أثنى العلماء على الإمام النووي بما هو أهله، وخلعوا عليه أوصاف
_________________
(١) "المنهل العذب الروي"، السخاوي (ص: ١٩ - ٢٤) بتصرف يسير.
(٢) "منهاج الطالبين وعمدة المفتين" للإمام النووي، (ص: ١٢ - ١٨).
[ ١ / ١٨ ]
الإمامة والتقى؛ وهو جدير بذلك، حتى اتفق جمهور محبيه على تلقيبه بلقب محيي الدين مع كراهته لهذا اللقب.
قال عنه تلميذه النجيب الإمام علاء الدين بن العطار المتوفى سنة أربع وعشرين وسبعمائة في مقدمة كتابه الذي جعله في ترجمة شيخه: "فلما كان لشيخي وقدوتي إلى الله تعالى؛ الإمام الرباني أبي زكريا يحيى بن شرف الحزامي النواوي - تغمده الله برحمته، وأسكنه جنات النعيم، وجمع بيني وبينه في دار كرامته إنه جواد كريم - عليَّ من الحقوق المتكاثرة، ما لا أطيق إحصاءها؛ بعثني ذلك على أن أجمع كتابًا في بعض مناقبه، ومآثره، وكيفية اشتغاله، وما كان عليه من الصبر على خشونة العيش، وضيق الحال، مع القدرة على التنعُّم والسعة في جميع الأحوال، على عادة أئمة الحديث في ذلك؛ ليكون سببًا للترحُّم عليه، والدعاء له، وفَّقنا الله لما وفقه، ورزقنا ما رزقه" (^١).
وقال عنه أيضًا: "ذو التصانيف المفيدة، والمؤلفات الحميدة، أوحد دهرِهِ، وفريدُ عصرِه، الصوَّام، القوَّام، الزَّاهد في الدنيا، الرَّاغب في الآخرة، صاحب الأخلاق الرضيَّة، والمحاسن السنيَّة، العالم الرَّبَّاني المتَّفق على علمه وإمامته وجلالته وزهده وورعه وعبادته وصيانته في أقواله وأفعاله وحالاته، له الكرامات الطامخة، والمكرمات الواضحة، والمؤثرُ بنفسه وماله للمسلمين، والقائم بحقوقهم وحقوق ولاة أمورهم بالنُّصح والدُّعاء في العالمين، وكان كثير التلاوة والذكر لله تعالى" (^٢).
وقال عنه الحافظ السخاوي: "شيخ الإسلام، وإمام الأئمة الأعلام، قطب الأولياء الكرام، ونادرة الزهاد الوافر في روعة السهام، المجتهد في
_________________
(١) "تحفة الطالبين في ترجمة الإمام محيي الدين"، للإمام علاء الدين بن العطار، (ص: ٣٧).
(٢) المصدر السابق، (ص: ٤٠).
[ ١ / ١٩ ]
الصيام والقيام، والقائم بخدمة الملكِ العلَّام" (^١).
وقال عنه التاج السبكي: "شيخ الإسلام أستاذ المتأخرين وحجة الله على اللاحقين والداعي إلى سبيل السالفين، وكان يحيى ﵀ سيدًا وحصورًا، وليثًا على النفس هصورًا، وزاهدًا لم يبال بخراب الدنيا، إذ صيَّر دينه ربعًا معمورًا، له الزهد والقناعة، ومتابعة السالفين من أهل السنة والجماعة، والمصابرة على أنواع الخير لا يصرف ساعة في غير طاعة، هذا مع التفنُّن في أصناف العلوم فقهًا، ومتون أحاديث وأسماء رجال، ولغةً وتصوفًا وغير ذلك.
وأنا إذا أردت أن أُجْمِل تفاصيل فضله، وأدل الخلق على مبلغ مقداره بمختصر القول وفَصْله، لم أزد على بيتين أنشدنيهما من لفظه لنفسه الشيخ الإمام وكان من حديثهما أنه (أعني الوالد ﵀) لما سكن في قاعة دار الحديث الأشرفية في سنة اثنتين وأربعين وسبعمائة كان يخرج في الليل إلى إيوانها ليتهجد تجاه الأثر الشريف، ويمرغ وجهه على البساط وهذا البساط من زمان الأشرف الواقف وعليه اسمه، وكان النووي يجلس عليه وقت الدرس فأنشدني الوالد لنفسه:
وفي دار الحديث لطيف معنى … على بسط لها أصبو وآوي
نسى أني أمسُّ بحرِّ وجهي … مكانًا مسه قدم النواوي" (^٢)
ووصفه الزركلي بأنه: "علَّامة بالفقه والحديث" (^٣). ووصفه الحافظ ابن كثير بأنه "النبيل، محرِّر المذهب ومهذبه وضابطه ومرتِّبه، أحد العُبَّاد
_________________
(١) "المنهل العذب الروي"، (ص: ٩).
(٢) "طبقات الشافعية الكبرى"، لتاج الدين السبكي (٨/ ٣٩٦).
(٣) "الأعلام"، للزركلي (٨/ ١٤٩).
[ ١ / ٢٠ ]
والعلماء الزهاد" (^١). وقال عنه السيوطي: "محرر المذهب ومهذبه، ومحققه ومرتبه، إمام أهل عصره علمًا وعبادة، وسيد أوانه ورعًا وسيادة، العَلَمُ الفرد، فدونه واسطة الدر والجوهر، السراج الوهاج، فعنده يخفى الكوكب الأزهر، عابد العلماء وعالم العباد، وزاهد المحققين ومحقق الزهاد، لم تسمع بعد التابعين بمثله أذن، ولم ترَ ما يُدانيه عين، وجمع له في العلم والعبادة محكم النوعين، راقب الله في سره وجهره، ولم يبرح طرفة عين عن امتثال أمره، ولم يضيع من عمره ساعة في غير طاعة مولاه، إلى أن صار قطب عصره، وحوى من الفضل ما حواه، وبلغ ما نواه، فتشرفت به نواه، ولم يُلْفَ له ما ناواه:
وإذا الفتى لله أخلص سره … فعليه منه رداء طيبٌ يظهر
وإذا الفتى جعل الإله مراده … فلذكره عَرْفٌ ذكيٌّ ينشر
أثنى عليه الموافق والمخالف، وقبل كلامه النائي والآلف، وشاع ثناؤه الحسن بين المذاهب، ونشرت له راية مجدٍ تخفق في المشارق والمغارب، مَنْ سلك منهاجه أيقن بروضة قطوفها دانية، ومن تتبع آثاره فهو مع الصالحين في رياض عيونها جارية، ومن لزم أذكاره ومهذب أخلاقه فالخير فيه مجموع، ومن استقى من بحره ظفر بأروى وأصفى ينبوع، فبه ثبت الله أركان المذهب، والقواعد، وبيَّن مهمات الشرع والمقاصد، فطابت منه المصادر والموارد، وعذبت مناهله للصادر والوارد:
وليس على الله بمستنكرٍ … أن يجمع العالم في واحد" (^٢)
وغير هذا من أقوال أئمة السلف والخلف عنه.
_________________
(١) "طبقات الشافعيين"، للحافظ ابن كثير (١/ ٩١٠).
(٢) "المنهاج السوي في ترجمة الشيخ النووي"، للإمام السيوطي (ص: ١١، ١٢).
[ ١ / ٢١ ]