إذا [حلَّ] (^١) دين السلم، وجب على المسلم إليه تسليم المسلم فيه على ما اقتضاه العقد.
ظاهره أنه يجب تعين مطالبة المستحق، وقد قال الإمام (^٢): إن من عليه الدَّين الحال لا يتعين أداؤه ما لم يطالبه مستحقه، قال: وقد يقول الفقيه: يلزمه، وإن لم يطالب، وإنما يسقط برضا المستحق بتأخيره، ومقتضى كلام الروياني (^٣) أنه إن وجب برضا المالك، فهو على التراخي ما لم يطالب.
وإن وجب بغير رضاه بتعدٍّ، فعلى الفور، أو بغير تعدٍّ وهو عالم؛ فعلى التراخي، أو غير عالم فعلى الفور، فإذا أردت الجمع بين هذا وبين كلام المصنف، فتقول: إن مراد المصنف الوجوب الموسع الذي يتمكن المستحق معه من المطالبة.
* * *
_________________
(١) في المخطوطة: "أجل"، وما أثبتناه من المطبوع من المهذب.
(٢) نهاية المطلب (٣/ ١٠٣).
(٣) بحر المذهب (٦/ ٤٧٩).
[ ١ / ٥٥١ ]
قال:
فإن كان المسلم فيه تمرًا، لزمه [تسليم] (^١) ما يقع عليه اسم التمر على الإطلاق، فإن أحضر حَشفًا [أو رطبًا] (^٢) لم يقبل منه.
هذا الذي ذكره المصنف ضابط في هذا وفي غيره من كل ما يسلم فيه، والصفات التي تذكر فيه لا يلزمه أعلى المراتب، ولا يقبل منه أدناها مما لم يطلق عليه الاسم، واحترز بقوله: على الإطلاق مما يقع عليه الاسم بعيد أو قريب (^٣)؛ فإن الحشف يقع عليه اسم التمر من حيث الوضع، ولكن عند الإطلاق لا يتبادر الذهن إليه، وقد يكون الاسم واقعًا على أمور ولكن عند الإطلاق يتقيد ببعضها كالماء المطلق.
وقول من قال من الأصحاب: إن الواجب أدنى المراتب يعني مما يكون الاسم مطلقًا عليه، فلا يجب أعلى المراتب، ولا أوسطها بعد حصول القيد المذكور، وهو معنى قول الشافعي: ولا يلزمه إلَّا الأقل (^٤)، وعبارة المصنف أبين.
وعن مالك: أنه يلزمه أوسط ما ينطلق عليه تلك الأوصاف، ورد أصحابنا ذلك بأن الحكم إذا علق باسم كان معلقًا بأقل ذلك الاسم كالأثمان، وبأن الوسط صفة زائدة على ما اقتضاه العقد.
_________________
(١) ليست في المطبوع من المهذب.
(٢) من المطبوع من المهذب، وليست في المخطوطة.
(٣) في المخطوطة: "قريبه"، ولعل الصواب ما أثبتناه.
(٤) الأم (٣/ ١٠٤).
[ ١ / ٥٥٢ ]
قال الشافعي (^١) والأصحاب: يلزمه التمر جافًّا؛ لأن قبل جفافه لا يسمى تمرًا، ويكفي أول جفافه بحيث إذا ترك لم يفسد، ولم يتضرر، ولا يلزمه زيادة على ذلك، ولا يجزئ ما تناهى جفافه حتى لم يبق فيه نداوة؛ لأن ذلك نقص ولا ما عطش على نخله، وسيأتي في إبدال النوع أنه هل يجوز قبول الرطب عن التمر أو لا؟
وعلى المسلم أن يقبل أقماع التمر المتصلة به دون المنفصلة عنه، كالنوى يقبل المتصل به دون المنفصل عنه، والحشف التمر الفاسد، قال الشافعي: "وليس عليه أن يأخذ فيه حشفة واحدة" (^٢).
* * *
_________________
(١) الأم (٣/ ١٠٥).
[ ١ / ٥٥٣ ]
قال:
وإن كان رطبًا لزمه ما يقع [عليه] (^١) اسم الرطب على الإطلاق، ولا يقبل منه بُسر، ولا منصف، ولا مذنب، ولا مشدخ.
المنصِف: ما ترطب نصفه، وضبطه ابن معن بكسر الصاد.
والمذَنِّب: بفتح الذال، وكسر النون المشددة، هكذا ضبطه ابن قتيبة في "أدب الكاتب" (^٢).
وهو ما بدا الإرطاب فيه من قبل ذنبه، ويسمى التذنوب، والمشدخ البسر يغمر حتى ينشدخ، قيل: إنه يضرب بالخشب حتى يصير رطبًا، قال العمراني: "وسمعت من أثق به من أهل حضرموت أنهم يشمسون البسر، ثم يدلكونه بكساء صوف غليظ، وما أشبهه، فيصير طعمه طعم الرطب يفعلون ذلك استعجالًا" (^٣).
قلت: وهو المكبوس الذي يسميه العامة في بلادنا المعمول أو في معناه.
* * *
_________________
(١) ليست في المطبوع من المهذب.
(٢) أدب الكتاب لابن قتيبة (ص: ٣٩٠).
(٣) البيان (٥/ ٤٣٧).
[ ١ / ٥٥٤ ]
قال:
وإن كان طعامًا، لزمه ما بقي من التبن، وإن كان فيه قليل تراب نظرت؛ فإن كان أسلم فيه كيلًا قبل منه؛ لأن القليل من التراب لا يظهر في الكيل، وإن كان أسلم فيه وزنًا لم يقبل منه؛ لأنه يظهر في الوزن، فيكون المأخوذ من الطعام دون حقه.
يلزمه في الطعام أن يوفيه إياه نقيًّا من التبن والقصل والمدر والزوان والشعير وغيره، هكذا نص عليه، ولا فرق بين أن يكون أسلم فيه كيلًا أو وزنًا؛ لأن هذه الأشياء تؤثر في الكيل والوزن، وكذلك قشر الأرز، وقشر العلس، وكل كمام على حب لا يجب قبوله بل لا يجوز؛ لأن القبض معه لا يقع موقعه؛ ولذلك لا يجوز قبول الحنطة المختلطة بالشعير.
واستثنى القاضي حسين، والبغوي (^١) مما ذكرناه في الطعام ما هو قليل لا يؤثر في الطعم ولا في الكيل؛ لأنه لا يمكن تنقية الحنطة عن القليل منه، وأما التراب فإن كان كثيرًا، لم يلزمه لما ذكرنا، وإن كان يسيرًا، فلا يقبل إذا أسلم بالوزن، ويقبل إن أسلم بالكيل.
قال الماوردي: إلا أن يكون لإخراجه مؤنة، فلا يلزمه أخذه، وقال الشيخ أبو حامد، وصاحب "البيان" (^٢): إن دقاق التبن كالتراب.
* * *
_________________
(١) التهذيب (٣/ ٥٨٦).
(٢) البيان (٥/ ٤٣٧).
[ ١ / ٥٥٥ ]
قال:
وإن كان عسلًا، لزمه ما صفي من الشمع.
لأن إطلاق الاسم ينصرف إليه، ولا يلزم المسلم قبول المصفى بالنار؛ إلَّا أن يكون نارًا خفيفة، فإنه يلزمه القبول على ما تقدم عن الشيخ أبي حامد، والقاضي حسين وغيرهما.
* * *
[ ١ / ٥٥٦ ]
قال:
فإن أسلم [إليه] (^١) في ثوب، فأحضر ثوبًا أجود منه، لزمه قبوله؛ لأنه أحضر المسلم فيه وفيه زيادة صفة لا تتميز، فلزمه قبوله.
لا فرق بين الثوب وغيره (^٢)، والمقصود أنه إذا أحضر المسلم فيه بنوعه ولكنه بصفة زائدة، كالأجود عن الجيد والجيد عن الرديء ما يخرج عن ذلك النوع، فإنه يجب قبوله كما لو رضيت المرأة بتسليم نصف الصداق مع زيادته، فإنه يلزم الزوج القبول.
وفيه وجه: أنه لا يجب لأجل المنة، والأول أصح؛ لأن إتيانه به يشعر بأنه لا يجب سبيلًا إلى إيراد منه لغيره، وذلك يُهون أمر المنة، ولا خلاف في الجواز.
وصورة المسألة: في الأجود من كل وجه، أما إذا كان زائدًا من وجه، ناقصًا من وجه كما إذا أسلم في عتيق جيد، فجاء بجديد رديء لم يجب قبوله قطعا.
قال الشافعي في الثياب: "فلو شرط صفيقًا ثخينًا لم يكن له أن يعطيه دقيقًا، وإن كان خيرًا منه؛ لأن الثخين أدفأ في البرد، وأكنّ في الحر، وربما كان أبقى، وإن كان ثمن الأدق أكثر" (^٣).
وسكت المصنف عما إذا أحضره على الصفة التي تناولها العقد لوضوح
_________________
(١) من المطبوع من المهذب، وليست في المخطوطة.
(٢) في المخطوطة: "وغيرها"، ولعل الصواب ما أثبتناه.
(٣) الأم (٣/ ١٢٤).
[ ١ / ٥٥٧ ]
وجوب القبول فيها، وذلك لا خلاف فيه؛ لأنه هو في المسلم فيه.
ويستثنى من إطلاقنا هذا ما إذا كان على المسلم ضرر في قبوله؛ فإنه لا يجب قبوله، وإن كان بصفة المسلم فيه أو أجود، كما إذا أسلم في جارية ذات زوج، فأحضرها بتلك الصفة، فكانت زوجة المسلم، أو أسلمت المرأة في عبد ذي زوجة فأحضره، فكان زوجها لما في القبول من انفساخ النكاح.
وكذا لو أسلم في عبدٍ فأتاه بأبيه؛ لأنه يعتق عليه؛ فإن قبضه وهو لا يعلم أنه أبوه.
ثم علم فوجهان أحدهما: أن القبض فاسد؛ فلا يعتق، وله ردُّه.
والثاني: صحيح، والعتق نافذ، ولا أرش له؛ لأن كونه أبًا ليس بعيب.
ولو أتاه بأخته أو عمه، فهل له الامتناع من قبوله؟ فيه وجهان: أحدهما: نعم؛ لأن من الحكام من يعتقه عليه، ولو كان أخاه من الرضاعة، فليس له الامتناع.
واحترز المصنف بقوله: "صفة لا تتميز" عن الزيادة في العدد، مثل أن يسلم إليه في خمسة أكرار حنطة، فيجيء بعشرة، فلا يلزمه قبول الزائد؛ لأنه هبة، وعن الزيادة في الجنس كإعطاء الحنطة عن الشعير، فلا يجب، ولا يجوز؛ لأنه اعتياض، وعن الزيادة في النوع، وسيأتي في كلامه.
* * *
[ ١ / ٥٥٨ ]
قال:
وإن جاء بالأجود وطلب عن الزيادة عوضًا لم يجز؛ لأنه بيع صفة، والصفة لا تفرد بالبيع.
أي: الأجود في الصفة، وهو ما تقدم، وعلى ذلك نص الشافعي في "الأم"، وعن أبي حنيفة جوازه (^١)، كما لو كان عليه عشرة أذرع، وأتى بأحد عشر وأخذ عوضًا، وفرق أصحابنا بين العين والصفة.
* * *
_________________
(١) انظر: شرح فتح القدير (٧/ ١١٢)، المحيط البرهاني (٧/ ١٨٩)، البحر الرائق (٦/ ١٨٠)، المدونة (٣/ ١١٣)، حاشية الخرشي (٥/ ٢٢٨).
[ ١ / ٥٥٩ ]
قال:
وإن [جاء] (^١) بثوب رديء، لم يجبر على قبوله؛ لأنه دون حقه؛ أي: ويجوز إذا تراضيا، قال: إن قال: خذه وأعطيك للجودة درهمًا لم يجز؛ لأنه بيع صفة، ولأنه بيع جزء من المسلم فيه قبل [القبض] (^٢).
قال الشافعي في "الأم" في باب بيع العروض: "ولا يأخذ إذا سلف في جيد رديئًا على أن يزداد شيئًا، والعلة فيه؛ كالعلة في أن يزيده ويأخذ أجود" (^٣).
* * *
_________________
(١) في المطبوع من المهذب: "أتاه".
(٢) في المطبوع من المهذب: "قبضه".
(٣) الأم (٣/ ٣٨).
[ ١ / ٥٦٠ ]
قال:
وإن أسلم في نوع من جنس، فجاءه بنوع آخر من ذلك الجنس، كالمعقلي عن البرني، والهروي عن المروي، ففيه وجهان:
قال أبو إسحاق: لا يجوز؛ لأنه غير الصنف الذي أسلم فيه، فلم يجز أخذه عنه كالزبيب عن التمر.
وقال أبو علي بن أبي هريرة: يجوز؛ لأن النوعين من جنس واحد بمنزلة النوع الواحد، [ولهذا] (^١) يحرم التفاضل في بيع إحداهما بالآخر، ويضم أحدهما إلى الآخر في إكمال النصاب في الزكاة.
التمر المعقلي: منسوب إلى معقل بن يسار الصحابي الذي ينسب إليه نهر معقل بالبصرة.
ومن أمثلة ذلك: القمح الصعيدي عن النجري، والزبيب الأسود عن الأبيض، والضأن عن المعز، والوجهان في الجواز.
والذي وقفت عليه من "الأم" (^٢) يقتضي أنهما قولان، وأصحهما على ما قال طائفة منهم الرافعي (^٣): أنه لا يجوز.
وممن قال به الشيخ أبو حامد فيما حكى عنه ابن الصباغ وغيره، وهو قول أبي إسحاق المروزي.
وينزل ذلك منزلة اختلاف الجنس، ويصير كالاعتياض، وهو الأصح عند
_________________
(١) الأم (٣/ ١٠٤).
(٢) فتح العزيز (٩/ ٣١٩).
(٣) في المخطوطة: "ولها"، وما أثبناه من المطبوع من المهذب.
[ ١ / ٥٦١ ]
الماوردي (^١) والبندنيجي، والروياني (^٢)، وهو قول ابن أبي هريرة.
والوجه الثاني: ينزل النوع منزلة اختلاف لوصف فيجوز، وبه أقول لما سأذكره من نص الشافعي، ولأنه لو نزل اختلاف النوع منزلة الاعتياض لنزل اختلاف الوصف؛ لأن الغرض تعلق بهما.
وقول المصنف في "التنبيه" (^٣) دال على ترجيح هذا الوجه، والاحتجاج له بالزكاة قوي، وكذلك بالربا، وإن كان المبيع فيه الاسم والمبيع هنا العرض، لكن جوابه ما تقدم، أنه لو أمنع العرض من كل وجه منع اختلاف الوصف، ولا قائل به.
وإذا قلنا بهذا القول: فهل يجبر على القبول إذا كان المأتي به أجود؟ فيه وجهان؛ أشهرهما: وهو المنصوص في "الأم" (^٤) في باب اختلاف المتبايعين بالسلف إذا رآه المسلف أنه لا يجبر لاختلاف الأغراض، وهي طريقة القاضي أبي الطيب.
والمصنف هنا، وابن الصباغ الخلاف عندهم في الجواز لا في الوجوب.
والثاني: يجب وفاءً بتنزيله منزلة الوصف، وهو الصحيح عند الشيخ أبي حامد فيما حكاه بعضهم، ووقفت عليه في "التعليقة" التي بخط سليم، وكلام المصنف في "التنبيه" (^٥) موافق له، والخلاف عندهم في الوجوب لا في الجواز.
وقال إسماعيل الحضرمي: إن في "مختصر" صاحب الكتاب الوجهين في
_________________
(١) الحاوي (٥/ ٤١٥).
(٢) بحر المذهب (٥/ ٦٦).
(٣) التنبيه (ص: ٩١).
(٤) الأم (٣/ ١٠١).
(٥) التنبيه (ص: ٩١).
[ ١ / ٥٦٢ ]
الجواز واللزوم؛ أحدهما: يجوز ويلزم.
والثاني: لا يجوز ولا يلزم.
قلت: وهكذا يقتضيه إيراد المحاملي في "المجموع"، وعلى هذا يكون في المسألة ثلاث طرق، وهذا كله إذا كان النوع المأتي به أجود، أما إذا لم يكن أجود فلا يجب قولًا واحدًا (^١)، وفي الجواز الخلاف، واختلفوا في التفاوت بين العبد التركي والهندي، هل هو تفاوت جنس أو تفاوت نوع، والصحيح الثاني، وهل التفاوت بين الرطب والتمر وبين ما يسقى بماء السماء وما يسقى بغيره تفاوت نوع أو صفة، والصحيح الأول.
والذي يظهر أنا وإن قلنا: بجواز قبوله عن التمر لا يجبر على قبوله، وإن كان أجود من حيث القيمة؛ لأنه قد يكون له عرض صحيح في التمر، وقد تقدم أن الإجبار على قبول الأجود في اختلاف الوصف مشروطًا بذلك، وهو حقيقة الأجود على الإطلاق، وصورة قبول الرطب عن التمر حيث يجوز أن يكون قد أسلم في التمر بالوزن؛ فإن الرطب موزون، فلو أسلم في تمر كيلًا لم يمكنه قبول الرطب وزنًا لعدم المعيار، ولا كيلًا؛ لأنه ليس بمكيل.
والجاموس مع البقر نوعان؛ ففي جواز قبوله وجهان حكاهما في "البحر" (^٢)، وكذلك الحمار الوحشي مع الأهلي، قال في "البحر": "إن قلنا: لا يجوز في الجاموس فهاهنا أولى، وإن قلنا: يجوز في الجاموس فهنا وجهان" (^٣)، وحكى فيما "إذا وقع عن الغنم متولدًا بين الظباء والغنم ثلاثة أوجه؛ أحدها: يجوز.
_________________
(١) في المخطوطة: "فواحدًا"، ولعل الصواب ما أثبتناه.
(٢) بحر المذهب (٥/ ١٨٠).
(٣) المصدر السابق.
[ ١ / ٥٦٣ ]
والثاني: لا يجوز.
والثالث: إن كانت الأم غنمًا جاز، وإلا فلا" (^١)، والظاهر أن هذين الفرعين على قولنا بجواز إعطاء النوع عن النوع.
واعلم أن الشافعي قال في "الأم": "وإنما يجوز أن يعطيه من ذلك النصف بعينه" (^٢)، وظاهر هذا أنه لا يجوز أن يأخذ نوعًا عن نوع آخر، لكنه قال في بقية الكلام: "وقد قيل: إنه لو أسلفه في عجوة، فأراد أن يعطيه صيحانيًّا مكان العجوة لم يجز؛ لأن هذا بيع العجوة بالصيجاني قبل أن يقبض" (^٣)، وهذا الكلام يقتضي أن في أخذ النوع عن النوع قولين، وأن أرجحهما الجواز، ويكون (^٤).
وقال في باب اختلاف المتبايعين بالسلف: "أنه إن فارق [الاسم] (^٥) أو الجنس لم يجُبر عليه، وكان [مخيرًا في تركه وقبضه] (^٦) " (^٧)، ومراد الشافعي بالجنس: النوع فإنه قال بعد ذلك وبيان هذا أنه لو أسلفه في عجوة فأعطاه برديًّا وهو خير منها أضعافًا، لم أجبره على أخذه؛ لأنه غير الجنس الذي سلفه فيه، قد يريد العجوة؛ لأنه لا يصلح له البردي فيه، دل في هذا على أن أخذه النوع عن النوع يجوز ولا يجب.
_________________
(١) انظر: مصدره السابق.
(٢) الأم (٣/ ٣٧).
(٣) انظر مصدره السابق.
(٤) بياض بالأصل يزيد على نصف السطر، وكتب مقابله بالهامش ما نصه: "تعذر كتابة غيرها بالهامش".
(٥) ما بين المعقوفتين بياض بالأصل، وأثبتناه من الأم للشافعي.
(٦) ما بين المعقوفتين بياض بالأصل، وأثبتناه من الأم للشافعي.
(٧) الأم للشافعي (٣/ ١٣٧).
[ ١ / ٥٦٤ ]
فرع
أسلم في قمح فأعطاه دقيقًا، أو سويقًا، لم يجز، نص عليه في "الأم" (^١)، وعلله بأن الوجهين أحدهما: أنه غيره.
والثاني: أنه إن قيل: هو صنف واحد فقد أخذ مجهولًا عن معلوم؛ لأنه إذا أخذ مد دقيق عن مد قمح، فقد يكون مد القمح يأتي مدًّا أو ثلثًا من الدقيق.
قلت: وهذا يؤيد أن أخذ الرطب عن التمر: لا يجوز، وممن جزم بأن الدقيق لا يجوز أخذه عن الحنطة البغوي (^٢).
* * *
_________________
(١) الأم (٣/ ١٣٢).
(٢) التهذيب (٣/ ٣٥٠).
[ ١ / ٥٦٥ ]
قال:
وإن اتفق أن يكون رأس المال على صفة المسلم فيه؛ فأحضر ثوبًا على صفة رأس المال ففيه وجهان، أحدهما: لا يجوز قبوله؛ لأنه يصير الثمن هو المثمن، والعقد يقتضي أن يكون الثمن غير المثمن.
والثاني: أنه يجوز؛ لأن الثمن هو الذي سلم إليه، والمثمن هو: الموصوف [في الذمة، وما يدفعه إليه يدفعه عما في ذمته فلا يكون الثمن هو المثمن] (^١).
الوجهان حكاهما المصنف مطلقًا في الجواز، والشاشي كذلك في أنه هل يلزم قبوله أو لا؟ فيكون الخلاف في الجواز واللزوم وهما أيضًا في كلام الماوردي، وابن الصباغ، والرافعي (^٢) وغيرهم، فيما إذا أسلم جارية في جارية فرد الجارية التي هي رأس المال عن المسلم فيها، وهي بصفتها إذا قلنا: يجوز إسلام جارية في جارية، وهو الأصح.
وعن أبي إسحاق: أنه لا يجوز، وقد ذكره المصنف في باب القرض، وسيأتي إن شاء الله، وكلام المصنف والشاشي وإن كان عامًّا: لكنه في تسليم ذلك عن رأس المال، ولم يتعرضا لامتناع السلم، بل كِلَاهما يشعر بصحته، وأن الخلاف إنما هو في وفائه عنه، وقد ذكر الروياني في إسلام الثوب في الثوب ثلاثة أوجه:
"أحدها: لا يجوز حتى يتفاوتا في بعض الأوصاف.
والثاني: يجوز؛ وإطلاق العقد يقتضي ثوبًا آخر، فإذا أتى بذلك لا
_________________
(١) غير موجوة في المطبوع من المهذب.
(٢) فتح العزيز (٩/ ٢٨٠).
[ ١ / ٥٦٦ ]
يلزمه، فإن قبله كان تقايلًا واسترجاعًا.
والثالث: يجوز، ويجب قبوله إذا أتى به. قال: وهو ظاهر المذهب" (^١)، والجرجاني مع موافقته لأبي إسحاق قال: إنه إذا قلنا بالجواز فالأصح جواز القبول فلو قبله وأراد المقايلة بعد ذلك فوجهان في "البحر": "أحدهما: المنع؛ لأنه يؤدي إلى أن يصير الثوب عوضًا ومعوضًا في حالة الإقالة.
والثاني: الجواز يتقايلان على القيمة كما لو هلك رأس المال" (^٢).
واعلم أن في كلام المصنف مشاححة؛ لأن المقصود أن الذي يحضره عن المسلم فيه هو رأس المال بعينه.
وقوله: "أحضر ثوبًا على صفة رأس المال" يقتضي أنه غيره.
* * *
_________________
(١) بحر المذهب (٥/ ١٨٣ - ١٨٤).
(٢) نفس المصدر (٥/ ١٨٤). بتصرف.
[ ١ / ٥٦٧ ]
قال:
وإن أسلم [إليه] (^١) إلى محل فأحضر المسلم فيه قبله، أو شرط أن يسلم إليه في مكان فأحضر المسلم فيه في غير ذلك المكان؛ فامتنع المسلم من أخذه نظرت؛ فإن كان له غرض صحيح في الامتناع من أخذه؛ بأن يلزمه في حفظه مؤنة أو عليه في حمله مشقة، أو يخاف عليه أن يهلك أو يؤخذ لم يلزمه أخذه، وإن لم يكن غرض صحيح في الامتناع لزمه أخذه.
فإن لم يأخذ [يأخذه] (^٢) رفع إلى الحاكم ليأخذه عنه، والدليل عليه ما روي [أن] (^٣) أنسًا ﵁ كاتب [عبدًا له] (^٤) على مال إلى أجل فجاءه بمال قبل الأجل فأبى أن يأخذه؛ فأتى عمر ﵁ فأخذه منه، قال له: اذهب فقد عتقت، ولأنه زاده بالتقديم خيرًا [فلزم] (^٥) قبوله.
قصة أنس هذه ذكرها الشافعي في "الأم" (^٦) منقطعة؛ فقال: أخبر بأن أنس بن مالك وفيها: وكان في الحديث فأمره عمر بأخذها منه وأعتقه، وكذلك رواها البيهقي في "المعرفة" (^٧) من جهة الشافعي، وفي "الأم" بعد
_________________
(١) غير موجود في المطبوع من المهذب.
(٢) في المخطوطة: "يأخذ"، وما أثبتناه من المطبوع من المهذب.
(٣) سقط من المخطوطة، والصواب ما أثبتناه من المهذب (٣/ ٧٩).
(٤) في المخطوطة: "عبد الله"، وما أثبتناه من المطبوع من المهذب.
(٥) في المطبوع من المهذب: "فلزمه".
(٦) الأم (٣/ ١٤٠).
(٧) معرفة السنن والآثار (٨/ ٢١١).
[ ١ / ٥٦٨ ]
ذلك قال الشافعي: "وهو يشبه القياس" (^١)، واحتج الشافعي به لما ذكره المصنف، وسأتعرض في آخر الكلام لزيادة في الكلام عليه.
وقد قال جمهور الأصحاب: إن المسلم إليه إذا أتى بالمسلم فيه قبل المحل الزماني فإن كان المستحق له غرض في الامتناع كما ذكره المصنف.
ومن جملته أن يكون حيوانًا فيحذر من، علفه، أو أجرة رعايته، أو ثمره أو لحمًا أو نحوهما من المأكول والمشروب يريد أكله أو شربه عند المحل طريا فلا يجبر على القبول لتضرره.
فلو كان العقد في وقت نهب وأتى به في وقت نهب فهل يجبر على القبول؟ فيه وجهان في الابا (^٢) مع القطع بأنه لا يجب القبول إذا لم يكن العقد في وقت نهب.
وإطلاق المصنف يقتضي ترجيح عدم الإجبار، ولو كان غرضه في الامتناع انتظار سوق وزيادة سعر متوقع فهل ذلك عذر، أو يكون كما لو لم يكن له غرض في وجهان في "الحاوي"، وإن لم يكن له غرض في الامتناع، فإن كان للمؤدي غرض سوى براءة الذمة، كما لو كان به رهن يريد فكاكه أو ضامن يريد براءته، أو مكاتبًا يريد تعجيل النجوم ليعتق فيجبر على القبول، وقيل: يطرد القولين الاثنين في صورة الرهن والضمين.
قال الرافعي: "وهو غريب" (^٣).
ولو كان مكاتبًا يريد تعجيل النجوم ليعتق أجبر السيد قطعًا، وهل يلتحق بهذه الأعذار خوفه من انقطاع الحبس قبل المحل؟ فيه وجهان؛ أصحهما:
_________________
(١) الأم (٣/ ١٤٠).
(٢) في الأصل بياض قدر كلمة.
(٣) فتح العزيز (٩/ ٣٣٥).
[ ١ / ٥٦٩ ]
على ما ذكره النووي (^١) أنه يلتحق وبه أجاب في "الوجيز" (^٢)، لكن ابن الرفعة (^٣) رجح خلافه رعاية لجانب المستحق، وهو ضعيف؛ لأن الغرض أن لا غرض للمستحق.
وإن لم يكن للمؤدي غرض سوى البراءة فقولان؛ أصحهما: وهو الذي أورده المصنف، وبه جزم الماوردي أنه يجبر؛ لأن امتناعه بلا غرض مع قصد المؤدي براءة ذمته تعنت، لأثر عمر ﵁.
والثاني: لا؛ لأنه زيادة تبرع، وفيه منة عليه.
ومقتضى كلام الإمام (^٤) في آخر باب النهي عن بيع وسلف أنه الصحيح، وإن تقابل غرض الممتنع والمؤدي فقد حكى الإمام طريقين؛ أصحهما: أن المرعي جانب المستحق.
والثانية أنهما يتساقطان، ويجري القولان هذا الترتيب الذي أورده كافة الأصحاب، وهو موافق لما قاله المصنف.
وقال الغزالي: "إنه يراعى جانب المؤدي أولًا؛ فإن كان له غرض في التعجيل أجبر الممتنع على القبول، وإلا فإن كان له غرض في الامتناع فلا يجبر، وإلا فقولان" (^٥).
قال الرافعي ﵀: "ولا يخفى مخالفته لطريقة الجمهور؛ فإن ذكره عن تثبت فهو منفرد بما نقل، وإلا فقد التبس الأمر عليه" (^٦).
_________________
(١) روضة الطالبين (١٢/ ٢٦٠).
(٢) الوجيز (ص: ١٥٦).
(٣) كفاية النبيه (٨/ ٣٩٧).
(٤) نهاية المطلب (٥/ ٤٥٧).
(٥) الوسيط في المذهب (٣/ ٤٤٨ - ٤٤٩). بتصريف.
(٦) فتح العزيز (٩/ ٣٣٥ - ٣٣٦).
[ ١ / ٥٧٠ ]
قلت: ومحل المخالفة والتفرد فيما إذا كان للمؤدي غرض في التعجيل وكونه بدأ بمراعاة غرض المؤدي، وقال بإجبار المستحق سواء أكان له غرض أو لا، وهو فيما إذا لم يكن للمستحق غرض موافق لأكثر الأصحاب على ما تقدم، وفيما إذا كان لكل منهما غرض موافق لأحد القولين من أحد الطريقتين اللتين حكاهما الإمام (^١).
لكنه في "البسيط" صرح بأن الأصحاب قطعوا بالإجبار، ورعاية جانب المؤدي إذا كان لكل منهما غرض فيتوجه عليه ما أورده الرافعي (^٢)، ولو لم يكن إلا كلامه في "الوسيط" (^٣) و"الوجيز" (^٤)، وإطلاقه فيهما القول بذلك من غير حكاية القطع لم يتوجه عليه؛ لأنه قد يكون اختار ذلك القول، وبسببه وقعت المخالفة في الترتيب.
فخرج من هذا أنه إن انفرد غرض المستحق فلا إجبار قطعًا، وإن وجد الغرضان فكذلك على المذهب، وإن انفرد غرض المؤدي أجبر المستحق على المذهب، وإن انتفى الغرضان فقولان أصحهما الإجبار، وحكم سائر الديون المؤجلة فيما ذكرنا حكم المسلم فيه.
وأما السلم الحال فإن كان للمؤدي غرض سوى البراءة أجبر المستحق على القبول بلا خلاف ونقل ابن الرفعة في "شرح الوسيط" عن "النهاية" خلافًا فيه، وهو غلط منه، وكأنه التبس عليه، وإن لم يكن للمؤدي غرض فطريقان أصحهما: أنه يجبر على القبول، أو الإبراء.
والثانية: أنه على القولين؛ لأنه يقول: الحق لي فأؤخره إلى أن أشاء.
_________________
(١) نهاية المطلب (٦/ ٣٨).
(٢) انظر مصدره السابق.
(٣) الوسيط في المذهب (٣/ ٤٤٨ - ٤٤٩).
(٤) الوجيز (ص: ١٥٦).
[ ١ / ٥٧١ ]
والمصنف استغنى عن ذكره هذه الحالة بإطلاقه لزوم القبول فيما تقدم، والمراد به بعد المحل، وجميع ما تقدم ملخصه أن المراعي قبل المحل غرض المستحق وبعد المحل غرض المديون، وحيث ثبت الإجبار فلو أصر على الامتناع أخذه الحاكم له لقصة أنس، وهل يجب على الحاكم قبول ذلك؟ فيه وجهان حكاهما البغوي (^١) هنا، والرافعي (^٢) في كتاب الوديعة، وجه المنع أن الدين لا يخشى عليه الهلاك بخلاف المعين، وتبرأ ذمة المديون بقبض الحاكم ويكون أمانة لمستحقه في يد الحاكم أو يد من أنابه.
واعلم أن الإجبار يكون على القبول أو الإبراء، وأما الحاكم فلا ينوب عنه في الإبراء؛ لأنه لا مصلحة له فيه، وإنما ينوب عنه في القبض، هذا في المحل الزماني.
وأما المكاني إذا شرطه أو أطلق، وقلنا: يصح، ويحمل على موضع العقد؛ فأتى به في غير ذلك الموضع فحكمه حكم ما مضى في الزمان، هكذا ذكره المصنف والأصحاب، ولم يخالفهم الغزالي هنا بل وافقهم في مراعاة جانب المستحق، ويلزمه الفرق أو موافقتهم هناك.
وحيث لا نقول بالإجبار في المكان فرضي وأخذه لم يكن له تكليفه مؤنة النقل، ولو بذل له أجرة الحمل إلى ذلك الموضع لم يلزمه قبوله بل لا يجوز أخذ الأجرة عنه؛ لأنه كالاعتياض عن بعض المسلم فيه، ذكر ابن شريح، ووافقه الأصحاب.
ونقل ابن المنذر:" كراهة ذلك عن مالك، والثوري، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق.
_________________
(١) التهذيب (٣/ ٥٨٧).
(٢) فتح العزيز (٩/ ٣٣٦).
[ ١ / ٥٧٢ ]
وعن أبي ثور: أن له أخذ الكراء" (^١).
وإن جعله نائبًا عنه في حمله إلى ذلك الموضع لم يكن المسلم قابضًا له بل يفتقر إلى تسليمه إليه في الموضع المعين أو في غيره إذا رضي المسلم بذلك.
قال الأصحاب: ويجب التسليم في المكان الذي تعين إما بالعقد وإما بالشرط، فلو وجد المسلم إليه في غيره فإن كان لنقله مؤنة لم يطالب به بلا خلاف وهل يطالب بالقيمة للحيلولة؟ وجهان؛ الصحيح الذي قطع به العراقيون وصاحب "التهذيب" (^٢): لا؛ لأنه اعتياض قبل القبض.
فعلى هذا للمسلم الفسخ واسترداد رأس المال كما لو انقطع المسلم فيه، وإن لم يكن لنقله مؤنة كالدراهم والدنانير فله مطالبته به، وأشار إمام الحرمين إلى خلاف فيه، ولو ظفر المالك بالغاصب في غير مكان الغصب أو الإتلاف فهل له مطالبته بالمثل فيه؟ الأصح ليس له المطالبة إلا بالقيمة.
واعلم أن المذكور في قصة أنس في الكتاب يقتضي أن عمر أخذها، والمذكور في رواية الشافعي أن عمر أمره بأخذها، وأعتقه، وكلاهما يدل على الإجبار من حيث الجملة، وإنما الاختلاف في طريقه: هل ينوب الحاكم عنه أو يرهقه إليه؟ والجمع بينهما بما تقدم من كلام الأصحاب.
وفي لفظه ما يقتضي أن الشافعي غير جازم بروايته لقوله: "وكان في الحديث" إن كانت حرف التشبيه، وإن كانت كان الناقصة فيكون على كل تقدير المقصود بذلك الاستئناس مع القياس لما عرف من ذهبه، لكنه لم يرد في محل القولين، وهو ما إذا لم يكن لهما غرض فإن أكثر الأصحاب على القطع بالإجبار في الكتابة ونحوها كما تقدم، فاستدلال الشافعي به يقتضي
_________________
(١) الإشراف على مذاهب العلماء لابن المنذر (٦/ ١١٤). بتصريف يسير.
(٢) التهذيب (٤/ ١٦٢).
[ ١ / ٥٧٣ ]
أنه لا فرق بين أن يكون للمؤدي غرض أو لا كما هي طريقة بعض الأصحاب، ولعل الأكثرين يقولون: إنه إذا انتفى غرض المؤدي ينفرد القياس بالدلالة وهو كاف وإذا وجد انضم إلى الأثر.
وقد ذكر ابن المغلس أثرًا آخر استدل به على عدم الإجبار قبل المحل أن قومًا بالمدينة كاتبوا غلامًا لهم على أربعة آلاف نجومًا على أن يؤدي كل ألف درهم؛ فلما كتبوا الكتاب قال: هلم إلي مالكم فخذوه، قالوا: لا نأخذه إلا كما شرطنا فأتى عثمان فحكى ذلك له فأمره أن يأتي بالمال فأرسل إليهم فعرضه عليهم فأبوا أن يقبلوه إلا نجومًا فألقاه في بيت المال وقال (^١): تعالوا كل سنة فخذوا ألفا.
قلت: وعندي أن هذا اليس لأثر عمر بل موافق له في قبض عثمان له ووضعه في بيت المال، وإنما قال لهم: تعالوا كل سنة خذوا ألفًا لامتناعهم من أخذه، وبعد وصوله إلى بيت المال وحصول العتق لا يبقى غرض في إجبارهم، وقد صرح الماوردي (^٢) على قولنا بالإجبار: إنه إذا امتنع يأخذه القاضي ثم يضعه في بيت المال حتى يأخذه متى شاء.
فرع
هذا كله إذا أتى بالدين من هو عليه من أصيل أو ضامن بالإذن أو بدونه، أما الأجنبي إذا تبرع بأدائه فإن كان عن حي لم يجب القبول، وإن كان عن ميت، فإن كان الوارث وجب القبول؛ لأنه يخلص التركة لنفسه، وإن تبرع غير الوارث ففيه تردد جواب للقاضي حسين.
وقد نقل الشافعي في "الأم" عدم الخلاف في الوجوب إذا كان الباذل هو الوارث، واستدل بذلك على الوجوب في أصل المسألة لكن لم يفصل
_________________
(١) في المخطوطة: "قالوا"، ولعل الصواب ما أثبتناه.
(٢) الحاوي الكبير (٥/ ٣٠٦).
[ ١ / ٥٧٤ ]
الشافعي بين أن يكون إعطاء الدين من التركة أو من جهة الوارث تبرعًا.