نقل ابن الرفعة في "الكفاية" (^٢) قول الاكتفاء بيميني النفي وجعله المخرج من مسألة الدار، والقول الذي يجمع بين النفي والإثبات بيمينين وجعلهما وجهين، ثم عند تصنيفه "شرح الوسيط" كتب على حاشية "الكفاية": أن الوجه الثاني هو الأول المخرج من مسألة الدار، وأنت إذا وقفت على ما كتبناه علمت أنه ليس هو الأول، ولا الأول مخرجًا من مسألة الدار، بل الثاني هو المخرج، والأول وجه الشيخ أبي محمد مفرع عليه، ثم بعد نقل الوجهين فيما إذا حلفا على النفي، وقال أصحهما، وبه قال الشيخ أبو محمد: إنه يكفي (^٣)؛ فأوهم في إطلاق هذا الكلام، وهو أخذه من الرافعي (^٤)، لكن الرافعي ذكره تفريعًا على تعدد اليمين. وابن الرفعة أطلقه، فوهم.
ثم قال: وهذا يظهر أنه عنى القول المخرج إلا أن يقال: أنه لا ينفسخ
_________________
(١) لم يكتب الثالث.
(٢) كفاية النبيه (٩/ ٢٩٤).
(٣) كفاية النبيه (٩/ ٢٩٧ - ٢٩٨).
(٤) فتح العزيز (٩/ ١٨٣).
[ ١ / ١٠٣ ]
على ذلك القول، وهذا الذي قاله استمرار على الوهم والصواب ما تقدم.
فرع
قال صاحب "التتمة" (^١) في مسألة الدار: إذا قلنا: يجمع بين النفي والإثبات، فأيهما حلف ونكل الآخر قضينا بجملة الدار للحالف، أما إذا قلنا: يحلف على مجرد النفي فيبتدئ أحدهما بالدعوى، ويحلف المنكر على النفي، فإن حلف سلَّم له النصف الذي في يده، ثم يدعي الحالف النصف الآخر، فإن حلف بقيت الدار بينهما، وإن نكل ترد الدار على الذي حلف، ويحلف على الإثبات، ويستحق جميع الدار، وأما إن نكل الأول ترد اليمين على المدعي، ويحلف على الإثبات، ويُقضى له بالنصف الذي في يد صاحبه، ثم يدعي الناكل الذي في يده، فإن حلف سُلّمت له جملة الدار، وإن نكل ترد اليمين على المدعي فيحلف، وتجعل الدار بينهما نصفين.
قلت: وهذا يقتضي تعدد الخصومة، والأصحاب، وإن خرجوا من مسألة الدار إلى مسألة البيع تعدد اليمين، فكلام الإمام (^٢) يقتضي أنهم لم يقولوا بذلك في تعدد الخصومة، بل هي خصومة واحدة، ولذلك صح الفرق بين المسألتين كما تقدم.
فرع
قال الجُورِي: إذا بدأ بالبائع فحلف، ثم نكل المشتري، ففي إعادة اليمين على البائع قولان:
أحدهما: يعاد عليه؛ لأنه مدعى عليه، فإذا أحلفناه على ما ادعي عليه، ثم نكل صاحبه أعيدت اليمين عليه.
_________________
(١) صاحب التتمة: أبو سعد المتولي، عبد الرحمن بن مأمون، ت: (٤٧٨ هـ).
(٢) نهاية المطلب (٥/ ٣٥٠).
[ ١ / ١٠٤ ]
والقول الثاني: لا يعاد عليه، ويقع الاستحقاق بنفس النكول؛ لأنه إذا حلف فإنما يختلف على ما يدعيه.
فإذا نكل صاحبه؛ عُلِم صدق قوله؛ قلت: إن كان مراده إذا حلف اليمين الجامعة بين النفي والإثبات على المذهب، فالقول بإعادتها إذا نكل المشتري غريب.
والمعروف أنه إذا نكل المشتري والحالة هذه قُضِيَ للبائع، كما ذكره المصنف، وهذا الاحتمال هو المفهوم من كلام الجُورِي، وإن كان المراد يمين النفي فقط؛ تفريعًا على القول المخرج، فالقول بعدم تحليف البائع بعد نكول المشتري غريب أيضًا، والمعروف أنه لا بد من حلفه على الإثبات، لكن ذلك لا يُسَمَّى إعادة؛ لأنها ليست اليمين الأولى، ويبعد الحمل على هذا قول الجُورِي؛ لأنه إذا حلف، فإنما يحلف على ما يدعيه، فدل على أنه حلف على الإثبات.
ويحتمل: أن يكون المراد أنه إذا حلف على النفي والإثبات معًا، فعلى قول الاكتفاء بها لا يحتاج بعد نكول المشتري إلى يمين أخرى، وعلى القول المخرج يحتاج إلى إعادة اليمين على الإثبات.
ونكول مراد الجُورِي بالقولين هذا وحينئذ هما القولان في تعدد اليمين واتحادها، ولا يكون خارجًا عما قاله الأصحاب، لكنْ فيه تكلف.
وفيه أيضًا: أنَّا إذا قلنا باليمين الواحدة الجامعة بين النفي والإثبات لا يكتفي باليمينين، وهو خلاف ما قدمت أنه الظاهر من كلامهم غير الماوردي (^١).
* * *
_________________
(١) الحاوي الكبير (٥/ ٣٠١، ٣٠٢).
[ ١ / ١٠٥ ]
قال المصنف ﵀:
فصْل