قال التقي السبكي: "إن بعضهم طالت رغبته إليَّ، وكثر إلحاحه عليَّ، وأنا في ذلك أقدم رِجْلًا وأؤخر أخرى، وأستهول الخَطْب، وأراه شيئًا إمْرًا، وهو في ذلك لا يقبل عذرًا، وأقول: قد يكون تعرُّضي لذلك مع قصوري عن مقام هذا الشارح إساءةً إليه، وجنايةً مني عليه، وأنَّى أنهض بما نهض به وقد أُسعف بالتأييد، وساعدته المقادير فقرَّبَتْ منه كل بعيد؟! ولا شك أن ذلك يحتاج بعد الأهلية إلى ثلاثة أشياء:
أحدها: فراغ البال واتساع الزمان، وكان ﵀ قد أوتي من ذلك الحظ الأوفى، بحيث لم يكن له شاغل عن ذلك من تَعَيُّش ولا أهل.
والثاني: جمع الكتب التي يستعان بها على النظر والاطلاع على كلام العلماء، وكان ﵀ قد حصل له من ذلك حظ وافر؛ لسهولة ذلك في بلده
_________________
(١) "المنهل العذب الروي"، السخاوي (ص: ٢٩).
(٢) "المنهل العذب الروي" (ص: ٣٠).
[ ١ / ٣٢ ]
في ذلك الوقت.
والثالث: حسن النية وكثرة الورع والزهد، والأعمال الصالحة التي أشرقت أنوارها، وكان ﵀ قد اكتال من ذلك بالمكيال الأوفى.
فمن تكون قد اجتمعت فيه هذه الخلال الثلاث، أَنَّى يُضاهيه أو يدانيه من ليست فيه واحدة منها؟!
وقد استخرت الله تعالى وقلت في نفسي: لعل ببركة صاحبه ونيته يعينني الله تعالى عليه، إنه يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم، فإن مَنَّ الله بإكماله فلا شك أنَّ ذلك من فضل الله تعالى وبركة صاحبه ونيته" (^١).