سمع الإمامُ الحديثَ من جماعة؛ منهم: الرضي بن برهان الدين، سمع عليه جميع "صحيح مسلم"، والشيخ شمس الدين بن أبي عمرو ابن الشيخ عماد الدين بن الحرستاني، وإسماعيل بن أبي اليسر، وأخذ علم الحديث من الزين خالد، وكان يقرأ عليه "الكمال" للحافظ عبد الغني، وشرح
_________________
(١) يقول السخاوي معلقًا على قصة اشتغال الإمام بالطب ما مضمونه: "فإن قيل: كيف هذا مع ما نُقل عن الشافعي أنه قال: العلم علمان، علم فقه للأديان، وعلم طب للأبدان، وزاد بعضهم عنه: وما سوى ذلك فبُلْغة مجلس، أو: وما سوى ذلك من الشعر ونحوه، فهو عناء وتعب؟ فالجواب: إن الذي مدحه الشافعي هو الطب النبوي، أو المجرد عن أصول الفلاسفة التي صرح صاحب "القانون" في أوله بابتناء الطب المورد في كتابه عليها، وأن الطبيب يتعلم ما يُبنى عليه من العلم الطبيعي؛ ولذلك اعترى الشيخ ﵀ بمجرد عزمه على الاشتغال في الكتاب المذكور ما أشار إليه، لما رزقه الله من نور البصيرة، وأبداه له بصلاح السريرة، خصوصًا وإن عنده من الطب المحمود ما يفوق الوصف. على أن أبا بكر بن طاهر سئل عن معنى قول الشافعي، فقال: عند العوامِّ أن علم الأديان: هو ظاهر الفقه، وعلم الأبدان: هو ظاهر الطب، وعند الحكماء؛ أن علم الأديان هو علم مشاهدة القلوب بالمعاملات بصنع الله وتدبيره، وهو الفقه النافع، وعلم الأبدان: هو ظاهر أوامر الله تعالى ذكره، ونواهيه في الحلال والحرام، وهو حجة الله على خلقه، وهو الطب النافع، فعلم القلوب: هو عين الإسلام وحقائقه، وعلم الأبدان: هو آداب الإسلام وشرائعه، وقد قال حرملة بن يحيى: كان الشافعي ﵀ يتلهف على ما ضيّع المسلمون من الطب، ويقول: ضيعوا ثلث العلم، ووكلوه إلى اليهود والنصارى". انظر: "المنهل العذب الروي" (ص/ ١٤).
[ ١ / ١٤ ]
"صحيح مسلم"، وأكثر "صحيح البخاري" على الشيخ أبي إسحاق بن عيسى المرادي، وعلم أصول الفقه على القاضي أبي الفتح التفليسي، وتفقَّه على الكمالين إسحاق المغربي وسلار الإربلي، والإمام شمس الدين عبد الرحمن بن نوح، وعز الدين عمر بن أسعد الإربلي (^١).
وفي الفقه: أخذ عن الإمام المتفق على علمه وزهده، وورعه وكثرة عبادته، وعِظم فضله وتميُّزه على أقرانه: أبي إبراهيم إسحاق بن أحمد بن عثمان المغربي، ثم المقدسي (^٢)، ثم الإمام العارف الزاهد، العابد الورع، المتقن، مفتي دمشق في وقته أبي محمد عبد الرحمن بن نوح بن محمد بن إبراهيم بن موسى المقدسي، ثم الدمشقي، ثم الإمام المتقن المفتي أبي حفص عمر بن أسعد بن أبي غالب الرَّبعي، الإربلي.
وفي الطريق: عن الشيخ ياسين المراكشي الماضي، فقد كان الإمام يخرج إليه ويتأدب معه ويزوره، ويرجو بركته ويستشيره في أموره.
وفي الحديث: عن الشيخ المدقق أبي إسحاق إبراهيم بن عيسى المرادي الأندلسي الشافعي قرأ عليه شرح "صحيح مسلم"، ومعظم "صحيح البخاري"، وجملة مستكثرة من "الجمع بين الصحيحين" للحميدي، وقرأ على الشيخ الحافظ الزين أبي البقاء خالد بن يوسف بن سعد النابلسي "الكمال في أسماء الرجال" للحافظ عبد الغني المقدسي، وعلق عليه حواشيَ، وضبط عنه أشياء حسنة، ولازم الإمام المحدث الكبير الضياء بن تمام الحنفي في سماع الحديث وما يتعلق به، وأخذ عن جماعة من أصحاب الحافظ أبي عمرو بن الصلاح كتاب "علوم الحديث" له.
_________________
(١) "طبقات الشافعيين"، للحافظ ابن كثير، (١/ ٩١١).
(٢) قال الحافظ السخاوي: وكان معظم انتفاعه في الفقه منه، انظر: "المنهل العذب الروي"، (ص: ١٥).
[ ١ / ١٥ ]
وفي اللغة والنحو والصرف: قرأ على الفخر المالكي "اللُّمع" لابن جنّي، وعلى الشيخ أبي العباس أحمد بن سالم المصري النحوي اللغوي التصريف "إصلاح المنطق" لابن السِّكِّيت بحثًا، وكذا كتابًا في التصريف، وقرأ على العلامة الجمال أبي عبد الله محمد بن عبد الله بن مالك الجيَّاني، كتابًا من تصانيفه، وعلق عليه شيئًا.
وفي أصول الفقه: قرأ على العلامة القاضي أبي الفتح عمر بن بُندار بن عمر بن علي التفليسي الشافعي "المنتخب" للفخر الرازي، وقطعة من "المستصفى" للغزالي، وقرأ أكثر "مختصر ابن الحاجب" الأصلي، على قاضي قضاة دمشق العز أبي المفاخر محمد بن عبد القادر بن عبد الخالق بن الصائغ.
وفي الحديث أيضًا: سمع على أبي إسحاق إبراهيم بن علي بن أحمد بن فضل الواسطي، وأبي العباس أحمد بن عبد الدائم المقدسي، وأبي محمد إسماعيل بن إبراهيم بن أبي اليسر التنوخي، وأبي البقاء خالد النابلسي، والضياء بن تمام الحنفي الماضي، وأبي محمد عبد الرحمن بن سالم بن يحيى الأنباري، والشمس أبي الفرج عبد الرحمن ابن الشيخ أبي عمر محمد ابن أحمد بن قدامة المقدسي - وهو أجلُّ شيوخه - وشيخ الشيوخ الشرف أبي محمد عبد العزيز بن أبي عبد الله محمد بن عبد المحسن الأنصاري، والقاضي عماد الدين أبي الفضائل عبد الكريم بن عبد الصمد بن الحرستاني خطيب دمشق، وأبي الفضل محمد بن محمد بن محمد البكري الحافظ، وأبي زكريا يحيى بن أبي الفتح الحرَّاني الصيرفي، وغيرهم (١).
_________________
(١) "المنهل العذب الروي" السخاوي (ص: ١٥ - ١٩) بتصرف يسير.
[ ١ / ١٦ ]