قال الأزهري: "السَّلَمُ والسَّلَفُ واحد، يقال: سلم، وأسلم، وأسلف، بمعنى واحد، وهذا قول جميع أهل اللغة، إلَّا أن السلف يكون قرضًا أيضًا.
وفي حديث النبي ﷺ: "أنه تسلف بكرًا"؛ أي اقترضه ليرد مثله، وكذلك استسلفه" (^١).
هذا كلام الأزهري، وهو يقتضي أن القرض يصدق عليه اسم السلف دون اسم السلم، فيكون اسم السلم مختصًّا بالبيع المخصوص الذي عقد له هذا الباب، واسم السلف مشتركًا بينه وبين القرض، وبذلك صرح الشيخ أبو حامد؛ ولهذا قال الرافعي: "إن كلًّا من السلم والقرض يُسَمَّى سلفًا" (^٢)، ولم يرد الرافعي ما تأوله ابن الرفعة عليه، ونقله عنه من "أن اسم السلم يشمل القرض، لكن حد السلم الشرعي يخرجه" (^٣).
وقال ابن فارس: "السلم: السلف" (^٤).
وقال: "السلف في البيع" (^٥).
_________________
(١) الزاهر في غريب ألفاظ الشافعي (ص: ١٤٥).
(٢) فتح العزيز (٩/ ٢٠٧).
(٣) كفاية النبيه في شرح التنبيه (٩/ ٣٢١).
(٤) مجمل اللغة (ص: ٤٧١).
(٥) المصدر السابق (ص: ٤٦٩).
[ ١ / ٣٦٩ ]
وقال الرافعي: "إن السَّلَمِ والقَرْض كما اشتركا في التسمية بالسلف اشتركا في المعنى؛ لأن كلًّا منهما إثبات مال في الذِّمَّة بمبذول في الحال" (^١).
وإنما أراد الرافعي بهذا أيضًا اشتراكهما في هذا القدر من المعنى خاصة دون أن تكون حقيقتهما واحدة، ألا ترى أن إسلام الربوي في جنسه لا يجوز، وقرضه جائز، وتأجيل السلم جائز، وتأجيل القرض غير جائز؟
قال الرافعي: "وذكروا في تفسير السَّلَم عبارات متفاوتة:
منها: أنه عقد على موصوف في الذِّمَّة ببدل يعطى عاجلًا. ومنها: أنه إسلاف عوض حاضر في عوض موصوف في الذِّمَّة. ومنها: تسلم عَاجِل في عوض لا يجب تعجيله" (^٢). قال الماوردي: "والسَّلف لُغَة عِرَاقيَّة، والسَّلَم لُغَة حِجَازِيَّة" (^٣).
* * *
_________________
(١) فتح العزيز (٩/ ٢٠٧).
(٢) فتح العزيز (٩/ ٢٠٧).
(٣) الحاوي الكبير (٥/ ٣٨٨).
[ ١ / ٣٧٠ ]
قال:
السلم جائز لقوله ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢]. قال ابن عباس: أشهد أن [السلم] (^١) المضمون إلى أجل مسمى] (^٢) قد أحله الله في كتابه وأذن فيه، وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾.
أثر ابن عباس هذا رواه الشافعي (^٣) ثم البيهقي من طريقه في "المعرفة" (^٤)، ومن غير طريقه في "السنن" (^٥)، والسند صحيح إلى ابن عباس.
قال الواحدي: "قال المفسرون: كل حق مؤجل، فهو داخل تحت قوله: ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ﴾ [البقرة: ٢٨٢] (^٦).
وقال ابن عطية: "قال ابن عباس: نزلت هذه الآية في السلم خاصة.
معناه أن سلم أهل المدينة كان سبب الآية، ثم تتناول جميع المداينات إجماعًا" (^٧). هذا قول ابن عطية.
وقد ظهر بهذا أن الآية مع ما ذكره المفسرون من الإجماع على عمومها نص في السلم المؤجل، وبه يحصل المقصود في جواز السلم في الجملة.
_________________
(١) في المطبوع من المهذب: "السلف".
(٢) ليست في المطبوع من المهذب.
(٣) في مسنده (١٣١٤).
(٤) (٨/ ١٨٣).
(٥) (٦/ ١٨).
(٦) التفسير البسيط (٤/ ٤٨٤).
(٧) تفسير ابن عطية (١/ ٣٧٨).
[ ١ / ٣٧١ ]
ومقتضى كلام الشافعي في "الأم" (^١) أن الآية تحتمل كل دين، وتحتمل السلف خاصة، وغيره بالقياس عليه، يعني: فعلى كل تقدير دلالتها على السلم محققة.
ونقل الماوردي اتفاق الصحابة على جوازه، قال: "ولم يخالف بعدهم إلَّا ابن المسيب، حُكيت عنه حكاية شاذة أنه أبطل السلم ومنع منه، وهو إن صحت الحكاية عنه محجوج بإجماع من تقدمه من النصوص الدالة والمعنى الموجب" (^٢). ولا أظنها تصح عنه.
وقد قال الشافعي في "الأم": "إنه لا اختلاف فيه عند أحد من أهل العلم حفظ عنه" (^٣). وكذلك نقل ابن المنذر الإجماع عليه (^٤).
وأما نهيه ﷺ لحكيم عن بيع ما ليس عنده، فحمله الشافعي على بيع الأعيان؛ توفيقًا بين الأدلة، وذكر الشافعي جمله من الآثار، ثم قال: "وما كتبت من الآثار بعدما كتبت والقرآن والسنة والإجماع ليس؛ لأن شيئًا من هذا يزيد سنة رسول الله ﷺ قوة، ولا لو خالفها ولم يحفظ معها يُوهِنُهَا، بل هي التي قطع الله بها العذر، ولكنا رجونا الثواب في إرشاد مَن سمع ما كتبنا؛ إذ كان فيما كتبنا بعض ما يشرح قلوبهم لقبوله، ولو تنحت عنهم الغفلة لكانوا مثلنا في الاستغناء بكتاب الله ﷿، ثم سنة نبيه ﷺ، وما احتاجوا إذ أمر الله بالرهن في الدَّين إلى أن يقول قائل: هو جائز في السلف" (^٥).
_________________
(١) الأم (٣/ ٩٣).
(٢) الحاوي الكبير (٥/ ٣٩٠).
(٣) الأم (٣/ ٩٤). بمعناه.
(٤) الإجماع (ص: ١٣٦).
(٥) الأم (٣/ ٩٤، ٩٥). بمعناه.
[ ١ / ٣٧٢ ]
ذكر الشافعي هذا في تقرير أن الرهن جائز في السلم، فإن بعض السلف خالف فيه، وسنذكره في الرهن، وقد استغنى المصنف بالاستدلال بالآية عن غيرها، وسيأتي في كلامه حديث ابن عباس، وهو نص في جواز السلم، وقد أكثر ﵁ في أبواب السلم في "الأم" عمل فيها نحو: سبعين ورقة في مكان واحد.
فرع
هل السلم عقد غرر أو لا؟! فيه وجهان في "الحاوي" (^١)، قال الروياني: أظهرهما الأول" (^٢).
* * *
_________________
(١) الحاوي الكبير (٥/ ٣٩٥).
(٢) بحر المذهب للروياني (٥/ ١١٠). بمعناه.
[ ١ / ٣٧٣ ]