(١) (٤٥٥٢).
(٢) عبد الحق: هو عبد الحق بن عبد الرحمن بن عبد الله الأزدي الإشبيلي، أبو محمد، المعروف بابن الخراط؛ من علماء الأندلس، وُلد سنة: (٥١٠ هـ)، وتُوفّي بدمشق سنة: (٥٨١ هـ). انظر: تاريخ الإسلام (١٢/ ٧٢٩)، الوافي بالوفيات (١٨/ ٣٩).
(٣) في المخطوطة: "وهذا"، والمثبت من الأحكام الوسطى (٣/ ٣٥٥)، وهو الصواب.
(٤) الأحكام الوسطى (٣/ ٣٥٥).
[ ١ / ٤٢ ]
والثاني: التنبيه على أن التحالف في هذا الباب ليس خارجًا عن قياس الخصومات؛ لينتفع بذلك عند قول الحنفية (^١): أن التحالف ورد عند قيام السلعة على خلاف القياس؛ لحديث ابن عباس.
والشافعي ﵁ ذكر الحديثين في "المختصر" (^٢)، وَصَدَّر بحديث ابن مسعود، ونبه في غير "المختصر" على ضعفه، وإنما حمل أكثر العلماء من الأصحاب وغيرهم على الاعتماد عليه، واقتصارهم على ذكره، أنه الخاص بهذا الباب، واشتهر جدًّا.
قال ابن عبد البر: "هو حديث محفوظ عن ابن مسعود، مشهور أصله عند جماعة العلماء، تلقَّوه بالقبول وبنوا عليه كثيرًا من فروعه، وقد اشتهر عندهم بالحجاز والعراق شهرة يستغني بها عن الإسناد، كما اشتهر حديث: "لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ" (^٣).
وقال ابن المنذر: "ليس في الباب خبر يُعتمد عليه" (^٤)؛ يشير إلى الأخبار الناصَّة عليه بخصوصه؛ لخبر ابن مسعود وضعفه من جهة الإسناد.
ومقصود المصنف: أن الاستدلال بخبر ابن عباس على أن كلًّا منهما يحلف، وأما كيفية اليمين، فستأتي؛ وأمَّا تقرير كل منهما مدَّعًى عليه، فواضح، وقد زاده الْفَارِقِيُّ (^٥) إيضاحًا، واستدل له بأحكام؛ منها: أنه إذا
_________________
(١) انظر: الهداية شرح البداية (٣/ ١٦٣)، المحيط البرهاني (٦/ ٥١٣ - ٥١٤)، حاشية ابن عابدين (٧/ ٤٧٣).
(٢) مختصر المزني (٨/ ١٨٤).
(٣) التمهيد (٢٤/ ٢٩٠).
(٤) الإشراف على مذاهب العلماء (٦/ ١٢٧).
(٥) الفارقي: الحسن بن إبراهيم بن علي بن برهون الفارقيّ، أبو علي: فقيه شافعيّ؛ ولد بميافارقين سنة: (٤٣٣ هـ)، وانتقل إلى بغداد فولي قضاء واسط فتوفي فيها سنة: ٥٢٨ هـ. انظر: طبقات الشافعية الكبرى للسبكي (٧/ ٥٧)، طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة (١/ ٣٠٣).
[ ١ / ٤٣ ]
أقام كل منهما بينة بما ادعاه وأرختا بوقت واحد، تعارضتا، ولو أن العقد واحد لثبت ما اتفقت البينتان عليه، فدل على أن كلًّا منهما مُدَّعٍ عقدًا غير الذي يدعيه صاحبه.
وقد اعترض ابْنُ أَبِي عَصْرُونَ (^١) على المصنف في قياسه، على "ما لو ادعى دينارًا على من ادعى درهمًا، فإن كلًّا منهما يحلف يمينًا واحدة، فلا يلحق به من يحلف يمينين" (^٢).
والجواب: أن مراد المصنف كون كل منهما يحلف، كما دل عليه خبر ابن عباس؛ وأما كيفية اليمين، فسيأتي الكلام فيها.
وقد زعم الشيخ تاجُ الدِّينِ الْفَزَارِيّ (^٣): أن التحالف على خلاف حديث ابن عباس من جهة أنا سوينا بين المدعي والمنكر [في] (^٤)، والحديث يخص اليمين بالمنكر.
والجواب: ما قدمناه من أن كلًّا منهما مدَّعٍ ومنكر، ولابد لنا من الكلام على خبر ابن مسعود، وإن كان المصنف قد ذكره في الفصل الذي بعد هذا، وعلى مذاهب في هذه المسألة؛ فأما خبر ابن مسعود، فقد روي من طرق منها
_________________
(١) ابن أبي عصرون: عبد الله بن محمد بن هبة الله التميمي، شرف الدين أبو سعد، ابن أبي عصرون، من أعيان الشافعية، ولد بالموصل سنة: (٤٩٢ هـ)، وإليه تُنسب المدرسة (العصرونية) في دمشق، توفي سنة: (٥٨٥ هـ). انظر: الوافي بالوفيات (١٨/ ٢٦٥)، طبقات الشافعية الكبرى للسبكي (٧/ ١٣٢).
(٢) الانتصار (ص: ٣٢٣) بتصرف يسير. رسالة دكتوراه من بداية كتاب البيع وحتى نهاية كتاب الشفعة.
(٣) تاج الدين الفزاري: تاج الدين عبد الرحمن بن إبراهيم بن ضياء الفزاري، المعروف بابن الفركاح، فقيه أهل الشَّام، كان الشيخ عز الدين بن عبد السلام يسميه "الدويك" لحسن بحثه، ولد سنة: (٦٢٤ هـ). وتُوفّي بدمشق سنة: (٦٩٠ هـ). انظر: طبقات الشافعية الكبرى للسبكي (٧/ ١٣٢)، الوافي بالوفيات (١٨/ ٥٨).
(٤) هنا سقط من المخطوطة.
[ ١ / ٤٤ ]
طريق عبد الرحمن بن قيس بن محمد بن الأشعث بن قيس عن أبيه عن جده؛ قال: اشترى الأشعث رقيقًا من رقيق الخُمس من عبد الله بعشرين ألفًا، فأرسل إليه عبد الله في ثمنهم، فقال: إنما أخذتهم بعشرة آلاف، فقال عبد الله: فاختر رجلًا يكون بيني وبينك، فقال الأشعث: أنت بيني وبين نفسك، قال عبد الله: فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إِذَا اخْتَلَفَ الْبَيِّعَانِ وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا بَيِّنَةٌ، فَهُوَ مَا يَقُولُ رَبُّ السِّلْعَةِ، أَوْ يَتَتَارَكَا".
هكذا رأيته بغير نون، ويتخرج على أن "أو" بمنزلة "إِلَّا" أن، كما في قولهم: لألزمنك أو تقضيني ديني، روى هذا الحديث أحمد (^١)، وأبو داود (^٢)، والنسائي (^٣)، وابن ماجه (^٤)، والحاكم في "المستدرك": "صحيح الإسناد، ولم يخرجاه" (^٥).
وقال البيهقي بعد أن ذكر إسناده: "هذا إسناد حسن موصول، وقد روي من أوجه بأسانيد مراسيل إذا جُمع بينها صار الحديث بذلك قويًّا" (^٦).
ثم ذكر طريقًا من جهة عون بن عبد الله، عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: "إِذَا اخْتَلَفَ الْبَائِعَانِ، فَالْقَوْلُ مَا قَالَ الْبَائِعُ وَالْمُبْتَاعُ بِالْخِيَارِ" (^٧).
"وعن عون أن ابن مسعود والأشعث تبايعا، فذكر نحو الحديث الأول إلى أن قال: "فَالْقَوْلُ مَا قَالَ الْبَائِعُ وَالْمُبْتَاعُ بِالْخِيَارِ". عون لم يدرك عبد الله ابن مسعود.
_________________
(١) (١/ ٤٦٦).
(٢) (٣٥١١).
(٣) (٤٦٤٩).
(٤) (٢١٨٦).
(٥) (٢/ ٥٢) برقم (٢٢٩٣).
(٦) "السنن الكبرى" (١٠٥٨٦).
(٧) البيهقي في السنن الكبرى (١٠٥٨٧).
[ ١ / ٤٥ ]
وقد روى الشافعي هذه الطريق وحكم عليها بالانقطاع؛ كذلك رأيته في "الأم" (^١) في باب الخلاف فيما يجب به البيع، وحكى عن الزعفراني (^٢) عنه (^٣)، أنه قال: لا أعلم أحدًا يصله عن ابن مسعود" (^٤).
وعن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود في رجلين تبايعا سلعة، فقال هذا: أخذت بكذا وكذا، وقال هذا: بعت بكذا وكذا، فقال أبو عبيدة: أُتي عبد الله بن مسعود بمثل هذا، فقال: حضرت رسول الله ﷺ أُتِي في مثل هذا، فأمر البائع أن يستحلف، ثم ليخير المبتاع، فإن شاء أخذ وإن شاء ترك (^٥). هذا أيضًا منقطع؛ لأن أبا عبيدة لم يدرك أم عبد الله، وقد روى طريق أبي عبيدة هذه الشافعي، ورواها عنه أحمد بن حنبل (^٦).
وعن بعض بني عبد الله بن مسعود، عن عبد الله بن مسعود، عن النبي ﷺ: "إِذَا اخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا شَاهِدٌ، اسْتُحْلِفَ الْبَائِعُ ثُمَّ كَانَ الْمُبْتَاعُ بِالْخِيَارِ إِنْ شَاءَ أَخَذَ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ" (^٧).
_________________
(١) (٣/ ١٠).
(٢) الزعفراني: الحسن بن محمد بن الصباح الزعفراني، أحد تلاميذ الشافعي، وجلسائه، ممن روَوا عنه المذهب القديم، بل هو أثبت رواة القديم، قال أبو عاصم: الكتاب العراقي منسوب إليه، توفي سنة: (٢٦٠ هـ). انظر: طبقات الشافعية الكبرى للسبكي (٢/ ١١٤)، الوافي بالوفيات (١٢/ ١٤٧).
(٣) أي: الشافعي.
(٤) البيهقي في السنن الكبرى (١٠٥٨٨)، اختصارًا.
(٥) البيهقي في الكبرى (١٠٥٨٩). وأخرجه: النسائي في الكبرى (٦٢٤٥)، والدارقطني (٣/ ١٨).
(٦) في المسند (١/ ٤٦٦).
(٧) البيهقي في الكبرى (١٠٥٩١). وأخرجه أحمد (١/ ٤٦٦)، والنسائي (٤٦٤٩)، والدارقطني (٢٨٥٦ - ٢٨٥٧)، والحاكم (٢/ ٥٥) من طريق عبد الملك بين عبيد عن أبي عبيدة، عن ابن مسعود مرفوعًا. وإسناده ضعيف. ووقع عند بعضهم: عبد الملك بن عمير.
[ ١ / ٤٦ ]
وفي بعض ألفاظه: "وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا بَيِّنَةٌ" (^١).
وعن القاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، عن عبد الله بن مسعود، أنه باع الأشعث بن قيس رقيقًا من الخُمْس، فذكر مثل طريق عبد الرحمن بن قيس المتقدم (^٢).
وفي بعض ألفاظه: "أَوْ يَتَرَادَّانِ الْبَيْعَ" - بدل قوله: "أَوْ يَتَتَارَكَانِ" - قال الأشعث: أرى أن يُرد البيع؛ وهو منقطع أيضًا؛ ورواه "محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن القاسم، عن أبيه قال: باع عبد الله، ثم ذكر بقيته، لكن ابن أبي ليلى خالف الجماعة في إسناده إلى قوله: "عن أبيه"، وفي متنه حيث زاد فيه: "وَالْمَبِيع قَائِمٌ بِعَيْنِهِ"، ومحمد بن أبي ليلى، وإن كان في الفقه كبيرًا، فهو ضعيف في الرواية، وقد تابعه في هذه الرواية عن القاسم، الحسن بن عمارة، وهو متروك الحديث (^٣)، وتابعه على قوله: "عن أبيه" خاصة دون الزيادة في المتن عمر بن قيس المَاصِرُ، كذلك رواه الدارقطني (^٤)، وعمر بن الماصر ثقة، وبحكم ذلك يقوى اتصال هذة الرواية بدون الزيادة في المتن، فإن عبد الرحمن سمع أباه.
وروى الدارقطني أيضًا من حديث أبي وائل عن عبد الله قال: "إِذَا اخْتَلَفَ الْبَيِّعَانِ وَالْمَبِيعُ مُسْتَهْلَكٌ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِع". ورفع الحديث إلى النبي ﷺ في ذلك (^٥)، فقد تحصلنا إلى طرق إلى ابن مسعود من طريق محمد بن الأشعث، وعون، وأبي عبيدة، وعبد الرحمن، وأبي وائل.
_________________
(١) البيهقي في الكبرى (١٠٥٩٢). وأخرجه أحمد (١/ ٤٤٦)، وأبو داود (٣٥١٣)، والترمذي (١٢٧٠)، والنسائي في الكبرى (٦١٩٩)، وابن ماجه (٢١٨٦).
(٢) البيهقي في الكبرى (١٠٥٩٤). اختصارًا.
(٣) البيهقي في الكبرى (١٠٥٩٥). بتصرف يسير.
(٤) (٣/ ٢١).
(٥) سنن الدارقطني (٣/ ٢١).
[ ١ / ٤٧ ]
فأما طريق ابن الأشعث، فطعن فيها ابن حزم بأنه "إنما هو عبد الرحمن ابن محمد بن قيس بن محمد بن الأشعث، وهو مجهول ابن مجهول، وأن محمد ابن الأشعث لم يسمع من ابن مسعود" (^١)، وما ذكره من الطعن غير مقبول، والصحيح في نسبة ما قدمناه لا ما ذكره ابن حزم، وذكر غير واحد من الأئمة له تنفي جهالته؛ والحكم بأن محمد بن الأشعث لم يسمع من ابن مسعود، دعوى تحتاج إلى بيان؛ وكذلك ادعى ابن حزم، "أن أبا العميس - وهو عتبة ابن عبد الله بن عتبة بن عبد الله بن مسعود -، لم يسمع من عبد الرحمن بن قيس بن محمد بن الأشعث" (^٢)، وهذا أيضًا يحتاج إلى بيان.
والظاهر: أنه سمع منه، وأن ابن الأشعث سمع من ابن مسعود لذكر الأئمة روايتهما من غير تنبيه على الانقطاع.
وقال البيهقي: "إن أصح إسناد يروى في هذا الباب، رواية أبي العميس عن عبد الرحمن بن قيس" (^٣)، يريد الطريق المذكور.
وأما طريق عون وأبي عبيدة، فهما منقطعان؛ لأن كلًّا منهما لم يسمع من ابن مسعود، وهما متفقان على إثبات الخيار للمشتري بعد خلف البائع.
وأما طريق عبد الرحمن، فقد قال جماعة: إنها منقطعة؛ لأن عبد الرحمن لم يسمع من أبيه، والذي قاله البخاري: إنه سمع من أبيه، ونقل ذلك في "تاريخه" (^٤) عن عبد الملك بن عمير، واختلف النقل في ذلك عن يحيى وإسرائيل صرح عنه بالسماع.
وروى البخاري (^٥) بسنده إليه قال: لما حضر عبد الله الوفاة قال له ابنه
_________________
(١) المحلى (٧/ ٢٥٨).
(٢) المحلى (٧/ ٢٥٨) بمعناه.
(٣) معرفة السنن والآثار (٨/ ١٤١).
(٤) (٢/ ٢٦١).
(٥) وافقه النقل عنه: ابن حجر في تهذيب التهذيب (٦/ ٢١٦).
[ ١ / ٤٨ ]
عبد الرحمن: يا أبته أوصني، قال: ابك من خطيئتك.
فالأصح حينئذ أن عبد الرحمن سمع من أبيه، فأصح ما في الباب رواية عبد الرحمن هذه، ورواية ابن الأشعث التي ذكر البيهقي أنها أصح ما في الباب، وعندي في الترجيح بينهما نظر، وكلاهما متفقان على أن القول قول البائع: أَوْ يَتَتَارَكَا ولا تنافي بين اللفظين، فإن قوله: "أَوْ يَتَتَارَكَا" يحتمل معناه - والله أعلم -: أنه إن لم يحلف البائع، تتاركا وتفاسخا البيع، وذلك إنما يكون باختيارهما، ومن المعلوم أن ذلك جائز لهما.
والمقصود: أن ليس لهما طريق إلى الخلاص إلَّا التفاسخ أو حلف البائع، ثم إذا حلف البائع ماذا يكون الحكم هذه الرواية ساكتة عنه، ورواية عون وأبي عبيدة مُبيِّنة للخيار للمشتري بعد حلف البائع.
قال أصحابنا: معناه المشتري بالخيار، إن شاء أخذ بما حلف عليه البائع، وإن شاء حلف ورده.
ويحتمل أن يكون المراد: "الْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ أَوْ يَتَتَارَكَا" بالتحالف؛ لأن التتارك بغير يمين لا يجوز، قاله القاضي أبو الطيب (^١): فالمعنى أنه إن اعترف المشتري بما يقوله البائع، وإلا تحالفا وتتاركا، وعلى هذا لا منافاة بينه وبين رواية عون، ويكون في رواية؛ عون زيادة بيان البدأة بيمين البائع - والله أعلم -.
والاحتمال الأول أقرب؛ لأن في الحديث في رواية؛ أن الأشعث قال لابن مسعود: أَرَى أَنْ يُرَدَّ الْبَيْعُ (^٢).
_________________
(١) القاضي أبو الطيّب: طاهر بن عبد الله بن طاهر الطبري، قاض من أعيان الشافعية، ولد في آمل طبرستان سنة: (٣٤٨ هـ)، واستوطن بغداد، وولي القضاء بربع الكرخ، توفي ببغداد سنة: (٤٥٠ هـ). انظر: طبقات الشافعية الكبرى للسبكي (٥/ ١٢)، الوافي بالوفيات (١٦/ ٢٣٠).
(٢) سنن البيهقي الكبرى (١٠٥٩٥).
[ ١ / ٤٩ ]
وفي رواية: فَإِنِّي أُتَارِكُكَ الْبَيْعَ فَتَارَكَهُ (^١).
ففي هاتين الروايتين ما بيَّن أن المتاركة بغير تحالف، وأنه لم يحلف لا الأشعث ولا ابن مسعود، فكان المعنى على ما قبله، أولًا؛ أنهما إن ترادّا البيع فذاك، وإلَّا فالقول قول البائع؛ ثم المشتري بالخيار بين أن يلتزم ما حلف عليه البائع، وأن يحلف ويرد.
وقال الجُورِي (^٢): معنى قوله: "الْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ"؛ أي: بعد تحالفهما في ألَّا تخرج السلعة عن يده إلَّا بما يقول، فإن لم يأخذه المشتري بذلك ترادَّا ورجع كل منهما إلى أصل ملكه، وأما طريق أبي وائل، فمتصلة لكن في رجال إسنادها ضعيف.
* * *
_________________
(١) سنن البيهقي الكبرى (١٠٥٩٤).
(٢) هو: أبو الحسن الجوري القاضي، علي بن الحسين. منسوب إلى (الجُور) بضم الجيم من بلاد فارس، لقي أبا بكر النيسابوري، وحدث عنه وعن جماعة، توفي سنة: (٣٠٠ هـ). انظر: إكمال الإكمال لابن نقطة (٢/ ٣٩١).
[ ١ / ٥٠ ]