القرض: يطلق مصدرًا واسمًا، فأما مصدرًا؛ فهو القطع، يقال: قرض يقرض قرضًا إذا قطع (^٢).
ومنه قوله تعالى: ﴿تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ﴾ أي: تقطعهم فتجاوزهم وتتركهم عن شمالها، ومنه القريض وهي القصيدة من الشعر؛ لأن الشاعر قطع بعض الشعر وأمضى من قصيدته شيئًا، وإنما يطلقون القريض: على ما ليس برجز.
وأما اسمًا، فهو كل ما يلتمس عليه الجزاء، يقال: أقرض فلانٌ فلانًا، إذا أعطاه ما يتجازاه منه، والاسم منه القرض.
قال الواحدي: "هذا إجماع من أهل اللغة" (^٣).
وقال ابن كيسان: "القرض أن تعطي شيئًا ليرجع إليك مثله، أو ليقضى شبهه". والمشهور القرض بفتح القاف، وفيه لغة بكسرها، وفي "المجمل" لابن فارس أن القرض المجازاة (^٤).
_________________
(١) كتب إلى جواره بالهامش ما نصه: "مثال خط المصنف: فرغت من تصنيفه - والحمد لله تعالى - في يوم الاثنين بعد الظهر، سلخ شهر رجب الفرد، عام أربع وعشرين وسبعمائة، أحسن الله عقباها بمنه وكرمه، والحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا ومباركًا فيه، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم، حسبنا الله ونعم الوكيل، وكان بدؤه باب في السلم في الثلاثاء ثالث الشهر المذكور، فكمل البابان في سبعة وعشرون يومًا".
(٢) الزاهر في غريب ألفاظ الشافعي (ص: ١٦٤)، تهذيب اللغة (٨/ ٢٦٦).
(٣) التفسير البسيط (٤/ ٣١١).
(٤) مجمل اللغة (ص: ٧٤٨).
[ ١ / ٦٢٢ ]
قال:
القرض قربة مندوب إليها؛ لما روى أبو هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "مَنْ كَشَفَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا؛ كَشَفَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَاللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا دَامَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ".
وعن أبي الدرداء ﵁؛ قال: "لَأَنْ أُقْرِضَ دِينَارَيْنِ ثُمَّ يُرَدَّانِ ثُمَّ أُقْرِضُهُمَا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَتَصَدَّقَ بِهِمَا".
وعن ابن مسعود وابن عباس ﵄ أنهما قالا: "قَرْضُ مَرَّتَيْنِ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةَ مَرَّةٍ".
حديث أبي هريرة رواه مسلم (^١)، وأثر أبي الدرداء رواه البيهقي (^٢)، وفي تمامه: "لِأَنِّي أُقْرِضُهُمَا فَيَرْجِعَانِ إِلَيَّ، فَأَتَصَدَّقُ بِهِمَا؛ فَيَكُونُ لِي أَجْرُهُمَا مَرَّتَيْنِ".
وأثر ابن مسعود وابن عباس رواه البيهقي (^٣) - أيضًا، وروي ذلك عن ابن مسعود مرفوعًا إلى النبي ﷺ قال: "مَنْ أَقْرَضَ مَرَّتَيْنِ كَانَ كَعِدْلِ صَدَقَةٍ مَرَّةً"، رواه البيهقي (^٤) وابن ماجه (^٥) بمعناه، إلا أن إسناده ضعيف، ووقفه على ابن مسعود أصحُّ.
ورأيت في كتاب "الزهد" لابن المبارك (^٦) بإسناده أن ابن عمر قال: "لَأَنْ
_________________
(١) أخرجه مسلم (٢٦٩٩).
(٢) في الكبرى (٥/ ٣٥٣) (برقم: ١٠٧٣٣).
(٣) في الكبرى (٥/ ٣٥٣) (برقم: ١٠٧٣٣).
(٤) في الكبرى (٥/ ٣٥٣) (برقم: ١٠٧٣٤).
(٥) في صحيحه (١١/ ٤١٨) (برقم: ٥٠٤٠).
(٦) الزهد والرقائق لابن المبارك (١/ ٢٦٦).
[ ١ / ٦٢٣ ]
أُقْرِضَ رَجُلًا دِينَارًا فَيَكُونَ عِنْدَهُ، ثُمَّ آخُذَهُ فَأُقْرِضَهُ آخَرَ، أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَتَصَدَّقَ بِهِ، فَإِنَّ الصَّدَقَةَ إِنَّمَا يُكْتَبُ لَك أَجْرُهَا حِينَ تَصَّدَّقُ بِهَا، وَهَذَا يُكْتَبُ لَكَ أَجْرُهُ مَا كَانَ عِنْدَ صَاحِبِهِ".
وهذا ترجيح حسن، ونية صالحة بزيادة الأجر على صبره عليه.
وقيل: إنما كان القرض خيرًا من الصدقة؛ لأن الصدقة قد تدفع إلى من هو غني عنها، ولا يسأل إنسان إنسانًا القرض إلَّا وهو محتاج إليه، وفي كتب بعض أصحابنا حديث أن النبي ﷺ قال: "الصدقة بعشرة والقرض بثمان عشرة"، ولا أعرف لهذا الحديث أصلًا.
فهذه آثار في الترغيب في القرض، وأما جوازه ومشروعيته، فمعلوم من الشرع بالضرورة، وصح فيه أحاديث سيأتي بعضها في الباب.
وقد تغايرت عبارات المصنف في القرض والهبة والعتق، تارة يقول: قربة مندوب إليها، وتارة يقتصر على أحد اللفظين، وتارة يغاير بين "المهذب" و"التنبيه"، والكل صحيح، وكلها قربة ومندوب إليها؛ إما بدليل عام أو بدليل خاص، وكذلك عيادة المريض وزيادة القادم، وهي مرتبة متوسطة بين العبادات التي عرف اهتمام الشارع بتكليف الخلق إيقاعها على حقيقة العبادة، وبين المباحات التي لا تقع قربة إلَّا بالقصد؛ كالأكل بقصد التَّقوِّي على العبادة.
والقربة في أصل وضعها، تشمل الواجب، فهي أعم من المندوب بهذا الاعتبار، وزعم ابن أبي عصرون أن المصنف احترز بقوله: مندوب إليها من الجهاد بغير إذن الوالدين فإنه قربة، وليس بمندوب، وهذا ركيك؛ لأن الجهاد بغير إذن الوالدين، معصية، فكيف يقال بأنها قربة؟!
* * *
[ ١ / ٦٢٤ ]
قال: